الحكومة الأميركية | توازن ثابت بين المؤسسات

01 كانون الثاني/يناير 2009

التحديات المبكرة لحكومة جديدة

 

بقلم كورت ام كامبل

 

في الوقت الذي واجهت فيه الحكومات الجديدة تحديات صعبة في الماضي، ورغم أن العديد منها ارتكب الأخطاء، فإن الجمهورية الأميركية واصلت المشوار.

كورت ام كامبل هو المدير التنفيذ الرئيسي لمركز الأمن الأميركي الجديد. يود هذا المؤلف تقديم شكره إلى ويتني باركر وجورج ميتشل للمساعدة التي قدماها في نطاق الأبحاث المتعلقة بهذه المقالة، والتي استخلصت من الكتاب الصادر حديثاً، عمليات انتقال صعبة: مشاكل السياسة الخارجية عند بدء ممارسة السلطة بقلم كورت كامبل وجيمس بي ستاينبرغ (بروكينغز برس، تشرين الثاني/نوفمبر، 2008).

 

عملية التسليم من رئيس أميركي يشغل المنصب إلى رئيس أميركي منتخب توفّر فرصة للتغيير وإعادة التقييم، ولكنها تحفل أيضاً بمخاطر جديدة. عندما يقسم الرئيس المنتخب باراك اوباما اليمين الدستورية في 20 كانون الثاني/يناير، 2009، سوف يواجه حروباً مستمرة في العراق وأفغانستان، وأزمة مالية تزداد عمقاً تهدد بتقويض الاستقرار الاقتصادي العالمي، وبرامج نووية نشطة في إيران وكوريا الشمالية، وعلاقة تزداد توتراً مع روسيا، وعلاقة أكثر تعقيداً مع الصين، هذا إذا لم نذكر مشاكل تغير المناخ والفقر العالمي والنزاعات في أفريقيا.

وفي حين لا تُشكِّل قضايا الأمن القومي الرئيسية شأناً جديداً لعمليات الانتقال الرئاسية، لكن هناك عدة أسباب تبيّن لماذا تطرح عملية التسليم الحالية مخاطراً فريدة من نوعها. السبب الأول هو ان الفورية المباشرة للتهديدات وجسامتها، في عالم اليوم المعولم، أصبحت أكبر بكثير من مما كانت عليه عند أي نقطة في ماضينا. أي ان الهجوم بالأسلحة البيولوجية وانهيار سوق الأسهم المالية قد يولدان تأثيرات ترددية حول الكرة الأرضية خلال دقائق معدودة. والسبب الثاني هو ان الترابط المتبادل الاقتصادي والعسكري الدولي المتزايد، سوية مع الروابط المتنامية عبر الحدود القومية، يعني انه من غير الممكن فعلياً لأي رئيس ان يدخل البيت الأبيض حاملاً معه معرفة كاملة بكل منطقة محتملة من العالم ذات أهمية استراتيجية.

ومن المحتمل أيضاً ان تكون عملية الانتقال هذه اكثر عمليات الانتقال تعقيداً في التاريخ. سوف يتسلم باراك اوباما مقاليد إدارة جهاز أمن قومي موسع يشمل حالياً عدة وكالات جديدة مثل وزارة الأمن الوطني، التي لم تواجه أبداً في السابق عملية انتقال سياسي. تخلق هذه الأسباب، سوية مع عوامل أخرى، صعوبات معقدة للفريق القادم. وسوف تتطلب الإدارة الناجحة لهذه الصعوبات أن يقوم فريق عمل أوباما بتركيز اهتماماته على ثلاث مسائل جوهرية في عملية الانتقال: إعادة تقييم التزامات الحملة الانتخابية، اختيار الأشخاص والعمليات، ووضع برنامج عمل للأيام المئة الأولى للإدارة الجديدة.

التزامات الحملة الانتخابية

إحدى التحديات الأولى لعمليات الانتقال الرئاسية تنشأ قبل وقت بعيد من انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، أي في الوقت الذي يكون فيه المرشحون لا يزالون منخرطين في حملاتهم الانتخابية. فالالتزامات التي تقدم بتسرع خلال الحملات الانتخابية كثيراً ما تُشكِّل سبباً للصداع لدى الرؤساء عندما يصل المرشحون إلى البيت الأبيض. وقد يحتاج الرئيس المنتخب إلى إعادة تقييم الوعود التي أعطاها خلال الحملة الانتخابية بعد ان يستلم للمرة الأولى الموجزات الأمنية القومية من أعلى المستويات. وإذا تخلّف الرئيس الجديد عن تنفيذ تعهد قدمه في السابق، فقد يظهر انه شخصاً ضعيفاً، وبذلك يلحق الضرر بمصداقيته. ولكن  استمرار التمسك بتعهد غير متروٍ أعطي خلال الحملة الانتخابية والذي تبطله المعلومات الجديدة فإنه قد يهدد بعواقب أليمة أكثر.

لسوء الحظ، فإن ضغوط الحملة الانتخابية تضمن في الواقع ارتكاب المرشحين لبعض الزلات الخطابية على الأقل. ولكن، رغم إعطاء تعهدات معينة خلال الحملة قد تكون ضرورية لتأمين الدعم المطلوب للفوز بالبيت الأبيض، فلن يتوجب على الرئيس المنتخب تأمين دعم المجموعات الانتخابية الرئيسية الداخلية وحسب بل وأيضاً إلى تعاون الشركاء الخارجيين. فالاقتراحات التي لا تحصى حول السياسة، وقوائم مراجعة المواقف السياسية التي تعدها شبكة واسعة من مؤسسات الفكر، قد تكون مساعدة أحياناً ولكنها تحمل في طياتها خطر إيقاع المرشحين في شرك مواقف سياسية قد يثبت لاحقاً أنها لم تكن حكيمة.

الأشخاص والعمليات

التحدي الجوهري الثاني في عمليات الانتقال المتعلقة بالسياسة الخارجية يشمل اختيار الأشخاص المناسبين ووضع أفضل العمليات اللازمة لاتخاذ القرارات ونظام الحكم. يستطيع الرؤساء المنتخبون استعمال الوقت المتوفر قبل الانتخابات للتحقق من مؤهلات الأشخاص المحتملين لإشغال مناصب وزارية رئيسية. ولكن، ولأسباب متنوعة، يقرر المرشحون في العادة عدم اتباع هذه المقاربة. تُشكِّل المعتقدات الخرافية وعدم الرغبة في "استباق النتائج" حول الانتخابات أحد هذه الأسباب. ولكن يكون لدى المرشحين عدد من الأولويات الضاغطة الأخرى خلال الحملة الانتخابية كما أنهم قد يرغبون في تجنب إغضاب مؤيدين رئيسيين بسبب عدم تقديم أسمائهم للتعيينات.

ومؤخراً، طالب بعض الخبراء الاستعجال في عملية التثبيت لمراكز رئيسية في نطاق الأمن القومي لمنع حصول أي نقص خطير في القدرات  الأمنية خلال عمليات الانتقال الرئاسية. يصنف الأشخاص المحتملون للتعيين بوجه عام وفق الفئات الأربع: الباقون في مناصبهم، الموالون او المستشارون السياسيون خلال الحملة الانتخابية، والنجوم، والأشخاص الجديرون. ولكل واحد من هؤلاء ميزاته وسيئاته. فالباقون في مناصبهم من الإدارة الحالية يستطيعون تأمين الاستمرارية والذاكرة المؤسساتية للفريق الجديد، ولكن بقدر غير مؤكد من الموالاة. أمّا الموالون فإنهم سوف يُظهرون التزامهم تجاه القيادة الجديدة ولكنهم يشكلون أخطاراً تترافق مع الاعتماد على "التفكير الجماعي" وذلك عندما يحين الوقت لاتخاذ القرارات. وفئة النجوم توفّر مصداقية فورية للإدارة في مجالات محددة، ولكنهم قد لا يكونوا منسجمين مع نمط القيادة الشخصية للرئيس. أمّا فئة الجديرين، الذين يملكون سيرة ذاتية عالية في المجال العام، وكثيراً ما يتم اختيار هؤلاء من بين أعضاء الكونغرس الأميركي، فإنهم يوفرون المصداقية ولكنهم قد لا يحملون معهم تجربة ذات شأن في شؤون الأمن القومي. إن اتخاذ قرار الاختيار حول الأشخاص والعمليات يمتد إلى مكتب نائب الرئيس كذلك. كما يجب أخذ كافة هذه الاعتبارات نظراً لكون برنامج العمل السياسي للإدارة الجديدة يكون لا يزال في مرحلة التطور.

أول مئة يوم

يواجه الرئيس الجديد مفارقة مقلقة بعد ان تنتهي الحفلة الراقصة للتنصيب، أي أنه يكون في ذروة شعبيته تماماً عندما تكون قدرته الإدارية في أضعف حالاتها. يتوجب أن يسير الرئيس الجديد على خط رفيع يدمج بين الجرأة والحذر، وأن يختار معاركه بعناية. فحالات الفشل السابقة، كمبادرة الرئيس بيل كلينتون السيئة السمعة حول اللوطيين في الجيش التي وترت علاقته كثيراً مع وزارة الدفاع، قد تمنع القائد الجديد من بناء الزخم اللازم لحسم التحديات السياسية الرئيسية.

يجب على الرؤساء الجدد أيضاً تخفيف حافزهم للتخلي عن كامل سياسات الإدارة السابقة، وهي عملية وصفها بعض المراقبون على أنها ظاهرة "أي شيء ما عدا كلينتون"، التي ميزت الفترة الرئاسية الأولى للرئيس جورج دبليو بوش.

نصائح حول عمليات الانتقال

خلال الحملات الانتخابية، على المرشحين للرئاسة ان يتذكروا، أولاً، بأن عليهم أن يكونوا حكماء عند إعطاء الوعود، وان يكونوا مدركين بان أي معلومات جديدة قد تتطلب تغيير رأيهم بعد أن يتسلموا زمام الرئاسة. وثانياً، يجب ان يتجنب المرشحون الإجابة على الأسئلة المبنية على افتراضات. وثالثاً، يجب أن يستغل المرشحون وفريق عملهم فترة الحملة الانتخابية للتعلم والتفكير بأساليب الحكم والإدارة لمرشحهم. سوف تفيد هذه الدروس عند تحديد شكل فِرَق عمل الرئيس. كما من الممكن أيضاً الشروع في اختيار المسؤولين الرئيسيين دون الظهور بمظهر الثقة المفرطة بالنفس. وعلاوة على ذلك، وخلال الحملة الانتخابية، يستطيع المرشحون تشكيل مجموعات استشارية رسمية وغير رسمية تتحول فيما بعد إلى فِرَق الانتقال والحكم، أي كما فعل بنجاح كل من رونالد ريغان وجورج ايتش دبليو بوش. خلال الفترة الرسمية للانتقال، أي الأيام التي تقع بين انتخاب الرئيس وتنصيبه، يجب ان يتخذ الرئيس المنتخب أولاً قرارات حول الموظفين، ومع الإبقاء على مراقبته للتشكيل الإجمالي لفريق العمل. وبعد ذلك، على الرئيس المنتخب ان يضع الإجراءات اللازمة لعملية اتخاذ القرارات بالاستناد إلى الأشخاص الذين سوف يشكلون إدارته الجديدة. سوف تؤثر الشخصيات والعلاقات غير الرسمية في نجاح العمليات والإجراءات التي سوف تسود في نهاية المطاف. وعلى الفريق أن يتجنب نمط "التفكير الجماعي" (أي عدم تعيين الكثير من الموالين على حساب الباقين في مناصبهم، والأشخاص الجديرين والنجوم)، ولكن عليه ان يدرك أيضاً ان التنوع المفرط قد يشل عملية اتخاذ القرارات ويمنع قيام علاقات عمل قوية.

بعد ان يجلس الرئيس في مكتبه ويصبح مسيطراً بقوة على الأمور، يجب ان يتحرك لحل النزاعات القديمة بسرعة وفعالية، وان يحاول بناء زخم من انتصارات صغيرة لاظهار تحقيق تقدم في وقت مبكر. وعلى الرئيس الجديد أن يحاول تأجيل النظر في المسائل الصعبة والمعقدة إلى ان يتمكن من التكيف مع حقائق الحكم غير المتوقعة. رغم ان السلطة الرئاسية تكون في أحيان كثيرة عند اضعف نقاطها خلال الأيام المئة الأولى، فالتقدم الملموس يبقى ممكناً في حال حقق الرئيس توازناً فعالاً خلال الفترة التي تعرف باسم فترة "شهر العسل". ومن الممكن اتخاذ خطوات أولية لمدّ الجسور اللازمة لردم الاستقطاب في مجتمع الأمن القومي في وقت مبكر من إدارته.

على الرئيس المنتخب الدخول إلى البيت الأبيض مع فريق عمل فعال موجود في مواقعه وان يكون مستعداً لادارة الأزمات غير المتوقعة من بدايتها. علاوة على ذلك، على الرئيس الجديد أن يتعامل مع الفرع التشريعي للحكم في وقت مبكر وفي معظم الأحيان. الفريق التنفيذي لجورج دبليو بوش انطلق بشكل خاطئ مع الكونغرس من خلال وضع عملية للأمن القومي ترتكز بشدة على الفرع التنفيذي للحكم مما وتر كثيراً العلاقات مع الحلفاء الحزبيين في مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

المخاطر والفرص

إن تاريخ عمليات الانتقال للرؤساء الأحد عشرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قصة حذرة، تزخر بالمخاطر كما بالفرص. هناك الكثير من المزايا الفريدة المترافقة مع نظام الحكم الأميركي: موازنته الدقيقة  للسلطة بين الفروع التنفيذية، والتشريعية والقضائية، والدور الذي يلعبه المعينون السياسيون في الفرع التنفيذي، وعملية الانتقال الرئاسية التي تختلف كثيراً وتمتد لفترة أطول بكثير من غيرها من الأنظمة البرلمانية مثل نظام وستمنستر البرلماني في دول اخرى.

وفي عالم معقد ومعرض لتهديدات لا تحصى، وبسبب تدفقات المعلومات الملحة، والبيروقراطية الحكومية المتوسعة بازدياد، فإنه ينظر إلى عمليات الانتقال الرئاسية بأمل كما بقلق شديد. يعكس هذا القلق الشديد أكثر من الاهتمامات البسيطة بالاتجاهات المحتملة للسياسة. إنه يعكس أيضاً القلق حول الزلات والفوضى المحتملة التي أرهقت في السابق عمليات الانتقال الرئاسية.

مع ذلك، ورغم التحديات العديدة والأخطاء الفاضحة من وقت لآخر على مر القرون، فقد بقيت عمليات الانتقال الرئاسية في الولايات المتحدة منظمة وسلمية إلى درجة ملحوظة. فاحترام الدستور الأميركي، وحكم القانون، وعملية الانتخابات، ومؤسسة الرئاسة كانت دائماً هي المسيطرة رغم الانتكاسات التي تصيبها من وقت لآخر. وفي حين كان الرؤساء المنتخبون يواجهون بصورة روتينية تحديات صعبة في الماضي، ومع ان العديد منهم ارتكبوا أخطاء، لكنه تمّ دائماً المحافظة على الجمهورية. أمّا عملية الانتقال القادمة فإنها سوف تقدم بالتأكيد أحد أعظم التحديات التي واجهتها أميركا على الإطلاق، ولكن التاريخ يؤكد لنا ان رجالاً عظام ونساء عظيمات سوف يبرزون لمواجهتها.

* الآراء المُعبّر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي