29 تموز/يوليو 2008

الحرية الدينية في أميركا مدينة لوثيقة إصلاح جذري صاغها سكان المستعمرات الأميركية

احتجاج فلاشينغ في العام 1657 حض على التسامح الديني وبشر بالحقوق الدينية الحديثة

 
صورة أكبر
احتجاج فلاشينغ في مدينة نيويورك حيث طالب سكان المستعمرات الأميركية الإنجليز في العام 1657 بالتسامح الديني.

من جودي آييتا، المراسلة الخاصة لموقع أميركا دوت غوف

بداية النص

نيويورك، 29 تموز/يوليو، 2008- تركت السنون بصماتها على الوثيقة القديمة الهشة الموضوعة الآن في صندوق زجاجي لصيانتها، فبهت لون الحبر الذي دونت به عباراتها الثورية البليغة حتى أصبحت تكاد لا تُرى في حين ظهرت آثار حريق سطحية على صفحاتها. ولكن مبدأ الحرية الدينية الذي نادت به وعملت في سبيله مجموعة صغيرة من المستوطنين الإنجليز في ما يعرف باسم وثيقة "احتجاج فلاشينغ" (Flushing Remostrance) ما زال قائماً ومعمولاً به رغم مرور القرون.

وفلاشينغ هو حي سكني في كوينز، أحد الأقسام الإدارية الخمسة التي تتألف منها مدينة نيويورك، ويقع على مسافة حوالى 16 كيلومتراً إلى الشرق من منهاتن.

وقد أُرخت وثيقة احتجاج فلاشينغ بتاريخ 27 كانون الأول/ديسمبر، 1657، مما يجعلها أقدم وثيقة معروفة في أميركا تحث على الحرية الدينية. وقد استخدمت مجموعة من سكان فلاشينغ تلك العريضة لمناشدة حاكم نيويورك، التي كانت مستعمرة نيو آمستردام الهولندية، على دعم حرية الضمير والسماح بالتعددية الدينية. ويعتبر المؤرخون هذه العريضة الأصل الذي بشر بضمان الحرية الدينية في الدستور الأميركي.

وقد عرضت الوثيقة، وهو أمر نادر الحدوث، في مكتبة كوينز العامة أولاً ثم في متحف كوينز للفنون من كانون الأول/ديسمبر، 2007 حتى حزيران/يونيو 2008، بمناسبة مرور 350 سنة على صياغتها. وقد ظلت طوال تلك السنين، مثلها في ذلك مثل 12 ألف صفحة من الوثائق الهولندية الأصلية، في رعاية الحكومات التي تعاقبت على نيويورك، الهولندية والإنجليزية ثم الأميركية. والوثيقة المعروضة هي في الواقع نسخة تعود إلى العام 1657، نسخها موثق عام لضمها إلى سجل محضر رسمي لوقائع إحدى جلسات المجلس الاستعماري لنيو آمستردام. وقد سفع صفحاتها حريق شب في أرشيف مدينة أولباني. وقد اختفت العريضة الأصلية تماما.

* تقليد الحرية الدينية

منحت البراءة الصادرة عن شركة الهند الغربية الهولندية، في العام 1645، بإنشاء فلاشينغ في مستعمرة نيو آمستردام، الحرية الدينية أو "حق حيازة والتمتع بحرية الضمير، حسب العرف والعادة في هولندا بدون أي مضايقة أو إزعاج من أي حاكم أو أي مسؤول إكليركي (كنسي) آخر."

وعلى الرغم من ذلك، رفض حاكم المستعمرة بيتر ستايفسنت، لدى وصوله في العام 1647، السماح بالانتماء إلى أي كنيسة غير الكنيسة الكالفينية (طائفة بروتستانتية) التي كان ينتمي إليها. ورغم أن ستايفسنت اضطهد أتباع الديانات الأخرى كاليهود والبروتستانت من أتباع الكنيسة اللوثرية، إلا أن طائفة الكويكرز (البروتستانتية) المعروفة أيضاً باسم طائفة الفريندز كانت الأشد تعرضاً لاضطهاده، حتى أنه أصدر مرسوماً يحظر على أي مقيم في المستعمرة استقبال عضو من أعضاء طائفة الكويكرز أو السماح للطائفة بعقد اجتماع في منزله/منزلها. وعندما قام ستايفسنت بنفي أحد الشخصيات المحترمة في البلدة، هنري تاونسند، لسماحه للكويكرز بعقد اجتماع في منزله، دفع ذلك سكان بلدة فلاشينغ إلى الدفاع عن الشِرعة التي تأسست بلدتهم بناء عليها.

وقد كتب إدوارد هارت، أمين سجلات البلدة المثقف، الوثيقة التي وقعها توبياس فيك، العمدة، و29 شخصاً آخر من سكان البلدة. ورفع فيك العريضة إلى ستايفسنت.

وأشار كنث جاكسون، أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا، في مقال كتبه في صحيفة النيويورك تايمز بمناسبة الذكرى السنوية الـ350 للوثيقة، إلى أن وثيقة احتجاج فلاشينغ جديرة بالملاحظة والالتفات إليها لعدة أسباب. فقد هب موقعوها للدفاع عن آخرين؛ ولم يكن أي منهم من أتباع طائفة الكويكرز. وقد دعموا أقوالهم بأفعالهم، برفعهم العريضة إلى أعلى سلطة في المستعمرة.

وقال جاكسون علاوة على ذلك أن "لغة الوثيقة، مثلها في ذلك مثل جميع الوثائق العظيمة الأخرى، لغة لا يقل جمالها عن جمال المشاعر التي تعبر عنها."

فقد خاطب فيها سكان فلاشينغ الحاكم ستايفسنت بالقول، "نحن لا نستطيع من جانبنا شجبهم (أي شجب الكويكرز) في هذه الحالة، كما أننا لا نستطيع رفع أيدينا ضدهم."

وأضافوا: "ولذا فإننا لا نبغي في هذه الحالة إصدار أحكام عليهم لئلا يتم إصدار حكم (إلهي) ضدنا (يوم الدينونة)، ولا إدانتهم لئلا تتم إدانتنا (يوم الحساب)، بل نريد أن يكون كل شخص مسؤولاً أمام ربه الذي يحاسبه."

صورة أكبر
في العام 1662، سمح جون باون للكويكرز بالاجتماع في بيته ما أغضب الحاكم الهولندي في فترة الاستعمار، فسُجن باون ثم نفي من فلاشينغ
في العام 1662، سمح جون باون للكويكرز بالاجتماع في بيته ما أغضب الحاكم الهولندي في فترة الاستعمار، فسُجن باون ثم نفي من فلاشينغ.

وذكر سكان المستعمرة "اليهود والأتراك والمصريين... وأتباع الكنائس المشيخية والمعمدانية والكويكرز والمستقلين،" مضيفين أنهم يريدون "معاملة جميع الناس كما نريد أن يعاملونا، وهو ناموس الكنيسة والدولة الحقيقي."

ومضت العريضة إلى القول: "وعليه، فإنْ قصدَنا أي من هؤلاء الأشخاص المذكورين بمحبة، فإن ضميرنا لا يسمح لنا برفع اليد ضده، وإنما بمنحه حرية الدخول والخروج، إلى ومن، بلدتنا وبيوتنا، كما يملي الخالق على ضمائرنا، لأن القانون الإلهي والبشري يحتم علينا معاملة كل شخص بالمعروف وعدم إيذاء أي شخص."

وقد رفض ستايفسنت الذي أغضبته العريضة التماسهم، وطالب الموقعين عليها بالاعتراف بالخطأ والتخلي عن موقفهم علنا، وفرض غرامات وسجن هارت وفيك. ورغم توسلات الكثيرين بمن فيهم شقيقته والهنود المحليون (السكان الأصليون)، فرض ستايفسنت عقوبات قاست منها البلدة بأكملها، واستبدل حكومتها بحكومة عين أعضاءها بنفسه.

وفي العام 1662، سمح مزارع شاب يدعى جون باون، كان قد تزوج من فتاة من طائفة الكويكرز، للفريندز بالاجتماع في منزله. فتم القبض عليه وفرض عليه دفع غرامة وسجن ثم تم نفيه من المستعمرة. وتوجه باون إلى هولندا حاملاً معه عريضة "احتجاج فلاشينغ" ورفع قضيته لشركة الهند الغربية الهولندية. وقد دعمت الشركة باون وأبلغت ستايفسنت في العام 1663 أنه يتعين احترام الحرية الدينية. وقالت الشركة: "يجب أن يبقى ضمير الإنسان على الأقل حراً غير مقيد."

* تراث دائم

قال ر. سكوت هانسون، وهو مساعد أستاذ زائر للتاريخ في جامعة بنغهامتون التابعة لولاية نيويورك، في مقابلة، إن عريضة الاحتجاج كانت "وثيقة محلية جدا،" ولكنها لعبت دوراً مهماً جداً في تاريخ المستعمرات الأميركية. وأضاف أنها، رغم أنه يتم إغفالها في الكثير من الأحيان، "جديرة بالملاحظة، وما زالت أقدم وثيقة تنص على هذه المبادئ في الفترة التي كانت فيها الولايات الأميركية مستعمرات."

ومضى إلى القول: "لقد ناصرت هذه الفكرة ودافعت عنها مجموعةُ من المواطنين العاديين. ويعتبرها المؤرخون مناشدة رائدة، بليغة جداً وتسوق الحجج بتفصيل تام."

وقد منحت كل من رود آيلاند وبنسلفانيا سكانها الحرية الدينية بعد وثيقة الاحتجاج. وفي العام 1683، كفلت "شرعة الحريات"، التي أقامت حكومة استعمارية في نيويورك، الحرية الدينية، كما كفلها دستور نيويورك في العام 1777.

وقال هانسون إنه من غير الواضح ما إذا كانت عريضة الاحتجاج نفسها قد أثرت حقاً على ولايات أخرى وعلى دستور الولايات المتحدة.

وأوضح أنه في حين يرى بعض المؤرخين أن هناك صلة بينها وبين الدستور، إلا أنه لا يوجد أي برهان تاريخي يثبت أن جيمز ماديسون، الذي صاغ وثيقة الحقوق، (أي التعديلات العشرة الأولى على الدستور)، أو توماس جفرسون، الذي صاغ قانون فرجينيا للحرية الدينية (1779) وإعلان الاستقلال، كانا قد اطلعا على وثيقة الاحتجاج أو سمعا بها. ولكن جفرسون علق في كتاباته على الحرية الدينية في ولايتي بنسلفانيا ونيويورك.

وقد ظلت مبادئ وثيقة الاحتجاج حية وتوسعت واستمر تطبيقها في مستوطنة فلاشينغ وفي جميع أنحاء منطقة كوينز في نيويورك. وكانت تلك المنطقة في فترة الاستعمار أكثر المناطق تعددية في أميركا، إذ كان سكانها يستخدمون أكثر من 16 لغة ويمارسون عدة ديانات، واستمرت التعددية بالازدهار فيها عبر القرون. وقال هانسون إن إحساساً متجدداً بالاعتزاز بالوثيقة ظهر بين السكان في العقد الأول من القرن العشرين.

وقد شيد الكويكرز مبنى خاصاً لاجتماعاتهم في العام 1694 ما زالوا يجتمعون فيه حتى اليوم. أما منزل باون، الذي ظلت سلالته تقيم فيه حتى تحول إلى متحف في العام 1945، فقد أُعلن "معلماً قومياً للحرية الدينية." وأصبح بيت المزارع يتقاسم الشارع الذي يقع فيه الآن مع 10 أماكن عبادة مختلفة أخرى.

ويقول مكتب الإحصاء السكاني الأميركي إن منطقة كوينز هي اليوم المنطقة الأكثر تعددية إثنية في جميع أنحاء الولايات المتحدة. ويوجد في فلاشينغ نفسها أكثر من 200 مكان للعبادة، من كنائس ومساجد وهياكل ومعابد للسيخ واليهود ومقرات اجتماعات للكويكرز وغير ذلك من أماكن ممارسة الشعائر الدينية، مما يشكل تراثاً ملائماً يخلفه الثلاثون شخصاً الذين وقعوا على عريضة احتجاج فلاشينغ.

ويمكن الحصول على مزيد من المعلومات عن عريضة احتجاج فلاشينغ، بما في ذلك الاطلاع على نص الوثيقة، من خلال الرجوع إلى الموقع الخاص بالذكرى السنوية الـ350 لوثيقة احتجاج فلاشينغ التابع لرئيس قسم كوينز الإداري على الشبكة العنكبوتية.

أما للحصول على مزيد من المعلومات عن التعددية الدينية في الولايات المتحدة فيرجى الرجوع إلى التعددية في ممارسة الشعائر الدينية، على موقع أميركا دوت غوف باللغة الإنجليزية.

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي