30 كانون الثاني/يناير 2009
الوطنية والحرية

النص أدناه مقتطف من كتاب بعنوان "الرئيس باراك أوباما، مختارات من أبرز خطبه،" من منشورات مكتب برامج الإعلام الخارجي التابع لوزارة الخارجية الأميركية، باللغة العربية.
إندبندس، ميزوري
30 حزيران/يونيو، 2008
في صباح أحد أيام الربيع من شهر نيسان/إبريل 1775، تركت مجموعة بسيطة من المستوطنين مكوّنة من مزارعين، وتجار، وحدادين، وعمال مطابع، من رجال وفتيان، منازلها وعائلاتها في لكسنغتون وكونكورد لحمل السلاح ضد إمبراطورية مستبدة. كانت احتمالات النجاح بوجههم قليلة والمخاطر هائلة، لأنهم حتى ولو ظلوا على قيد الحياة بعد المعركة، فإن أي فشل سوف يعرضهم في نهاية المطاف إلى تُهم الخيانة والموت شنقاً.
ورغم ذلك، فقد خاطروا. فعلوا ذلك ليس في سبيل قبيلة أو نسب، بل في سبيل فكرة أعظم، فكرة الحرية، فكرة الحقوق التي منحها الله لمخلوقاته وغير القابلة للتصرف. ومع الطلقة الأولى في ذلك اليوم الحاسم، تلك الطلقة التي تردد صدى دويها حول العالم، إنطلقت الثورة الأميركية وابتدأت تجربة أميركا مع الديمقراطية.
كان هؤلاء الرجال من لكسنغتون وكونكورد من أول الوطنيين في بلادنا. وفي مطلع هذا الأسبوع الذي نحتفل فيه بذكرى ولادة دولتنا، أرى انه من الملائم ان نتوقف لحظة للتفكير ملياً بما تعنيه الوطنية، وطنيتهم هم ووطنيتنا نحن. يتوجب علينا أن نقوم بذلك جزئياً لأننا في غمار حرب، حيث قاتل حتى الآن ما يزيد عن مليون ونصف مليون من خيرة شبابنا ونسائنا في العراق وأفغانستان، وأُصيب منهم بجروح ما يزيد عن 60 ألفاً، في حين قتل ما يزيد عن 4,600 منهم. كانت نفقات الحرب باهظة وكانت السجالات المحيطة بمهمتنا في العراق عنيفة. ومن الطبيعي في ضوء مثل هذه التضحيات بهذا العدد الكبير من الناس أن نفكر بعمق أكبر حول الالتزامات التي تربطنا بدولتنا وببعضنا البعض.
إننا نُفكّر مليا أيضاً بهذه الأسئلة لأننا نخوض غمار انتخابات رئاسية ربما ستكون الأكثر تأثيراً على مدى أجيال، وهي منافسة سوف تحدد مسار هذه الدولة لسنوات، وربما لعقود قادمة. ولا تتعلق هذه المناظرات بقضايا كبرى، مثل الرعاية الصحية، والوظائف، والطاقة، والتعليم، وضمان الشيخوخة وحسب، بل هي أيضاً مناظرات حول القيم. فكيف نحافظ على سلامتنا وأمننا في الوقت نفسه الذي نحافظ فيه على حرياتنا؟ وكيف نسترجع ثقتنا بحكومة تبدو بأنها تتباعد بصورة متزايدة عن شعبها وتخضع لسيطرة المصالح الخاصة؟ كيف نستطيع أن نضمن انه في اقتصاد متزايد العولمة سوف يحافظ الرابحون على تعاطفهم مع الأقل حظوةً منهم؟ وكيف يمكننا ان نسوي خلافاتنا في زمن من التنوع المتزايد؟
وأخيراً، من المفيد أن نأخذ بعين الاعتبار معنى الوطنية لأن مسألة من هو الوطني، ومن هو غير الوطني، كثيراً جداً ما تُسمِّم مناظراتنا السياسية بطرق تقسمنا بدلاً من أن توحدنا. لقد توصلت إلى معرفة ذلك عبر تجربتي الشخصية خلال مسار الحملة الانتخابية. فقد كنت اعتبر طوال حياتي ان حبي العميق الدائم لبلادي أمر مفروغ منه. وان ذلك يتمثل في كيفية تربيتي، وانه السبب الذي دفعني إلى حقل الخدمة العامة، كما هو سبب ترشّحي لمنصب الرئاسة. ومع ذلك، وفي أوقات معينة خلال الأشهر الستة عشر الماضية، وجدت للمرة الأولى ان وطنيتي تواجه تحديات. وكان ذلك في بعض الأحيان بسبب عدم اكتراثي، وفي أحيان اكثر بسبب رغبة الآخرين في تسجيل نقاط سياسية وإثارة المخاوف حول من أكون وماذا أمثل.
