18 شباط/فبراير 2009
لنكولن كصناعة للكتابة والنشر
بقلم أندرو فيرغيسون
هذا المقال مقتطف من كتاب "أبراهام لنكولن: إرث من الحرية" من منشورات مكتب برامج الإعلام الخارجي.
صاح أحد معارفي من مؤلفي الكتب مندهشا "آه"، عندما أبلغته أنني وقّعت عقدا لتأليف "كتاب عن أبراهام لنكولن. وهو كتاب تحتاجه أميركا فعلا." ومن قبيل الحق والإنصاف (من جانبي) لم يكن الكتاب عن لنكولن على وجه التحديد، أو لم يكن عن لنكولن بشكل مباشر على الأقل. وحتى مع ذلك، فإن سخرية صديقي كانت لاذعة واخزة.
كان هناك شيء من الحقيقة في تلك الملاحظة. فهو لم يعرف الأرقام، ولكنني كنت أعرفها. فمنذ تلك الحادثة المأساوية في مسرح فورد حيث سلبت رصاصة الغادر حياة أبراهام لنكولن صدر أكثر من 14,000 كتاب عن لنكولن، جاعلة منه صاحب المرتبة الثانية بعد المسيح ونابليون في الاستحواذ على اهتمام مؤلفي الكتب والكتّاب في العالم. ولم تتباطأ سلسلة إصدار الكتب منذ ذلك الحين، ولا تبدو الآن أي بوادر على تباطؤها، بدليل قراءتك مقاطع من الكتاب الذي اقتطف منه هذا المقال. لم يكن قد مضى طويل وقت على بداية عملي في تأليف كتابي عن لنكولن حتى ألحّت علي الفكرة.
كنت في عطلة نهاية أحد الأسابيع في سبرنغفيلد، المدينة التي تحدر منها لنكولن بولاية إلينوي، لحضور مؤتمر حول لنكولن. (والواقع هو أن عطلة نهاية أي اسبوع ستكون شاذة بالنسبة لسبرينغفيلد إذا لم يعقد خلالها مؤتمر حول لنكولن). كان الجمهور كبيرا، إذ ضم نحو 100 من العلماء والكتاب والمؤرخين الهواة وأصحاب الهوايات والمعجبين، وعددا قليلا من الذين بدا من مظهرهم أنهم من المشردين. وقاطع عريف المؤتمر عند نقطة ما سير المؤتمر ليطالب الجمهور بالتعريف عن نفسه برفع الأيدي.
قال سائلا "من قبيل الفضول فقط، كم من الموجودين هنا عاكف على تأليف كتاب عن أبراهام لنكولن؟"
وكان أن رفع نصف عدد الحاضرين تقريبا أيديهم.
شعرت بثبوط عزيمتي، ولكنني لم أتراجع. ولم يمض وقت طويل حتى بدأت أصطدم بالعراقيل والمصاعب العملية التي تخلقها الوفرة الهائلة من المعلومات عن لنكولن للذين تصيبهم حماقة محاولة إضافة جديد إليها. ولا تشمل هذه المصاعب مجرد التنقيب في مسيرة طويلة من السجلات التاريخية المكتوبة وحسب، بل وتتجاوزها أيضا إلى كل ما تجمّع على مر الزمن من حقائق واكتشافات يمكن أن تخطر على البال. صحيح أننا ما زلنا نتعلم ونعرف شيئا جديدا عن لنكولن بين حين وآخر، لكن هذه الاكتشافات، رغم ضآلتها وندرتها، تثير فضول ممتهني الكتابة والمنقبين غائري العينين من استحواذ الاطلاع عليهم. والكتب التي صدرت مؤخرا وحظيت باهتمام عند الجمهور لا تشتمل على أكثر من مجرد معالجة حقائق قديمة وترتيبها بأسلوب ونظام جديدين. وأما بالنسبة لي فكانت هناك مشكلة عادية غير متوقعة ولم يحسب لها حساب مسبقا، وهي مسألة العنوان. وليكن كل كاتب على علم وحذر بأن هناك خزانة من 14,000 كتاب عن لنكولن أطلق مؤلفو بعضها العنوان نفسه الذي اختاره مؤلف الكتاب الجديد.
لنكولن والمطبوعات
أقوال لنكولن الشهيرة التي تراوحت بين "مولد جديد للحرية" و"دون ضغينة لأحد" وبين "مع المحبة للجميع" و"من الشعب وبالشعب وللشعب" التي يمكن اقتطافها من مضمونها، استعيرت كلها وطبعت عناوين لأغلفة الكتب. وبزيادة التمحيص، تبين لي أن هناك سلسة دوّارة متصلة الحلقات من الكلمات التي بدا وكأنها منحت المؤلفين والكتّاب عددا محدودا من الكلمات التي أجبروا على ترتيبها وتنضيدها بنظم وأشكال مختلفة. وكانت هناك عناوين مثل "سيف لنكولن" و"السيف ملك لنكولن" و"لنكولن والجنرالات" و"جنرالات لنكولن" و"عالم أبراهام لنكولن" و"العالم الخاص لأبراهام لنكولن" و"فضائل لنكولن" و"لنكولن الفاضل." وكانت هناك أيضا عناوين مثل "على خطى لنكولن" و"في أثر خطى لنكولن"، ثم من قبيل التنوع كان عنوان "في أثر لنكولن." وعرفتُ من خلال بحثي الخاص أن هناك ثلاثة كتب تحمل عنوان "لنكولن الحقيقي" التي يعرض كل منها صورة يقول إنها للنكولن الحقيقي، ولكنها مختلفة تماما عن كل من الصورتين المرسومتين له في الكتابين الآخرين.
لم يدهشني هذا كما كان ينبغي له أن يفعل بقدر ما أدهشني شيء آخر فاجأني في أبحاثي المتعلقة بكتابي، وهو كتاب بعنوان "أرض لنكولن" والذي لا ينبغي الخلط بينه وبين كتاب "أرض لنكولن الحيّة" الذي صدر في العام 1980 من تأليف توماس ج. فليمينغ، كما أدهشني كم لنكولن هناك يطوفون ويترددون علينا. كنت صبيا في أوائل الستينات عندما خيم ظل لنكولن الكبير بشكل لا مفر منه وأصبح ملكا مشتركا ومعيارا للبلاد كلها. وبدا أن كل فرد له لنكولنه الخاص به. وكان صرح إرثنا القومي الكبير كأنما تجزأ إلى قطع صغيرة أصبحت كل منها ملكية خاصة.
وتوالت الكتب تحكي القصة مرّة بعد أخرى. وصدر في السنوات الأخيرة كتاب حاول أن يثبت لنا أن لنكولن كان مسيحيا أصوليا متعصبا، وكان الكتاب بالطبع من تأليف مسيحي متشدد. وقال كتاب آخر إن عظمة لنكولن نبعت من صراعه مع مرض اكتئابي، وكان المؤلف طبعا صحفيا صارع مرض الاكتئاب. ولعل أكثر الكتب شهرة، من حيث سوء السمعة، كتاب ألفه ناشط في الحركة المثلية (العلاقة الجنسية المماثلة) نشر في العام 2005 مؤكدا أن لنكولن وإن لم يكن مدافعا ناشطا عن المثلية الجنسية فقد كان هو نفسه مثليا فعلا. والمحافظون ألفوا كتبا عن نهج لنكولن المحافظ. والليبراليون ادّعوه واحدا منهم في كتب وصفت لنكولن بأنه ليبرالي. وصدر في العام 2003 كتاب يبرهن على أن لنكولن، لو عاش اليوم، فإن أفكاره السياسية لن تختلف أو تتميز عن أفكار حاكم ولاية نيويورك ماريو أوكومو، ولكم أن تتخيلوا من هو مؤلف الكتاب.
الافتتان بلنكولن ومحاولة فهمه
قد يتعرض القارئ أمام هذه اللهفة على إماطة اللثام عن لنكولن والبحث تحت القشور، لإغراء الإجابة عن التساؤل الذي اتُّخذ عنوانا لهذا المقال وهو، ما الذي يعنيه لنكولن عند الأميركيين اليوم؟ بسؤال عفوي مقابل هو ما الذي لا يعنيه لنكولن للأميركيين اليوم؟ فهو إذ يبدو كأنه يعني كل الأشياء في آن معا فهو قد يبدو أيضا من ناحية فلسفية أن لنكولن لم يعد له أي معنى خاص بالمرة. لكن هذا ولا شك قول عفوي مرتجل. فهناك شيء أميركي خاص محض في مجرد المبالغة والحماسة اللتين لنا في افتتاننا بلنكولن. وقد توصّلتُ إلى الاعتقاد بأن فهم هذا الافتتان ربما كان وسيلة لا لفهم لنكولن وحسب، ولكن لفهم البلاد نفسها أيضا.
صحيح أنه لا مجال لإنكار حمية العاطفة، لكنها تدعو في الوقت نفسه إلى الاندهاش كونها تصدر عن بلد يفترض أنه غير مبال بالنسبة لتاريخه الخاص. فليس هناك أميركي غيره استقطب مثل هذه الرغبة الفضولية في البحث والدرس والمديح والتعريض والتنقيب عنه باستثناء نابليون، كما لم يشاركه أي كائن بشري في التاريخ الحديث هذا المصير الباهر الذي لا يصدق.
