America.gov Archive
لن تظهر بعد الآن أي مواد جديدة على موقع أميركا دوت غوف الإلكتروني
والمعلومات المتعلقة بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة ومصالحها القومية أصبحت متوفرة من خلال المواقع الإلكترونية التابعة لسفارات الولايات المتحدة وقنصلياتها في الخارج، أو على الموقع التالي: www.state.gov.
View Other Languages

We’ve gone social!

Follow us on our facebook pages and join the conversation.

From the birth of nations to global sports events... Join our discussion of news and world events!
Democracy Is…the freedom to express yourself. Democracy Is…Your Voice, Your World.
The climate is changing. Join the conversation and discuss courses of action.
Connect the world through CO.NX virtual spaces and let your voice make a difference!
Promoviendo el emprendedurismo y la innovación en Latinoamérica.
Информация о жизни в Америке и событиях в мире. Поделитесь своим мнением!
تمام آنچه می خواهید درباره آمریکا بدانید زندگی در آمریکا، شیوه زندگی آمریکایی و نگاهی از منظر آمریکایی به جهان و ...
أمريكاني: مواضيع لإثارة أهتمامكم حول الثقافة و البيئة و المجتمع المدني و ريادة الأعمال بـ"نكهة أمريكانية

01 ايلول/سبتمبر 2008

تطبيق السياسات القضائية وآثارها

 

بداية النص

بعد توصل المحكمة إلى قرار، يمكن دعوة تشكيلة متنوعة من الأفراد، والقضاة الآخرين، والموظفين الرسميين، وحتى المواطنين الخاصين – لتنفيذ القرار. يستعرض هذا الفصل مختلف اللاعبين المنخرطين في عملية التنفيذ، وردات فعلهم إزاء السياسات القضائية، والأساليب التي يمكنهم من خلالها الاستجابة لقرار المحكمة.

من الممكن أن يكون للسياسة القضائية، حسب طبيعة حكم المحكمة، اما أثر ضيق جداً أو واسع جداً. فالدعوى المتعلقة بأضرار حصلت نتيجة حادث سيارة يمكن أن لا تؤثر مباشرة إلاّ على الأشخاص المعنيين، وربما على أسرهم المباشرة. لكن قرار غيديون ضد واينرايت (1963) الشهير أثّر مباشرة على ملايين الناس بطريقة أو بأخرى. ففي تلك القضية، قررت المحكمة العليا أن على الولايات تأمين محام للمدعى عليهم المعوزين في المحاكمات الجنائية. وهكذا، شعرت أعداد وفيرة من الناس، والمدعىّ عليهم، والقضاة، والمحامون، ومكلفو الضرائب، بآثار هذه السياسة القضائية.

أثر قرارات المحاكم العليا على المحاكم الدنيا

كثيراً ما يُنظر إلى محاكم الاستئناف، وبصفة خاصة المحكمة العليا الأميركية، على أنها المحاكم الأكثر تمكناً في صنع السياسة، في حين تُعتبر محاكم الموضوع، بوجه عام، على أنها تقوم بفرض تطبيق القواعد العامة للقانون. غير أن قضاة المحاكم الدنيا يملكون قدر كبير من الاستقلالية عن محاكم الاستئناف، ويمكن النظر إلى تلك المحاكم، وفقاً لإحدى الدراسات، على أنها "لاعب مستقل لا يتبع قيادة المحاكم الأعلى، إلا إذا كانت الظروف مواتية لهم القيام بذلك."

حرية التقدير لدى المحاكم الدنيا

لماذا يتمتع قضاة المحاكم الدنيا بهذا القدر من حرية التقرير عندما يعود الأمر إلى تطبيق سياسة محكمة أعلى؟ يمكن العثور على الجواب، جزئياً، في هيكلية النظام القضائي الأميركي. لقد تميّزت السلطات القضائية دائماً باستقلاليتها، ولامركزيتها، وفرديّتها. فالقضاة الفدراليون، مثلاً، يتمتعون بالحماية في مناصبهم لمدى الحياة، وهم باستطاعتهم، تقليدياً، إدارة محاكمهم حسب ما يرونه مناسباً. فالإجراءات التأديبية ضد القضاة لم تكن شائعة في أي وقت من الأوقات، كما قلما كان القضاة الفدراليون يخافون من الاتهام بالجرم. أما قضاة محاكم الموضوع في الولايات فما كان عليهم، للاحتفاظ بمراكزهم، إلاّ الحفاظ على رضى الناخبين.

حرية التقدير التي يمارسها قضاة المحكمة الدنيا يمكن أن تنتج أيضاً عن قرار المحكمة الأعلى نفسها. مثلاً، بعد قرار "منع التمييز في المدارس" الشهيرة، في قضية براون ضد مجلس التعليم في توبيكا (1954)، قالت المحكمة العليا لقضاة المقاطعة الفدراليين الذين آلت إليهم مهمة تنفيذ الحكم، إن على المدارس الرسمية أن تعمد إلى انطلاقة فورية ومعقولة، ومن ثم أن تعمل، بكل سرعة متعمدة ممكنة، لتحقيق إزالة التمييز العنصري. ما الذي تشكله الانطلاقة الفورية والمعقولة؟ بأي سرعة يجب أن تعمل مدرسة المقاطعة لكي يجري تحرّكها بالسرعة المتعمدة؟ لم تعطِ المحكمة العليا أجوبة مُحدّدة عن هذه الأسئلة.

صحيح أن قرارات المحكمة العليا ليست جميعها منفتحة بهذا القدر للتفسيرات، لكن ذلك حال عدد كبير منها. قد يكون قرار المحكمة غير واضح لأسباب متعددة. أحياناً تكون المسألة أو الموضوع مُعقدّين لدرجة أنه من الصعب صياغة سياسة واضحة. في قضايا الفحش، مثلاً، لم تجد المحكمة العليا صعوبة كبيرة في تقرير أن المواد الإباحية ليست مؤهلة للحماية كما حرية التعبير بموجب التعديل الأول من الدستور. غير أن تعريف الفحش تبين على أنه مسألة مختلفة تماماً. فالعبارات مثل "الاهتمام الشهواني"، و"مثير بصورة جليّة"، و"معايير المجتمع المعاصر"، و"دون قيمة اجتماعية شافعة" قد أصبحت جملاً شائعة في الآراء المترددة حول الفحش، لكن هذه التعابير تترك هامشاً لا بأس به للتفسير الذاتي.

السياسات التي تضعها المحاكم الجامعة (المتعددة القضاة) كثيراً ما تكون ملتبسة لأن رأي الأكثرية يوضع ليكون مرضياً للعديد من القضاة. كما يمكن أن يكون رأي الأكثرية مصحوباً بآراء متعددة ولو كانت متوافقة. عندما يحصل ذلك، يبقى قضاة المحكمة الدنيا دون سابقة واضحة المعالم لاتباعها. مثلاً، في قضية فورمان ضد جورجيا (1972) أبطلت المحكمة العليا عقوبة الموت في عدة ولايات، لكن لأسباب مختلفة. بعض القضاة عارضوا عقوبة الموت بحد ذاتها، على أساس أنها تشكل عقاباً قاسياً وغير اعتيادي انتهاكاً للتعديل الثامن في الدستور. وصوّت آخرون لإبطال قوانين الولاية لأنها تطبق بصورة تمييزية. عدم اليقين الذي خلقه قرار سنة 1972 لم يؤثر على قضاة المحاكم الدنيا فحسب بل أثرّ أيضاً على الهيئات التشريعية. فسنّت الولايات سلسلة متلاحقة من قوانين عقوبة الموت المتضاربة جداً، ونتج عن ذلك رفع عدد كبير من الدعاوى حول هذه المسألة لدى المحاكم.

من الممكن أيضاً أن تتأثر حرية التقدير لدى قضاة المحاكم الدنيا، خلال عملية تنفيذ الأحكام، بسبب الطريقة التي يتم فيها إيصال سياسة المحكمة الأعلى الى الأدنى. فمن المؤكد أن المحكمة التي يتم استئناف قضية كانت تنظر فيها سوف تُبلّغ بقرار الاستئناف. غير أنه لن تُبذل جهود رسمية نظامية لإبلاغ القرار إلى غيرها من المحاكم، أو للتأكد من أن قضاة المحاكم الدنيا يتيّسر لهم الحصول على نسخة من هذا الرأي. القرارات التي تحتوي السياسات القضائية الجديدة توضع في متناول عامة الناس بشكل مطبوع، أو على الانترنت، ويُتوقع من القضاة أن يقرأوها، هذا إذا كان لديهم الوقت والميل إلى قراءتها.

آراء المحكمة العليا، والمحاكم الفدرالية الدنيا، ومحاكم الاستئناف في الولايات، متوفرة بأعداد كبيرة في مكتبات دور المحاكم، وكليات الحقوق، ومكتبات الجامعات. كما أنها متوفرة بصورة متزايدة على الانترنت. غير أن هذا التيسير الواسع النطاق لهذه المعلومات لا يضمن أنها سوف تُقرأ وتُفهم بوضوح. فالعديد من قضاة المستوى الأدنى في الولايات، مثل قضاة الصلح وقضاة محاكم الأحداث، ليسوا محامين ولا يملكون لا الاهتمام ولا المهارة لقراءة قرارات قضائية معقدة. وأخيراً، حتى القضاة الذين يعيرون اهتماماً لقرارات المحكمة الأعلى، ولديهم القدرة على فهمها، لا يكون لديهم الوقت الكافي لكي يتمكنوا من متابعة جميع الآراء الجديدة.

إزاء هذه المشاكل، كيف سيتمكن القضاة من الاطلاع على قرارات المحاكم الأعلى؟ إحدى الطرق هي السماع بهذه القرارات من خلال المحامين الذين يعرضون قضايا في المحاكم الدنيا. يُفترض، بوجه عام، أن الوكلاء المتقابلين سوف يعرضون سوابق ذات صلة بالموضوع خلال مرافعتهم أمام القاضي. أما القضاة الذين لديهم كتبة قانونيون، فيمكن أن يعتمدوا على هؤلاء للبحث عن أية قرارات حديثة صادرة عن المحاكم الأعلى.

وهكذا، فإن بعض سياسات المحاكم الأعلى لا تُفرض بسرعة وبصرامة لسبب بسيط هو أن قضاة المحاكم الأدنى قد لا يكونوا على علم بها. وحتى السياسات التي يعلمون بها يمكن أن لا تكون واضحة لهم بالقدر الذي قد يرغبه قضاة المحاكم الدنيا أن تكون. فكلا السببين يساهمان في استمرار حرية التقدير التي يمارسها قضاة المحاكم الدنيا عندما يجدون أنفسهم في وضع يُلزمهم بتنفيذ السياسات القضائية.

 

التفسير من جانب المحاكم الدنيا

أشارت إحدى الدراسات الى أن "القرارت السياسية الهامة تكون بحاجة شبه دائمة للتفسير من جانب آخر غير مقرر السياسة نفسه." وهذا صحيح بكل تأكيد في ما يخص السياسات القضائية التي ترسيها محاكم الاستئناف. فالعمل الأول الذي يقوم به قاضي المحاكم الدنيا عندما تكون لديه حرية التقدير، هو تفسير معاني قرارات المحاكم الأعلى.

الطريقة التي يُفسر بواسطتها قاضي المحكمة الدنيا سياسة أرستها محكمة أعلى تتوقف على عدد من العوامل. فالعديد من السياسات تكون غير مُعلنة بوضوح. وهكذا، قد يختلف الناس العقلاء حول التفسير المناسب. حتى قرارات السياسات التي لا تشكو من الالتباس تُفسّر أحياناً كثيرة بطرق مختلفة من جانب قضاة مختلفين.

سوف يكون لخيارات القاضي الشخصية أيضاً أثر على التفسير الذي يعطيه لسياسة المحكمة الأعلى. فالقضاة يأتون إلى المحاكم مع المزايا الفريدة العائدة لخلفياتهم. البعض جمهوريون، وآخرون ديمقراطيون؛ وقد يكون أحد القضاة أكثر تساهلاً وآخر أكثر صرامةً. وهم يأتون من مناطق مختلفة في البلاد. بعضهم كانوا مدّعين عامين؛ آخرون كانوا في البداية محامي دفاع أو محامي شركات. بكلمة مختصرة، قد تؤثر خلفياتهم على أفضلياتهم السياسية الخاصة. وهكذا، يمكن أن يقرأ قضاة المحاكم الدنيا أفكارهم الخاصة في سياسة المحكمة الأعلى. النتيجة هي أنه أياً كانت السياسة، فإن بعض القضاة سيعتنقونها بحماس وآخرون سوف يرفضونها تماماً.

الاستراتيجيات التي تستخدمها المحاكم الدنيا

القضاة الذين يناصرون ويقبلون سياسة محكمة أعلى سوف يحاولون، بطبيعة الحال، فرضها وحتى التوسع في أحكامهم على أساسها. لقد ذهب بعض القضاة إلى حد تعريض أنفسهم للمقاطعة، أو النبذ، ولأنواع مختلفة من المضايقات، لأجل تنفيذ سياسات يؤمنون بها لم تكن تحظى بالقبول في مجتمعاتهم.

