26 تشرين الأول/أكتوبر 2009

توظف المحكمة العليا الأميركية تسعة مسؤولين قانونيين لمساعدة المحكمة في أداء مهماتها. ونقدم هنا روايات مباشرة كتبها أربعة من هؤلاء المسؤولين الذين يعملون حالياً في المحكمة: الكاتب القضائي، مدير شرطة المحكمة، مقرر قرارات المحكمة، ومسؤول الإعلام العام. يناقش هؤلاء المسؤولون آراءهم حول إدارة المحكمة ومشاعرهم تجاه مهماتهم. المسؤولون الآخرون في المحكمة هم المستشار القانوني لرئيس المحكمة، أمين المكتبة، المستشار القانوني للمحكمة، أمين المحكمة، ومدير أنظمة البيانات.
أصبح وليام كي سوتر الكاتب القضائي التاسع عشر للمحكمة العليا الأميركية عام 1991. شغل في السابق مهنة ضابط عسكري ومحامٍ في الجيش الأميركي، وتقاعد برتبة ميجور جنرال (لواء). تخرج من جامعة ترينيتي في سان انطونيو، ولاية تكساس، ومن كلية الحقوق في جامعة تولين في نيو اورلينز، ولاية لويزيانا.
عندما أوشكت على إكمال مسيرة عملي المهنية في الجيش كمحامٍ قضائي والاقتراب من نهاية فترة خدمتي في الجيش، علمت ان وظيفة كاتب قضائي سوف تشغر في المحكمة العليا الأميركية. قدمت طلباً وحصلت على الوظيفة بعد يومين من إجراء المقابلة معي. كان ذلك قبل 18 عاماً، وكان كل يوم من الأيام منذ تمّ تعييني الكاتب القضائي التاسع عشر في المحكمة العليا الأميركية يوماً رائعاً.
وظيفة الكاتب القضائي تتمثل في العمل كمسؤول ارتباط بين المحامين، والمتقاضين، والناس وبين المحكمة. في كل محكمة عليا علمت بوجودها في العالم كان هناك كاتب قضائي. في كندا، يسمى الكاتب القضائي أمين السجل. وفي البرازيل يسمى الأمين العام. لدى كل محكمة عليا عبر مجمل أوروبا وآسيا كاتب قضائي.
وهنا في المحكمة العليا الأميركية عندما تتقدم برفع قضية أو دعوى استئناف أو التماس، لا تذهب لمقابلة الشخص الذي يرتدي ثوب القضائي، بل تذهب إلى الكاتب القضائي او أحد المفوضين من قبله الذين يتناولون الأمور المتعلقة بالمستندات القانونية. وهنا في المحكمة العليا يوجد 32 شخصاً منا، بمن فيهم المساعدون القانونيون الذين يتمتعون بتدريب عالٍ وغير المساعدين القانونيين والمحامون أنفسهم، وجميعهم يقومون بجمع المستندات والتأكد من أهلية القضايا لكي تنظر فيها المحكمة ومن إتمام تقديمها في الوقت المناسب. نقوم بإعداد المستندات كي يتمكن القضاة من استعمالها لاتخاذ قراراتهم بشأن أطراف كل قضية.
كما أتولى أدواراً رسمية أخرى في المحكمة. فعلى سبيل المثال، أحضر جميع جلسات المرافعة الكاملة في المحكمة. أجلس على أحد طرفي منصة القضاة ويجلس مدير شرطة المحكمة على الطرف الآخر. نكون هناك لتقديم أية مساعدة قد يحتاج اليها القضاة. علاوة على ذلك، عندما يطلب من المحامين تقديم طلباتهم للدخول إلى المحكمة العليا، فلكي تقوم بأي عمل لدى المحكمة عليك أن تكون عضواً في هيئة المحامين، يقوم القاضي بدراسة الطلب والموافقة عليه ومن ثم أتولى عملية حلف اليمين للأعضاء الجدد في هيئة المحامين.
لقد استمعت إلى ما يزيد عن 1300 مرافعة شفهية خلال فترة عملي، ورغم ان المحامين الذين يقفون أمام المحكمة العليا يكونون قد درسوا وتدربوا على مرافعاتهم لمئات من الساعات، فإنهم يبقون متوتري الأعصاب لأنهم يواجهون تسعة قضاة لامعين بدرجة استثنائية قرأوا ملخصات الدعاوى وأعدوا عشرات من الأسئلة لطرحها.
نحاول أن نساعد المحامين لكي يتخلصوا من توترهم الزائد، خاصة وأنهم يترافعون أمام المحكمة العليا، وقد كتبت كتيباً أقدم فيه نصائح للمحامين حول الأشياء التي أوصيهم بها، والأشياء التي لا أنصحهم بعملها. في جميع الأحوال، تُشكِّل المرافعة الشفهية مهنة المحاماة في أعلى مراتبها.
هناك ميزتان تواصلان دفع المحكمة: التقليد والانضباط. ويتمثل التقليد بالنسبة إلى المحكمة بارتداء بذلة الصباح الرسمية المؤلفة من المعطف الخطافي الطويل والسروال المقلّم التي يرتديها كل من رئيس الشرطة وأنا عندما نكون في المحكمة، والتي ارتداها جميع الكتاب القضائيين ورؤساء الشرطة من قبلنا. من ناحية الانضباط ليس هناك شيء يسمى قضية كبيرة او قضية صغيرة في المحكمة العليا، فكل القضايا مهمة ولا يشارك أي فرد منا عاطفياً في أي قضية. عليك أن تقوم بعملك ليس إلا.
بعد أن كنت طالب حقوق لسنوات عديدة، ومحامياً، وبصفتي مواطناً أميركياً، كنت دائماً أكن احتراماً كبيراً لنظامنا القانوني وللمحكمة العليا، فإن مجرد الدخول إلى مبنى المحكمة في كل صباح يجعلني أشعر بأهميتي. اعتقد اننا جميعنا نشارك في الإحساس بأننا هنا من اجل القيام بالعمل الذي يُمكّن المحكمة من تنفيذ مهمتها الدستورية لمصلحة الناس.
باميلا تالكين هي رئيسة الشرطة العاشرة في المحكمة العليا الأميركية وأول امرأة تتولى هذا المنصب. حصلت على درجة بكالوريوس وماجستير باللغة الأسبانية من كلية بروكلين في جامعة سيتي في نيويورك، وخدمت في السابق كنائب مدير تنفيذي للمكتب الأميركي للامتثال، وهي وكالة فدرالية تنظيمية.
إني أشرف على أمن، وعمليات، وصيانة مبنى المحكمة العليا الأميركية. دوري الأكثر ظهوراً هو حضور جميع جلسات المحكمة والقيام بمسؤولية "الصراخ" بدخول القضاة إلى جلسات المحكمة خلال دورة انعقادها التي تمتد من شهر تشرين الأول/أكتوبر وحتى حزيران/يونيو. قبل ان تبدأ المحكمة بالعمل، أقوم بطرق المطرقة، فأنا الشخص الوحيد في المحكمة الذي يحمل مطرقة، ثم أقوم بالتعريف عن القضاة التسعة وافتتح الجلسة بإطلاق صرخة الافتتاح الرسمية للمحكمة، التي تتضمن: "صمت! صمت! صمت!" (Oyez! Oyez! Oyez!).
إنني أول امرأة تتولى وظيفة رئيسة الشرطة وعاشر رئيس شرطة في تاريخ المحكمة. ارتدى جميع من سبقوني في المنصب ملابس رسمية وعندما أصبحت رئيسة شرطة كان علي بدون شك أن أرتدي نفس الملابس التي ارتداها الرجال دائماً عند حضورهم جلسات المحكمة: بذلة الصباح الرسمية المؤلفة من المعطف الخطافي الطويل، والسروال المقلّم، والصدرية.
من أهم مهماتي الحفاظ على أمن المحكمة. أدير قوات الشرطة المستقلة التابعة للمحكمة خلال قيام أفرادها بحماية المبنى وأوفّر الأمن للقضاة، ولموظفي المحكمة الآخرين، وللزوار. بعد انقضاء حوالي ثمانية أسابيع على تسلمي منصب مديرة الشرطة في 11 أيلول/سبتمبر 2001، حصلت الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة. ولناحية سلامة وأمن المحكمة، غيّر هذا الحادث الطريقة التي ننظر بها جميعاً إلى الأمن وإمكانية الوصول إلى الأماكن العامة.
من مهماتي الرئيسية الأخرى "مرافقة المحكمة" مما يعني ان أكون مسؤولة عن مرافقة القضاة إلى الكونغرس لحضور إلقاء الرئيس خطاب حال الاتحاد، وإلى حفلات التنصيب الرئاسية، والجنازات الرسمية والقيام بمهمات رسمية أخرى، كما أُعنى بتأمين سلامتهم عند حضورهم هذه الأحداث. علاوة على ذلك، ينسق مكتبي معظم المحاضرات، وحفلات الاستقبال، وحفلات العشاء والأحداث الأخرى البالغ عددها حوالي الألف، التي تحصل سنوياً في المحكمة العليا.
