24 أيار/مايو 2007
نجاح برنامج المساعدة الأميركي كان متوقفاً على دعم الحزبين ودول متعددة له
من فنس كرولي، المحرر في موقع يو إس إنفو
واشنطن، 23 أيار/مايو، 2007- هذا هو التقرير الثالث، والأخير، في سلسلة حول مشروع مارشال.
بداية النص
يرى المؤرخون أن الأحداث التي وقعت في أوروبا والولايات المتحدة في أواخر الأربعينات من القرن العشرين كانت استثنائية إلى حد يجعل من غير الممكن على الأرجح تكرار مشروع مارشال في مكان آخر.
ولكنهم يقولون أيضاً إن المشروع، الذي يعتبر من أعظم إنجازات السياسة الخارجية في القرن الماضي، يستحق الدراسة بوصفه نموذجا يُقتدى بها في مجال كيفية تنظيم وإدارة برنامج حكومي دولي ناجح.
وقال لاري بلاند، كبير مديري مؤسسة جورج مارشال الوقفية في لكسنغتون، بولاية فرجينيا، ومحرر أوراق مارشال، إنه "يصعب تصور نجاحها مرة أخرى."
وأوضح أن "معظم الناس يعتقدون أنها كانت برنامج إنعاش. ولكنها أذكى من ذلك بكثير."
وقد عرض المشروع، الذي اقترحه جورج مارشال في حزيران/يونيو 1947، تقديم مساعدات مالية ضخمة لأوروبا إذا ما تمكنت الحكومات الأوروبية التي مزقتها الحرب من التعاون على إنفاق أموال المساعدات بحيث تعود بالفائدة على المنطقة بأكملها. كما كان يتعين على الحكومات الأوروبية أن توافق على توفير أموال أوروبية مقابل التبرعات الأميركية.
وكان العرض سخيا. إلا أنه كانت للولايات المتحدة أيضاً مصلحة ذاتية كبيرة تجنيها منه. ذلك أن أوروبا قوية اقتصادياً لن تتطلب بعد ذلك مساعدة الولايات المتحدة، وستكون قادرة على استئناف شرائها للمنتجات الأميركية وسيمكنها الحيلولة دون اكتساح شيوعي للقارة.
وقال بلاند إنه توقف منذ فترة طويلة عن إحصاء عدد المرات التي أوصى فيها أشخاص يتصفون بحسن النية بتطبيق مشاريع مارشال جديدة لمعالجة مشكلة أو أخرى من مشاكل العالم الاقتصادية الكثيرة. وأضاف أن "التعافي" كان الكلمة الحاسمة في "برنامج التعافي الأوروبي"، وهو الاسم الرسمي لمشروع مارشال. فلم يكن هدف البرنامج هو استحداث تجارة وخبرة في مكان لم تكونا موجودتين فيه في السابق، وإنما المساعدة في إعادة أوروبا إلى مستوى ثرائها السابق. فقد كان لدى أوروبا نظام قانوني يؤدي وظيفته، وكان فيها احترام للملكية الفردية والممتلكات الشخصية، وكانت قد مرت بقرون من التطور نحو نظام حكم ديمقراطي.
وأردف: "كنا نتعامل مع أناس يعرفون كيف يقومون بالمهمة، ولديهم بالفعل قيم الطبقة المتوسطة. ولم يكن الوضع وضعاً يقتضي أن نذهب ونعلم هذه الشعوب أن تكون ديمقراطية وأن تكون رأسمالية."
ولكن بلاند وغيره يعتقدون رغم ذلك أنه يمكن لمشروع مارشال أن يكون مثالاً يُحتذى لبرنامج حكومي يدار بشكل جيد.
وقال باري ماتشادو، كاتب مقال "بحثاً عن ماض صالح للاستعمال: مشروع مارشال وإعادة التعمير بعد الحروب اليوم،" إنه "يجب ألا يتم نسيان ما حقق النجاح ذات مرة في حقبة ماضية."
ولقد كان بين العناصر الناجحة في مشروع مارشال:
* دعم الحزبين: نجحت وزارة الخارجية وحكومة (الرئيس هاري) ترومان في حشد دعم شعبي قوي للمشروع في وقت كان فيه أحد حزبين سياسيين يعارض أحدهما الآخر، يسيطر على البيت الأبيض في حين يسيطر الآخر على الكونغرس. وكان مارشال، وزير خارجية ترومان، يتمتع بالاحترام ويحظى بالإعجاب على نطاق واسع لكونه غير متحزب إذ إنه لم يقترع في الانتخابات الرئاسية.
* دعم شعبي: قام مارشال ومسؤولون أميركيون آخرون بجولات في الولايات المتحدة شرحوا فيها أهمية المشروع للمواطنين في المدن والبلدات والمناطق الريفية. وكان المطلوب من الأميركيين الذين أرهقتهم الحرب أن يدفعوا مزيداً من الضرائب وأن يشحنوا معدات زراعية إلى أوروبا، مما سيخلق نقصاً مؤقتاً داخل البلد. ولكن برنامج التحدث إلى الشعب نجح رغم ذلك في كسب تأييد أميركي كبير للمشروع بين رجال الأعمال والمزارعين والعمال.
* دعم دولي: كان يشترط على الدول التي تقبل الأموال من مشروع مارشال المشاركة في برنامج علاقات عامة رئيسي لشرح المشروع لشعوبها. وتشاركت شخصيات أميركية مرموقة من الأوساط الإعلامية مع فنانين وكتاب وسينمائيين أوروبيين في الترويج لمشروع مارشال. وقد تنافست هذه المجموعة مع مكتب الإعلام الشيوعي (كومنفورم) جيد التمويل الذي كان يدعمه السوفيات والذي سعى إلى تقويض الدعم الشعبي لمشروع مارشال. وتم إرسال زعماء الاتحادات العمالية الأميركية إلى أوروبا للقيام بجولات يلقون فيها كلمات تروج لمثل أعلى أميركي هو علاقة غير عدائية بين العمال والإدارة.