اما القضاة الذين لا يستسيغون قراراً حول السياسة القضائية صادراً عن محكمة أعلى فقد ينفذوه بطريقة مقتصرة جداً أو حتى رغماً عنهم. فالقاضي الذي لا يوافق في الأساس على سياسة تضعها محكمة أعلى يمكنه استخدام عدد من الاستراتيجيات. إحدى الاستراتيجيات التي نادراً ما تستخدم هي التحدّي، بحيث لا ينفذ سياسة المحكمة الأعلى في قضيةٍ ما أمام المحكمة الدنيا.

مثل هذا التحدي المكشوف غير اعتيادي للغاية. أما الاستراتيجيات الأخرى فلا تكون قصيّة إلى هذا الحد. إحدى هذه الاستراتيجيات تتمثل في مجرد تجنّب تنفيذ هذه السياسة. فقد يتم انهاء دعوى على أسس تقنية أو إجرائية بحيث لا يحتاج القاضي للحكم فيها حسب الجدارة الحقيقية للقضية. فقد يحكم، مثلاً، أن المدعّي لا يحوز على المنزلة القانونية المطلوبة لإقامة الدعوى، أو أن القضية قد أصبحت جَدَلية ولا ترتكز الى وقائع ملموسة لأن المسألة حُلّت قبل بدء المحاكمة. يتجنّب قضاة المحاكم الدنيا أحياناً  قبول سياسة ما عن طريق  اعتبار أن قسماً من  قرار المحكمة الأعلى هو "امر قانوني استنسابي" (أو “dicta” وتعني باللاتينية اعلان مرجعي). يشير هذا التعبير إلى الجزء من الرأي الذي لا يُساهم في جوهر منطق القرار. فهو قد يكون مفيداً كدليل، لكن لا يُعتبر ملزماً. فالأمر الذي يشكل "ديكتا" يكون مفتوحاً لشتى أنواع التفسيرات.

الاستراتيجية الأخرى التي يستخدمها القضاة الذين يختلفون في الرأي مع سياسة قضائية معينة، تقوم على تطبيقها بأضيق طريقة ممكنة. أحد هذه الأساليب بالنسبة لقاضي المحكمة الدنيا هو الحكم بأن السابقة لا تسود (او تطبق) بسبب وجود فوارق واقعية بين قضية المحكمة الأعلى والقضية المرفوعة أمام المحكمة الدنيا. أي أنه لا وجوب لاتباع السابقة بسبب وجود تمايز بين القضيتين.

التأثير على قضاة  المحاكم الدنيا

في بعض الأحيان، يتوجب على المحاكم الدنيا إصدار قرارات بشأن قضايا لم تعدّ لها المحاكم العليا قواعد محدّدة. عندما يحدث ذلك، يتوجب على قضاة المحاكم الدنيا التحول في اتجاه آخر للاسترشاد عند اتخاذ قرار بشأن القضية أمامهم. تلاحظ إحدى الدراسات أن قضاة المحاكم الدنيا الذين يجدون أنفسهم في هذا الوضع، "قد يستوحون ما يتعين عليهم اقراره بالنسبة لقضية مُعيّنة من مجموعة واسعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك انتماؤهم الحزبي، أو أيديولوجيتهم، أو معاييرهم الإقليمية".

تأثيرات  الكونغرس في عملية التنفيذ

عندما يتم اتخاذ قرار قضائي فدرالي، بإمكان الكونغرس أن يقدم تشكيلة متنوعة من الردود: فقد يساعد أو يُعيق تنفيذ القرار. علاوة على ذلك، بإمكان الكونغرس اجراء تعديل على تفسير المحكمة للقانون. وأخيراً، بإمكان الكونغرس أن يشّن حملة على قاض بعينه.

في مجرى اتخاذ قرار بصدد القضايا، تُدعى المحاكم أحياناً كثيرة إلى تفسير القوانين الفدرالية. وفي أحيان قليلة، يمكن أن يختلف التفسير القضائي عما كانت تنويه الأكثرية في الكونغرس. عندما يحصل ذلك، يستطيع الكونغرس تغيير القانون من خلال تشريع جديد يُبطل عملياً التفسير الأولي للمحكمة. غير أن الأكثرية العظمى للقرارات القانونية القضائية الفدرالية لا يغيرها الكونغرس.

إلى جانب إصدار أحكام حول القوانين، تُفسر المحاكم الفدرالية الدستور. يملك الكونغرس أسلوبين لإبطال أو تعديل آثار تفسير دستوري لا يوافق عليه. أولاً، بإمكان الكونغرس الرد بواسطة قانون آخر يهدف إلى تجنّب المشاكل الدستورية. ثانياً، يمكن إبطال قرار دستوري مباشرة بواسطة تعديل الدستور الأميركي. صحيح أن العديد من هذه التعديلات اُدخلت على الدستور بمرور السنين، غير أنه من غير السهل تأمين تصويت أكثرية الثلثين في كل من مجلسي الكونغرس للموافقة على اقتراح التعديل، ومن ثم تأمين المصادقة عليه من جانب ثلاثة أرباع الولايات. فلم يتم ابطال اكثر من أربعة قرارات للمحكمة العليا عن طريق تعديلات دستورية في تاريخ المحكمة.

تشكل هجمات الكونغرس على المحاكم الفدرالية بشكل عام، وعلى بعض القضاة بشكل معين، أسلوبا آخر للرد على القرارات القضائية. هذه الهجمات قد تأخذ شكل شجب شفوي على لسان أحد أعضاء الكونغرس، أو تهديدات بإصدار اتهام من قبل الكونغرس بحق قضاة عاملين، أو باعتماد تحقيقات أشد حول الفلسفات القضائية للمرشحين المحتملين إلى مِنصّة المحاكم الفدرالية.

غير أن الكونغرس والمحاكم الفدرالية ليسا خصمين طبيعيين. فالرد الانتقامي ضد القضاء الفدرالي أمر نادر الى حد كبير، كما أن الفرعين كثيراً ما يعملان بالتناغم في سبيل أهداف سياسية مماثلة. مثلاً، لعب الكونغرس دوراً أساسياً في تنفيذ سياسة المحكمة العليا القاضية بإلغاء التمييز العنصري في المدارس عن طريق سّن قانون الحقوق المدنية سنة 1964، الذي أعطى وزارة العدل سلطة إقامة دعاوى ضد مقاطعات المدارس التي قصّرت في الامتثال لقرار براون ضد مجلس التعليم. ينص العنوان السادس من هذا القانون أيضاً على اعتماد سلاح فاعل لجهود إزالة التمييز عن طريق التهديد بقطع الأموال الفدرالية عن المدارس المتهمة بممارسة التمييز. سنة 1965 زاد الكونغرس من دعمه لسياسة إلغاء التمييز في المدارس الرسمية عن طريق سّن قانون التعليم الابتدائي والثانوي. أعطى هذا القانون الحكومة الفدرالية دوراً أكبر في تمويل التعليم الرسمي، جاعلاً بذلك من امكانية التهديد بقطع التمويل الفدرالي مشكلة جدية بالنسبة للعديد من مدارس المقاطعات التي تمارس التمييز. كان لهذا الدعم للمحكمة العليا من جانب الكونغرس شأناً كبيراً لأن احتمال الامتثال لسياسة بعينها يزداد بازدياد التوحد بين فروع الحكم.

تأثير الفرع التنفيذي في عملية التنفيذ

في بعض الأحيان، يمكن أن يُدعى الرئيس مباشرة إلى تنفيذ قرار قضائي. أحد الأمثلة يتبيّن في قضية الولايات المتحدة ضد نيكسون (1974). فقد قادت تحقيقات لجنة مجلس الشيوخ بخصوص الكشف عن اقتحام المركز الرئيسي للحزب الديمقراطي في فندق ووترغيت في واشنطن العاصمة، مباشرة إلى موظفين رسميين كبار يعملون بشكل مقرب من الرئيس. تبين أيضاً، خلال التحقيقات، أن الرئيس نيكسون قد أقام نظام تنصّت آلي في المكتب البيضاوي. اصدر ليون جاورسكي، الذي عُين مدعياً عاماً للتحقيق في قضية ووترغيت، أمرا بجلب بعض شرائط  التسجيل التي شعر أنها قد توفّر الأدلة في مقاضاته لرسميين من ذوي الرتب العالية. رفض نيكسون تسليم الشرائط على أساس الامتياز الرئاسي والحاجة إلى السرية في المناقشات التي تقود إلى قرارات رئاسية. لكن قرار المحكمة العليا اصدر تعليمات للرئيس بتسليم الشرائط إلى القاضي جون ج. سيريكا الذي كان يتناول محاكمات الرسميين الحكوميين. انصاع نيكسون لأمر المحكمة العليا وبهذا تم تنفيذ قرار قاد بسرعة إلى سقوطه (نيكسون). ففي خلال أسبوعين من ذلك، استقال نيكسون من الرئاسة، في آب/أغسطس، 1974.

باستطاعة الرئيس، حتى عندما لا يكون مشاركاً مباشرة في فرض سياسة قضائية، التأثير في مفعولها. فبسبب وضعه القانوني وشفافية موقعه، بإمكان الرئيس، بمجرد كلامه وسلوكه،  تشجيع الدعم، أو المقاومة، لسياسة قضائية جديدة.

بإمكان الرئيس اقتراح تشريع يؤثر مباشرة على المحاكم. الرئيس فرانكلين د. روزفلت، مثلاً، حثّ الكونغرس، دون نجاح، على زيادة حجم المحكمة العليا لكي يتمكن من "شحنها" بقضاة يؤيدون البرنامج التشريعي لإدارته.

سلطة التعيينات تعطي الرئيس أيضاً فرصة للتأثير في السياسات القضائية الفدرالية، اذ أن الرئيس يعيّن جميع القضاة الفدراليين بمشورة وموافقة مجلس الشيوخ.

بإمكان الرئيس التأثير في صنع السياسة القضائية عبر أعمال وزارة العدل التي تشكل جزءاً من الفرع التنفيذي. فبوسع وزير العدل والموظفين التابعين له التشديد على مسائل قانونية معيّنة وفقاً للأهداف السياسة الإجمالية للرئيس. غير أن الوجه الآخر للعملة يتمثل في امكانية وزارة العدل، حسب تقديرها، تخفيف التشديد على بعض السياسات بعينها عن طريق عدم السعي  باصرار لاقرارها  في المحاكم.

الموظف الرسمي الآخر الذي يمّكنه موقعه من التأثير في صنع السياسة القضائية هو النائب العام، المساعد لوزير العدل، والذي يدعى ايضاً المدعي العام. تاريخياً، كان يُعتبر ان هذا الموظف الرسمي لديه مسؤولية مزدوجة إزاء كل من الفرعين القضائي والتنفيذي. يُشار أحياناً كثيرة إلى هذا الموقع الرسمي، بسبب علاقات النائب العام بالمحكمة العليا، على أنه "قاضي المحكمة العاشر". وكثيراً ما يُنظر إلى النائب العام كمستشار يقدم المشورة إلى المحكمة حول معنى القوانين الفدرالية والدستور. يُحدد النائب العام أيضاً أيا من القضايا، التي تكون الحكومة الفدرالية طرفا فيها، ستكون قابلة للاستئناف لدى المحكمة العليا. أكثر من ذلك، بإمكان النائب العام تقديم رأي قانوني، "كصديق للمحكمة"، يحثّ فيه المحكمة على قبول أو رفض عريضة قدمها أحد المتنازعين لتحويل الدعوى إلى محكمة أعلى، أو لطلب تأييد أو معارضة سياسة بعينها يتم الإلحاح بصددها لدى المحكمة العليا.

العديد من القرارات القضائية يجري عملياً تنفيذها من جانب عدد من الوزارات، والوكالات، والمكاتب، ولجان الفرع التنفيذي. مثلاً، قرار المحكمة العليا في قضية فرونتييرو ضد ريتشاردسون (1973) فرض على سلاح الجو الأميركي لعب الدور الرئيسي في التنفيذ. قضية فرونتييرو طرحت تساؤلات حول قوانين الكونغرس التي توفر فوائد لأفراد سلاح الجو المتزوجين الذكور ولكنها لا تعطي نفس الفوائد للأفراد الإناث المتزوجات. عارضت الملازمة الأولى، شارون فرونتييرو، هذه السياسة على أساس أنها تشكل تمييزاً جنسياً. أصدرت محكمة مقاطعة فدرالية بولاية ألاباما قراراً يؤيد سياسة سلاح الجو. استأنفت فرونتييرو الحكم لدى المحكمة العليا التي أبطلت قرار المحكمة الدنيا وفرضت على سلاح الجو تنفيذ سياسة جديدة.