ونظراً لأهمية المحكمة العليا لهذه البلاد، وبموجب إطار العمل الدستوري لدينا، اعتبر ان المحكمة مكان رائع للعمل يوماً بعد يوم. كافة الناس هنا محترفون بدرجة استثنائية، وواثقون، وأذكياء. يأتي كل يوم بشيء جديد وتقوم المحكمة كما القضاة بشيء رائع كجزء من تقليد طويل الأمد. في كل يوم يزور السواح مبنى المحكمة، الذي لا يُشكِّل مبنى مادياً رائعاً فحسب بل وأيضاً رمزاً استثنائياً لدورها الفلسفي والسياسي.
من أكبر المفاجآت بالنسبة لي، رغم أهمية القضاة وبعض الناس الآخرين الذي يعملون هنا، ان المحكمة العليا ليست مؤسسة تراتبية صارمة. كلنا نكنّ الاحترام للمؤسسة وللمناصب المؤسساتية التي يشغلها الناس، وكل واحد منا يتصرف بحرارة وعلى قدم المساواة عند التعامل مع بعضنا البعض.
في عام 1987، اصبح فرانك واغنر المقرر الخامس عشر لقرارات المحكمة العليا الأميركية. تخرّج من جامعة كورنيل في مدينة إيثيكا، بولاية نيويورك عام 1987، ومن كلية ديكنسون للحقوق في كارلاي، بولاية بنسلفانيا. كان يعمل في السابق كمحامٍ وكمحرر قانوني.
مهمتي الأولى هي نشر جميع الآراء القانونية التي تصدرها المحكمة العليا ضمن مجموعة من كتب الحقوق تسمى "تقارير الولايات المتحدة". هذه المجلدات هي نشرة رسمية للمحكمة العليا. قبل ان تصدر المحكمة حكماً في أي قضية، يدرس الموظفون في مكتبي وأنا بعناية فائقة كل رأي صدر حول القضية للتأكد من صحة الاستشهادات والاقتباسات، ومن صحة الأسلوب، ومن عدم حصول أخطاء مطبعية او نحوية. كما ننشر أيضاً ملخصات تحليلية قصيرة حول الآراء تسمى "الخلاصات". يقرأ محامٍ ومساعد قضائي يعملان في هذا المكتب كل نص لكل رأي في كل القضايا قبل نشره.
إني المقرر الخامس عشر لقرارات المحكمة العليا منذ عام 1789. كان الكزاندر دالاس المقرر الأول، وكتب أول تقاريره منذ اللحظات الأولى لبدء أعمال المحكمة عام 1790. لم يكن موظفاً لدى المحكمة، بل كان رجل أعمال خاصة سجل ملاحظات دقيقة عن عمل المحكمة، ثم باع هذه الملاحظات إلى عامة الناس. واليوم فإن وظيفتي تُشكِّل إحدى الوظائف الخمس في المحكمة التي أنشأها القانون.
أي محامٍ يأتي إلى المحكمة العليا للمرافعة في قضية يستعمل تقاريرنا من اجل اجراء دراسة دقيقة لما قررته المحكمة في كل القضايا على مر السنين. الكثير من التفاعل الذي يحصل خلال المرافعات الشفهية يأتي من القضاة الذين يطلبون من المحامين تمييز حججهم عن ما كانت المحكمة قد قررته في قضايا أخرى. فالاختلاف في وضع فاصلة يمكن أن يغير المعنى القانوني لحكم صادر. فإذا كنت ترافع في قضية أمام المحكمة العليا، يجب ان تعرف بدقة ما قالته المحكمة. يستعمل تقاريرنا المحامون والقضاة وأساتذة الحقوق.
سألني زائر أجنبي قبل بضع سنوات كيف تحول المحكمة دون قيام الصحافة وآخرين يإعطاء فكرة خاطئة عن قرارات المحكمة. وكان جوابي هو اننا نعد التقارير الرسمية حول القرارات وننشرها بأسرع ما يمكن على أوراق مطبوعة وعلى الإنترنت.
غيّر استعمال الكمبيوتر لحفظ سجلات المحكمة وظيفتي بدرجة ذات شأن على مر السنين. قبل ذلك، كان على الناس ان ينتظروا على الأقل مدة ثلاثة او أربعة أيام للحصول على نسخة من أي قرار اتخذته المحكمة. أما اليوم، فنأخذ الصورة الإلكترونية لقرار المحكمة ونعرضه على موقعنا على الإنترنت خلال دقائق من صدوره بحيث يتمكن كل شخص في أي مكان في العالم مهتم بالقضية ان يقرأ كل ما قالته المحكمة.
