30 كانون الثاني/يناير 2009
التمييز العنصري في الولايات المتحدة المعاصرة

النص أدناه مقتطف من كتاب بعنوان "الرئيس باراك أوباما، مختارات من أبرز خطبه،" من منشورات مكتب برامج الإعلام الخارجي التابع لوزارة الخارجية الأميركية، باللغة العربية.
مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا
18 آذار/مارس، 2008
"نحن الشعب، من أجل تشكيل اتحاد أكثر كمالا."
قبل مئتين وإحدى وعشرين سنة، وفي قاعة ما زالت موجودة عبر هذا الشارع، اجتمعت مجموعة من الرجال، وبهذه الكلمات البسيطة، أطلقوا تجربة أميركا غير المحتملة في الديمقراطية. وقام مزارعون وعلماء، ورجال سياسة ووطنيون ممن عبروا المحيط هربا من الطغيان والاضطهاد، قاموا في نهاية المطاف بتحويل إعلانهم للاستقلال إلى حقيقة واقعة في مؤتمر بمدينة فيلادلفيا استمر حتى نهاية ربيع العام 1787.
وحصلت الوثيقة التي أصدروها في نهاية الأمر على التوقيع ولكنها كانت غير مكتملة. فقد كانت موصومة بالخطيئة الأصلية لهذه الأمة وهي المتمثلة في العبودية، وهي قضية أحدثت انشقاقا بين المستعمرات ووضعت المؤتمر الدستوري في مأزق إلى أن اختار المؤسسون السماح باستمرار تجارة العبيد لمدة عشرين سنة أخرى على الأقل، وترك اتخاذ القرار النهائي للأجيال القادمة.
وبطبيعة الحال فإن الجواب على قضية العبودية راسخ في دستورنا – وهو دستور يتضمن في جوهره الأساسي المثل الأعلى للمساواة في المواطنة في ظل القانون، ودستور وعد شعبه بالحرية والعدالة واتحاد يمكن ويجب أن يزداد كمالا مع مرور الوقت.
ومع ذلك فإن كلمات خطت على مخطوطة لا تكفي لتحرير العبيد من العبودية، أو لتوفير الحقوق الكاملة والالتزامات كمواطنين في الولايات المتحدة للرجال والنساء من كل لون وعقيدة. وكنا بحاجة إلى أميركيين في أجيال متعاقبة كانوا على استعداد للقيام بدورهم – عن طريق الاحتجاجات والنضال، في الشوارع وفي المحاكم، وعن طريق حرب أهلية وعصيان مدني مع وجود مخاطرة كبيرة على الدوام – لتضييق الفجوة بين وعد مثلنا وحقيقة عصرها.
كانت هذه إحدى المهمات التي وضعناها في بداية حملتنا الانتخابية – وهي مواصلة المسيرة الطويلة لأولئك الذين جاؤوا قبلنا، مسيرة لتحقيق أميركا أكثر عدالة وأكثر مساواة وأكثر حرية وأكثر رعاية وأكثر ازدهارا.
ويأتي هذا الاعتقاد من إيماني الراسخ باحترام وكرم الشعب الأميركي الذي لا يكل. ولكنه يأتي أيضا من قصتي الأميركية الشخصية.
إنني ابن رجل أسود من كينيا وامرأة بيضاء من ولاية كانزاس. وقد نشأت تحت رعاية جدي الأبيض الذي عاش فترة الكساد الاقتصادي وخدم في جيش [الجنرال جورج] باتون خلال الحرب العالمية الثانية وجدة بيضاء عملت في مصنع لتجميع للطائرات القاذفة في فورت ليفينويرث حين كان جدي خارج البلاد. وقد ذهبت إلى بعض من أفضل المؤسسات العلمية في أميركا وعشت في واحدة من أفقر دول العالم. وأنا متزوج من امرأة سوداء تحمل دماء عبيد ومالكي عبيد – وهو إرث ننقله إلى ابنتينا العزيزتين. ولديّ إخوان وأخوات وأبناء وبنات إخوان وأخوات وأعمام وأخوال وأبناء عمومة من كل عرق ولون، منتشرين عبر ثلاث قارات، وسوف لن أنسى أبدا مهما حييت أن قصتي لن تكون ممكنة في أي دولة أخرى في العالم.
إنها قصة لم تجعلني أكثر المرشحين اتساما بالعادية. ولكنها قصة أدخلت في تركيبتي الجينية فكرة أن هذه الأمة هي أكثر من مجموع أجزائها – وأننا نشكّل كيانا متكاملا من عدة أجزاء.
وطوال السنة الأولى من هذه الحملة الانتخابية، وبعكس جميع التنبؤات، رأينا تعطش الشعب الأميركي لرسالة الوحدة. ورغم إغراء النظر إلى ترشيحي عبر عدسة عرقية محضة ... فقد بنينا تحالفا للأميركيين الأفارقة والأميركيين البيض.
...
إن العرق قضية لا أعتقد أن بوسع هذه الأمة أن تتجاهلها في هذا الوقت. وتعكس القضايا التي ظهرت خلال الأسابيع القليلة الأخيرة تعقيدات العرق في هذه البلاد والتي لم نعالجها حقيقة الأمر كما يجب – إنها جزء من اتحادنا الذي يتعين علينا أن نبلغ فيه حد الكمال. وإذا ما تجاهلنا الآن، وإذا ما تراجعنا ببساطة إلى زوايانا الخاصة بنا، فسوف لن نكون قادرين أبدا على العمل معا ومواجهة التحديات الأخرى التي نواجهها مثل الرعاية الصحية أو التعليم أو الحاجة إلى إيجاد وظائف جيدة لكل أميركي.
يتطلب تفهم هذه الحقيقة تذكيرا بكيف وصلنا إلى هذه النقطة. وكما كتب وليام فوكنر ذات مرة يقول "الماضي لم يمت ويدفن. وفي الحقيقة أنه ليس ماضيا" ... يتعين علينا أن نذكّر أنفسنا بأن الكثير من أوجه التباين الموجودة في المجتمع الأميركي – الإفريقي الآن يمكن تعقبها إلى أوجه عدم المساواة التي انتقلت من جيل سابق عانى من تراث العبودية الوحشي و[قوانين التمييز العنصري المعروفة بـ] قوانين جيم كرو.
إن المدارس التي ينفصل فيها العرقان في بلادنا كانت، وهي ما زالت بالفعل، مدارس أدنى منزلة. ولم نقم بعد بتصحيح وضعها بعد مرور خمسين عاما على قضية براون ضد مجلس التعليم، ويسهم التعليم الأدنى منزلة الذي قدمته تلك المدارس عندئذ وما زالت تقدمه الآن في توضيح الفجوة السائدة في الإنجاز بين الطلاب السود والبيض في هذه الأيام.
والتمييز العنصري المجاز قانونيا – حيث منع السود، وكثيرا ما تم ذلك عن طريق العنف، من امتلاك الممتلكات، أو حيث لم تمنح القروض لأصحاب الأعمال الأميركيين – الأفارقة، أو لم يتمكن أصحاب المنازل السود من الحصول على القروض العقارية من إدارة الإسكان الفدرالية، أو استثناء السود من عضوية النقابات أو قوة الشرطة أو محطات الإطفاء – كانت تعني أن الأسر السوداء لم تتمكن من جمع أي ثروات ذات قيمة لتوريثها لأجيال المستقبل. ويساعد هذا التاريخ في توضيح الفجوة في الثروة والدخل بين السود والبيض، وجيوب الفقر المركزة الموجودة على الدوام في المجتمعات الريفية والحضرية في هذه الأيام.
لقد أسهم عدم توفر الفرص الاقتصادية للرجال السود، والعار والإحباط الناتجان عن عدم القدرة على إعالة أسرهم، في تدهور الأسر السوداء – وهي مشكلة ربما أسهمت سياسات المساعدات الاجتماعية على مدى سنين عديدة في تفاقمها. كما أسهم النقص في الخدمات الأساسية في عدد كبير من الأحياء الحضرية للسود – متنزهات وملاعب الأطفال، ودوريات الشرطة، وجمع القمامة المنتظم وتطبيق المعايير على بناء المباني – أسهمت كلها في إيجاد دورة من العنف والفساد والإهمال التي ما زالت تلاحقنا.
...