مُنفّذو القانون الآخرون

تقوم الولايات بتنفيذ السياسات القضائية، وكذلك يفعل الموظفون الرسميون الفدراليون. العديد من قرارات المحكمة العليا الصادرة حسب الأصول المرعية، مثل قضية غيديون ضد واينرايت وقضية ميراندا ضد أريزونا (1966)، تم تنفيذها على يد قضاة محاكم الولايات ورسميي الولايات الآخرين. لعب ضباط شرطة الولاية وضباط الشرطة المحليون، مثلاً، دوراً رئيسياً في تنفيذ قرار قضية ميراندا الذي قضى بوجوب ابلاغ المتهمين المجرمين بحقوقهم. أما قرار قضية غيديون، القائل بوجوب تأمين الولاية محاميا على نفقتها للمدعَى عليهم المعوزين في المحاكمات الجنائية، فقد تم تنفيذه على يد محامين عامين، وجمعيات المحامين المحلية، والمحامين الأفراد الذين تعيّنهم المحاكم.

كثيراً ما يشترك أعضاء الهيئات التشريعية والحكام في الولايات أيضاً، في عملية التنفيذ. القاضي الذي يقرر أن مخالفة اُرتكبت، يمكنه الاختيار بين مجموعة من الخيارات المتعددة للتعويض عن الإساءة. من جملة الخيارات الأكثر شيوعاً هناك التعويضات الاجرائية القانونية، ومعايير الأداء، والإجراءات العلاجية المعيّنة. تؤمّن العلاجات القانونية أموراً مثل انشاء لجان استشارية، ومشاركة المواطنين، والبرامج التعليمية، ولجان التقييم، وإجراءات حل النزاعات، وتعيين مشرفين قضائيين مختصين للتعامل مع مشكلة ما واقتراح حلّ لها. لكن العلاجات لا تحدّد شكلاً مُعيّناً من الإجراءات. تدعو معايير الأداء إلى علاجات محددة، مثلاً، إنشاء عدد مُعيّن من الوحدات السكنية أو المدارس، أو توفير مستوى مُعيّن من الموظفين في سجن أو في مرفق للصحة العقلية. الوسائل المُحدّدة لبلوغ هذه الأهداف متروك أمرها لقرار الرسميين المذكورين في الدعوى. اما الأمثلة عن الإجراءات المُحدّدة فإنها تظهر من خلال قرارات تحديد النقل في باصات المدارس، وتعديل مناطق حضور الطلاب الى المدارس، والتغييرات في حجم وظروف زنزانات السجون أو غرف المستشفيات. هذا النوع من العلاجات لا يُعطي المدعَى عليه أية مرونة بالنسبة لاجراء العلاج المُعيّن أو بالنسبة لوسائل بلوغه.

تنفيذ هذه القرارات العلاجية كثيراً ما يؤول، على الأقل جزئياً، إلى الهيئات التشريعية في الولايات. فالأمر الداعي إلى عدد مُعيّن من الزنزانات في السجون أو عدد مُعيّن من الحراس في نظام السجون قد يضع نفقات جديدة على كاهل الولايات يتعيّن على الهيئات التشريعية تمويلها. كذلك، فإن الأمر القاضي ببناء مرافق أحدث للصحة العقلية، أو توفير معدات اكثر حداثة لها، سوف يعني الزيادة في نفقات الولايات. ومن الممكن ان يشترك حكام الولايات أيضاً في تنفيذ هذه الأنواع من المراسيم القانونية العلاجية من حيث كونهم يشاركون فعلياً في إجراءات تعيين موازنة الولايات، وعليهم أيضاً التوقيع على هذه القوانين أو نقضها.

يُعيّن القضاة أحياناً بعض الأفراد لمساعدتهم في تنفيذ مراسيم المعالجات القانونية. يُعطى عادة بعض المشرفين القضائيين المختصين بعض سلطات صنع القرار. ويُستخدم أيضاً لذلك مراقبون تعيّنهم المحاكم في بعض الحالات، لكنهم لا يخففون من مسؤوليات القضاة في صنع القرار. بدلاً من ذلك، يكون المراقب جامعا للمعلومات يقدم تقارير حول التقدم الذي يحققه المدعَى عليه في الامتثال لأوامر مرسوم المعالجة. عندما لا تُنفذ الأوامر، أو عندما تقف بعض أنواع العوائق بوجه إحراز تقدم في توفير العلاج، بوسع القاضي تعيين شخصٍ ما كحارس قضائي، وإعطائه صلاحيات تقضي بتجاهل العوائق التنظيمية الاعتيادية لاتمام تنفيذ المطلوب.

هناك مجموعة من الأفراد كانت منخرطة بعمق دوماً في تنفيذ السياسات القضائية: آلاف الرجال والنساء الذين يشكلون مجالس المدارس عبر مجمل البلاد. مجالان سياسيان رئيسيان يبرزان، من حيث إشراكهما لأعضاء مجلس المدارس في نزاعٍ ذي شأن، عندما واجهتهم مهمة محاولة تنفيذ سياسة المحكمة العليا.

أولاً، عندما حكمت المحكمة سنة 1954 أن لا مكان للتمييز في المدارس الرسمية، تحملّت مجالس المدارس، والمشرفون على المدارس، إلى جانب قضاة المقاطعات الفدرالية، عبء تنفيذ ذلك القرار. أثرّ دورهم في تلك العملية في حياة الملايين من تلامذة المدارس، والأهالي، ومكَلّفي الضرائب في جميع أنحاء أميركا.

المجال السياسي الثاني الذي كان لمجالس المدارس دور فيه، يعود الى سياسات المحكمة العليا بخصوص الديّن في المدارس الرسمية. ففي قضية إنغل ضد فيتالي (1962)، اعتبرت المحكمة العليا ان مطلب ولاية نيويورك بتلاوة صلاة، كتبتها الولاية، يومياً في المدارس الرسمية هو مطلب غير دستوري. ردّت بعض مقاطعات المدارس على القرار بالمطالبة بتلاوة مقطع من الكتاب المقدس أو صلاة الرب. كان منطقها أنه طالما لم تكتب الولاية صلاة الرب، ولا الكتاب المقدس، فإنها لا تخرق بذلك سياسة المحكمة. لكن، بعد مرور سنة أبطلت المحكمة العليا هذه الممارسات الجديدة مُشيرة إلى أن الخرق الدستوري يقع في خانة التأييد العلني لنشاط ديني مُعيّن، وأن القرار بشأنه لا يتوقف على ما إذا كانت الولاية قد كتبت الصلاة أم لا.

أثر السياسات القضائية

تعتمد الأهمية النهائية لقرارات المحكمة العليا، بالدرجة الأولى، على وقعها في المجتمع الأميركي ككل. السياسات القليلة التي كان لها وقع وشأن كبير جاءت في مجالات المساواة العرقية، وإجراءات المحاكمات الجنائية، ومسائل الإجهاض.

المساواة العرقية

يشير الكثيرون إلى قرار المحكمة العليا في قضية براون ضد مجلس التعليم على أنه الحافز لمسيرة المساواة العرقية في الولايات المتحدة. غير أن الكونغرس والفرع التنفيذي كانا أيضاً مشتركَين في عملية فرض تنفيذ قرارات سياسة إلغاء التمييز. مع هذا، كانت المحاكم هي البادئة بالسعي لوضع سياسة قومية للمساواة العرقية من خلال قرار براون.

في البداية، كثيراً ما كانت قرارات المحكمة مُبهمة، وتقود إلى التهرّب من تنفيذ السياسة الجديدة. غير أن قضاة المحكمة العليا، والعديد من القضاة الفدراليين من المستوى الأدنى، ثابروا، واستمروا بسياسة المساواة العرقية ضمن برنامج عملهم السياسي القومي. أعطت مثابرتهم ثمارها مع سّن قانون الحقوق المدنية سنة 1964، بعد انقضاء عشر سنين على قرار براون. هذا القانون الذي حظي بدعم قوي من الرئيسين جون ف. كنيدي (1961 - 1963) وليندون ب. جونسون (1963 - 1969) أثبت موقف كل من الكونغرس والرئيس المعلن بأنهما مؤيدان للمساواة العرقية في أميركا.

المظهر الآخر لأهمية القضاء الفدرالي في عملية صنع السياسة يصوّره قرار براون والقضايا التي تلته. صحيح أن المحاكم وقفت وحيدة عملياً لسنوات عدة في سعيها إلى المساواة العرقية، لكن قراراتها لم تبقَ دون اهتمام عام. يقول تشارلز ا. جونسون وبرادلي س. كانون، في كتابهما "السياسات القضائية: التنفيذ والوقع"، إن قرار براون "كان قرار محكمة ظاهرا جداً للعيان، ومحاولة قضائية لتوليد أحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية في التاريخ الأميركي. فمن المؤكد، أنه خلال السنوات التي تلت، مارس الأميركيون الإفريقيون وحلفاؤهم ضغوطاً كبيرة جداً على الهيئات الحكومية الأخرى من أجل إلغاء التمييز في المدارس. والحقيقة أن هذه الضغوط سرعان ما تعدّت المدارس إلى المطالبة بالاندماج في جميع نواحي الحياة الأميركية".

المحاكمات الجنائية حسب الأصول المرعية الاجراء

كان صنع السياسة القضائية في مجال فرض إجراء المحاكمات الجنائية طبقاً للأصول المرعية الاجراء، مرتبطاً عن كثب بموقع إيرل وارن في منصبه كرئيس للمحكمة العليا الأميركية (1953 - 1969). يقول آرتشيبالد كوكس، مُتحدثاً عن تلك الحقبة، "لم يسبق أبداً أن كان هناك إصلاح شامل وسريع للإجراءات الجنائية في مثل هذا الوقت القصير". كانت قرارات محكمة وارن تهدف أولاً إلى تغيير الإجراءات التي تتبّعها الولايات في تعاملها مع المدعى عليهم المجرمين. عندما ترك وارن المحكمة العليا، كان قد تم إرساء سياسات جديدة للتعامل مع تشكيلة واسعة من النشاطات؛ ومن بين تلك التي  كان لها  الأثر  الأبعد، قضية ماب ضد أوهايو (1961)، وقضية غيديون ضد واينرايت، وقضية ميراندا ضد آريزونا.

قرار ماب وسّع نطاق قاعدة الاستثناء في القانون، الذي كان يُطبق لدى الحكومة القومية طوال سنين عديدة، ليطال الولايات. فرضت هذه القاعدة على محاكم الولايات استثناء الأدلة، التي تكون الشرطة قد وضعت يدها عليها بصورة غير مشروعة، من المحاكمة. على الرغم من أن بعض دوائر الشرطة، وعلى الأخص في المناطق الحضرية الكبرى، كانت تحاول وضع مبادىء توجيهية محددة ليقوم ضباط الشرطة بتطبيقها في الحصول على الأدلة، فإن تلك الجهود لم تكن جامعة. فبسبب التفاوت في ممارسات الشرطة، والتفسيرات المتعددة التي أعطتها المحاكم الدنيا لما يُعتبر مقبولاً في عمليات التفتيش والحجز، لم يكن تنفيذ قرار ماب متماثلاً في كل الولايات المتحدة.

ربما كان السبب الأكثر أهمية للحدّ من الأثر المتوقع لقرار ماب، غياب التأييد القوي لقاعدة استثناء الأدلة لدى قضاة المحكمة العليا. أولاً، لم يأتِ القرار هذا قراراً بالإجماع، وعلى مرّ السنين، كان بعض القضاة يعارضون علناً قاعدة الاستثناء. فضلاً عن ذلك، وسّعت قرارات المحكمة العليا اللاحقة نطاق التفتيش القانوني المسموح به، مُقيّدة بذلك إمكانية تنفيذ هذه القاعدة القانونية.

اعتَبر قرار غيديون ضد واينرايت أنه من المفروض تأمين محام للمدعَى عليه المعوز عندما يمثل في قضايا جنائية أمام محاكم الولايات. العديد من الولايات كانت تؤمّن بصورة روتينية المحامين في مثل هذه المحاكمات، حتى قبل قرار المحكمة. بدأت الولايات الأخرى الامتثال لهذا القرار بطرق عديدة. فتم وضع برامج "المحامين العامين" في العديد من المناطق. وفي مناطق أخرى، تعاونت جمعيات المحامين مع القضاة لتطبيق نوع معيّن من التقيّد بسياسة المحكمة العليا الجديدة.

كان لوقع قرار غيديون وضوح أكبر وتماثل أكثر من قرار ماب. كانت أحد الأسباب، ولا شك، أن العديد من الولايات سبق لها أن طبقت السياسة التي يدعو إليها قرار غيديون. وكانت تلك السياسة، بكل بساطة، مقبولة على نطاق أوسع من تلك التي أرساها قرار ماب. فالسياسة التي أعلن عنها في قرار غيديون كانت أيضاً أدق تعريفاً مما كانت عليه الحال في قرار ماب. صحيح أن المحكمة العليا لم تحدّد ما إذا كان يجب تأمين وكيل دفاع عام أو محام تُعيّنه المحكمة، إلا أنه يبقى من الواضح أن المدعَى عليه المعوز يجب أن يحصل على مساعدة محام. ثم أن المحكمة العليا برئاسة الرئيس الجديد، وارن بيرغر (1969 - 1986) لم تتراجع عن سياسة محكمة ايرل وارن المتعلقة بتأمين محام للمدعَى عليهم الفقراء كما فعلت في مجالات التفتيش والحجز التي عالجها قرار ماب. جميع هذه العوامل أدت الى وقع أوضح للسياسة التي أعلنها قرار غيديون.

في قضية ميراندا ضد آريزونا، خطت المحكمة العليا خطوة إضافية وحكمت بأنه يتوجب على ضباط الشرطة إبلاغ المشتبه بهم المساقين إلى السجن بحقوقهم الدستورية، ومن بينها حق حضور محام خلال الاستجواب. يجب أيضاً إبلاغ المشتبه بهم أن لهم الحق في البقاء صامتين، وأن أي بيان يدلون به يمكن استخدامه ضدهم في المحكمة؛ وأنه في حال كانوا عاجزين عن تأمين محام، سوف يؤمن لهم محام على نفقة الولاية؛ وأن لهم الحق في التوقف عن الرد على الأسئلة في أي وقت كان. هذه الشروط معلنة بوضوح لدرجة أن دوائر الشرطة كانت تنقلها بالفعل على بطاقات يحملها رجال الشرطة في جيوب قمصانهم. وهكذا، بعد نقل المشتبه بهم إلى السجن، يُخرج ضباط الشرطة البطاقة من جيوبهم، ويقرأون للمشتبه بهم حقوقهم.

بالنسبة للسؤال عما إذا كان ضباط الشرطة يقرأون حقوق قرار ميراندا للأشخاص الذين يوقفونهم، فقد ظهر مستوى رفيع من التقيد بسياسة المحكمة العليا. غير أن بعض البحاثة شككوا في الوقع الفعلي لقرار ميراندا بسبب الأسلوب الذي كان يتم ابلاغ المشتبه بهم بحقوقهم. فالقراءة من بطاقة أمام المرء لا يماثل شرح ما تعنيه شروط المحكمة العليا في هذا المجال، ولا بالتالي محاولة افهام المشتبه به لها. فعندما يُنظر إلى الأمر من هذه الزاوية، لن يبقى لوقع السياسة المُعلنة في قرار ميراندا نفس الوضوح.

لم تُظهر محكمة بيرغر ميلاً لتوفير التأييد القوي لسياسة وارن في قضية ميراندا. صحيح أن قرار ميراندا لم  يتم ابطاله، لكن وقعه تم تقييده الى حد ما. ففي  قضية  هاريس ضد نيويورك (1971)، مثلاً، حكمت محكمة بيرغر أنه يمكن استخدام البيانات التي يدلي بها فرد ما، لم يُقرأ له إنذار ميراندا قبل استجوابه، في المحكمة، وذلك للاعتراض على مصداقية شهادته المقدمة في المحكمة. في وقت لاحق، حكمت المحكمة بقيادة رئيسها وليام رينكويست (1986)،  في قضية ديفيس ضد الولايات المتحدة (1994)، على أنه من غير المفروض على الشرطة التوقف عن استجواب المشتبه به الذي يتقدم بمطلب ملتبس (غير واضح) لحضور محام.

جاءت ردة فعل الكونغرس بعد مرور سنتين على قرار ميراندا، إذ سنّ قانوناً جعل، من حيث الجوهر، إمكانية قبول تصريحات المشتبه به في المحكمة تتوقف على ما إذا كان قد أدلى بها طوعاً أم لا. لم يحظ هذا القانون باهتمام ذي شأن لغاية سنة 1999، عندما حكمت محكمة الاستئناف في الدائرة الرابعة، في قضية متورط  فيها سالب مفترض لمصرف حاول ابطال افادة أدلى بها أمام مكتب التحقيقات الفدرالي على أساس أنه لم يتلق "إنذار ميراندا" قبل استجوابه. قال قرار المحكمة ان القانون تم الامتثال به لأن بيان المتهم كان طوعياً. أثار قرار محكمة الاستئناف هذا مسألة ما هو المفترض اتباعه، قانون الكونغرس أم قرار المحكمة العليا، بخصوص ميراندا. في 26 حزيران/يونيو 2000، قررت المحكمة العليا أنه لما كان قرار ميراندا قراراً دستورياً صادراً عن المحكمة، فلا يمكن إبطاله من جانب الكونغرس. بعبارة أخرى، لا يزال قرار ميراندا يحكم شرعية قبول الافادات، في كل من محاكم الولايات والمحاكم الفدرالية، التي يكون أدلى بها المتهم خلال استجوابه في السجن.

والخلاصة، أنه كانت لوقع سياسات المحكمة العليا المتعلقة بالعدالة الجنائية آثار متفاوتة لعدة أسباب. ففي بعض الحالات، يكون الالتباس او عدم الوضوح هو المشكلة. في حالات أخرى، قد يتبّن ان هناك تأييدا أقل متانة لسياسة المحكمة لدى القضاة، أو أن هذا التأييد يتآكل عندما يحل قضاة محل غيرهم في عضوية المحكمة. جميع هذه المتغيرات تُترجم بهامش أوسع من حرية التقدير لدى القيّمين على التنفيذ.

الإجهاض

في قضية رو ضد ويد (1973)، حكمت المحكمة العليا أن للمرأة الحق المطلق في الإجهاض خلال فترة الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل؛ وأن الولايات يحق لها تنظيم إجراءات الإجهاض خلال الفترة الثانية من الحمل لأجل حماية صحة الأم؛ وأنه بإمكان الولاية، خلال الفترة الثالثة من الحمل، تنظيم أو حتى حظر الإجهاض، إلا عندما تكون حياة أو صحة الأم في خطر.

كانت ردة الفعل على هذا القرار فورية، وبأكثرها سلبية. جاء الرد على شكل رسائل إلى قضاة المحكمة إفرادياً، وفي شكل خطابات عامة، وإدخال اقتراحات قرارات امام الكونغرس، ودعوات لادراج تعديلات على القوانين التي تناصر "الحق في الحياة" في الكونغرس. إزاء الطبيعة الجَدَلية لقرار المحكمة، لم تُقدم المستشفيات عن طيبة خاطر على تأييد القرار، فلم تبادر الى تغيير سياسات الإجهاض لديها.