لذلك دعوني أتناول ذلك في مستهل ملاحظاتي: لن أتساءل مطلقاً حول صدق وطنية الآخرين خلال هذه الحملة، ولكني لن أقف مكتوف الأيدي عندما أسمع الآخرين يتساءلون حول صدق وطنيتي. ...
إن استخدام الوطنية كسيف او كدرع سياسي شأن قديم كقِدم هذه الجمهورية. ومع هذا فإن ما يلفت النظر حول المناظرات الدائرة حالياً بشأن الوطنية هي الدرجة التي لا زالت فيها هذه السجالات متجذرة في الحروب الثقافية التي جرت في ستينات القرن الماضي، وفي مجادلات يعود تاريخها إلى أربعين سنة خلت أو أكثر. فخلال السنوات الأولى لحركة الحقوق المدنية ومعارضة الحرب في فيتنام، كثيراً ما كان المدافعون عن الوضع القائم يتهمون كل من يتساءل عن حكمة السياسات الحكومية بأنه غير وطني. وفي هذه الأثناء، كانت ردة فعل بعض من كانوا ينتمون إلى ما سمي بالثقافة المضادة في الستينات ليس مجرد مهاجمة السياسات الحكومية، بل وأيضاً مهاجمة الرموز، وحتى في حالات قصوى مهاجمة فكرة أميركا نفسها، من خلال حرق الأعلام، وكذلك من خلال توجيه اللوم إلى أميركا عن كل شيء خاطئ يجري في العالم، وربما ما كان أكثر مأساوية لومها بسبب تخلفها عن تكريم المحاربين القدامى العائدين إلى الوطن من فيتنام، الأمر لا زال يُشكِّل عاراً قومياً حتى يومنا هذا.
لم يوافق معظم الاميركيين مطلقاً على هذه النظرة الفائقة التبسيط إلى العالم، أي هذه الصور الكاريكاتورية لليسار ولليمين. فقد أدرك معظم الأميركيين ان المعارضة لا تجعل المرء غير وطني وانه ليس من المهارة أو الذكاء في شيء التغاضي باستخفاف عن التقاليد والمؤسسات الأميركية. ورغم ذلك، فإن الغضب والاضطراب اللذين سادا خلال تلك الفترة لم يستنفذا بالكامل حتى اليوم. وكثيراً جداً ما تبدو سياساتنا وكأنها لا زالت أسيرة لتلك النقاشات القديمة والبالية، وهو واقع تجلّى بوضوح خلال مناظراتنا الأخيرة حول الحرب في العراق، عندما قام البعض باتهام معارضي سياسة الإدارة على انهم غير وطنيين، وعندما اتُهم جنرال بالخيانة لتقديمه أفضل ما يملك من مشورة حول كيفية التحرك قُدماً في العراق.
نظراً للتحديات الهائلة التي تكمن في طريقنا، فإننا لا نستطيع بعد الآن تحمل هذه الأشكال من الانقسامات. لا أحد منا يتوقع بأن النقاشات حول الوطنية سوف تتلاشى او إذا كان يجب ان تتلاشى بالكامل. ففي نهاية المطاف، عندما نتناقش حول الوطنية فإننا نتناقش حول من نكون نحن كبلد، والأهم من ذلك، من يجب ان نكون. لكن من المؤكد انه يمكننا الاتفاق على ان ما من حزب سياسي أو فلسفة سياسية يملك احتكاراً للوطنية. ومن المؤكد انه يمكننا التوصل إلى تعريف للوطنية يستقطب ما هو الأفضل من الروح الأميركية، مهما بقي التعريف تقريبياً أو ناقصاً.
كيف نرغب ان يكون شكل هذا التعريف؟ بالنسبة لي، كما بالنسبة لمعظم الاميركيين، تبدأ لدي الوطنية كشعور داخلي، نوع من الولاء والحب للبلاد متجذر في ذكرياتي الأولى. أنا لا أتكلم فقط عن تلاوة عهد الولاء، أو احتفالات عيد الشكر في المدرسة، او الألعاب النارية في الرابع من تموز/يوليو، على الرغم من مدى روعة هذه الأشياء. بل اني أشير إلى الطريقة التي تم فيها نسج المثال الأعلى الأميركي في الدروس التي علمتني إياها عائلتي وأنا طفل. ...
بالنسبة لي، الوطنية هي دائماً اكثر من مجرد الولاء لمكان على خريطة أو لنوع معين من الناس. بل بدلاً من ذلك، انها الولاء للمثل العليا الأميركية، المثل العليا التي يستطيع أي إنسان ان يضحي من اجلها، او يدافع عنها، او يمنحها آخر قدر يملكه من الإخلاص. اني أؤمن ان هذا هو الولاء الذي يتيح لدولة تحتشد فيها مختلف الأعراق، والاثنيات، والديانات، والعادات ان تتقارب من بعضها البعض كوحدة واحدة.

اني أعتقد ان الذين يهاجمون عيوب أميركا بدون الاعتراف بالعظمة الاستثنائية لمثلنا العليا وقدرتها المؤكدة على إلهامنا بإنشاء عالم افضل لا يفهمون أميركا بالفعل.
وبالطبع، وتماماً لأن أميركا غير مثالية وكاملة، وتماماً لأن مثلنا العليا تتطلب منا باستمرار ما هو أكثر، فإن الوطنية لا يمكن تعريفها مطلقاً كولاء لزعيم معين، او حكومة معينة، او سياسات معينة. وكما كتب مرة أعظم الكتاب الساخرين الأميركيين مارك توين، والإبن الفخور لولاية ميزوري، "الوطنية هي دعم بلادك في كافة الأوقات، ودعم حكومتك عندما تستحق ذلك". ويمكننا ان نأمل بأن يقف قادتنا وحكوماتنا إلى جانب مثلنا العليا، وقد حصل ذلك بالفعل في مرات عديدة من تاريخنا. ولكن عندما تكون قوانينا، أو يكون قادتنا أو حكوماتنا بعيدين عن الاصطفاف الكامل مع مثلنا العليا، عندئذ قد تكون معارضة الاميركيين العاديين إحدى اصدق التعابير عن الوطنية.
...
وإلى أبعد من الولاء للمثل العليا الأميركية، وإلى ابعد من الرغبة في المعارضة باسم تلك المثل العليا، اعتقد أيضاً ان على الوطنية، إذا كان المرغوب لها ان تعني أي شىء، ان تشمل إرادة التضحية، والتخلي عن شيء نُثمنه في سبيل قضية أعظم. أما بالنسبة للذين حاربوا تحت راية هذه الدولة، فلن تكون هناك ضرورة لإبراز أي إثبات إضافي لمثل هذه التضحية. ودعوني أضيف أيضاً أن ما من أحد يجب أن يقلل مطلقاً من قيمة تلك الخدمة، ولا سيما إذا جاء ذلك بسبب حملة سياسية، وهذا الأمر ينطبق على مؤيدي كلا الطرفين.
علينا أن نعرب دائماً عن عرفاننا العميق بالجميل للخدمة التي قدمها رجالنا ونساؤنا في الذين يرتدون البزة العسكرية لقواتنا المسلحة. نقطة على السطر. فالحقيقة أن أحد الأشياء الحسنة التي نجمت عن النزاع الحالي في العراق هو الاعتراف الواسع أنه، وبغض النظر عن دعم أو معارضة هذه الحرب، فان تضحية جنودنا تستحق التكريم على الدوام.
لقد رأيت جيلاً جديداً من الاميركيين يشرعون في تلبية النداء. أقابلهم في كل مكان أذهب إليه، شباب انخرطوا في مشروع تجديد أميركا. وليس أولئك الذين عقدوا العزم على القتال من اجل دولتنا في أراضٍ نائية فحسب، بل وأيضاً أولئك الذين يحاربون من اجل جعل أميركا افضل هنا داخل الوطن، من خلال التعليم في مدارس لا تقدم خدمة كافية، او الاعتناء بالمرضى في مستشفيات تفتقر إلى عدد كافٍ من الممرضين، او تعزيز سياسات الاستخدام الأكثر استدامة للطاقة في مجتمعاتهم الأهلية.
أعتقد بأن إحدى مهام الإدارة القادمة تتمثل في ضمان نمو هذه الحركة التي تعمل في سبيل الخدمة العامة لكي تصبح قادرة على الاستدامة ذاتياً خلال السنوات القادمة. علينا ان نوسع نطاق عمل "أميريكورب" التطوعي وان ننمي فيلق السلام. علينا ان نشجع الخدمة القومية من خلال جعلها جزءاً من متطلبات برنامج جديد لمساعدة طلاب الجامعات، وذلك في نفس الوقت الذي نعزز فيه الفوائد لأولئك الذين دفعهم إحساسهم بالواجب إلى الخدمة في القوات المسلحة.
...
الآن، وإذ نستهل قرننا الرابع كدولة، من السهل علينا اعتبار الطبيعة الاستثنائية لأميركا أمراً مفروغاً منه. لكن علينا كأميركيين وكأهل مسؤولية غرس ذلك التاريخ في عقول أولادنا، في المنزل كما في المدرسة.
يتوجب علينا نحن ان نعلمهم. علينا ان نعلمهم انه رغم التحديات العظيمة التي واجهناها، وارتكاب حصتنا من الأخطاء بشأنها، تمكّنا دائماً من التضامن سوية لجعل هذه الدولة اقوى، واكثر ازدهاراً، وأوثق وحدة، وأكثر عدالة. علينا نحن ان نعلمهم بأن أميركا كانت قوة للخير في العالم وان دولاً وشعوباً أخرى نظرت إلينا كأفضل وآخر أمل لها على وجه هذه الأرض. علينا ان نعلمهم انه من الجيد إعادة العطاء إلى مجتمعهم الأهلي، من المشرّف لهم الخدمة في القوات المسلحة، وان من الأمور الحيوية المساهمة في ديمقراطيتنا وجعل أصواتنا مسموعة.
ويتوجب علينا نحن ان نعلّم أولادنا درساً، كثيراً جداً ما ينساه المنخرطون منا في السياسة، بان الوطنية لا تشمل الدفاع عن هذه الدولة ضد التهديد الخارجي وحسب بل وأيضاً العمل باستمرار لجعل أميركا مكاناً افضل للأجيال القادمة.
...
في نهاية المطاف، قد تكون هذه الصفة هي الأفضل لوصف الوطنية في ذهني، ليس مجرد حب أميركا بالمعنى المجرد، بل حب خاص جداً للشعب الأميركي والإيمان به. لهذا السبب يمتلئ قلبنا بالفخر عندما نرى علمنا، لهذا السبب نذرف دمعة عندما نسمع الألحان المدهشة للموسيقى العسكرية لأننا نعرف ان عظمة هذه البلاد وانتصاراتها في الحروب، ثروتها الهائلة، إنجازاتها العلمية والثقافية، كلها نتجت عن طاقة الشعب الأميركي ومخيلته، عن كدحه، واندفاعه، وكفاحه، وحيويته، عن روح الدعابة لديه وبطولته الهادئة.
هذه هي الحرية التي ندافع عنها، حرية كل واحد منا في السعي لتحقيق أحلامنا الخاصة. هذه هي المساواة التي نسعى اليها، ليس المساواة في النتائج، بل في توفير الفرصة لكل واحد منا للنجاح إذا ما حاول ذلك. ذلك هو المجتمع الأهلي الذي نكافح لبنائه، مجتمع أهلي نثق من خلاله بهذه الديمقراطية التي تسودها الفوضى أحياناً، مجتمع أهلي نستمر فيه بالإصرار على عدم وجود أي شيء لا نستطيع عمله عندما نصمم على ذلك، مجتمع أهلي نرى أنفسنا فيه كجزء من قصة اكبر، حيث مصيرنا مرتبط بمصائر أولئك الذين يشاطروننا الولاء لعقيدة أميركا السعيدة والاستثنائية.