05 شباط/فبراير 2007

رسالة مارتن لوثر كنغ "رسالة من سجن مدينة برمنغهام"

تطلبت مسيرة الحقوق المدنية التي نظمت في آخر لحظة "خطاباً ما بمستوى عظمة خطاب غتسبيرغ"  

 

واشنطن، 5 شباط/فبراير، 2007- نشر المقال التالي كمقال ثانوي ملحق بمقال ديفيد غارو، "كنغ: المسيرة، الرجل، الحلم،" الذي نشرته مجلة أميركان هستوري في آب/أغسطس، 2003. وقد مُنحت مكاتب الدبلوماسية العامة التابعة للحكومة الأميركية إذناً باستخدام المقال على مواقع الإنترنت وبترجمته وإعادة نشره أيضاً في الصحف خارج الولايات المتحدة. ويشترط ذكر اسم الكاتب والمصدر في الصفحة الأولى. جميع الحقوق محفوظة.

بداية النص

رسالة مارتن لوثر كنغ "رسالة من سجن مدينة برمنغهام"

بقلم دوغلاس برنكلي

كتب الدكتور مارتن لوثر كنغ في رسالة من السجن في عطلة نهاية أسبوع عيد الفصح في عام 1963 قال فيها: "هناك نوعان من القوانين: العادلة والجائرة. وتقع على عاتق كل امرئ مسؤولية أخلاقية بعصيان القوانين الجائرة." وما كان توما الأكويني سيخالفه في قوله ذلك. ولما كانت الصورة اللامعة التي تحتضنها الذاكرة الجماعية الأميركية لكنغ هي صورة الدكتور كنغ صاحب خطاب "لدي حلم،" الذي أُلقي قبل أربعين عاماً في واشنطن العاصمة، يصعب استحضار صورة الرجل صاحب الأربعة والثلاثين عاماً الجالس في زنزانة ضيقة في سجن مدينة برمنغهام، وحيداً منكباًً عند الغروب على الكتابة في حواشي أوراق الصحف وعلى ظهر أوراق قانونية ليوضح الأسس الفلسفية لحركة الحقوق المدنية.

وقد صيغت "رسالة من سجن مدينة برمنغهام،" التي تعتبر اليوم من روائع الأدب العالمي الكلاسيكي رداً على ثمانية رجال دين بيض شجبوا في صحيفة برمنغهام نيوز احتجاج الدكتور كنغ السلمي مطالبين بوقف التظاهرات المطالبة بإلغاء قوانين الفصل بين السود والبيض في النضد الطويلة التي يتم تناول الطعام عليها (في المصارف والدكاكين والمطاعم ...ألخ) وفي الاستراحات العامة (حيث المراحيض والمغاسل في الأماكن العامة والمؤسسات التجارية) وفي المحلات التجارية. وقد اضطر محامو الدكتور كنغ إلى تهريب رسالته من السجن على دفعات، بحيث كانت تصل تباعاً فكرة بعد فكرة إلى مقر وعصب نشاطات مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية المؤقت في موتيل غاستون. وقد تمكن الدكتور كنغ، المتقيد إلى أبعد الحدود بالتعاليم المسيحية، من صياغة بيان رسمي من المقاومة اللاعنفية على أساس تعاليم النبي عيسى (المسيح) وغاندي.

وقد ظل مجرد ذكر كلمة "برمنغهام" يستحضر إلى الأذهان طوال الستينات من القرن الماضي صوراً ملحة مزعجة لتفجير الكنائس ووحشية رجال الشرطة بقيادة يوجين (بول) كونر والكلاب المزمجرة وخراطيم مياه رجال الإطفاء التي تندفع منها المياه بقوة. فقد كانت مدينة برمنغهام، عندما أمضى كنغ أيامه التسعة في سجنها، إحدى أكثر مدن الجنوب الأميركي تشدداً في قوانينها الخاصة بالفصل بين السود والبيض، رغم أن الأميركيين الأفارقة كانوا يشكلون نسبة 40 بالمئة من سكانها. وكما كتب هاريسون سولزبري في صحيفة النيويورك تايمز، كانت "الشوارع ونظام مد المدينة بالمياه ونظام الصرف الصحي" المرافق العامة الوحيدة المشتركة بين العرقين. ومع ذلك، عندما اغتيل الدكتور كنغ بعد ذلك بخمس سنوات في مدينة ممفيس، كانت فلسفته قد انتصرت وسحقت قوانين جيم كرو العنصرية. وانتهى الأمر بأن تُرجمت "رسالة من سجن مدينة برمنغهام" إلى أكثر من 40 لغة.

وبفضل رسالة الدكتور كنغ، تحول مجرد ذكر "برمنغهام" إلى نفير يدعو إلى نشاط حركة مناوءة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، خاصة في الثمانينات من القرن الماضي، عندما بلغت الاحتجاجات والمطالبات بإطلاق سراح نلسون مانديلا أوجها. فقد كان رئيس الأساقفة ديزموند توتو يقتبس من الرسالة مستشهداً بها في مواعظه، وكان مطرب الريغي الجامايكي بوب مارلي يحمل نص الرسالة معه أينما ذهب اعتقاداً منه أنها تجلب له الحظ السعيد، وكان أولاد رئيس وزراء غانا، كوامي نكروما، يتلون مقاطع منها وكأنها تعاليم دينية. وخلال الحرب الباردة، قامت كل من حركة ميثاق 77 التشيكوسلوفاكية والتضامن (سوليدارونوش) البولندية والقساوسة في ألمانيا الشرقية بترجمة "رسالة من سجن مدينة برمنغهام" وتوزيعها على الجماهير سرا.

وهكذا، وكما استوحى الدكتور كنغ بعض أفكاره من المقال الذي كتبه هنري ديفد ثورو "العصيان المدني" في سجن في مساتشوستس احتجاجاً على الحرب الأميركية-المكسيكية، أصبحت رسالته بدورها مصدراً يستمد جيل جديد من المضطهدين في العالم الشجاعة والإلهام منه. فقد كان الفصل العرقي وسياسة التمييز العنصري مدعومين بقوانين واضحة الجور والظلم، لأنها تشوه الروح وتؤذي النفس. وكان علاج الدكتور كنغ لذلك: عمل مباشر لاعنفي، الوسيلة الوحيدة المشروعة دينياً لإظهار الظلم الفاضح للعيان بحيث يصبح من الممكن رؤيته ومعالجة أمره.

وفي العام 1983، قام عالم النفس السريري الفلسطيني الذي تلقى دراسته في الولايات المتحدة، مبارك عوض، بترجمة الرسالة في القدس كي يستخدمها الفلسطينيون في ورش عملهم لتعليم الطلبة النضال بطرق سلمية لا عنفية. وعندما وقف طالب صيني أمام دبابة في ساحة تيانانمن في 4 حزيران/يونيو، 1989، رابط الجأش ثابتاً على قناعاته الديمقراطية، كان إنما يطبق رمزياً تعاليم الدكتور كنغ التي أوضحها دون رهبة في رسالته من برمنغهام.

كما أن داعية حقوق الإنسان الأرجنتيني، أدولفو بيريز إسكيفل، الحائز على جائزة نوبل للسلام للعام 1980، استوحى إلى حد ما رسالة كنغ في تأسيسه لمنظمة سيفرفيسيو باث إي جوستيسيا (أي خدمة السلام والعدل) الأميركية اللاتينية التي وثقت مأساة المختفين في ذلك البلد. ويكاد المرء لا يجد اليوم أي روائي أو شاعر إفريقي، بما في ذلك وولي سويونكا وتشينوا أتشيبي، لم يندفع إلى شجب الفاشستية تحفزه فكرة كنغ بأنه من الضروري أخلاقياً أن يصبح المرء نصيراً جريئاًًً للعدل. وقد قام حتى الجمهوري المحافظ، وليام بنت، بتضمين "كتاب الفضائل" الذي وضعه "رسالة من سجن مدينة برمنغهام."

ويكمن مبعث الإعجاب العالمي برسالة الدكتور كنغ في الأمل الذي تمنحه للمحرومين في العالم، لملايين الفقراء الذين لا صوت لهم ممن يسكنون كوكبنا هذا من جبال القمامة في كالكوتا حتى قرى المرضى بالإيدز في هاييتي. وقد وصفت رسالته "الإذلال المخزي" و"القسوة التي تفوق الوصف" في نظام الرق الأميركي. وكما كتب على الدكتور كنغ أن يهبط  بأفكاره السامية ويعرب عنها بلغة الصحف للانتصار على الظلم، كتب للأميركيين الأفارقة الفوز بحريتهم يوماً ما لأن "تراث أممنا المقدس ومشيئة الله الأزلية يتجسدان في مطالبنا المتكررة."

وقد صنفت وكالة الحدائق القومية شارع سويت أوبرن في مدينة أطلنطا، حيث ولد الدكتور كنغ وحيث دُفن، منطقة تاريخية. وتغلق المصارف ومؤسسات الأعمال والمكاتب الحكومية أبوابها في شهر كانون الثاني/يناير من كل عام تكريماً لشهيد حركة الحقوق المدنية. ولكن التقدير الحي للدكتور كنغ، وهو التقدير الذي كان سيسعده أكثر من أي شيء آخر لو قدرت له معرفته، هو ما كان لـ"رسالة من سجن مدينة برمنغهام" من تأثير على ثلاثة أجيال من المناضلين في سبيل الحرية في جميع أنحاء العالم. 

وقد أصبحت هذه الصفحات من الشعر والعدل تشكل اليوم واحداً من أفضل المراجع العملية التي ترشد الضعفاء إلى سبل الدفاع عن حقوقهم ومواجهة الأقوياء بجرأة بدون إراقة الدماء. ولا يرقى إلى مستوى "رسالة من سجن مدينة برمنغهام،" من حيث كونها بياناً ينضح بالأمل الذي تترجع أصداؤه في وديان اليأس، أي بيان آخر. إنها وثيقة أميركية متميزة بنفس مستوى تميز إعلان الاستقلال وإعلان تحرير العبيد.

نهاية النص

(تصدر نشرة واشنطن عن مكتب برامج الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الأميركية، وعنوانه على شبكة الويب: http://usinfo.state.gov) * اشترك بنشرة واشنطن العربية لتصلك يومياً على عنوان بريدك الإلكتروني، عند حوالى الساعة الخامسة بتوقيت غرينيتش. للاشتراك، إضغط على العنوان التالي، http://usinfo.state.gov/arabic واتبع الارشادات.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي