30 كانون الثاني/يناير 2009
لنكولن في دور لم يشتهر به كثيرا
بقلم هوارد جونز
هذا المقال مقتطف من كتاب "أبراهام لنكولن: إرث من الحرية" من منشورات مكتب برامج الإعلام الخارجي.
الرئيس أبراهام لنكولن كدبلوماسي؟ لا غرابة في التساؤل ولنكولن كدبلوماسي لا يكاد يكون موضوعا يلقى من الاهتمام الكافي بحيث يحتل مكانة في رأس قائمة المواضيع التي تتناول بالبحث والدرس رئاسة الرجل الذي شهد حكمه سنوات الحرب الأهلية الأميركية كلها. فسعيه في البحث عن قادة عسكريين أكفاء وحرصه على تحقيق النصر في ساحة المعركة، وتجاربه الخاصة، والصعوبات التي واجهته نتيجة الصراع والتنافس بين أعوانه ومستشاريه على مراكز النفوذ، وهو صراع طال الرئيس نفسه، هي المواضيع التي تستأثر بمعظم الاهتمام عندما يدعو الداعي إلى دراسة تاريخ أمة انقسمت وخاضت حربا على نفسها من العام 1861 حتى العام 1865.
لكن، مع أن لنكولن أعلن عندما شن الحرب أنه إنما يخوضها للحفاظ على وحدة الاتحاد الأميركي وصيانته، فقد قبل بالضرورة مواجهة المشاكل والتحديات التي تنشأ في الخارج أو تأتي من خارج حدود البلاد. فلو حازت الثورة في الجنوب على اعتراف دبلوماسي من إنجلترا وغيرها من الدول الأوروبية، وخاصة خلال الشهور الثمانية عشر الأولى الحاسمة من الحرب، لكان من المحتمل أن تفوز الولايات الكونفدرالية الأميركية باستقلالها. غير أن قيادة لنكولن لهذه الجبهة الدبلوماسية أثبتت أهميتها بقدر مساو من الأهمية لقيادته القوات المسلحة لضمان تحقيق النصر للاتحاد في نهاية المطاف.
كان لنكولن الدبلوماسي النموذجي الأصلي. فهو رغم إقراره بأنه لم يعلم إلا ما قل، أو لا يعلم شيئا بالمرة، من الشؤون الخارجية، فقد امتلك الخصائص والميزات العامة التي تميز أفضل رجال الدولة، وهي التواضع والاستقامة والحكمة المقرونة بالمنطق المعقول، والتصرف الهادئ في أصعب الأحوال، والاستعداد للتعلّم. وهو تحلّى، علاوة على ذلك، بالجرأة على تعيين مستشاريه من أشخاص ذوي مكانة ونفوذ. فوزير خارجيته وليام هـ. سيوارد كان من أشد منافسي لنكولن السياسيين قبل ذلك. لكن الأهم هو أن سيوارد كان من العارفين العالمين بالشؤون الخارجية. صحيح أن علاقتهما لم تبدأ بداية مريحة لأن سيوارد تصوّر نفسه رئيسا للوزراء أو أنه رئيس للحكومة ولنكولن مجرد رئيس رمزي، هذا إذا لم يكن مهرجا. غير أن سيوارد عندما تسرّع باقتراح طائش بتوحيد الشمال والجنوب بالتحريض على إشعال حرب ضد قوى خارجية، ما كان من لنكولن إلا أن وأد اقتراحه وقضى على الفكرة بهدوء وأكد سلطته وسيطرته، وسرعان ما حاز على احترام وزيره وإعجابه.
تجنب حرب على جبهتين
وضعت الحرب التي اندلعت في نيسان/إبريل من العام 1861 الرئيس الجديد لنكولن أمام أول أزمة له في العلاقات الخارجية. فالحرب، لم تكن من وجهة نظر الاتحاد (الشمال) حربا بين دول ولكنها كانت صراعا ضد حركة تمرد داخلية يجب إخمادها دون أي تدخل من دول أخرى. لكن قرار لنكولن القاضي بحصار الموانئ الجنوبية سمح لبريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تؤملان في استمرار تعاملهما التجاري مع الكونفدراليين (الجنوب)، أن تأخذا علما بموجب القانون الدولي بأن هناك حالة حرب قائمة تستدعي إعلان الحياد في تلك الحرب واعتبار الكونفدرالية طرفا معتديا. أضفت هذه الخطوات مجتمعة نوعا من المشروعية على الجنوب ولكنها لم تصل إلى حد اعتبارها اعترافا رسميا بالجنوب الكونفدرالي كدولة.
من هنا انطلقت دبلوماسية لنكولن في العمل على الحيلولة دون اعتراف القوى الخارجية باستقلال الجنوب. ثم استمر في معارضته لأي مشاركة أو تدخل خارجيين، سواء أكان ذلك من دولة تعرض مساعيها الحميدة أو تسعى في سبيل تحقيق السلام عن طريق الوساطة أو التحكيم أو الهدنة. ثم عمل لنكولن على تخفيف وقع إنذارات وزير الخارجية سيوارد من أن الولايات المتحدة مستعدة لخوض حرب ضد أي دولة تتدخل (لكنه لم يتنصل منها أبدا). كذلك لطّف لنكولن رسائل الوزير سيوارد واعتمد على وزيره المفوض إلى إنجلترا تشارلز فرانسيس آدمز، الذي تمتع بالسلوك المعتدل ولكن الصارم، في تهدئة الأمور وحل المشاكل الأخرى.
عادت مشكلة الاعتراف إلى الظهور والاشتعال مرارا خلال مجرى الحرب الأهلية. وقد أقنعت الإهانة الحربية التي لحقت بالاتحاد في معركة "بُل رَن" في تموز/يوليو، 1861 بعض الأوروبيين بأن استقلال الكونفدرالية أصبح قضية مسلّما بها. إذ سيستطيع الاتحاد أن يفرض المصالحة على 11 ولاية تضم ملايين السكان؟ وفي تشرين الثاني/نوفمبر، اعترضت سفينة من البحرية الأميركية سفينة البريد البريطانية "ترينت" وقبضت بشكل غير قانوني على مفوّضين جنوبيين هما جيمس ميسون وجون سلايدل اللذين تمكنا من الإفلات من الحصار الاتحادي وكانا في طريقهما إلى إنجلترا. غير أن لنكولن تصرف بحكمة وأمر بإطلاق سراح الأسيرين معترفا بلباقة غير ملزمة بوقوع خطأ أنقذ ماء وجه أميركا وتفادى ما كاد يصبح حربا على جبهتين بزج الاتحاد في حرب ضد بريطانيا إضافة إلى حربه مع الجنوب.
تدبير ضروري للحرب
من الأدوات التي استخدمها لنكولن في جهده لمنع الاعتراف الدبلوماسي بكونفدرالية الجنوب كانت مشاعر الأوروبيين ضد الرّق. فبعد الانتصار الذي حققه الاتحاد بشق الأنفس في أنتيتام في خريف العام 1862 استخدم لنكولن صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة ليعلن أنه اعتبارا من اليوم الأول من كانون الثاني/يناير، 1863، سيصبح الأرقاء الذين يكونون ما زالوا مستعبدين في الولايات التي تظل متمردة أحرارا. ووصف لنكولن هذا الإعلان المعلمي لتحرير الرقيق بأنه تدبير تمليه "ضرورة عسكرية" هدفه تشجيع الأرقاء على تركهم المزارع والانضمام إلى جيوش الاتحاد المتقدمة في زحفها.
وكدأبه دائما، وازن لنكولن بحرص وعناية بين أهدافه المتناقضة في حين كان يعمل على تحقيق غرض أكبر. فقد ظل إعلان تحرير الرّق صامتا غافلا ذكر الأرقاء في الولايات الحدودية التي لم تنضم إلى الكونفدرالية بما فيها كنتاكي وميزوري وماريلاند وديلاوير (بالإضافة إلى أجزاء من ولاية تنيسي احتلها الاتحاد). وبهذا استطاع لنكولن كسب تأييد تلك الولايات الحساسة وتلافى نفور المحافظين الشماليين والموالين للاتحاد في الجنوب واستبعادهم. ورغم ذلك فإن لنكولن كان مدركا أن إعلان تحرير الرقيق كان إعلانا عادلا من الناحية الأخلاقية. كذلك أدرك أن من شأنه أن يرفع معنويات الاتحاد برفع المستوى الأخلاقي للحرب وجعلها حربا في سبيل الحقوق الإنسانية. وعوّل على إعلان تحرير الرقيق بالطبع في أن يحول دون تدخل بريطانيا وفرنسا، اللتين تعارضان الرق، في الحرب إلى جانب الجنوب.
أثبتت غريزة الرئيس الدبلوماسية الفطرية صحتها ونجاحها. إذ كان عدد من القادة والعلماء الغربيين قد أدخلوا في حساباتهم أن ولايات متحدة منقسمة إلى دولتين متنافستين ستشكل أفضل خدمة لبلدانهم. إلا أن إعلان تحرير الرقيق جاء بمثابة الأداة الفعالة لضرب تلك المشاعر والتغلب عليها. ظن بعض رجال الدولة البريطانيين في البداية أن الوثيقة مجرد رياء ينافق به الاتحاد من أجل انتزاع نصر من هزيمة محققة عن طريق تحريض العبيد على الثورة. إذا كانت الحرب معنية بمشكلة الرقيق، فلماذا أعلن لنكولن أنها لصيانة الاتحاد؟
في الحقيقة، كانت الوزارة البريطانية قد درست في تشرين الثاني/نوفمبر برئاسة رئيس الوزراء اللورد بالمرستون اقتراحا بالتدخل عن طريق الاعتراف بالكونفدرالية وإرغام الاتحاد بهذه الطريقة على التفاوض على السلام. غير أن الوزارة صوتت بأغلبية ساحقة ضد الاقتراح لأنها لم تُرد أن يُنظر إلى بريطانيا على أنها تقف في صف الولايات التي تحتفظ بالرقيق ضد لنكولن المنادي بتحريرهم. ثم رفضت بريطانيا مع روسيا بعد ذلك اقتراحا عرضه الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث بالمطالبة بهدنة مدعومة بقوة متعددة الأطراف تفرض الهدنة في حال رفض أي من الطرفين الأميركيين المتحاربين الطلب (كان الاقتراح في الواقع بمثابة تهديد للشمال لأن الهدنة من شأنها أن تجعل استقلال الجنوب تحصيل حاصل). وأدركت حكومة بالمرستون البريطانية بنهاية العام 1862 أنه مهما كان المزيج السياسي والغريزة الأخلاقية التي دفعت لنكولن إلى إعلان تحرير الرقيق فإن النتيجة، حتى ولو أن دوافعه ونواياه لم تكن صافية 100 بالمئة، ستكون مرغوبة ومنصفة.
مولد جديد للحرية
وهكذا كان. فعندما تحقق النصر للشمال في النهاية في نيسان/أبريل 1865، كان قد اتضح جليا أن الرئيس قد أوفى بوعده وأنقذ الاتحاد فعلا، ولكن ليس الاتحاد الذي كان في العام 1861. كذلك اتضحت من تعديلات الدستور الأميركي التي تمت بعد الحرب وضمنت عدم السماح للأميركيين بوجود الرقيق على أراضيهم أبدا، الرؤيا الحقيقة الشاملة للنكولن. فقد رعى لنكولن مخاض مولد جديد للحرية على أساس الحقوق الطبيعية المتجسدة في إعلان الاستقلال. وكان دور لنكولن كدبلوماسي بارع عنصرا لا غنى عنه في إحباط أي تدخل أوروبي وتحقيق النصر في معركة أخرى منسيّة غالبا ولكنها كانت حاسمة في معارك الحرب الأهلية.