قبل مجيئي إلى المحكمة العليا، كنت أعمل محرراً قانونياً لدى دار نشر وقد حررت مجموعات متنوعة من كتب الحقوق، شملت نسخة تجارية عن تقارير المحكمة العليا التي أنتجها اليوم. درست اللغة الإنجليزية في الجامعة ثم تابعت دراستي في كلية الحقوق. وعندما تركت هذه الكلية رغبت في الحصول على عمل يسمح لي باستعمال دراساتي في اللغة الإنجليزية كما شهادتي في الحقوق. وعندما اصبح هذا العمل متوفراً، قدمت طلباً وعرض علي ما اعتبره الوظيفة العليا في مجال التحرير القانوني. مضت عليّ مدة 22 سنة وأنا أقوم بهذه الوظيفة وآمل بان ابقى هنا إلى ان أتقاعد.
في عام 1999، أصبحت كاثلين لاندين أربرغ، مسؤولة الإعلام العام الخامسة في المحكمة العليا الأميركية. تخرجت كاثلين من جامعة فرجينيا وعملت في السابق ككاتبة طلبات في محكمة الاستئناف في الدائرة الرابعة، ومساعدة محامٍ في محكمة الضرائب الأميركية، ومديرة قضايا في محكمة الإفلاس الأميركية.
إني أعمل مسؤولة عن الإعلام العام في المحكمة العليا الأميركية وأنا خامس شخص يشغل هذا المنصب الذي أنشئ عام 1935. أدرك رئيس المحكمة آنذاك ان وسائل الإعلام تنشر التقارير حول آراء المحكمة بصورة غير دقيقة أو لا تنشرها على الإطلاق. ومن اجل تصحيح المشكلة، تم إنشاء مكتب الإعلام العام ليكون مصدر المعلومات حول المحكمة ونقطة الاتصال بين المراسلين وعامة الناس. إني اخدم كناطقة رسمية للمحكمة. تتمثل مسؤولياتي الأولية في تثقيف الناس حول تاريخ ووظيفة المحكمة، وإصدار أوامر وآراء المحكمة من مكتبي في نفس وقت الإعلان عنها من جانب القضاة في المحكمة، وبتسهيل التغطية الدقيقة والمطلعة التي تقوم بها وسائل الإعلام.
يتألف الجسم الصحفي في المحكمة العليا من حوالي 35 فرداً يعملون لدى 18 وكالة أنباء يتولون تغطية أعمال المحكمة على أساس دوام كامل. ولكن فيما يخص القضايا الشهيرة فقد يأتي إلى المحكمة اكثر من 100 مراسل. تزود المحكمة غرفة صحافة لاستعمال المراسلين. وتوفر للصحافيين الذين يغطون أخبار المحكمة على أساس منتظم فسح للعمل فيها. كما تزود المحكمة مقصورات للبث الإذاعي تناسب استعمال مراسلي الإذاعات والتلفزيون.
ولأن استعمال آلات التصوير غير مسموح به في قاعة المحكمة، تستعمل الرسوم التشكيلية لتصوير المرافعات الشفهية. لكن بعد انتهاء المرافعات الشفهية، يجتمع المراسلون وطواقم التصوير سوية على الساحة الرخامية أمام مبنى المحكمة لإجراء مقابلات مع المحامين المشاركين في القضية.
لا أحد يعرف مسبقاً ما ستكون عليه القرارات التي اتخذها القضاة قبل الساعة العاشرة صباحاً ولذلك يوجد دائماً عنصر الترقب. وهذا صحيح ولا سيما قرب نهاية دورة انعقاد المحكمة عندما يتم عادة إصدار القرارات حول القضايا التي جرى انتظارها طويلاً. ينظم مكتبي الآراء وفق الترتيب الذي سيعلن عنه في قاعة المحكمة. تعلن هذه الآراء وفق ترتيب أقدمية القضاة الذين كتبوا الرأي.
نستمع إلى الإعلانات الصادرة من المحكمة عبر مكبرات الصوت المركبة في مكتبي ونوزع الآراء الواحد تلو الآخر حال الإعلان عنها في قاعة المحكمة. يقوم القاضي الذي كتب الرأي بتلخيص وقائع القضية وقرار المحكمة. يستمع بعض المراسلين إليه من مكتبي كي يتمكنوا من الحصول على نسخ فورية للآراء والمباشرة بكتابة تقاريرهم. ويختار مراسلون آخرون سماع الإعلانات في قاعدة المحكمة بالذات حيث يجلسون في القسم الذي يضم مقاعد مخصصة للصحافة.
لا يعلق مكتب الإعلام العام أبداً على رأي اتخذه القضاة أو يحاول ان يشرح رأيا لأن آراء المحكمة تتحدث عن نفسها. لكننا، مع ذلك، نزود الإرشاد إلى الصحافيين من خلال توجيههم نحو الموارد او الناس الموجودين خارج قاعة المحكمة الذين قد يستطيعون مساعدتهم، كالمحامين الذين شاركوا في المرافعات حول القضية او الخبراء في القانون الدستوري.
الآراء الواردة تعكس وجهات نظر كاتبها.