30 كانون الثاني/يناير 2009
إعادة بناء تحالفاتنا

النص أدناه مقتطف من كتاب بعنوان "الرئيس باراك أوباما، مختارات من أبرز خطبه،" من منشورات مكتب برامج الإعلام الخارجي التابع لوزارة الخارجية الأميركية، باللغة العربية.
واشنطن العاصمة
15 تموز/يوليو، 2008
قبل إحدى وستين سنة، أعلن جورج مارشال الخطة التي صارت تحمل اسمه بعد ذلك. كانت مناطق واسعة من أوروبا مدمرة حينئذ، وكانت الولايات المتحدة تواجه عدواً قوياً وإيديولوجياً مصمماً على السيطرة على العالم. وقد تعاظم هذا التهديد بفعل القدرة المكتشفة حديثاً في تدمير الحياة على نطاق لم يكن ممكناً تصوره. لم يكن الاتحاد السوفياتي يملك قنبلة ذرية بعد، ولكنه كان سيحصل عليها بعد فترة ليست بالطويلة.
تمثل التحدي الذي واجه أعظم جيل من الأميركيين، الجيل الذي هزم الفاشية في ساحة القتال، بكيفية احتواء هذا التهديد وتوسيع حدود الحرية في الوقت نفسه. أدرك قادة، مثل ترومان وأتشيسون، وكينان، ومارشال أنه ما من ضربة حاسمة وحيدة يمكن تسديدها في سبيل الحرية. فكنا نحتاج إلى استراتيجية جديدة أساسية لمواجهة تحديات عالم جديد محفوف بالمخاطر.
ومثل هذه الاستراتيجية كان عليها أن تجمع بين القدرة العسكرية الساحقة والقرار السليم. سوف تصوغ هذه الاستراتيجية الأحداث ليس من خلال القوة العسكرية فحسب، بل وأيضاً من خلال قوة أفكارنا، وقدراتنا الاقتصادية، واستخباراتنا، ودبلوماسيتنا. سوف تدعم هذه الاستراتيجية حلفاء أقوياء يشاركوننا بحرية في مثلنا العليا في الحرية وفي الديمقراطية، في الأسواق المفتوحة وفي حكم القانون. وسوف تعزز هذه الاستراتيجية المنظمات الدولية الجديدة كالأمم المتحدة، ومنظمة معاهدة شمال الأطلسي (الناتو)، والبنك الدولي، وتركز على كل زاوية من زوايا الكرة الأرضية. كانت استراتيجية ترى بوضوح الأخطار التي يتعرض لها العالم، وتنتهز الفرص الواعدة بسببها.
...
ما هو المطلوب؟ ما هو أفضل شيء يمكن عمله؟ ما الذي ينبغي عمله؟
إن الأخطار في عالمنا الحالي مختلفة، لكنها ليست أقل خطورة. فالقدرة على تدمير الحياة على نطاق كارثي أصبحت الآن معرضة لخطر السقوط بين أيدي إرهابيين. وأصبح مستقبل دولتنا، وكوكبنا، رهينة بسبب اعتمادنا على النفط والغاز الأجنبي. من الجبال التي تنتشر فيها الكهوف في شمال شرق باكستان إلى أجهزة الطرد المركزي التي تدور تحت التراب الإيراني، بتنا نعرف انه لا يمكن حماية الشعب الأميركي عن طريق محيطاتنا أو مجرد قدراتنا العسكرية الهائلة وحدها.
لقد سلّطت اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر، 2001، الضوء على هذه الحقيقة الرهيبة المنذرة بالشر. ففي صبيحة ذلك اليوم المشرق والجميل، بدا عالم السلام والازدهار الذي ورثناه عن انتصارنا في الحرب الباردة وكأنه تلاشى فجأة تحت أكوام الركام، والحديد الملتوي، وسحب الدخان.
لكن عمق هذه المأساة أبرز أيضاً طيبة بلادنا ومدى تصميمها. فاتحد الأميركيون عبر بنوك الدم، والسهر على الأمن، وفي المدارس، والكونغرس الأميركي، وإلى حد فاق مدى توحدنا عند فجر الحرب الباردة. وتوحّد العالم أيضاً ضد مرتكبي هذا العمل الشرير، فوقف إلى جانبنا حلفاء قدامى، وأصدقاء جدد، وحتى الذين كانوا خصومنا منذ زمن طويل. وقد حان الوقت، مرة جديدة، لتسخير قدرة أميركا وقوة معتقداتها الأخلاقية. لقد حان الوقت مرة أخرى لتصميم استراتيجية أمنية جديدة في عالم يتغير باستمرار.
تصوروا، للحظة، ما كان باستطاعتنا أن نفعله خلال تلك الأيام، والشهور، والسنوات التي تلت تاريخ 11/9.
كان باستطاعتنا نشر القوة الأميركية الكاملة لتعقب أسامة بن لادن، وتنظيم القاعدة، ونظام طالبان وكل الإرهابيين المسؤولين عن جريمة 11/9 والقضاء عليهم، بينما ندعم في نفس الوقت الأمن الحقيقي في أفغانستان.
كان باستطاعتنا تأمين المحافظة على المواد النووية غير المؤمنة جيدا حول العالم، وإنشاء إطار عمل لمعاهدة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل الموقعة في القرن العشرين لكي نواجه بها تحديات القرن الواحد والعشرين.
كان باستطاعتنا استثمار مئات بلايين الدولارات في مصادر بديلة للطاقة لتنمية اقتصادنا، وإنقاذ كوكبنا، وإنهاء استبداد النفط.
كان باستطاعتنا تعزيز تحالفاتنا القديمة، وإنشاء شراكات جديدة، وتجديد المنظمات الدولية من أجل تقدم السلام وتعزيز الازدهار.
كان باستطاعتنا دعوة الجيل الجديد للانخراط في تيارات التاريخ القوية، وخدمة بلادهم جنوداً ومعلمين، ومتطوعين في فيلق السلام وضباط شرطة.
كان باستطاعتنا ضمان سلامة بلادنا، أي الاستثمار في وسائل وقاية جديدة ومتطورة لمرافئنا، وقطاراتنا، ومحطات توليد الطاقة عندنا.
كان باستطاعتنا إعادة بناء طرقنا وجسورنا، وإنشاء السكك الحديدية، وأنظمة الاتصالات والكهرباء الجديدة، كما وجعل الأقساط الجامعية معقولة بالنسبة لكل أميركي من أجل تقوية قدرتنا على المنافسة.
كان باستطاعتنا ان نفعل كل ذلك.
لكن بدلاً من ذلك، خسرنا حياة الآلاف من الاميركيين، وأنفقنا حوالى تريليون دولار، وأغضبنا حلفاء لنا، وأهملنا التهديدات الناشئة، كل ذلك في سبيل خوض حرب دامت ما يزيد عن خمس سنوات في بلد لم يكن له أي ضلع على الإطلاق بهجمات 11/9.
لقد نفّذ رجالنا ونساؤنا في القوات العسكرية كل مهمة أوكلنا تنفيذها إليهم. أمّا الحلقة الضائعة في مناظراتنا حول العراق، الحلقة الضائعة حتى قبل أن تبدأ الحرب، فكانت مناقشة النتائج الاستراتيجية للعراق وسيطرتها على سياستنا الخارجية.
تلهينا هذه الحرب عن كل تهديد آخر يواجهنا وعن الكثير من الفرص التي يمكننا انتهازها. فقد قلصت هذه الحرب اهتمامنا بأمننا، وبمركزنا في العالم، وبمواردنا العسكرية والاقتصادية التي نحتاجها لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. فليس هناك أي مقياس يشير إلى أن تركيزنا الأحادي الهدف على العراق، والذي لا نعرف متى سينتهي، يُشكِّل استراتيجية سليمة لإبقاء أميركا آمنة.
إني أرشح نفسي لرئاسة الولايات المتحدة من أجل قيادة هذه البلاد في اتجاه جديد: لاغتنام الوعد الذي توفّره هذه اللحظة. فبدلاً من صرف الانتباه عن التهديدات الأكثر إلحاحاً التي نواجهها، أريد أن أتغلب عليها. وبدلاً من وضع العبء الكامل لسياستنا الخارجية على الرجال والنساء الشجعان المنخرطين في قواتنا العسكرية، أريد ان استخدم جميع عناصر القوة الأميركية لإبقائنا آمنين ومزدهرين وأحراراً. وبدلاً من عزل أنفسنا عن العالم، أريد لأميركا ان تتسلم زمام القيادة مرة أخرى.
"سوف أركز هذه الاستراتيجية على خمسة أهداف أساسية لجعل أميركا اكثر أماناً: إنهاء الحرب في العراق بطريقة مسؤولة؛ استكمال القتال ضد القاعدة وطالبان؛ ضمان سلامة جميع الأسلحة والمواد النووية من الإرهابيين والدول المارقة؛ تحقيق الأمن الحقيقي للطاقة؛ وإعادة صوغ تحالفاتنا لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين."
كرئيس، سوف اتبع استراتيجية في الأمن القومي صلبة، وذكية، ومستندة إلى المبادئ، استراتيجية تدرك بأن لدينا مصالح ليس في بغداد فحسب، بل وأيضاً في قندهار وكراتشي، في طوكيو ولندن، في بكين وبرلين. سوف أركز هذه الاستراتيجية على خمسة أهداف أساسية لجعل أميركا أكثر أماناً: إنهاء الحرب في العراق بطريقة مسؤولة، استكمال القتال ضد القاعدة وطالبان، ضمان سلامة جميع الأسلحة والمواد النووية من الإرهابيين والدول المارقة، تحقيق الأمن الحقيقي للطاقة، وإعادة تكوين تحالفاتنا لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
...
لهذا السبب أقف بقوة وراء خطتي لإنهاء هذه الحرب. واليوم توفر لنا دعوة رئيس الوزراء المالكي لوضع جدول زمني لخروج القوات الأميركية من العراق فرصة حقيقية. وقد جاءت هذه الدعوة بعد أن شهد الجنرال الأميركي المسؤول عن تدريب قوات الأمن العراقية بأن قوات الجيش والشرطة العراقية سوف تكون جاهزة لتولي المسؤولية عن أمن العراق بحلول العام 2009. حان الوقت لإعادة نشر قواتنا المحاربة بطريقة مسؤولة تدفع زعماء العراق باتجاه الحل السياسي، وتعيد بناء قواتنا العسكرية، وتعيد التركيز على أفغانستان وعلى مصالحنا الأمنية الأوسع.

...
عند نقطة ما، علينا اتخاذ القرار. لن يصبح العراق مكاناً مثالياً، ولا نملك موارد غير محدودة لجعله مكاناً مثالياً. لن نقوم بقتل كل متعاطف مع تنظيم القاعدة، وبإزالة كل أثر للنفوذ الإيراني، أو بإقامة ديمقراطية لا تشوبها العيوب قبل أن نغادر البلاد... فالواقع أن النجاح الحقيقي في العراق، أي النصر في العراق، لن يتحقق خلال احتفال بالاستسلام يلقي فيه العدو سلاحه. النجاح الحقيقي سوف يتحقق عندما نترك العراق لحكومة تتحمل مسؤولية مستقبلها، حكومة تمنع النزاعات الطائفية وتضمن عدم إعادة ظهور تهديد القاعدة الذي تغلبت عليها قواتنا المسلحة. إنه هدف يمكن تحقيقه إذا اتبعنا خطة شاملة لدفع العراقيين إلى الوقوف بأنفسهم بشجاعة.
هذا هو المستقبل الذي يريده العراقيون. هذا هو المستقبل الذي يريده الشعب الأميركي. وهذا هو ما تتطلبه مصالحنا المشتركة.
وهذا هو المستقبل الذي نحتاجه لقواتنا العسكرية. لا نستطيع الاستمرار في تحمل هذا الضغط على قواتنا المسلحة لخوض حرب لم تجعلنا أكثر أماناً. سوف استعيد قوتنا بإنهاء هذه الحرب، وباستكمال الزيادة في قواتنا البرية إلى حوالى 65 ألف جندي و27 ألف من مشاة البحرية، وبالاستثمار في القدرات التي نحتاجها لإلحاق الهزيمة بالأعداء التقليديين ولمواجهة التحديات غير التقليدية لزمننا الحالي.
أريد من العراقيين أن يتولوا مسؤولية مستقبلهم، وأن يتوصلوا إلى التسوية السياسية الضرورية لتأمين الاستقرار الطويل الأمد. هذا هو النصر. هذا هو النجاح. هذا هو أفضل شيء بالنسبة للعراق. هذا هو أفضل شيء بالنسبة لأميركا، ولهذا السبب سوف أنهي هذه الحرب عندما أصبح رئيساً للبلاد.