ثم إنه ما من شخص قط، حتى نابليون، كان مصدر وحي وإلهام لجماعة تكسب عيشها من ادعائها بأنها مثل هو، مثلما كان لنكولن. فهناك، من ناحية، جمعية ممثلي لنكولن وهي عبارة عن نقابة مهنية كغيرها من النقابات، وهناك، على سبيل المثال، اتحاد نقابات العمل، وجمعية أصحاب الصناعات والجمعية الدولية لرعاية الحيوانات الأليفة. وجمعية ممثلي لنكولن، شأنها شأن الجمعيات والنقابات الأخرى تعقد مؤتمرات سنوية لاجتماع أعضائها مع بعضهم وتبادل النصائح المهنية وتحسين أداء أعمالهم التجارية. ويرتدي أعضاء الجمعية الذين يمثلون شخصية لنكولن سترة طويلة سوداء اللون وقبعة مستديرة عالية على غرار ما كان يلبس لنكولن، ويضعون لحية سوداء مستعارة، إن لم تكن حقيقية. ويعود كل منهم بعد المؤتمر إلى حيث جاؤوا منتعشين لبدء عملهم بنشاط متجدد في المدارس، وإلقاء الخطب في النوادي أو الاستعراضات في المعارض، وهي نشاطات بمثابة عمل تبشيري بلنكولن في بلد يعتقدون أنه بحاجة إلى لنكولن أكثر من أي شيء آخر. وسألتُ مؤسس جمعيتهم مرة عن سبب اهتمامهم هذا، فقال لي إن "لنكولن يذكّرنا بما نحتاج معرفته ولكننا نسيناه."
لعل من الصعب وصف انطباع تأثير رؤية أكثر من 100 شخص يشبهون لنكولن متجمعين في قاعة أحد الفنادق وهم يستمعون إلى خبير في العلاقات العامة يتحدث عن "جعل وسائل الإعلام تعمل لخدمتك"، لكنني اعتدت على غرابة هذا المشهد في بحثي عن لنكولن.
قد يكون هناك نحو 15,000 أميركي من الحريصين الجادين على جمع مقتنيات وتحف لها علاقة بذكرى لنكولن، وذلك على الرغم من أن أثمان الوثائق والمواد الفنية الأصلية التي وصفها أحد هواة جمع التحف بأنها "الأشياء الجيدة فعلا" قد ارتفعت وأصبحت باهظة لا تتيسر إلا للخبراء الموسرين.
ومع ذلك فإن هواة الجمع من ذوي الموارد المتواضعة لا يثنيهم ارتفاع الأسعار. فعمدوا بذكاء معتاد إلى التقليل من أهمية نوعية المقتنيات بحيث تصبح أسعارها ضمن المعقول المقبول. فـ "الأشياء الجيدة" يمكن أن تشمل الآن، على سبيل المثال، غطاء علبة ثقاب (كبريت) من شركة تأمين لنكولن القديمة التي يبلغ ثمن أحدها 10 دولارات. وقد أثبتت مزايدات البيع في موقع إي باي على شبكة الإنترنت أن كل ما يمكن أن تكون له علاقة بلنكولن سيجد له من يشتريه. أما الأوراق والوثائق المكتوبة بخط يد لنكولن فتبلغ أثمانها عشرات آلاف الدولارات. ولذا بدأ عشاق لنكولن من غير الأغنياء الاتجار بوثائق لنكولن المزوّرة، وخاصة تلك التي من صنع المزور الشهير جوزيف كوزي، الفنان الذي جمع ثروة من الغش والتحايل في الثلاثينات. قال لي أحد هواة جمع التحف التذكارية إن النسخة المزورة من "رسالة لنكولن" تباع بنحو 2,500 دولار "لكن يجب الحذر والتأكد من أنها فعلا من تزوير كوزي، فسوق المقتنيات الآن حامية وهناك كثير من المواد المزورة."
التعبير عن التجربة الأميركية
حاول المؤرخون وعلماء الاجتماع عبر نحو قرن من الزمن تفسير ظاهرة الافتتان التاريخية التي تؤدي إلى مثل هذه المحبة الزائدة التي لا يستوعبها العقل. وجاءت الأسباب التي توصلوا إليها في تفسيراتهم متسمة غالبا بالذكاء وكانت مقبولة أحيانا. فلنكولن ما زال يأسر خيال أبناء وطنه وينال إعجابهم بشكل لم يسبق له مثيل بالنسبة لأي شخص في التاريخ وذلك لأنه، كما قيل لنا، كان أول شخصية من هذا النوع يلتقط له عدد كبير من الصور الفوتوغرافية. فهو بالنسبة لنا شخص حقيقي أكثر من غيره من الشخصيات التاريخية السابقة. وصحيح أيضا أن لنكولن كان ذا حس مرهف بالنسبة لاختيار الطريقة التي يقدم بها نفسه ويعرض شخصه للجمهور بما في ذلك طريقة فن التصوير الفوتوغرافي حديث العهد حينئذ. وندر أن ترك لنكولن مناسبة تمر دون أن تلتقط له فيها صورة. ويبدو أننا نتيجة لتلك الرهافة والفطنة صرنا نعرفه بشكل لن يتاح لنا أبدا لمعرفة جورج واشنطن أو توماس جيفرسون كما عرفناه.
ومع ذلك، فإن هناك من يجادل بأنه بغض النظر عن وجهه الذي ألفناه وما عرفناه في عينيه الحزينتين وشعره الأشعث، فإن لنكولن ما زال محيّرا وغير معروف. وهذا الغموض هو الذي يجرنا ويجذبنا إلى ذلك الرجل السوداوي، الفكه، الذكي، المتحفظ، البعيد، الرقيق كما وصفه معارفه. ويقول مؤرخون آخرون إن سر افتتاننا به متأصل في أحداث قصة حياته هو الشخصية. فمن مولد متواضع في فقر مدقع والوصول إلى مكانة واحد من أعظم الرجال في التاريخ يجسّد لنكولن "الحق في النهوض" والارتقاء الذي يعتبره الأميركيون حقا يولد معهم. ثمة آخرون يعتبرون اغتيال لنكولن يوم الجمعة العظيمة، والذي كان صدمة لا يبدو أن أميركا قد أفاقت منها بعد، هو سر دوام شهرته. ويقول المنظّرون من أصحاب أكثر التفكير اعتدالا ورزانة إننا مفتونون بلنكولن إلى درجة الاستحواذ لأنه كان رئيسا ومثالا يجسد أكبر صدمة في التاريخ الأميركي وهي الحرب الأهلية التي أعادت صياغة الولايات المتحدة وتشكيلها من جديد في البلد الذي نعرفه اليوم.
أعتقد أن هناك حقيقة صادقة في كل هذه التفسيرات، غير أن آخرها، في رأيي، هي أقرب ما تكون إلى الحقيقة الشاملة. فأنا لا أعيش بعيدا عن النصب التذكاري للنكولن في واشنطن العاصمة حيث ينتصب ذلك الصرح الجليل اللافت للنظر على ضفاف نهر البوتوماك مقر تمثال "لنكولن الأيقوني." وبينما كنت عاكفا على أبحاثي لكتابي عن لنكولن وأقضّي أوقاتا طويلة مع العلماء وجامعي التحف والمقتنيات والمفتونين بلنكولن وأتعرف من كل واحد منهم على لنكولن فريد يخصهم، لنكولن نسجوه وشكّلوه حسب اجتهاداتهم، كنت أشعر أيضا بالسعادة والرضى عندما أعود أدراجي إلى مقري وأزور النصب لأرى ذلك المجسّم الصلد للنكلولن، لنكولن الدائم الذي يمكن أن يدّعيه ويفاخر به كل أميركي.
نصب لنكولن هو أكثر النصب التذكارية الرئاسية استقطابا للزوار. ولعل أغرب ما في زيارته هو السكينة التي تنزل على السياح والصمت الذي يخيم عليهم وهم يرتقون الدرجات المؤدية إلى الرواق الرخامي البارد في النصب. وسرعان ما يلفت انتباهم واحد من خطابين للنكولن منقوشين على الجدارين عن يمين التمثال الشهير وشماله. وها أنا بعد كل هذا أعجب لعدد الزوار الذين يقفون جامدين لقراءة خطاب لنكولن في غتيسبيرغ المنقوش في جهة وخطاب تنصيب لنكولن الثاني في الجهة المقابلة.
إن ما يقرأه الزوار هو في الواقع موجز التجربة الأميركية معبّرا عنها في نثر في أروع صيغة يستطيع أي أميركي كتابتها. فأحد الخطابين يعيد تأكيد تأسيس البلاد على فرضية معينة والإخلاص لها، وهو الحقيقة الشاملة التي تنطبق على كل الناس في كل مكان. والخطاب الثاني يعلن أن بقاء البلاد مرتبط إلى حد ما ببقاء الافتراض، فلو أن البلاد لم تبق ولم تعش لكان الافتراض قد ضاع أيضا. وأحيانا تدمع أحيانا أعين السياح، والواقع أن عيونهم كثيرا ما تغشيها الدموع. وبمشاهدتهم يستطيع المرء أن يدرك أن محبة لنكولن، عند الأميركيين، هي حب بلدهم.
هذا ما يعنيه لنكولن للأميركيين اليوم، ولماذا يعنيهم إلى هذا الحد البعيد.