وفي الحقيقة أن مشاعر غضب مماثلة موجودة في بعض مجتمعات البيض. ولا يشعر معظم الأميركيين البيض المنتمين إلى الطبقات العاملة والوسطى بأن العرق الذي ينتمون إليه قد عاد عليهم بأي امتيازات على وجه الخصوص. وتجربتهم هي تجربة المهاجرين – فبالنسبة إليهم، فإن لا أحد مد يد العون لهم، بل هم بنوا ذلك من لا شيء. وكدحوا طوال حياتهم، ورأوا وظائفهم في كثير من الأحيان تنتقل إلى الخارج أو معاشات تقاعدهم تتلاشى بعد عمر من الكفاح. وهم قلقون حول مستقبلهم ويشعرون بأن أحلامهم آخذة في الاختفاء. وأصبحت الفرص ترى كلعبة يربح فيها أحد ليخسر آخر في عصر الأجور الراكدة والتنافس العالمي، حيث تتحقق أحلامك على حسابي. لذا فحين يجبرون على نقل أطفالهم بالحافلات إلى مدرسة تقع في الجانب الآخر من المدينة، وحين يسمعون أن أميركيا إفريقيا يحقق ميزة عند حصوله على وظيفة جيدة أو على مكان في جامعة جيدة بسبب ظلم لم يرتكبوه شخصيا، وحين يبلغون بأن مخاوفهم من الجريمة في الأحياء الحضرية مبنية على التعصب إلى حد ما، فإن استياءهم سينمو ويتطور مع مرور الوقت.
...
وكما أن غضب السود برهن في كثير من الأحيان على أنه غير مجد، فإن تعبيرات البيض عن استيائهم صرفت الانتباه عن الجناة الحقيقيين المسؤولين عن الضغط الذي تتعرض له الطبقة الوسطى – ثقافة شركات تنتشر فيها الصفقات الداخلية والممارسات المحاسبية المشكوك فيها والجشع قصير الأمد، وواشنطن التي تهيمن عليها عناصر جماعات الضغط والمصالح الخاصة، وسياسات اقتصادية تفضل الأقلية على حساب الأكثرية. ومع ذلك، فإن التمني بأن تزول أسباب استياء الأميركيين البيض، ووصفها بأنها مضللة أو مبنية على التعصب، من دون الاعتراف بأنها متأصلة في هموم مشروعة – إنما توسع الانشقاق العرقي وتغلق طريق التفاهم.
لهذا السبب بلغنا ما بلغناه في هذا الوقت. إنها حالة جمود عنصري نعاني منها منذ سنين. وخلافا لادعاءات بعض نقادي، من السود والبيض، فإنني لم أكن في يوم من الأيام من السذاجة لأن أعتقد بأن بإمكاننا أن نتجاوز انقساماتنا العنصرية خلال دورة انتخابية واحدة، أو خلال ترشيح واحد – خاصة ترشيحا لا يبلغ حد الكمال كترشيحي.
ولكنني أكدت إيماني الراسخ – الإيمان المتجذر في إيماني بالله وإيماني بالشعب الأميركي – بأننا بالعمل معا يمكننا تجاوز بعض جراحنا العرقية القديمة، وبأنه ليس لدينا في حقيقة الأمر أي خيار إذا أردنا المضي على طريق تحقيق اتحاد أكثر كمالا.
وهذا الطريق بالنسبة لمجتمع الأميركيين الأفارقة يعني تقبل أعباء الماضي دون أن نصبح ضحايا ماضينا. ويعني الاستمرار في الإصرار على وجود درجة كاملة من العدل في كل وجه من أوجه الحياة الأميركية. ولكنه يعني أيضا الجمع بين مظالمنا الخاصة لصالح الرعاية الصحية والمدارس الأفضل والوظائف الأفضل – للمطامح الأكبر لجميع الأميركيين – المرأة البيضاء التي تناضل لكسر الحاجز الطبقي، والرجل الأبيض الذي فقد وظيفته، والمهاجر الذي يحاول إطعام أسرته. كما يعني تحمل المسؤولية الكاملة لحياتنا – عن طريق المطالبة بدور أكبر من آبائنا، وقضاء مزيد من الوقت مع أطفالنا، والقراءة لهم، وتعليمهم بأنه في حين أنهم قد يواجهون تحديات وتفرقة في حياتهم، فإن عليهم أن لا يستسلموا أبدا لليأس أو لمشاعر الريبة. ويتعين عليهم دائما أن يؤمنوا بأنهم قادرون على كتابة مصيرهم بأنفسهم.
...