* نهج تعددي الأطراف: أصر مارشال، بدل أن يملي على الأوروبيين كيفية إنفاق المال وإعادة تنظيم بلدانهم، على أن تتصدر الحكومات الأوروبية الجهود بينما تحتفظ الولايات المتحدة لنفسها، بوصفها الدولة المانحة، بحق الفيتو في ما يتعلق بخطط إنفاق المال.
* وكالة مستقلة: أنشأ الكونغرس وكالة حكومية أميركية جديدة مخصصة لإدارة البرنامج، وذلك لتقليص التنافس بين الوكالات الحكومية المختلفة. ورأس "إدارة التعاون الاقتصادي" في واشنطن بول هوفمان، وكان من زعماء الحزب الجمهوري ومديراً تنفيذياً محترماً في قطاع صناعة السيارات. وكان نائب هوفمان، ومقره في باريس، أفريل هاريمان، وكان زعيماً في الحزب الديمقراطي يحظى بنفس القدر من الاحترام وسفيراً سابقاً ورجل أعمال ومصرفيا. وكان هناك فريق أميركي يتمركز في كل دولة من الدول الأعضاء في البرنامج.
* قليل من البيروقراطية وكثير من المواهب: استمرت فترة وجود إدارة التعاون الاقتصادي أربع سنوات فقط لا غير. وقد استقطبت، بوصفها وكالة قائمة بذاتها ذات مهمة خاصة، مئات من الموهوبين الذين تقدموا بطلبات إليها لشغل كل وظيفة فيها. وما أن بدأت الإدارة تمر بفترة الانتفاخ والتحول إلى بيروقراطية حتى كانت قد بدأت في تصفية أعمالها وإغلاق أبوابها. وكان يتم التشجيع فيها على المرونة والابتكار. وكان الكثير من موظفيها شباناً يؤمنون بالمثل العليا ما لبثوا أن أصبحوا زعماء في مجالاتهم المختارة، في حين كان الآخرون موظفين محنكين في سلك الخدمة المدنية انتشلوا خلال الـ15 عاماً السابقة الولايات المتحدة من الركود الاقتصادي العظيم وتولوا قيادتها خلال الحرب العالمية الثانية. وقد فاز شخصان ممن عملوا في إدارة التعاون الاقتصادي في وقت لاحق بجائزة نوبل، وفاز آخران بجائزة بوليتزر، في حين شغل ثمانية من موظفيها في ما بعد منصب عميد كلية أو رئيس جامعة، وأصبح 12 منهم سفراء، بينما تولى أحدهم منصب المدير التنفيذي لصندوق رعاية الطفولة التابع للأمم المتحدة.
* الشفافية: كان يفرض على الدول التي تتلقى مساعدات مشروع مارشال تقديم كشف كامل عن وضعها المالي القومي وحسابات دقيقة عن كيفية إنفاقها للأموال التي حصلت عليها من المشروع. وكان الكونغرس يدقق في شؤون إدارة التعاون الاقتصادي نفسها، وأصر على إجراء مراجعة سنوية شاملة للنفقات قبل اعتماد أي مخصصات إضافية.
* الخلو من الفساد: عندما يأخذ المرء بعين الاعتبار كون إدارة التعاون الاقتصادي أدارت في الأشهر الـ18 الأولى من عمرها 2 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، يتبين له أنها كانت خالية من الفساد والفضائح إلى حد ملفت للنظر. وكان يتم اتخاذ قرارات التوظيف على أساس الكفاءة وحدها لا على أساس المحسوبية وإيثار المقربين. وقد حدث مرة أن طلب عضو من ذوي النفوذ في الكونغرس توظيف قريب له يتمتع بقدر كبير من الأهلية في هيئة موظفي الإدارة. ولم يتم توظيف قريب عضو الكونغرس رغم مؤهلاته تفادياً لإعطاء أي انطباع بأنه تمت محاباته لكونه قريبه.
وقد كتب جوزف جوف، رئيس تحرير وناشر صحيفة دي تسايت الألمانية، في العام 2006 أن العبرة الدائمة التي يمكن استخلاصها من مشروع مارشال، علاوة على تركيزها على التعاون المتخطي لحدود الدول، هو استعدادها الاستراتيجي بعيد النظر "لدفع عجلة المصالح الأميركية من خلال خدمة مصالح الآخرين."
ويمكن الاطلاع على النص الكامل لمقال "بحثاً عن ماض صالح للاستعمال: مشروع مارشال وإعادة التعمير ما بعد الحروب اليوم" على موقع مؤسسة مارشال الوقفية على الشبكة العنكبوتية.
طالع أيضاً التقريرين الأول والثاني في سلسلة التقارير حول مشروع مارشال:
- أصداء مشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا ما زالت تتردد بعد مرور 60 عاماً على إطلاقها؛
- خطة مارشال وضعت أوروبا على الطريق إلى الاتحاد.
نهاية النص
(تصدر نشرة واشنطن عن مكتب برامج الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأميركية، وعنوانه على شبكة الويب: http://usinfo.state.gov) * اشترك بنشرة واشنطن العربية لتصلك يومياً على عنوان بريدك الإلكتروني، عند حوالى الساعة الخامسة بتوقيت غرينيتش. للاشتراك، إضغط على العنوان التالي، http://usinfo.state.gov/arabic واتبع الارشادات.