01 نيسان/إبريل 2008
الأميركيون يستعيدون ذكريات أيام الغضب والأمل

من المحرر مايكل فريدمان
بداية النص
واشنطن، - في الرابع من نيسان/إبريل، 1968، أودت رصاصة قاتل بحياة مارتن لوثر كنغ، مهندس حركة الحقوق المدنية السلمية الرئيسي وزعيمها في الولايات المتحدة. وكان له من العمر يومها 39 عاماً. ولكن الأطباء الذين فحصوا الجثة قالوا إن قلبه الذي أرهقه حمل هم ذلك العدد الكبير من الناس لفترة طويلة، كان قلب رجل في الستين. وقد بلغ عدد الذين لم تتسع لهم الكنيسة فوقفوا يتابعون مراسم جنازته من خارجها، حوالى مئة ألف نسمة.
وكان كنغ قد تزعم في اليوم السابق، ضمن "حملة الفقراء" التي نظمها، نشاطاً لصالح عمال جمع القمامة الذين كانوا أساساً من السود. وقد استمد الكثير من خطابه الأخير من العهد القديم، وهو الذي أمضى الجزء الأكبر من حياته في دراسة العهدين القديم والجديد من الكتاب المقدس. وقد صدق ما جاء فيه وكأنه كان يعلم ما ينتظره، إذ قال:
"لا أعرف ما الذي سيحدث الآن؛ فأمامنا أيام صعبة. ولكن الأمر لم يعد يشغلني الآن، لأنني وصلت قمة الجبل. والأمر سيان لدي. وأنا كالجميع، أود العيش حياة طويلة، وللعمر الطويل مكانه. ولكن ذلك لم يعد يشغلني الآن. وكل ما أريده هو أن أنفذ مشيئة الله. وقد أتاح لي الوصول إلى قمة الجبل. وقد أجلت بصري، وشاهدت أرض الميعاد. وقد لا أصل إلى هناك معكم. ولكنني أريد أن تدركوا الليلة أننا، كشعب، سندخل أرض الميعاد. ولذا فأنا سعيد الليلة؛ ولا أشعر بالقلق حول أي شيء؛ ولا أشعر بالخوف من أي شخص. لقد شاهدت عيناي مجد مجيء الرب."
وكان العام 1968 عام الأحداث الجسيمة والجيشان السياسي في جميع أنحاء العالم. وفي الولايات المتحدة، وبالتحديد في 5 حزيران/يونيو، اغتال قاتل آخر السناتور روبرت كندي، الذي أمن الدعم في الوقت المناسب للناشطين في حركة الحقوق المدنية إذ كان وزيراً للعدل.
* أيام خطرة
وأدى اغتيال مارتن لوثر كنغ إلى أعمال شغب في واشنطن العاصمة وفي أكثر من مئة مدينة أميركية أخرى، مهدداً بتحويل نضال الأميركيين الأفارقة السلمي إلى مجابهة عرقية عنيفة. وقد بدت الحركة، حتى قبل الحادث الأليم، وكأنها تمر بتحول كان الكثير من أقرب أعوان مارتن لوثر كنغ إليه يتابعونه بتوجس.
فبحلول شهر أيار/مايو من العام 1966، كان ستوكلي كارمايكل، الذي شارك في العديد من حملات تسجيل الناخبين، قد رسخ نفسه رئيساً جديداً للجنة تنسيق الطلبة اللاعنفية، وهي منظمة الطلبة الرئيسية في حركة الحقوق المدنية، وكانت قيادتها تشعر بنفاد صبر متزايد من استراتيجية مارتن لوثر كنغ وأعوانه التدريجية.
وقد نادى كارمايكل، في كلمة ألقاها في غرينوود، بولاية مسيسيبي، بإطلاق "القوة السوداء." وفي حين كان أمثال ثيرغود مارشال ومارتن لوثر كنغ قد سعوا إلى الدمج العنصري، سعى كارمايكل بدلاً من ذلك إلى الانفصال. وقال إن الدمج هو "حيلة غادرة للمحافظة على سيادة البيض."
وفي هذه الأثناء، قام حزب الفهود السود (الذي تعيد بعض الروايات أصل اسمه إلى شعار مصور للناخبين الأميين كان يستخدم في حملة تسجيل الناخبين في ألاباما)، الذي كان قد أسسه الناشطان هيوي نيوتن وبوبي سيل في أوكلاند، بكاليفورنيا، في شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 1966، باستخدام أعضاء مسلحين، "فهود،" لتعقب رجال الشرطة الذين كان الحزب يعتقد أنهم يستهدفون السود بشكل جائر.
وفي حين أن الحزب حظي بقدر من الشعبية لفترة قصيرة، وخاصة من خلال برامجه الموفرة للخدمات الاجتماعية، إلا أن الاشتباكات المسلحة مع الشرطة أدت إلى مقتل أو سجن أعضاء الحزب البارزين ونفّرت الكثير من الأميركيين من أساليبهم المستخدمة للعنف، وأدت إلى تجزئة حركة الفهود السود. وهكذا تلاشت الحركة تدريجاً في متاهة من الشقاق الحزبي والاتهامات المتبادلة.
ومع ذلك، خشي الكثيرون أن يؤدي اغتيال كنغ إلى ازدياد نفوذ العناصر المؤيدة لاستخدام العنف داخل الحركة. وقد أثار البعض في ذلك الوقت تساؤلات حول الرسالة التي كرس لها كنغ حياته بكاملها. ولكن "أرض الميعاد" التي وصفها كنغ كانت، من نواح كثيرة، أقرب مما بدت خلال أعمال الشغب التي شهدها شهر نيسان/إبريل في العام 1968.
* التوافق الأميركي
ستبقى التجربة الأميركية الإفريقية التاريخية فريدة دوما. ولكن تطبيق السلطات الفدرالية بشكل فعال لحق التصويت زوّد الأميركيين السود بالأدوات التي طالما استخدمها المهاجرون وغيرهم من الأقليات للسعي إلى، وتحقيق، الحلم الأميركي. ففي الولايات المتحدة، يتمتع الذين يصوتون في الانتخابات بسلطة سياسية حقيقية. وبوجود الحق في التصويت، ومع مرور الوقت، أثمرت المساواة السياسية والقانونية مكاسب للأميركيين الأفارقة من جميع شرائح المجتمع تقريبا.
فعلى سبيل المثال، كان جون لويس، أحد "ركاب الحرية" الذين سالت دماؤهم نتيجة الضرب الذي تعرضوا له على يد الغوغاء في مونتغمري، بولاية ألاباما، في العام 1961. وهو يمثل اليوم الدائرة الانتخابية الخامسة في جورجيا نائباً في الكونغرس الأميركي. وحوالى 50 نائباً تقريباً من زملائه في الكونغرس هم من الأميركيين الأفارقة، ويتمتع عدد منهم بنفوذ سياسي كبير كرؤساء لجان مهمة في الكونغرس.
أما دنيس مكنير فقد كانت في العام 1963 إحدى الصبايا اللاتي قُتلن عندما فجرت مجموعة من الناشطين المتعصبين البيض القنابل في كنيسة الشارع السادس عشر المعمدانية في برمنغهام. وفي العام 2005، تولت صديقتها كوندوليزا رايس منصبها وزيرة للخارجية.
وقد أصبحت معدلات تخرج السود من المدارس الثانوية ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في العام 1966 تقريبا، كما تقلص معدل الفقر إلى النصف تقريباً خلال نفس الفترة. ويشكل ازدياد حجم الطبقة الوسطى السوداء تطوراً اجتماعياً يلفت الانتباه على نطاق واسع، مثله في ذلك مثل الكثير من مشاريع الأعمال الناجحة والعلماء والبحاثة والأدباء والفنانين السود الكثيرين المتألقين.
ورغم أن الأميركيين ما زالوا يصارعون القضايا العرقية، إلا أن هذه القضايا تختلف بشكل أساسي عن تلك التي كان يواجهها ثيرغود مارشال ومارتن لوثر كنغ وجيل حركة الحقوق المدنية.
ولا ريب في أن حركة الحقوق المدنية أجبرت أبناء الشعب الأميركي على مجابهة التناقض بين مثلهم العليا وواقع الفصل العنصري وعدم المساواة بشكل مباشر ودون مواربة. وقد دفعت البلد، من خلال ذلك، إلى قطع شوط بعيد على الطريق إلى المساواة العرقية التامة، وهو طريق ما زال يسير فيه.
ولعل أهم مقياس للتقدم هو ظهور توافق عريض وعميق، على الأقل بين الأميركيين الأصغر سناً الذين سيشيدون مستقبل البلد، على أنه يجب تحويل تاريخ العبودية والفصل العنصري والتمييز المخجل إلى ذلك بالضبط: إلى تاريخ.
ملحوظة: تم اقتباس هذه المادة من كتاب "وأخيراً أحرار: حركة الحقوق المدنية الأميركية،" وهو كتاب سيتم نشره على موقع أميركا دوت غوف في صيف العام 2008.
طالع مقتطفات مختارة من كتاب "وأخيراً أحرار" قبل نشرها.
نهاية النص