01 ايلول/سبتمبر 2008
اللاعبون الكبار في النظام القضائي هم الرجال والنساء الذين يخدمون كقضاة ورؤساء محاكم. ما هي الخصائص التي تميز هؤلاء الناس عن باقي المواطنين؟ ما هي المؤهلات – الرسمية وغير الرسمية – للتعيين في مِنصّة القضاء؟ كيف يتم اختيار القضاة ومن هم المشاركون في العملية؟ كيف يتعلم القضاة أن يكونوا قضاة؟ كيف يتم اتخاذ إجراءات تأديبية بحق القضاة ومتى يتم نقلهم أو تنحيتهم عن منصة القضاء؟
المزايا الخلفية للقضاة الفدراليين
يتمسك الأميركيون بالفكرة القائلة إن أي شخص مولود في أكثر الظروف تواضعاً (مثل أبراهام لنكولن) يمكنه أن يصبح يوماً ما رئيساً للولايات المتحدة أو، على الأقل، قاضيا أميركيا. هذه الأسطورة، على غرار الأساطير الأخرى، تحمل نواة من الحقيقة. مبدئياً، يستطيع أي كان، بالواقع أن يصبح موظفاً رسمياً بارزاً، كما أن عدداً من الأمثلة المعروفة جيداً يمكننا ذكرها عن أناس جاؤوا من خلفيات متواضعة لكنهم صعدوا إلى قمة السلطة. غير أن القضاة الفدراليين في أميركا، مثلهم مثل الموظفين الرسميين، أو قادة التجارة والصناعة، يأتون عادة من الطبقات الوسطى والوسطى الأعلى في البلاد.
قضاة المقاطعات
لم يحدث أبداً أن تم تجميع كل المعطيات عن خلفيات قضاة المقاطعات الفدراليين خلال المئتين وعشر سنوات الماضية، لكن هناك قدرا لا بأس به من هذه المعطيات معروف عن القضاة الذين خدموا خلال العقود الأخيرة.
قبل الوصول إلى منصة القضاء الفدرالية، كان الجمع الأوفر من هؤلاء القضاة قد خدموا كقضاة على مستوى الولاية أو المستوى المحلي. وكانت هناك فئة تاليه منهم قد خدمت إما في المجالات السياسية أو الحكومية أو في مكاتب المحاماة المتوسطة إلى الكبرى. أما الذين كانوا يعملون في مكاتب المحاماة الصغيرة أو كأساتذة حقوق، فلم تشكل إلا فئة صغرى من هؤلاء القضاة.
تكشف خلفيات القضاة التربوية شيئا ما عن طبيعتهم النخبويّة. فقد تخرجوا جميعهم من الجامعات، وجاء نصفهم تقريباً إما من جامعات "الآيفي ليغ أي النخبة" العالية الكلفة، أو من الجامعات الخاصة الأخرى، حيث أحرزوا شهادات الدراسة الجامعية الأولى، ومن ثم شهادات الحقوق. يختلف القضاة أيضاً عن السكان ككل من حيث ميلهم القوي نحو "الوراثة المهنية"، أي ان القضاة يأتون من عائلات ذات تقاليد متوارثة من الخدمة القضائية والعامة.
ومع أن الإناث يمثلن نسبة 51 بالمئة من سكان الولايات المتحدة، فإن القضاة كانوا بصورة شبه دائمة من الذكور حصراً. ولغاية رئاسة جيمي كارتر (1977 – 1981)، كان أقل من 2 بالمئة من قضاة المقاطعات إناثاً، وحتى مع الجهود الواعية لتغيير هذه الظاهرة، بقيت 14،4 بالمئة فقط من تعيينات الرئيس كارتر في مراكز قضاة المقاطعات من النساء. كانت الأقليات العرقية أيضاً ضعيفة التمثيل في منصة المحاكم، ليس من حيث العدد الإجمالي فحسب، بل أيضاً بالمقارنة مع مجموع السكان. حتى أيامنا هذه، وحده جيمي كارتر عيّن نسبة لا بأس بها من غير الأنغلوسكسونيين في مِنصّات القضاء الفدرالية، أي أكثر من 21 بالمئة. خلال إدارة الرئيس بيل كلينتون (1993 – 2001) حصل تغيّر دراماتيكي. فخلال السنوات الست الأولى من ولايته، جاء 49 بالمئة من المعينين القضائيين إما من النساء أو من الأقليات.
يأتي حوالى تسعة من أصل كل عشرة قضاة مقاطعات من نفس الحزب السياسي للرئيس الذي قام بتعيينهم، وكان، تاريخياً، حوالى 60 بالمئة منهم يملك سجلاً من النشاط الحزبي.
يكون القاضي النموذجي في التاسعة والأربعين من عمره عند تعيينه. الفوارق في أعمار القضاة بين عهد رئاسة جمهورية وأخرى تكون صغيرة، دون أي ميل في تغيّر ذلك على مرّ السنين بين إدارة وأخرى.
قضاة محاكم الاستئناف
قضاة محاكم الاستئناف تكون لديهم، على الأرجح، تجارب قضائية سابقة أكثر من نظرائهم في منصات محاكم الموضوع، كما أنهم على الأرجح كانوا قد التحقوا أكثر منهم بالجامعات الخاصة وجامعات "الآيفي ليغ".
من حيث الانتماء السياسي، كان هناك فارق صغير بين التعيينات في محاكم الموضوع ومحاكم الاستئناف. غير أن لدى قضاة محاكم الاستئناف ميلا خفيفا لأن يكونوا نشطين في أحزابهم الخاصة أكثر من زملائهم في منصات محاكم الموضوع.
مبادرة الرئيس السابق كلينتون لجعل مِنصّة القضاء تعكس بشكل أدق الديموغرافيا الجنسية والعرقية الأميركية واضحة في صفوف قضاة الاستئناف كذلك. كان ثلث الذين عَيّنَهُم كلينتون من النساء، كما قام بتعيين نسبة من الأميركيين الإفريقيين ولاأميركيين اللاتينيين والآسيويين في منصات محاكم الاستئناف على يد كلينتون أكثر مما فعل أي رئيس آخر.
بدوره، أظهر الرئيس جورج دبليو بوش التزاماً بالتنوع العرقي والجنسي. فحوالى ثلث الذين عينهم في محاكم المقاطعات، مثلاً، كانوا "غير تقليديين"، أي نساء وأقليات.
قضاة المحكمة العليا
منذ سنة 1789، جلس 106 رجال وامرأتان على منصة أعلى محكمة قضائية في أميركا. صحيح أن 10 بالمئة من القضاة كانوا في الأساس من أصول متواضعة، لكن أكثرية القضاة جاؤوا من عائلات نشطة سياسياً، وكان حوالى الثلث على صلة قربى برجال قانون أو على صلة وثيقة بعائلات ذات خدمة قضائية تقليدية.
لغاية الستينات من القرن الماضي، كانت المحكمة العليا مؤلفة كلها من البيض، ومؤلفة بالكامل من الذكور. لكن، في سنة 1967، عيّن الرئيس لندون جونسون ثورغود مارشال كأول عضو أميركي إفريقي في المحكمة. وعندما تقاعد مارشال سنة 1991، عيّن الرئيس جورج هـ.و. بوش، والد الرئيس جورج دبليو بوش، أميركياً إفريقياً آخر مكانه هو كلارنس توماس. سنة 1981، كُسِر حاجز الجنس عندما سمّى الرئيس رونالد ريغان ساندرا داي أوكونور في المحكمة، وبعد انقضاء 13 عاماً، انضمت إليها روث بيدر غينسبيرغ.
أما بالنسبة للـمهن غير السياسية للقضاة، فقد خضع جميع القضاة المئة وثمانية (108) لتدريب قانوني ومارس جميعهم المحاماة في مرحلة ما من حياتهم المهنية. فقط 22 بالمئة منهم كانت لديهم تجارب قضائية فدرالية أو في الولايات قبل تعيينهم مباشرة، علماً أن أكثر من نصفهم كان قد خدم على منصة القضاء في وقت ما قبل تعيينهم في المحكمة العليا. وكما هي الحال بالنسبة لزملائهم في القضاء الفدرالي الأدنى، كان قضاة المحكمة العليا أكثر نشاطاً سياسياً من الأميركي العادي، كما تشاركوا جميعهم عملياً العديد من التوجّهات الأيديولوجية والسياسية للرئيس الذي عيّنهم.
مؤهلات القضاة الفدراليين
على الرغم من غياب المؤهلات الرسمية لوظيفة القضاة الفدراليين، هناك متطلبات غير رسمية محددة جيداّ.
المؤهلات الرسمية
لا وجود لمؤهلات دستورية أو قانونية منصوص عنها للخدمة في المحكمة العليا أو في المحاكم الفدرالية الأدنى. يشير الدستور فقط إلى أن "السلطة القضائية للولايات المتحدة يجب أن تُسند إلى محكمة عليا واحدة"، كما وإلى أي من المحاكم الفدرالية الدنيا التي قد يؤسسها الكونغرس (المادة الثالثة، القسم 1)؛ والى أن الرئيس "بواسطة ومع مشورة وموافقة مجلس الشيوخ، يجب أن يُعيّن… قضاة المحكمة العليا" (المادة الثانية، القسم 2). طبق الكونغرس إجراءات التعيين نفسها على محاكم الاستئناف ومحاكم الموضوع. ليس هناك شرط بإجراء امتحان، أو شروط سن دنيا، أو بنود تقضي بوجوب أن يكون القضاة مواطنين من مواليد البلاد أو مقيمين قانونيين، ولا شروط حتى لأن يكون القضاة من حملة شهادة في الحقوق.