لا يُشكِّل العراق الجبهة المركزية للحرب على الإرهاب، ولم يكن مطلقاً تلك الجبهة. ولهذا السبب سوف يكون الهدف الثاني لاستراتيجيتي الجديدة نقل المعركة إلى القاعدة في أفغانستان وباكستان.
من غير المقبول بقاء الإرهابيين الذين هاجمونا في 11/9 طلقاء، بعد انقضاء حوالى سبع سنوات ومقتل حوالى 3 آلاف مواطن أميركي على أرضنا. فأسامة بن لادن وأيمن الظواهري يبثان الرسائل إلى اتباعهما ويخططان لتنفيذ المزيد من العمليات الإرهابية. حركة طالبان تسيطر على أجزاء من أفغانستان، ويملك تنظيم القاعدة قاعدة تتوسع باستمرار في باكستان لا تبعد على الأرجح عن ملجأهم الآمن القديم في أفغانستان أكثر من مسافة رحلة بالقطار من واشنطن إلى فيلادلفيا. أما في حال حصول اعتداء آخر على بلادنا، فمن المحتمل أن ينطلق هذا الاعتداء من نفس المنطقة التي تم التخطيط فيها لارتكاب اعتداء 11/9. ومع ذلك، فلدينا اليوم عدد من الجنود في العراق يفوق خمسة أضعاف عددهم في أفغانستان.
...
سوف أرسل لواءين إضافيين على الأقل إلى أفغانستان، وسوف استعمل هذا التعهد للحصول على مساهمات أكبر، مع تقييدات أقل، من الحلفاء في معاهدة شمال الأطلسي (الناتو). سوف أركز على تدريب قوات الأمن الأفغانية ودعم النظام القضائي الأفغاني مع تأمين المزيد من الموارد والحوافز إلى الضباط الاميركيين الذين يؤدون هذه المهمات. وتماماً كما نجحنا في الحرب الباردة من خلال دعم حلفاء لنا كانوا قادرين على تأمين استدامة أمنهم، يجب علينا أن ندرك بأن الجبهات الأمامية للقرن الحادي والعشرين ليست فقط في ساحة المعركة، بل نجدها أيضاً في معسكرات التدريب بالقرب من كابول، وفي مركز الشرطة في قندهار، وفي حكم القانون في حيرات.
والأكثر من ذلك أن الأمن الدائم لن يتحقق إلاّ إذا أخذنا باعتبارنا الدرس الذي تركه لنا مارشال، وإذا ساعدنا الأفغانيين في تنمية اقتصادهم من الأساس. ولهذا السبب اقترحت تخصيص مبلغ إضافي قدره بليون دولار سنوياً كمساعدات غير عسكرية مع ضمانات ذات معنى لمحاربة الفساد وللتأكد من أن الاستثمارات تتحقق ليس فقط في كابول، بل في الولايات الأخرى من أفغانستان أيضاً. وكجزء من هذا البرنامج، سوف نستثمر في تأمين وسائل عيش بديلة لزارعة الخشخاش إلى المزارعين الأفغان، وفي نفس الوقت سوف نتخذ إجراءات صارمة ضد تجارة الهيرويين. لا نستطيع خسارة أفغانستان لمستقبل يسوده إرهاب المخدرات. يجب أن يعلم الشعب الأفغاني أن التزامنا بمستقبلهم دائم لأن أمن أفغانستان وأمن الولايات المتحدة متلازمان.
أما التهديد الأعظم لذلك الأمن فيكمن في مناطق القبائل في باكستان، حيث يتدرب الإرهابيون وحيث ينطلق المتمردون لتنفيذ عملياتهم داخل أفغانستان. لا نستطيع ان نسمح بوجود ملجأ آمن للإرهابيين، وكرئيس للبلاد، فإنني لن أسمح بذلك. نحتاج إلى شراكة أقوى ومستدامة بين أفغانستان، وباكستان والحلف الأطلسي لتأمين سلامة الحدود، ولإزالة معسكرات الإرهابيين، ولاتخاذ إجراءات صارمة ضد المتمردين عبر الحدود. ويجب أن نؤكد بوضوح أنه في حال لم تتمكن، أو لم ترغب، باكستان في اتخاذ الإجراءات اللازمة، فإننا سوف نهاجم الأهداف الإرهابية الكبرى، مثل بن لادن، في حال وقعت أنظارنا عليها.
يجب ألا يخطئن أحد ما يلي: إننا لا نستطيع النجاح في أفغانستان أو تأمين سلامة بلادنا ما لم نبدل سياستنا تجاه باكستان.
...
إن نظاما ديمقراطيا باكستانيا قوياً هو الوحيد الذي يستطيع مساعدتنا في التقدم إلى الأمام، إلى هدفي الثالث: تأمين المحافظة على عدم وقوع جميع الأسلحة والمواد النووية في أيدي الإرهابيين والدول المارقة.
...
خلال السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، كنا قلقين من احتمال وصول السلاح الذري الفتاك إلى أيدي الكرملين. أمّا اليوم فنحن قلقون بخصوص وجود حوالى 50 طناً من اليورانيوم العالي التخصيب، وبعضه لا تتوفر حماية مناسبة له، في مرافق نووية مدنية في أكثر من أربعين دولة. إننا قلقون اليوم بشأن انهيار إطار عمل اتفاقية منع انتشار السلاح النووي التي صممت للعالم الثنائي القطب خلال الحرب الباردة. إننا قلقون اليوم، وأكثر من أي شيء آخر، من قيام دولة مارقة، أو عالِم نووي مارق، بنقل أكثر الأسلحة فتكاً في العالم إلى اكثر الناس خطراً في العالم: إلى إرهابيين لا يترددون بقتل أنفسهم بمعية مئات الآلاف من الناس في تل أبيب أو موسكو، لندن أو نيويورك.
وما هو أبعد من اتخاذ هذه الخطوات الفورية المستعجلة، فإن الوقت قد حان لتوجيه رسالة واضحة: إن أميركا تسعى إلى قيام عالم خالٍ من الأسلحة النووية. وطالما تظل الأسلحة النووية موجودة، يجب علينا ان نحتفظ برادع قوي تجاهها. ولكن بدلاً من التهديد بطرد روسيا من منتدى الثماني الكبار، يتوجب علينا ان نعمل معها لإخراج الصواريخ الباليستية التي بحوزتنا وحوزتها من وضعية الاستعداد للإطلاق المتعجل، والقيام بتخفيض جذري لمخزون الأسلحة والمواد النووية، والسعي إلى فرض حظر عالمي على إنتاج المواد الانشطارية لصنع الأسلحة، وتوسيع نطاق الاتفاقية الروسية- الأميركية لحظر الصواريخ المتوسطة المدى لكي تصبح اتفاقية الحظر هذه عالمية. ومن خلال الالتزام بتعهداتنا بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، سوف نكون في وضع افضل للضغط على دول مثل كوريا الشمالية وإيران لكي تلتزم بتعهداتها. وعلى وجه الخصوص، فإن ذلك سوف يمنحنا مصداقية ونفوذاً اكبر في التعامل مع إيران.
لا نستطيع ان نسمح بوجود أسلحة نووية لدى دول تدعم الإرهاب. فمنع إيران من تطوير الأسلحة النووية يُشكِّل مصلحة أمنية قومية حيوية للولايات المتحدة. ويجب عدم التخلي عن أي أداة من أدوات فنون الحكم لتحقيق هذا الغرض. سوف استعمل كافة عناصر القوة الأميركية للضغط على النظام الإيراني ابتداءً بالدبلوماسية المقدامة القائمة على أساس المبادئ، كما الدبلوماسية المباشرة، أي الدبلوماسية المدعومة بعقوبات قوية وبدون شروط مسبقة.
لهذا السبب يجب ان نتابع هذه المفاوضات القاسية بالتنسيق الكامل مع حلفائنا بحيث نسخر كامل نفوذنا، بما في ذلك، إذا كان ذلك يقود إلى الدفع بمصالحنا قُدُما، الاجتماع مع الزعيم الإيراني المسؤول في وقت ومكان اختارهما.
سوف نتابع هذه الدبلوماسية بدون أوهام حول طبيعة النظام الإيراني. وبدلاً من ذلك، سوف نقدم له خياراً واضحاً. إذا تخليت عن برنامجك النووي، ودعم الإرهاب، وتهديد إسرائيل، سوف تحصل على حوافز ذات معنى. أما إذا رفضت، فسوف نزيد الضغط ونفرض عقوبات أحادية الجانب، وعقوبات متعددة الجوانب أشد يقررها مجلس الأمن، وسوف نقوم بعمل دؤوب خارج الأمم المتحدة لعزل النظام الإيراني. هذه هي الدبلوماسية التي نحتاجها. وعلى الإيرانيين ان يتفاوضوا الآن، لأن انتظارهم سوف يعرضهم لمواجهة الضغوط المتزايدة.
إن أكثر الطرق ضماناً لزيادة قدرة ضغطنا على إيران الأمد الطويل هو وقف تمويل مشاريعها الطموحة. وهذا يعتمد على تحقيق هدفي الرابع: وضع حد لاستبداد النفط في زمننا الحالي.
أحد أخطر الأسلحة في عالمنا اليوم هو سعر النفط. نرسل يومياً حوالى 700 مليون دولار إلى دول غير مستقرة ومعادية مقابل نفطها. يسدد هذا المبلغ تكاليف تفجير قنابل الإرهابيين من بغداد إلى بيروت. ويمول دبلوماسية النفط في كاراكاس والمدارس الأصولية من كراتشي إلى الخرطوم. وهذا ما يحد من قدرة الضغط بين أيدي أميركا ويحولها إلى أيدي حكام مستبدين.
وهذا الخطر المباشر لا يفوقه سوى التهديد الطويل الأمد الناتج عن تغيّر المناخ، والذي سوف يؤدي إلى حصول أنماط مناخية مدمرة، وأعاصير رهيبة، وحالات جفاف، ومجاعات. ذلك يعني ان الناس سوف يتنافسون على الطعام والماء خلال الخمسين سنة القادمة في نفس الأماكن التي شهدت أعمال عنف مخيفة خلال الخمسين سنة الماضية: أفريقيا، الشرق الأوسط، وجنوب آسيا. والأكثر كارثية من هذا أن ذلك قد يعني حدوث أعاصير مدمرة على سواحلنا واختفاء شواطئنا.
ليست هذه مجرد مسألة اقتصادية او مسألة تثير قلقاً بيئياً. إنها أزمة أمن قومية. فمن اجل ضمان أمننا، وأمن كل عائلة أميركية تقوم بدفع الثمن عند محطات الوقود، علينا ان نضع حداً لهذا الاعتماد على النفط الأجنبي. وكرئيس للبلاد، هذا هو بالضبط ما سوف افعله. الخطوات الصغيرة والتحايلات السياسية البارعة لن تتمكن من تحقيق ذلك. سوف استثمر مبلغ 150 بليون دولار على مدى السنوات العشر القادمة لوضع أميركا على المسار المؤدي إلى أمن الطاقة الحقيقي. سوف يمول هذا الصندوق استثمارات سريعة التأثير في قطاع جديد من الأعمال مكرّس للطاقة الخضراء لإنهاء إدماننا على النفط، وإيجاد ما لا يقل عن خمسة ملايين فرصة عمل خلال العقدين القادمين، والمساعدة في تأمين مستقبل بلادنا وكوكبنا. سوف نستثمر في حقل الأبحاث والتطوير في كل شكل من أشكال الطاقة البديلة: الطاقة الشمسية، طاقة الرياح، الوقود البيولوجي، علاوة على الأساليب الفنية التي تستطيع جعل الفحم نظيفاً والطاقة النووية آمنة. ومنذ اللحظة التي اتسلم فيها منصبي سوف اجعل الناس يدركون ان الولايات المتحدة الأميركية جاهزة للامساك بزمام القيادة من جديد.
لن نبقى متفرجين مطلقاً بعد اليوم، ولن نقف في طريق العمل العالمي المتخذ للتعامل مع هذا التحدي العالمي. سوف أتواصل مع قادة أكبر الدول التي تصدر انبعاثات الكربون وأطلب منهم الانضمام إلى منتدى عالمي جديد للطاقة يرسي أسس الجيل الثاني من بروتوكولات المناخ. كما سوف ننشئ أيضاً حلفاً بين الدول المستوردة للنفط ونعمل سوية لخفض طلبنا على النفط وكسر قبضة أوبك على الاقتصاد العالمي. سوف نضع هدفاً لتخفيض الانبعاثات العالمية للكربون بنسبة 80 بالمئة بحلول العام 2050، وفي الوقت الذي نطور فيه أشكالاً جديدة من الطاقة النظيفة هنا في بلادنا سوف نتشاطر تقنياتنا وابتكاراتنا مع جميع دول العالم.
هذا هو المسار التقليدي الذي اتبعته الزعامة الأميركية في سبيل الخير العالمي، وهذا ما سوف يُشكِّل هدفي الخامس: إعادة بناء تحالفاتنا لمواجهة التحديات المشتركة للقرن الحادي والعشرين.
رغم كل القوة التي نملكها، فإن أميركا تكون اقوى عندما نعمل سوية إلى جانب شركاء أقوياء.
حان الوقت لإرساء عصر جديد من التعاون الدولي. حان الوقت لأميركا وأوروبا لتجديد التزامنا المشترك بمواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين، تماماً كما فعلنا في وجه تحديات القرن العشرين. حان الوقت لتقوية شراكاتنا مع اليابان، وكوريا الجنوبية، واستراليا، وأكبر دولة ديمقراطية في العالم أي الهند، من أجل خلق آسيا مستقرة ومزدهرة. حان الوقت لإشراك الصين في مصالح مشتركة كتغيّر المناخ، وحتى في نفس الوقت الذي نستمر فيه بتشجيعها على التحول إلى مجتمع أكثر انفتاحاً واستناداً إلى السوق. حان الوقت لتقوية الحلف الأطلسي بالطلب من حلفائنا تقديم ما هو أكثر، بينما نستمر دوماً في التعامل معهم بالاحترام الذي يستحقه الشريك. حان الوقت لاصلاح الأمم المتحدة كي تصبح هذه المنظمة غير المثالية منتدى أكثر كمالاً لمشاطرة أعبائنا، وتقوية قدراتنا، وتعزيز قيمنا. حان الوقت لتعميق التزامنا بالمساعدة في حل النزاع العربي- الإسرائيلي بحيث نساعد حليفتنا إسرائيل على تحقيق أمن حقيقي ودائم، بينما نساعد الفلسطينيين على تحقيق طموحاتهم المشروعة في دولة خاصة بهم.
ومع تجديد جهودنا القديمة، علينا ان نشكل جهوداً جديدة لمواجهة التحديات الجديدة. ولهذا السبب سوف أنشئ برنامج شراكة أمنية مشتركة: يتمثل في اتحاد جديد من الدول في سبيل تعزيز الجهود التعاونية واتخاذ خطوات لتفكيك شبكات الإرهاب العالمية، بينما نقف بحزم ضد التعذيب والقسوة. لهذا السبب سوف نعمل مع الاتحاد الأفريقى لتعزيز قدراته في المحافظة على السلام. لهذا السبب سوف ننشئ شراكة جديدة لمكافحة تهريب المخدرات والسلاح، والعصابات المسلحة في الأميركتين. هذا هو ما نستطيع عمله إذا كنا جاهزين للانخراط في العالم.
سوف يتوجب علينا تقديم موارد ذات أهمية لتلبية أولوياتنا الحرجة. إني اعرف ان المساعدات الإنمائية الخارجية ليست البرامج الأكثر شعبية، ولكني كرئيس للبلاد، سوف أطرح القضية على الشعب الأميركي لكي تصبح هذه المساعدات افضل استثماراتنا في زيادة الأمن المشترك للعالم بكامله. كان هذا صحيحاً بالنسبة لخطة مارشال، ويجب ان يكون صحيحاً في يومنا الحاضر. لهذا السبب سوف أضاعف مساعدتنا الخارجية لتصل إلى 50 بليون دولار بحلول العام 2012، ولكي نستعملها لدعم مستقبل مستقر للدول الفاشلة، ولاستدامة التنمية في أفريقيا، ولخفض مستوى الفقر في العالم إلى النصف، ولدحر انتشار الأمراض. وكذلك لبثّ الرسالة مجدداً إلى تلك الوجوه التواقة البعيدة عن شواطئنا والتي نقول فيها: "إنكم مهمون لنا. مستقبلكم هو مستقبلنا. ولحظتنا هي الآن."