كما أن الطريق إلى اتحاد أكثر كمالا، بالنسبة لمجتمع البيض، يعني الاعتراف بأن ما يزعج مجتمع الأميركيين الأفارقة لا يوجد في عقول الأشخاص السود فحسب، وبأن تراث التمييز العنصري – والحوادث الراهنة للتمييز العنصري – مع أنها أقل صراحة وعلنية مما كانت في الماضي – هي حقيقية ويجب معالجتها. ويجب ألا يتم ذلك بالكلمات بل بالأفعال – عن طريق الاستثمار في مدارسنا ومجتمعاتنا، وعن طريق تطبيق قوانين حقوقنا المدنية وضمان النزاهة في نظام العدالة الجنائية، وعن طريق تزويد هذا الجيل بسلالم الفرص التي لم تكن متوفرة للأجيال السابقة. ويقتضي ذلك من جميع الأميركيين أن يدركوا أن أحلامنا ليس من الضروري أن تتحقق على حساب أحلامي، وأن الاستثمار في الصحة والرعاية الاجتماعية والتعليم للأطفال السود وذوي اللون البني والبيض سيساعد في نهاية المطاف أميركا كلها على الازدهار.
...
إن أمامنا خيارا في هذه البلاد. يمكننا أن نقبل سياسة تولّد الانشقاق والنزاع والريبة... ولكن إذا ما قبلنا ذلك فيمكنني أن أقول لكم إننا سنتحدث في الانتخابات القادمة عن شيء آخر يصرف الانتباه، ثم عن شيء آخر، وبعد ذلك عن شيء آخر، وسوف لا يتغير شيء.
هذا رأي واحد. أو، وفي هذه اللحظة، يمكننا أن نتحد ونقول: "ليس هذه المرة". في هذه المرة نريد ان نتحدث عن المدارس المنهارة التي تخطف مستقبل الأطفال السود والأطفال البيض والأطفال الآسيويين والأطفال المتحدرين من أصل إسباني والأطفال الأميركيين الأصليين. في هذه المرة نريد أن نرفض الريبة التي مفادها أن هؤلاء الأطفال لا يستطيعون أن يتعلموا، وإن هؤلاء الأطفال الذين لا يشبهوننا يمثلون مشكلة طرف آخر. إن أطفال أميركا ليسوا هؤلاء الأطفال، إنهم أطفالنا، وسوف لا ندعهم يتخلفون في اقتصاد القرن الواحد والعشرين. ليس هذه المرة.
في هذه المرة نريد أن نتحدث عن كيف أن الطوابير في غرفة الطوارىء مكتظة بالبيض والسود والمتحدرين من أصل إسباني ممن لا يملكون رعاية صحية، والذين لا يملكون القدرة الشخصية للتغلب على المصالح الخاصة في واشنطن، ولكنهم قادرون على مواجهة تلك المصالح إذا فعلنا ذلك معا.
وفي هذه المرة نريد أن نتحدث عن الطواحين المغلقة التي وفرت في وقت من الأوقات حياة كريمة لرجال ونساء من كل عرق، والمنازل المعروضة للبيع التي كانت في وقت من الأوقات ملكا لأميركيين من كل دين وكل منطقة ومن جميع مشارب الحياة.
وفي هذه المرة نريد أن نتحدث عن كون المشكلة الحقيقية ليست هي أن شخصا لا يشبهك قد يحصل على وظيفتك، بل إن الشركة التي تعمل فها ستنقل تلك الوظيفة إلى الخارج لا لشيء إلا لتحقيق المزيد من الربح.
وفي هذه المرة نريد أن نتحدث عن الرجال والنساء من كل لون وعقيدة ممن يخدمون معا ويقاتلون معا وينزفون معا تحت العلم الباعث على الفخر نفسه. ونريد أن نتحدث عن كيف نعيدهم إلى الوطن من حرب كان يجب أن لا يتم التفويض بها أو شنها، ونريد أن نتحدث عن كيف سنظهر وطنيتنا برعايتهم ورعاية أسرهم ومنحهم المنافع التي اكتسبوها.
إنني لم أكن لأرشح نفسي للرئاسة لو لم أومن من صميم قلبي بأن هذا هو ما تريده الأغلبية الساحقة من الأميركيين لهذه البلاد. قد لا يبلغ هذا الاتحاد حد الكمال أبدا، ولكن جيلا بعد جيل أظهروا أن من الممكن له أن يخطو نحو حد الكمال. واليوم، وحين أجد نفسي أشعر بالشك أو بالسخرية حول هذه الإمكانية فإن ما يمنحني أكبر قدر من الأمل هو الجيل القادم – الشباب الذين بمواقفهم ومعتقداتهم وانفتاحهم على التغيير صنعوا التاريخ بالفعل في هذه الانتخابات.