لم تتواصل ردّات الفعل على سياسة المحكمة الخاصة بالإجهاض وحسب بل انتقلت أيضاً إلى مجالات أخرى. فقد شهدت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في برامج مرشحَي الحزبين الكبيرين مواقف متعارضة حول مسألة الإجهاض. برامج ومُرشحّو الحزب الديمقراطي أعربوا، بوجه عام، عن تأييدهم لقرار رو ضد ويد، في حين أن برامج ومرشحي الحزب الجمهوري عارضوا علناً قرار المحكمة العليا.

شكّل الكونغرس ساحة أخرى لانشطة محمومة استجابة لقرار المحكمة العليا المتعلق بالإجهاض. أمام عجزها عن تمرير تعديل دستوري يُبطل قرار رو ضد ويد، نجحت القوى المناهضة للإجهاض، والمعروفة أيضاً بـ "المؤيدة للحياة"، بالضغط لادخال تعديلات على مشاريع قوانين تخصيص الأموال لمنع إنفاق الأموال الفدرالية لاجراء الإجهاض الاختياري. سنة 1980، أيدّت المحكمة العليا بخمسة أصوات مقابل أربعة دستورية هذا الحظر.

جاءت معظم التشريعات، التي اعقبت قرار قضية رو، من قبل الولايات فقط. بيّنت إحدى الدراسات، أنه خلال السنتين اللتين تلتا القرار، سنّت 32 ولاية 62 قانوناً متصلاً بالإجهاض، يهدف معظمها إلى تقييد امكانية تأمين الإجهاض، وتنظيم إجراءات الإجهاض، أو حظر الإجهاض تحت ظروف معينة.

ازداد نشاط مجموعات المصالح بصورة درامية بعد قرار قضية رو. فكثيراً ما نظمت المجموعات المعارضة للقرار تظاهرات عامة ضد القرار، وبدأت لاحقاً تُرابط أمام أبواب العيادات. أما مجموعات المصالح التي كانت تؤيد القرار، فقد ركزّت جهودها أكثر على المحاكم.

في حين كانت المعارك حول الإجهاض تدور في المحاكم، وفي الحملات الانتخابية والحلبات التشريعية، فضّل آخرون اتباع مقاربة مباشرة أكثر، أي عن طريق التظاهر ومحاصرة مراكز الإجهاض. غير أن المحكمة العليا قررّت أن بالإمكان فرض قيود على مثل هذه التظاهرات تتعلق بتوقيتها المعقول، ومكانها، وطريقة القيام بها. وأعيد تأكيد هذا الموقف في 28 حزيران/يونيو 2000، عندما أيدّت المحكمة قانوناً صادراً في ولاية كولورادو يعتبر عملاً غير قانوني مجرد التقدم من شخص آخر، وضمن مسافة لا تبعد أكثر من  100 قدم من مرفق للعناية الصحية، وذلك عن تعمّد، ودون موافقة هذا الأخير، لتوزيع مناشير، أو عرض شارة، أو للاحتجاج شفوياً له.

الاستنتاجات

لبعض السياسات القضائية وقع أكبر من سواها على المجتمع. تلعب السلطات القضائية دوراً، في تطوير سياسات الدولة، أكبر مما لحظه المؤسسون. غير أن "المحاكم الأميركية ليست مؤسسات ذات سلطات مطلقة"، كما كتب جيرالد ن. روزنبيرغ في مؤلّفه "الأمل الفارغ: هل بإمكان المحاكم إحداث التغيرات الاجتماعية؟"، حيث قال: "لقد صُممت المحاكم بقيود قاسية واُنشئت ضمن نظام سياسي ذي سلطات مُقسّمة. فمطالبتها بإنتاج إصلاحات اجتماعية ذات شأن يعنى تناسي تاريخها، وتجاهل قيودها."

ضمن إطار العمل المعقد هذا، الذي يكتنفه التنافس بين المطالب والطموحات السياسية والاجتماعية، يبقى هناك دور للمحاكم في صنع السياسة. وبوجه عدم تجاوب السلطتين الأخريين للحكومة أحياناً مع بعض شرائح المجتمع، لا يبقى أمام هؤلاء الأفراد أو المجموعات سوى خيار واحد هو اللجوء إلى المحاكم. منظمات الحقوق المدنية، مثلاً، لم تُحرز تقدماً حقيقياً إلا عندما وجدت في المحكمة العليا منبراً مؤيداً لجهودها الخاصة بإلغاء التمييز في المحاكم.

وفي الوقت الذي حققت فيه مجموعات الحقوق المدنية بعض النجاح في المحاكم الفدرالية، لاقت مجموعات أخرى تشجيعاً لاستخدام الدعاوى كاستراتيجية. مثلاً، أتّبع مؤيدو حقوق المرأة نمطاً أرسته مجموعات الاقليات عندما بدأت ترفع شكاويها إلى المحاكم. فما بدأ كسعي ضيق لتحقيق المساواة العرقية توسّع بعدها للسعي إلى المساواة بالنسبة للمجموعات الأخرى المحرومة في المجتمع.

من الواضح، إذاً، أن بإمكان المحاكم أن تُصدر قرارات سياسة تستلفت الاهتمام القومي وتشدد، ربما، على أن صنّاع السياسة الآخرين قصّروا أو لم يتخذوا الاجراءات اللازمة. من هذا السبيل، يمكن للسلطات القضائية دعوة فروع الحكم الأخرى إلى ممارسة سلطاتها في صنع السياسة. تشير قرارات المتابعة الى عزم السلطات القضائية على مواصلة السعي الى سياسة بعينها، وإلى المساعدة في الابقاء على دعوة صناع السياسة الآخرين للانضمام إلى هذا المجهود حيّة.

بعد أخذ كل هذه الأمور بعين الاعتبار، يبدو ان المحاكم هي الأفضل تجهيزاً لتطوير وتنفيذ سياسات محددة تكون بطبيعتها أقل جَدَلية. السياسة التي تأسست في قضية غيديون تقدم مثالاً جيداً. فالقرار القائل إنه يجب تأمين محامين للمدعَى عليهم المعوزين في محاكم الولايات الجنائية لم يقابله أي احتجاج قوي. علاوة على ذلك، كانت هذه السياسة تستلزم، بالدرجة الأولى، تأييد القضاة والمحامين؛ حيث لم تكن هناك حاجة بالواقع لإجراءات من جهة الكونغرس أو الرئيس. سياسة المساواة لجميع شرائح المجتمع، شأن واسع جداً، ومثير للجَدَل لدرجة ان التحرك بصدده يجب أن يذهب إلى أبعد من السلطات القضائية. وبينما تنجز هذه السياسة ذلك، لن تُشكل  المحاكم الاّ جزءاً واحداً، حتى ولو كان جزءاً هاماً، من عملية صنع السياسة.

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي