13 شباط/فبراير 2009
بلاغة الرئيس أبراهام لنكولن

بقلم رونالد سي وايت
واشنطن،- هذا المقال مقتطف من كتاب "أبراهام لنكولن: إرث من الحرية" من منشورات مكتب برامج الإعلام الخارجي.
بداية النص
يأتي الناس من مختلف أرجاء العالم ويزورن نصب لنكولن التذكاري في العاصمة الأميركية واشنطن. يقف الزوار في رهبة وإجلال وهم يقرأون كلمات ابراهام لنكولن البليغة في خطابه في غتيسبيرغ، بولاية بنسلفانيا، وفي خطاب تنصيبه رئيسا للمرة الثانية.
الرئيس الأسبق لنكولن، الذي كان مفتتنا بسحر الكلمات وجِرس سماعها، كان يصوغ كلماته ليكون لها وقع على الأذن. كان يهمس كلماته أو يرددها بصوت خطابي عال قبل أن يخطّها على الورق. ويعمد من ثم إلى إلقاء خطاباته بأسلوبه المتمهل المتروّي في قراءة ما كتب.
والآن فلنمعن الدرس في ثلاثة من خطبه التي ألقاها وهو في سدة الرئاسة الأميريكة بين سنتي 1861 و1865. جمهور القراء، أنتم مدعوون إلى قراءتها بصوت عال كي يتسنى لكم الاندماج واستيعاب بنى ومعاني الكلمات التي حرّكت أمّة.
خطاب التنصيب الرئاسي الأول (1861)
أشرق يوم 4 آذار/مارس للعام 1861 باردا عاصفا. وأقبل جمهور من 25,000 شخص مبكرا على مبنى مقر الكونغرس وكل منهم آمل في أن يجد له مكانا يستطيع منه سماع أبراهام لنكولن يلقي خطاب تنصيبه. فلم يسبق أن نُصّب رئيس أميركي من قبل في مثل ذلك الوقت العصيب المضطرب. وكان انتخاب لنكولن قد أثار بشكل جدّي إمكانية انشقاق الجنوب عن الاتحاد، فيما سرت شائعات بسرعة سريان النار في الهشيم في العاصمة الأميركية تقول بوجود أخطار تهدد حياة لنكولن.
سعى لنكولن في خطابه إلى أن يوازن بين نبرتي المصالحة والقوة. فبعد أن خطب نحو ثلاثين دقيقة، بلغ الرئيس الفقرة الختامية في خطابه. وكانت مسوّدات الخطاب الأولية قد اختتمت بالسؤال: "هل سيكون السلام أم السيف؟" إلا أن وزير الخارجية وليام سيوارد حث لنكولن على أن يستبدل السؤال بخاتمة تحمل "بعضا من كلمات العاطفة والمودّة – بعض التهدئة والثقة المتفائلة." وبالمقارنة يتبين كيف أن لنكولن حوّل كلمات سيوارد وصاغها بأسلوبه الخاص إلى شعر منثور رائع.
سيوارد: أنا انتهيت
لنكولن: أنا أكره أن أنتهي.
سيوارد: نحن لسنا، وينبغي أن لا نكون غرباء، أو أعداء، بل أبناء وطن واحد وإخاء.
لنكولن: لسنا أعداء، بل أصدقاء. يجب أن لا نكون أعداء.
سيوارد: مع أن انفعالاتنا (الغاضبة) أرهقت كثيرا روابط مودتنا، لا ينبغي لها، وأنا واثق أنها لن تنقطع.
لنكولن: رغم أن الانفعال ربما وتّر روابط مودّتنا، يجب أن لا يقطعها.
سيوارد: تلك الأوتار الغامضة الخفية، ممتدة من ميادين المعارك العديدة، من قبور الوطنيين الكثيرة، تمس شغاف كل القلوب، وتتردد أصداؤها في كل المدافئ في قارتنا هذه الشاسعة، ستنسجم من جديد، متآلفة في موسيقاها القديمة، حينما ينفث فيها أنفاسه الملاك حارس الأمّة.
لنكولن: تلك الأوتار خيوط الذاكرة، ممتدة من كل ميدان من ميادين المعركة، ومن كل قبر من قبور الوطنيين إلى كل قلب ينبض بالحياة، وإلى كل حجر فوق مدفأة، في كل أرجاء هذه الأرض الواسعة، ستضخم صوت جوقة الاتحاد وتزيد، عندما تُمَس من جديد، تماما مثل ما ستكون، بفعل ما في طبيعتنا من أفضل الملائكة.
يلاحظ من النص الأصلي الإنجليزي أن لنكولن هذّب بعض الكلمات الدخيلة أو المتصلبة أو استبدلها بغيرها وركّب كلماته أو جمله بحيث ينسجم إيقاعها ونغمة جرسها، كما استخدم الجناس مستعينا بالحروف الساكنة ذاتها وأصوات لفظ الحروف ذاتها في أكثر من خمسة مواقع في آخر جملتين له كي يدفع المستمع إلى الربط وإقامة الصلة بينها.
كذلك استخدم لنكولن صورا قوية مؤثرة لتذكير الأمة بماضيها معلنا من خلالها رؤياه السياسية بالنسبة للمستقبل.
خطاب غتيسبيرغ (1863)
خاضت قوات الاتحاد والقوات الفدرالية بين 1 و3 تموز/يوليو 1863 معركة كبرى في بلدة غتيسبيرغ الصغيرة من ولاية بنسلفانيا. وخلّفت معارك الأيام الثلاثة نحو 50,000 شخص بين قتيل وجريح ومفقود في بساتين الخوخ ومراعي المزارع.
وفي يوم 19 تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه أحتشد جمهور من نحو 15,000 شخص في غتيسبيرغ لتدشين أول مقبرة عسكرية وطنية للبلاد. وقد دعي للمناسبة الرئيس السابق لجامعة هارفرد إدوارد إيفريت كي يكون الخطيب الرئيسي في الحدث. غير أنه طُلب من الرئيس لنكولن في آخر لحظة أن يقول "كلمات قليلة مناسبة." وبعد أن أتم إيفريت كلمتة التي استغرقت ساعتين وسبع دقائق، خاطب لنكولن الحضور بكلمة دامت دقيقتين ونصف الدقة، ولم يزد محتواها عن 272 كلمة. قال:
"قبل أربع عشرينات وسبع سنين خلت أنشأ آباؤنا على هذه القارة أمة جديدة: ولدت في الحرية ومكرّسة على فرض أن كل الناس خلقوا متساوين."
عبارة "أربع عشرينات وسبع سنين" لم تكن صيغة سهلة للتعبير عن مرور سبع وثمانين سنة. وبقوله هذا كأنما أردا لنكولن أن يعود جمهوره بحسابه إلى الوراء كي يكتشف أن الولايات المتحدة لم تنشأ بالدستور الذي أعلن قيام الولايات المتحدة في العام 1787، ولكنها قامت في العام 1776 بتوقيع وثيقة إعلان الاستقلال، وهي إعلان الحقائق العامة الثابتة التي آمن بها المؤسسون. واختار لنكولن كلماته وهو واثق من أن الأميركيين المطلعين دينيا والعالمين بالكتاب المقدس سيربطون بين عبارة "أربع عشرينات" وبين المزمور 90 الذي يستعرض فيه رجل محتضر ماضي حياته ويأمل أن يكون للفترة القصيرة التي أمضاها في هذا العالم معنى ومغزى، إذ يقول:
إن أيام سنواتنا هي ثلاث عشرينات وعشر سنين،
أما إذا كانت بسبب القوة فستكون أربع عشرينات من السنين.
بنى لنكولن خطابه في غتيسبيرع على هيكل من أزمان الماضي والحاضر والمستقبل. بدأ بالماضي بوضعه تدشين ميدان المعركة في إطار الرواية الأكبر من التاريخ الأميركي. فبقوله "آباؤنا" استحضر لنكولن تراثا مشتركا بين الشمال والجنوب وهو تراث الآباء المؤسسين.
وختم لنكولن جملته الأولى بإشارة أخرى إلى إعلان الاستقلال وهي: حقيقة أن "كل الناس خلقوا متساوين." وحدد لنكولن بتشديده على هذه الحقيقة الحرب الأهلية وكأنها خصام للتنافس على ضمان الحرية – للأرقاء- ولصيانة وحدة الأمة. وقال:
"نحن نخوض الآن حربا أهلية كبرى لاختبار ما إذا كانت الأمة، أو أي أمة نشأت كذلك، وتكرست بهذا الشكل، تستطيع أن تتحملها طويلا. وها نحن نلتقي على أرض ميدان معركة كبرى من تلك الحرب. لقد أتينا لندشن جزءا من ذلك الميدان كمثوى أخير لاستراحة أولئك الذين بذلوا حياتهم ها هنا كي تحيى هذه الأمة."
انتقل لنكولن بجمهوره سريعا، بعد جملته الافتتاحية الطويلة، إلى الأمام من ماضي الثورة الأميركية إلى حاضر الحرب الأهلية. وفي لمحة خاطفة لخّص معنى الحرب ومغزاها. فعلى النقيض من إيفريت، لم يفرّط لنكولن بكلماته ويخصصها لوصف تفاصيل المعركة الأخيرة. بل تجاوز التفاصيل وربط التكريس باستخدام أوسع لاستخدام الكلمات خمس مرات في خطابه. من بين ذلك قوله أن الحرب الأهلية كانت "اختبارا" لمُثل مؤسسي البلاد، وحربا تقرر ما إذا كان يمكن "تحملها." وقال:
"إن هذا بكل ما في الكلمة من معنى لائق ومناسب أن نفعله. ولكننا بالمعنى الأعم لا نستطيع نحن أن ندشن – لا نستطيع نحن أن نكرس – ولا نستطيع نحن أن نقدّس هذه الأرض. فالشجعان، الأحياء منهم والأموات، ممن حاربوا هنا كرّسوها أسمى كثيرا مما تستطيع سلطتنا الضعيفة من زيادة أو نقصان."
كانت هذه الكلمات مؤشرا على انتقال لنكولن من الأحداث التي جرت على أرض المعركة إلى أحداث المستقبل. ولكنه قبل أن يحول أنظار جمهوره عن ساحة المعركة نبّه الناس إلى ما لا يستطيعون فعله بقوله:
لا نستطيع نحن أن ندشّن
لا نستطيع نحن أن نكرس
لا نستطيع نحن أن نقدّس.
وتحول لنكولن في جمله الثلاث الأخيرة لآخر مرة. قال:
"لن يلاحظ العالم إلا قليلا، ولن يتذكر طويلا ما نقول هنا، لكنه لن يستطيع نسيان ما فعلوا هنا. والأصح، هو أننا نحن الأحياء الذين ينبغي أن يكرَّسوا هنا لإتمام العمل الذي لم ينجز، الذي حاربوا من أجله وعملوا بشرف على تقدمه إلى هذا الحد. فحريّ بنا إذن أن يتم تكريسنا هنا للمهمة العظمى الماثلة أمامنا – وهي أن نستزيد من تفاني هؤلاء الأموات المكرّمين من أجل تحقيق الهدف الذي بذلوا في سبيله آخر كل ما في طاقتهم من تفان – وأن نصمم هنا بعزم على أن هؤلاء الموتى لم يموتوا عبثا – وأن هذه الأمة، برعاية الله سيكون لها ميلاد جديد للحرية – وأن حكومة الشعب وبالشعب وللشعب لن تزول عن وجه الأرض."
عرض لنكولن في هذا رؤياه بالنسبة للمستقبل ومسؤولية مستمعيه – وبالتالي مسؤولية كل فرد أميركي- في تحقيق تلك الرؤيا. وانتقل لنكولن بجمهوره من الأقوال إلى الأفعال حين قارن في قوله "ما نقوله هنا" مع "ما فعلوا هنا."
وهنا عند هذه النقطة في جملته الأخيرة نطق لنكولن إضافته الوحيدة إلى النص المكتوب. فقد أضاف كلمتي "برعاية الله." وهي مراجعة آنية غير معتادة من خطيب لم يكن يثق بالخطابة المرتجلة. ومع ذلك فقد أضاف لنكولن كلمات مرتجلة في عدد من خطبه السابقة، ولكنه كان يعتذر لاحقا عن التغيير. ولكنه لم يفعل في هذه الحالة. وقد تضمنت النسخ الثلاث كلها لخطاب لنكولن التي أعدت في ما بعد كلمتي "برعاية الله."
وجاءت كلمتا "برعاية الله" في موقع أشارتا فيه الى الوراء الماضي وإلى الأمام المستقبل. فإلى الوراء أشارتا إلى "هذه الأمة" التي استمدت حياتها من منابع سياسية ودينية، وفي الوقت نفسه إلى "ميلاد جديد." وقد توصل لنكولن إلى تكوين نظرة عن الحرب الأهلية التي رآها وكأنها طقس من طقوس التطهر والنقاء. إذا كان لا بد من الاتحاد القديم أن يفنى. فقد حان للشيخ المسن أن يموت. فالموت أصبح مرحلة انتقالية إلى اتحاد جديد وإنسانية جديدة.
وعندما بلغ لنكولن ذروة خطابه الذي جاء على قِصر غير متوقع نطق الكلمات التي ستبقى ماثلة في الذاكرة وهي:
"أن حكومة الشعب
بالشعب
وللشعب
لن تزول عن وجه الأرض."
لكن لنكولن انتهى من خطابه. وهو لم يذكر كلمة "أنا" ولو لمرة واحدة. كان كما لو أنه ودّ أن يختفي ليتيح المجال أمام الأميركيين كي يحصروا همّهم دون حاجز أو عائق في الحقائق السامية التي طرحها.
خطاب التنصيب الرئاسي الثاني (1865)
كانت للرئيس أبراهام لنكولن كل الأسباب التي تحمله على التفاؤل مع اقتراب موعد تنصيبه في يوم 4 آذار/مارس 1865. فبعد أربع سنوات من الحرب الأهلية كانت الكونفدرالية قد تشرذمت، إن لم تكن قد تحطمت. ومع ذلك فقد كان التخوف قد تسلل إلى النفوس وشابت الخشية روحه المتفائلة. فقد سرت شائعات في العاصمة مفادها أن الكونفدراليين اليائسين نتيجة إدراكهم أن الهزيمة باتت وشيكة، قد يحاولون خطف الرئيس أو اغتياله.
تألف خطاب لنكولن في احتفال تنصيبه الثاني من 701 كلمة منها 505 كلمات في مقطع صوتي واحد. بدأ لنكولن بإلقاء خطابه بنبرة مكبوتة. وبدا في ذلك الجو المشحون بالتوتر الشديد في واشنطن بسبب الحرب وانتشار الجند في كل مكان، وكأنه يريد تخفيف التوقعات والتكهنات.
ففي الفقرة الثانية من الخطاب استخدم لنكولن صورة الحرب في كل جملة من جملها. ويتزايد التوتر في الفقرة كلها متصاعدا شيئا فشيئا حتى الجملة الأخيرة منها حيث يقول "وجاءت الحرب." وبهذه العبارة المقتضبة اعترف لنكولن بأن الحرب نشبت رغم أفضل النوايا عند القادة السياسيين. أراد لنكولن لمستمعيه أن يفهموا أنه لا يمكن استيعاب هذه الحرب على أنها تنفيذ لمخططات بشرية.
قال: "الطرفان يتلوان الإنجيل ذاته ويصليان للرب نفسه." وجاء حشر الإنجيل بمثابة أسلوب جديد. فلم يسبق وأن أشير إلى الإنجيل أو استشهد به سوى مرة واحدة في الـ 18 تنصيبا التي سبقت. وأظهر لنكولن من هذا المنطلق أنه ينوي أن يتناول الحرب من المنظورين اللاهوتي والسياسي.
فبعد إشارته إلى أن الجنود في الطرفين الاتحادي والكونفدرالي يقرأون الإنجيل نفسه ويؤدون الصلوات ذاتها، تطرق إلى الحديث عن الاستخدام اللائق للكتاب المقدس. فأوحى بأن البعض يستخدم الإنجيل والصلوات وكأنهما سلاح ينال به حظوة من عند الله يتفوق بها جانب على الآخر. لكنه تبين أنه نجمت عن هذا قراءتان مختلفتان للكتاب الواحد. ففي أحد الجانبين وقف أولئك الذين قرأوا إنجيلا آمنوا بثبات وعناد أنه سمح بالرّق والاستعباد. وفي الجانب الآخر كان أولئك الذي فهموا منه أنه حضّ على إلغاء الرق. إذ قال "قرأ الجانبان الإنجيل نفسه وصليا لنفس الإله. وكلاهما يرجو عونه ضد الآخر." لكن لنكولن هدف إلى تصوير إله واحد شامل للجميع لا ينحاز إلى جانب أو يحابي جماعة معينة أو طرفا بذاته.
وإذ يقترب الخطاب من فقرته الأخيرة يتخذ منعطفا غير متوقع. ففي حين توقع الكثيرون من لنكولن أن يشيد بالنجاحات التي حققها الاتحاد، تطرق بشجاعة وجرأة إلى الداء الذي قال إنه أصاب صميم الأسرة القومية الأميركية نتيجة إذعان الكثيرين من الأميركيين ورضوخهم. وإذا شاء الله أن ينهي الرق "فهذه الحرب الرهيبة" تبدو وكأنها "الويل الذي استحقه أولئك الذين كانوا السبب في شنها."
لقد آمن لنكولن بأنه أينما كان شر، لا بد وأن الحساب والعقاب آتيان سريعا. ورأى لنكولن في مقتل 623,000 من الجنود الاتحاديين والكونفدراليين قضاء عقابيا قبله وتحمّله. قال:
"بحنان نأمل، وبحرارة نصلي كي تزول بلوى الحرب الشديدة هذه عنا سريعا. ثم إذا شاء لها الله أن تستمر ... حتى يسدد ثمن كل قطرة دم يريقها الجَلد (بالسياط) بقطرة أخرى يريقها السيف، فكما قيل قبل ثلاثة آلاف سنة، ما زال يجب القول إن "قضاء الرب وأحكامه صادقة وكلها صحيحة."
دعا لنكولن أبناء وطنه إلى أن يقيسوا تاريخهم بمعايير العدالة وموازينها. فعل هذا وهو مدرك أنه ما من أمة تواجه عن طيب خاطر سوء أفعالها. قال:
دون ضغينة تجاه أي أحد، وبمحبة للجميع..
وختم لنكولن خطابه بدعوة البلاد إلى بداية عهد جديد متسلحة بالعفو والسماح لا بالعدواة والبغضاء. فكان أن أصبحت تلك الكلمات أكثر ما انغرس في الذاكرة من التعابير التي تضمنها خطاب تنصيب لنكولن الثاني. فكان الرئيس، الذي كان مدركا تماما أن البلاد كانت على وشك الانتهاء من أشد الصراعات المسلحة تدميرا وحرضت الأخ على أخيه، على وشك أن يطالب الأميركيين بفعل من التعاطف الشفوق الذي لا يصدق. كان سيدعوهم إلى تجاوز حدود الانقسام والتغلب عليها والعودة إلى المصالحة والوفاق من جديد.
فقد أنهى لنكولن خطاب تنصيبه الثاني بمقطع ختامي شاف دعا فيه إلى:
التكاتف..
والعناية..
وبذل كل ما يمكن أن يحقق وينعش سلاما دائما بين ظهرانينا ومع كل الأمم.
ووصف لنكولن الفوز بتحقيق السلام بأنه تحقيق المصالحة والوفاق. إذ أعلن في هذه الفقرة الأخيرة من الخطاب أن الاختبار الحقيقي لأهداف الحرب يكمن في معاملة الأميركيين للمهزومين.
يبدو المثل الحديث القائل "إنه كلام في كلام فقط" أحيانا وكأنه صادق. وهذه الصورة التي عرضت هنا للنكولن تدل على العكس. فهي قائمة على أساس الافتراض أن الكلام له أهمية. فقد قاد لنكولن أميركا خلال الحرب الأهلية بكلام شد من أزر شعبه وعزز شجاعة أمته.
نهاية النص