26 تموز/يوليو 2008
معرض يروي قصة العرب والمهاجرين الآخرين إلى أميركا
بداية النص
واشنطن، - أول ما كان يشاهده ملايين المهاجرين من على متن السفن البخارية لدى وصولها إلى مدينة نيويورك في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كان تمثال الحرية المنتصب على جزيرة في ميناء نيويورك. أما أول مكان كانت أقدامهم تطأه فكان جزيرة إليس القريبة منه. وقد ظل المهاجرون العرب إلى أميركا جزءاً من هذا التاريخ على امتداد أكثر من قرن.
فقد دخل الولايات المتحدة 12 مليون مهاجر عبر جزيرة إليس خلال الفترة التي استخدمت فيها كمركز هجرة، من العام 1892 إلى العام 1954. ويمكن الآن لحوالى 40 بالمئة من الأميركيين إعادة جذور عائلاتهم إلى مهاجرين مروا عبر جزيرة إليس.
وبادرت الحكومة الأميركية، إدراكاً منها لأهمية هذه الجزيرة الواقعة في ميناء نيويورك، إلى تحويلها إلى متحف الهجرة في جزيرة إليس. وقد افتُتح المتحف في عام 1990 بعروض وصور وأرشيف تاريخي وروايات شفوية للتأريخ لقصة الهجرة إلى الولايات المتحدة حسب تسلسلها الزمني.
وقد كان معظم المهاجرين الذين دخلوا البلد عبر جزيرة إليس من الأوروبيين، ولكن عدداً لا يستهان به كان من مناطق عربية تحكمها الإمبراطورية العثمانية، التي استمرت من القرن الخامس عشر حتى القرن العشرين.
وجاء في وثيقة من وثائق متحف جزيرة إليس أن 212 ألفاً و825 مهاجراً من الإمبراطورية العثمانية مروا عبر جزيرة إليس إلى الولايات المتحدة في الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير 1892 حتى حزيران/يونيو 1897 ومن 1901 حتى 1931.
وقال باري مورينو، وهو مؤرخ في متحف الهجرة، إن معظم المهاجرين العرب الأوائل إلى الولايات المتحدة، وفدوا إليها من منطقة سوريا الكبرى إبان الحكم العثماني، وهي المنطقة التي كانت تشمل ما أصبح اليوم سوريا ولبنان والأردن وإسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة. وأضاف أن معظمهم كان من العرب المسيحيين، الذين كانوا يشعرون أن السلطات العثمانية تستهدفهم بالتمييز.
وأشار مورينو إلى أن المهاجرين العرب الذين كانوا يصلون إلى عشرات الألوف وجدوا أنفسهم لدى دخولهم الولايات المتحدة في نفس الظروف الصاخبة التي وجد المهاجرون من البلدان الأخرى أنفسهم فيها. وكان مفتشو الهجرة يقومون بالتحقق من صحة المهاجرين الجدد الجسدية والعقلية لدى وصولهم ثم يسجلون دخولهم إلى الولايات المتحدة. أما الذين كانوا يخفقون في هذه الغربلة الأولية فكانوا يعادون إلى المراكب لإعادتهم إلى بلدانهم.
وقال مؤرخ الهجرة مورينو، في سياق وصفه للمهاجرين من العالم العربي، إنهم "تماماً كغيرهم من المهاجرين الآخرين، كانوا يتسمون بموهبة كبيرة. وفجأة أصبح الأولاد يعيشون في مدن وبلدات يحيط بهم فيها إيطاليون وبولنديون ويهود وعائلات مهاجرة أخرى وعائلات أميركية."
ويحتوي المتحف على صور لمهاجرين عرب لدى وصولهم إلى مركز الهجرة يبدون فيها معمّمين وملتفين بعباءات فضفاضة.
وقال مورينو إنه كان بين الموظفين الأوائل في مركز هجرة جزيرة إليس، شخص يدعى نجيب عربيلي كان يقوم بالترجمة الفورية وغير الفورية باللغتين العربية والفرنسية.
وروى مورينو أن عربيلي وصل إلى الولايات المتحدة مع عائلته في العام 1874 وعاش لفترة قصيرة في تنسي قبل العودة إلى مدينة نيويورك وبدء مسيرته المهنية الطويلة في مركز الهجرة في جزيرة إليس حيث ظل يحظى بالترقيات حتى وصل إلى مرتبة مفتش.
كما قال إن ابنة عربيلي، ماري، عملت هي أيضاً لدى وكالة الهجرة.
وأوضح مؤرخ الهجرة أن المبشرين الأميركيين لعبوا دوراً مهماً في حفز المسيحيين العرب على الهجرة إلى الولايات المتحدة.
وأشار في هذا السياق إلى أن السلطات العثمانية كانت تحظر التبشير بين المسلمين إلا أنها كانت تسمح للمبشرين بممارسة نشاطاتهم التبشيرية بين المسيحيين الشرق أوسطيين. ومضى إلى القول إنه نظراً لكون نسبة المسيحيين بين السكان كانت تصل في بعض مناطق سوريا الكبرى إلى أكثر من 50 بالمئة، وجد المبشرون دوماً مجموعة كبيرة من السكان التي يمكنهم التبشير بين ظهرانيها.
كما أشار إلى إن المبشرين المسيحيين أنشأوا مؤسسات تعليمية في الشرق الأوسط ما زالت تستقطب الطلبة في الشرق الأوسط حتى يومنا الحاضر. فقد أنشأ المبشرون التابعون للكنيسة البروتستانتية المشيخية الأميركية جامعة أميركية في بيروت وجامعة أميركية في القاهرة وقدموا المنح التعليمية للشبان المسيحيين العرب للدراسة في جامعات في الولايات المتحدة.
وقال مورينو: "كان من الصعب مقاومة إغراء ذلك. وهذه في الواقع هي الطريقة التي جاء فيها جدي إلى الولايات المتحدة في الثلاثينات من القرن العشرين- - للدراسة."
ومورينو، مثله في ذلك مثل الكثير من الأميركيين، خليط إثني؛ فأمه ابنة قبطي من مصر في حين أن والده مهاجر من كوبا.
وقد أوضح أن شركات السفن البخارية استغلت موجة الهجرة من منطقة الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة وكانت ترسل وكلاءها إلى القرى والبلدات المسيحية في سوريا الكبرى للدعاية لنفسها باللغة العربية.
وأشار أيضاً إلى أن المهاجرين الأوائل الذين كانوا يكتبون الرسائل إلى أهلهم في الوطن عن الحياة والعمل في الولايات المتحدة أوجدوا تفاعلاً متسلسلاً نشّط الهجرة.
وقال حول ذلك: "مع كتابة الناس رسائل إلى الوطن باللغة العربية يتحدثون فيها عن مغامراتهم ومنجزاتهم في الولايات المتحدة ويشجعون القرويين والناس الآخرين فيها على المجيء إليها وكسب أضخم الأجور المتوفرة هنا، أصبح الناس يفدون بأعداد متزايدة."
وتوجد في مركز تاريخ هجرة العائلات الأميركية التابع للمتحف سجلات عن المهاجرين العرب وغير العرب، بينها روايات شفوية ولوائح أسماء الركاب ووثائق رسمية أخرى.
ويمكن للزوار استخدام محطات الكمبيوتر الطرفية الموجودة في المركز لطباعة اسمهم فيها والحصول على معلومات كاسم السفينة التي وصل عليها سلفهم، وتاريخ وصوله وعمره وتفاصيل عن الأزواج والزوجات والآباء والأمهات والأطفال.
وقال مورينو إن هيئة موظفي المتحف سجلت مقابلات مع مهاجرين من مصر وسوريا ولبنان والعراق وتونس. ويتحدث المهاجرون في هذه المقابلات عن فترة إقامتهم في جزيرة إليس ورحلتهم إلى أميركا وطريقة الحياة في بلدانهم الأصلية واندماجهم في المجتمع الأميركي.
وقد انتهت موجة الهجرة العربية الأولى إلى الولايات المتحدة في العام 1924 بصدور قانون الأصل القومي، الذي حدد (كوتا) حصة نسبية صارمة للمهاجرين غير الأوروبيين إلى الولايات المتحدة.
وقال مورينو إن مئات الآلاف من المهاجرين العرب وفدوا إلى الولايات المتحدة بعد إلغاء ذلك القانون في العام 1965، وإن معظمهم مسلمون. وأوضح أن موجة المهاجرين العرب الثانية كانت في الدرجة الأولى من مصر والجزائر والمغرب والعراق وسوريا ولبنان وتونس وليبيا والمملكة العربية السعودية والأراضي الفلسطينية.
وأشار مورينو إلى أن الكثير من هؤلاء المهاجرين الجدد من العالم العربي هم أشخاص حصلوا التعليم العالي، من كتاب وأطباء وعلماء وبحاثة، ويعملون في الكثير من الأحيان في وظائف في الجامعات. أما الآخرون، الذين لا يملكون هذه المهارات، فإما يعملون سائقي سيارات أجرة أو يبيعون القهوة والصحف على أرصفة شوارع مدينة نيويورك.
وتجدر الإشارة إلى أن متحف الهجرة في جزيرة إليس يروي قصة هجرة 122 مجموعة إثنية مختلفة إلى الولايات المتحدة. وتظهر معروضات المتحف كيفية مساهمة المهاجرين العرب في جعل الولايات المتحدة الدولة الأكثر تعددية عرقية في العالم.
ويمكن الحصول على مزيد من المعلومات عن متحف الهجرة في جزيرة إليس من خلال الرجوع إلى موقع المتحف على الشبكة العنكبوتية.
نهاية النص