الشروط غير الرسمية
تُحدد على الأقل أربعة عوامل حيوية، ولو غير رسمية، من سيجلس على مِنصّة المحاكم الفدرالية في أميركا: الكفاءة المهنية، والمؤهلات السياسية، والاختيار الذاتي، وعنصر الحظ.
الكفاءة المهنية. صحيح أنه لا لزوم لأن يكون المرشحون للمناصب القضائية الأميركية من المحامين، لكن العادة درجت على تعيين المحامين الذين تميزوا مهنياً. صحيح أن القواعد السياسية يمكن أن تسمح للرئيس بمكافأة حليف قديم بمنحه منصباً قضائياً، لكن التقاليد أرسَت التوقّع بأن على القاضي المحتمل ان يتمتع بسمعة من الكفاءة المهنية، وبأن على هذه السمعة ان تزداد أكثر فأكثر كلّما انتقل القاضي من محاكم الموضوع إلى محاكم الاستئناف، فإلى مستوى المحكمة العليا.
المؤهلات السياسية. معظم المرشحين المنصب قضائي لديهم سجل من النشاط السياسي لسببين. أولاً، لا زال منصب القاضي يعتبر جزءاً من نظام الرعاية السياسية؛ فالذين خدموا الحزب هم الذين سيكافأون بمنصب فدرالي أكثر من الذين لم يفعلوا. ثانياً، أن بعض النشاط السياسي من جانب القاضي المحتمل كثيراً ما يكون ضروريا لأنه لولا ذلك، لما كان اسمه قد ورد بكل بساطة أمام الرئيس، أو أمام أعضاء مجلس الشيوخ، وقادة الحزب المحليين الذين يرسلون أسماء المرشحين.
الاختيار الذاتي. في حين يعتبر الكثيرون أنه من غير اللائق بالكرامة، ومُعيب للطبع القضائي، بأن يعلن المرء على الملأ رغبته في الوصول الى منصب قضائي، فإن بعض رجال القانون ينظمون حملات خفيّة بالنيابة عن أنفسهم، أو يُمررّون على الأقل الخبر أنهم على استعداد للخدمة القضائية. قليلون يُقرّون بأنهم يسعون بنشاط إلى التعيين، لكن الحكايات الموثوقة توحي بأن المحامين كثيراً ما يضعون أنفسهم بطريقة تؤدي إلى ظهور أسمائهم عندما يكون هناك مقعد قضائي شاغر.
عنصر الحظ. هناك قدر لا بأس به من الصدفة في معظم التعيينات القضائية. فوجود عضو من الحزب المناسب، في الوقت المناسب، أو معرفته لوسطاء السلطة في الوقت المناسب، كثيراً ما يلعب دوراً هاماً، يماثل ما تلعبه الخلفية المهنية في تعيين المرء قاضياً.
عملية الاختيار الفدرالية والمشاركون فيها
إطار عمل عملية الاختيار القضائية هو نفسه بالنسبة لجميع القضاة الفدراليين، وأن كانت أدوار المشاركين مختلفة على المستوى القضائي الأميركي. يُجري الرئيس جميع التعيينات بعد مشاورات حسب الأصول المرعية مع موظفي البيت الأبيض، ومكتب وزير العدل، وبعض أعضاء مجلس الشيوخ، والسياسيين النافذين الآخرين. يقوم مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI)، التابع لوزارة العدل، عادة بتحقيق أمني روتيني. بعد إعلان التعيين على الملأ، تقوم مجموعات المصالح المتنوعة التي تعتقد أن لها مصلحة في التعيّين بالضغط لصالح أو ضد المرشح. كذلك يجري تقييم لمؤهلات المرشح على يد لجنة من جمعية المحامين الأميركيين. يُرسل اسم المرشح إلى اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ التي تقوم بتحقيق حول أهلية المرشح المُعيّن للمنصب. إذا جاء تصويت اللجنة موافقاً، يُرسَل الترشيح إلى مجلس الشيوخ حيث يوافق عليه أو يرفضه المجلس بتصويت الأكثرية البسيطة.
الرئيس
تقنياً، يُسمي الرئيس جميع المرشحين القضائيين، لكن الرئيس التنفيذي كان، تاريخياً، يهتم أكثر بتعيينات المحكمة العليا من التعيينات في المحاكم الدنيا، ولهذا سببان رئيسيان.
أولاً، ينظر الرئيس – وعامة الناس – إلى التعيينات في المحكمة العليا، بوجه عام، على أنها أكثر أهمية وأكثر مغزى، سياسياً، من مقاعد المحاكم الأدنى. يستخدم الرؤساء أحياناً كثيرة فرصهم القليلة للتعيينات في المحكمة العليا لإظهار موقفهم السياسي أو لتحديد نهج إدارة الرئيس. مثلاً، خلال فترة الضيق القومية قبيل دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، رفع الرئيس الديمقراطي فرانكلن د. روزفلت الجمهوري هارلان فيسك ستون إلى رتبة رئيس المحكمة العليا كإشارة إلى الوحدة الوطنية. سنة 1969، استخدم الرئيس ريتشارد نيكسون تعيينه للقاضي المحافظ وارن بيرغر للإيفاء بتعهدّه خلال حملته في إعادة فرض "القانون والنظام". وأمل الرئيس رونالد ريغان، سنة 1981، في تبديد سمعته بأنه غير متعاطف مع الحركة النسائية، إذ كان أول من عيّن إمرأة في المحكمة العليا.
السبب الثاني لتكريس الرؤساء مزيداً من الاهتمام لتعيينات المحكمة العليا واهتماماً أقل بالمحاكم الأدنى هو أن التقاليد سمحت لأعضاء مجلس الشيوخ ولقادة الحزب المحليين بالتأثير، وأحياناً كثيرة بالسيطرة، على تعيينات المحاكم الدنيا. هذه الممارسة، المعروفة بمجاملة مجلس الشيوخ، هي جزء من عملية تعيين قضاة المقاطعات. بموجب مبدأ المجاملة هذا، يتم سؤال أعضاء مجلس الشيوخ المنتمين إلى حزب الرئيس، والذين هم من ولاية المرشح للمنصب القضائي، عن رأيهم بالمرشح من جانب اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ. في إدلائهم بوجهات نظرهم حول مرشح مُعيّن، يكون هؤلاء الشيوخ في وضع يتيح لهم عملياً نقض التعيين. مجاملة مجلس الشيوخ لا تنسحب على التعيينات في محاكم الاستئناف علماً أنه من الدارج بالنسبة للرئيس الامتثال لشيوخ حزبه من الولايات التي تتشكل منها محكمة الاستئناف الدورية.
وزارة العدل
الذين يساعدون الرئيس وموظفي البيت الأبيض في عملية الاختيار القضائي هما مسؤولان يعينهما الرئيس في وزارة العدل، وهما وزير العدل في الولايات المتحدة، ونائب وزير العدل. تكون وظيفتهما الأولية السعي للعثور على مرشحين للمناصب القضائية الفدرالية يتناسبون مع المعايير العامة التي وضعها الرئيس. بعد الحصول على عدد معيّن من الأسماء، يقوم موظفو وزارة العدل بإجراء تفحص دقيق إضافي بصدد كل مرشح. وقد يأمروا مكتب التحقيقات الفدرالي بالتحقق من أطباع وخلفية المرشح. كما أنهم سوف يراجعون عادة نسخاً عن جميع المقالات أو الخطب التي كتبها المرشح أو يُقيّمون الآراء المكتوبة لقاضٍ حالي؛ وقد يحققون مع قادة الحزب المحليين لتحديد ما إذا كان المرشح مخلصا للحزب وما إذا كان على تناغم مع مواقف الرئيس السياسية الرئيسية المُعلنة.
في حال تعيينات قضاة المقاطعات، حيث كثيراً ما تقدّم أسماء المرشحين من جانب أعضاء مجلس الشيوخ في الولاية المعنية، فإن وظيفة وزارة العدل تقتصر على غربلة الأسماء أكثر من اتخاذ المبادرة. بصرف النظر عمّن يُقدم قائمة الأسماء، تكون الوظيفة الأولية لوزارة العدل تقييم المؤهلات الشخصية، والمهنية، والسياسة للمرشح. في أدائها لهذا الدور، يُمكن أن تعمل الوزارة عن كثب مع موظفي البيت الأبيض، ومع أعضاء مجلس الشيوخ المعنيين بالترشيح، ومع قادة الحزب الذين قد يرغبون في أن يكون لهم بعض الرأي في اختيار المرشح.
قادة الحزب المحليون وفي الولايات
ليس لقادة الحزب الإقليميين كبير دور في تعيينات قضاة المحكمة العليا، حيث تكون امتيازات الرئيس طاغية، كما أن دورهم في اختيار قضاة محاكم الاستئناف يكون في حده الأدنى. غير أن تأثيرهم في اختيار قضاة محاكم الموضوع كبير جداً، على الأخص عندما تحصل التعيينات في الولايات التي لا ينتمي فيها أي عضو من عضوي مجلس الشيوخ الى حزب الرئيس السياسي. في هذه الحالات، يميل الرئيس أكثر إلى استشارة قادة حزبه في الولاية بدلاً من عضوي مجلس الشيوخ الممثلين للولاية.
مجموعات المصالح
كثيراً ما يحاول عدد من مجموعات الضغط في الولايات المتحدة، من كامل الطيف السياسي اليساري واليميني، الدفاع عن أو معارضة التعيينات القضائية. قلّما يتردّد قادة تلك المجموعات، مثل مجموعات الحريات المدنية، والأعمال، والاتحادات العمالية والحقوق المدنية في حثّ الرئيس على سحب اسم مرشح تختلف قيمه السياسية والاجتماعية عن قيمهم، أو في الضغط على مجلس الشيوخ لتأييد تعيين مرشح يعتبرونه مناصراً لهم. تضغط مجموعات المصالح لصالح أو ضد المرشحين على جميع مستويات القضاء الفدرالي.
جمعية المحامين الأميركيين (ABA)
لعبت لجنة القضاء الفدرالي التابعة لجمعية المحامين الأميركيين، طيلة أكثر من خمسة عقود، دوراً أساسياً في تقييم الصفات المهنية للمرشحين المحتملين لمناصب المحاكم الفدرالية. تقيّم اللجنة، التي يُمثل أعضاؤها الخمسة عشر (15) جميع الدوائر القضائية الأميركية، المرشحين على أساس ثلاثة معايير: الطبع القضائي، الكفاءة المهنية، والنزاهة. المرشح الذي توافق عليه اللجنة يُصّنف إما بأنه "مُؤهّل" أو "مؤهّل جداً"، في حين تلصق بالمرشح غير المقبول بطاقة "غير مؤهل".
لجنة مجلس الشيوخ القضائية
تفرض قواعد مجلس الشيوخ على لجنته القضائية دراسة جميع التعيينات إلى المحاكم الفدرالية، وتقديم توصيات إلى مجلس الشيوخ بمجمله. وهكذا تتحدد وظيفة اللجنة في غربلة الأفراد الذين تم ترشيحهم لا في أن تقترح أسماء مرشحين محملين. تنظم اللجنة جلسات استماع حول جميع التعيينات، وتستمع إلى الشهود حيث تدور المداولات وراء أبواب مغلقة. الاستماع بالنسبة للتعيينات في محاكم الأقاليم روتينية إلى حد كبير، لأن قاعدة مجاملة مجلس الشيوخ تكون قد قررت، بطريقة أو بأخرى، ما إذا كان المرشح سيكون مقبولاً لدى مجلس الشيوخ. إلاّ أنه في ما يتعلق بمرشحي محاكم الاستئناف، وحتماً بالنسبة للتعيينات في المحكمة العليا، تكون جلسات الاستماع التي تجريها اللجنة إجراءً جدياً.
مجلس الشيوخ
الخطوة الأخيرة في عملية التعيينات القضائية بالنسبة للقضاة الفدراليين هي التصويت على التعيين بالأكثرية لدى مجلس الشيوخ. تاريخياً، سادت وجهتا نظر عامتان حول الدور المعهود إلى مجلس الشيوخ. اتخذ الرؤساء منذ أيام جورج واشنطن وعدد قليل من الباحثين موقفا يتمثل في أن مجلس الشيوخ عليه أن يتماشى بسلاسة مع خيارات الرئيس، إلا إذا كانت هناك أسباب قوية فعلاً تدعو لغير ذلك. الباحثون الآخرون، ومعظم أعضاء مجلس الشيوخ، تمسكوا بالرأي القائل إن لمجلس الشيوخ حقا وواجبا في اتخاذ قراره الخاص المتعلق بالتعيينات. في الممارسة، تَباين دور مجلس الشيوخ في عملية تثبيت القضاة طبقاً لمستوى المنصب القضائي الفدرالي المعني.
بالنسبة لقضاة المقاطعات، تسود قاعدة مجاملة مجلس الشيوخ. هذا يعني أنه في حال كان مرشح الرئيس مقبولاً لدى الشيوخ الأعضاء في حزب الرئيس، في الولاية التي سيعمل فيها القاضي، فسوف يوافق مجلس الشيوخ على تثبيت التعيين. أما بالنسبة للتعيينات في محاكم الاستئناف، فإن مجاملة مجلس الشيوخ لا تطبق طالما أن الشغور الواجب إشغاله يغطي أكثر من مجرد ولاية عضو واحد أو ربما عضوين من أعضاء مجلس الشيوخ. لكن أعضاء مجلس الشيوخ من كل ولاية في الدائرة القضائية حيث حصل الشغور درجوا، في العادة، على عرض أسماء المرشحين الممكنين على الرئيس. هناك قاعدة غير مدونّة تقول إن كل ولاية ضمن الدائرة القضائية يجب أن يكون لها قاضٍ في محكمة استئناف تلك الدائرة. وطالما كان هناك تقيد بالقواعد، وطالما كان مرشح الرئيس يملك المؤهلات الجيدة، فإن مجلس الشيوخ ككل يوافق عادة على توصيات الرئيس التنفيذي.
مجلس الشيوخ عادة ما يميل إلى مجادلة الرئيس، إذا نشأ خلاف حول أهلية مرشح ما للمحكمة العليا. منذ سنة 1789، أرسل الرؤساء أسماء 144 مرشحاً للمحكمة العليا إلى مجلس الشيوخ لأخذ مشورته وموافقته. من ضمن هذا العدد، كان هناك 30 مرشحاً "رُفضوا" أو "تأجّل البحث بشأنهم إلى ما لا نهاية" على يد مجلس الشيوخ، أو تم سحب أسمائهم من جانب الرئيس. وهكذا يكون الرؤساء قد نجحوا في حوالي 79 بالمئة من الأوقات، كما يبدو أن مُعدّل نجاحهم على تحسّن، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن قرابة ثلث المرشحين كان قد تم رفضهم من جانب مجلس الشيوخ في القرن التاسع عشر. تُظهر السجلات أن الرؤساء حققوا أفضل النجاحات في تثبيت تعييناتهم في المحكمة العليا عندما جاء المرشحون من خلفيات غير قابلة للجدل، وعندما كانت ميولهم السياسية وسطية، وعندما كان حزب الرئيس مسيطراً أيضاً على مجلس الشيوخ، أو، على الأقل، عندما كانت أكثرية تشاطر الرئيس مواقفه وقيمه الأساسية.
إعطاء العملية القضائية طابعاً مجتمعياً
في الجامعات وكليات الحقوق، يكتسب قضاة المستقبل مهارات تحليل وتواصل ذات شأن، إضافة إلى تعلمهم جوهر القانون. بعد عقدين من الممارسة القانونية، يتعلم قاضي المستقبل قدراً لا بأس حول كيفية عمل المحاكم والقانون ويتخصص في مجالات مختلفة من القانون. وعلى الرغم من كل هذا الإعداد، يبقى هناك شيء يسمى "التحضيرات المجتمعية" “anticipatory socialization” يتعيّن على القضاة الجدد في أميركا تَعلّمها بما يتعلق بما معنى أن يكون المرء قاضياً.
لا تفتقر الولايات المتحدة إلى إجراءات التدريب النظامية للمهنة القضائية وحسب، بل ان هناك افتراضا بأن كون المحامي قد مارس المهنة طيلة عقد أو ما شابه هو كل ما يحتاجه لكي يصبح قاضياً. على العكس من ذلك، يتطلب الدخول في سلك القضاء في أميركا قدراً هاماً من الخضوع لفصل من التعلم الأولي حول التكيف المجتمعي (تعلّم قصير الأجل للتكيّف مع الدور الجديد)، وتكيّفاً وظيفياً عملياً (تدريب في الموقع الوظيفي طيلة سنة من الزمن).
المُعيّنون الجُدد في محاكم الموضوع قد يكونوا عادة محامين من الدرجة الأولى وخبراء في عدد معين من مجالات القانون التي تخصّصوا فيها. غير أنه يتوقع منهم، كقضاة، أن يكونوا خبراء في جميع المواضيع القانونية، وأن ينخرطوا في واجبات قانونية لا صلة لها عادة بأية مهمات قاموا بها سابقاً كمحامين (مثلاً، إصدار الأحكام)، كما يواجهون حشداً من المهمات الإدارية التي لم يكن لديهم أية تجارب سابقة بشأنها (مثلاً، تعلّم كيفية جدولة عدة مئات من القضايا المختلفة).
على مستوى محاكم الاستئناف، تكون هناك أيضاً حاجة لفترة من التعلّم الأولي للتكيف المجتمعي، على الرغم من التجارب القضائية السابقة المحتملة لقضاة الدوائر. هذا مع العلم أن قضاة محاكم الموضوع قد يمّرون بالفترة الانتقالية بسهولة أكبر. وخلال هذه الفترة الانتقالية، يميل قضاة الدوائر للتكلم لكل في المحاكم من زملائهم الذين لديهم تجارب أكثر. كما يقضون أحياناً كثيرة وقتاً أطول قبل كتابة آرائهم، وكثيراً ما يستأنسون بآراء زملائهم، أو يمرّون بفترة تردد.
عملية التعلم بالنسبة لقضاة المحكمة العليا الجدد أقسى من ذلك. فكما هي الحال بالنسبة لقضاة محاكم الاستئناف الجدد، يميل قضاة المحكمة العليا الجدد إلى الاعتماد على رأي كبار المعاونين، وإلى كتابة عدد أقل من آراء الأكثرية أو الآراء المخالفة، وإلى إظهار درجة من عدم اليقين. يمكن أن يكون للمُعيّنين الجدد في المحكمة العليا تجارب قضائية أكثر من زملائهم في المحاكم الدنيا، لكن كون المحكمة العليا منخرطة في صنع السياسة القضائية على نطاق واسع، إضافة لتصحيح أخطاء محاكم الاستئناف، وفي فرض قواعد أحكام محاكم الموضوع، فقد يكون ذلك أحد أسباب ترددّهم.
نظراً إلى حاجة جميع رجال القانون الفدراليين الجدد إلى فترة من التعلم الأولي، والى التدريب المهني المجتمعي، فإلى أين يمكن لهؤلاء التوجه لتحصيل العلم؟ بالنسبة لكل من قضاة محاكم الاستئناف ونظرائهم في محاكم الموضوع، يأتي معظم تدريبهم على يد زملائهم في منصات المحاكم، من الأقدم والأكثر خبرة منهم، وعلى الأخص من رئيس القضاة في الدائرة أو المقاطعة المعنية. فعلى غرار المحكمة العليا، يلعب المعاونون القضائيون الأقدمون، وأحياناً كثيرة رئيس المحكمة، دوراً أولياً في تعريف القضاة الجدد على القواعد والقيم الأساسية في المحكمة.
تلعب حلقات الدراسات التدريبية التي يؤمنها المركز القضائي الفدرالي للقضاة المُعينين الجدد، دوراً هاماً أيضاً في التدريب و التعريف المجتمعي للقضاة الجدد. صحيح أن بعض هذه الحلقات الدراسية يديرها أخصائيون من الخارج، كالخبراء في مواضيع مُعينة في كليات الحقوق، غير أن المدربين يميلون لأن يكونوا قضاة ذو خبرة طويلة، وتفرض حقيقة تجاربهم الحياتية الواقعية على مِنصّة المحاكم، الاحترام من جانب الأعضاء الجدد في القضاء الفدرالي.
ما هو مغزى عملية التكيف المجتمعي هذه بالنسبة لتشغيل النظام القضائي القانوني الأميركي؟ أولاً، تسمح العوامل المجتمعية المتوفرة للقضاة الجدد لجعل النظام يعمل بسلاسة أكبر، مع حدّ أدنى من إضاعة الوقت. فلو كان القضاة الجدد منعزلين عن زملائهم الأكثر خبرة، جغرافياً وغير ذلك، لاحتاجوا إلى مزيد من الوقت لتعلم النقاط الأساسية لمهنتهم، ولكان من المتوقع أن ينتج عن ذلك عدد أكبر من الأخطاء خلال الدعاوى.
ثانياً، إن كون النظام قادراً على تأمين التكيف المجتمعي الخاص به، أي قيام الحقوقيين القدامى والمجربين بتدريب القضاة الجدد، فإن هذا يوفر نوعا من الغراء الذي يساعد في ربط النظام ببعضه البعض. إنه يسمح بانتقال القيم، والممارسات، والتوجّهات القضائية لجيل من القضاة إلى جيل آخر. وهو يؤمن الاستمرارية والشعور بالاستدامة لنظام يعمل في عالم حيث تكون الفوضى والسلوك العشوائي أموراً شائعة.
تقاعد وإقالة القضاة
يتوقف القضاة عن أداء واجباتهم القضائية عندما يتقاعدون اختيارياً أو بسبب اعتلال الصحة أو الوفاة، أو عندما يتعرضون لإجراءات تأديبية على يد غيرهم.
الإجراءات التأديبية بحق القضاة الفدراليين
جميع القضاة الفدراليين المعينين بموجب المادة الثالثة من الدستور يبقون في مناصبهم "طالما كان سلوكهم جيداً"، مما يعني في الواقع لمدى الحياة، أو لغاية اليوم الذي يقررون فيه الاستقالة. الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها إقالتهم من مِنصّة المحكمة هو الاتهام بالإخلال (توجيه اتهام من جانب مجلس النواب) وثم إدانة على يد مجلس الشيوخ. وفقاً لما يفرضه الدستور (بالنسبة لقضاة المحكمة العليا) وللقواعد التشريعية (لقضاة محاكم الاستئناف ومحاكم الموضوع)، يمكن أن يوجه هذا الاتهام بسبب "الخيانة، الرشوة أو الجرائم أو الجنح الأخرى". القاضي الذي توجه إليه تهمة يواجه محاكمة في مجلس الشيوخ حيث يمكن إدانته بتصويت ثلثي أعضائه الحاضرين.
منذ سنة 1789، بادر مجلس النواب إلى اتخاذ إجراءات اتهام بحق 13 قاضيا فقط، علماً أن عدداً مماثلاً من القضاة استقال قبل أن تتخذ بحقهم إجراءات رسمية. من أصل القضايا الثلاث عشرة (13)، نتجت سبع إدانات لقضاة فقط أدت إلى إقالتهم من مناصبهم.
صحيح أن الأعمال الإجرامية المكشوفة من جانب الجالسين على منصة القضاء تكون قليلة، إلا أن هناك منطقة رمادية من سوء السلوك بإمكانها أن تضع القضاة المذنبين في موقع وسطي ما بين السلوك المقبول والسلوك القابل للاتهام. ماذا يمكن القيام به إزاء القاضي الفدرالي الذي ينظر في قضية على الرغم من وجود تضارب واضح في المصالح، أو يُظهر بصورة متواصلة سلوكاً مُتحيزاّ في قاعة المحكمة، أو الذي تؤثر عاداته الشخصية بصورة سلبية على أدائه في المحكمة؟ تاريخياً، لم يتم عمل الكثير في مثل تلك الحالات، غير صدور تأنيب معتدل من قِبَل النُظراء. لكن، خلال العقود الأخيرة، اتُخذت إجراءات لتأديب القضاة.
في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1980، دخل قانون جديد للكونغرس حيز التنفيذ. القانون الذي كان عنوانه "قانون إصلاح المجالس القضائية والتصرف القضائي وعدم الأهلية"، كان له جزءان متميزان. يسمح الجزء الأول للمجلس القضائي في كل دائرة، المؤلف من قضاة من كل من محاكم الاستئناف والموضوع، ويرأسه رئيس محكمة دائرة، "بإصدار جميع الأوامر الضرورية والمناسبة لأجل تأمين إدارة فعالة وسريعة للعدالة ضمن دائرته". وينشىء الجزء الثاني من القانون وسيلة للإجراءات اللازمة لتوجيه شكوى قانونية ضد القضاة. إنه يسمح، باختصار، للفريق المتضرر بتقديم شكوى خطية بواسطة كاتب محكمة الاستئناف. عندها، يقوم رئيس المحكمة بمراجعة التهمة، وبإمكانه ردّها إذا تبين أنها تافهة، أو بسبب تشكيلة من الأسباب الأخرى. إذا بدا أن الشكوى صالحة، على رئيس القضاة أن يعيّن لجنة تحقيق تتألف منه، ومن عدد مماثل من قضاة محاكم الدائرة ومحاكم الموضوع. بعد التحقيق، تقدم اللجنة تقريراً إلى المجلس الذي يكون أمامه خيارات عدة: يمكنه تبرئة القاضي؛ وإذا كان المذنب قاضي إفلاس أو قاضي تحقيق أوليّ يمكنه إقالته؛ كما من الممكن أن يتعرض القاضي المعين بموجب المادة الثالثة من الدستور إلى تأنيب خاص أو عام، أو إلى نقد، أو إلى شهادة بعدم الأهلية، أو لطلب الاستقالة الطوعية، أو إلى منع تكليفه بقضايا أخرى. غير أن إقالة قاضي المادة الثالثة تبقى غير مسموحة، فتبقى توجيه التهمة بالإخلال السبيل الوحيد لإقالته. إذا قرّر المجلس أن سلوكه يمكن أن يشكل أرضية صالحة للاتهام، يقوم بتبليغ المؤتمر القضائي الذي ينقل بدورة القضية إلى مجلس النواب الأميركي لينظر فيها.
عجز القضاة الفدراليين
لعل ما هو أكثر تعقيداً من إقالة القضاة بسبب سوء التصرف، إقالة الذين أصبحوا متقدمين جداً في السن أو عاجزين عن القيام بمسؤولياتهم القضائية بصورة فعالة. لقد حاول الكونغرس، مع بعض النجاح، إغراء القضاة الأكبر سناً بقبول التقاعد عن طريق جعل هذا الأمر أكثر جذباً مالياً لكي يستقيلوا. منذ سنة 1984، سُمح للقضاة الفدراليين بالتقاعد مع أجور وفوائد كاملة بموجب ما يُسمّى قاعدة الثمانين؛ أي عندما يبلغ مجموع سن القاضي وعدد السنين التي أمضاها على مِنصّة المحكمة الثمانين. ويسمح الكونغرس أيضاً للقضاة بأن يقبلوا بوضع الأقدمية، أو العمل الجزئي، بدلاً من قبول التقاعد الكامل. يَسمح لهم ذلك، مقابل قبول عبْ مخفّض من القضايا، الاحتفاظ بمناصبهم وموظفيهم، وما هو أكثر أهمية لهم، الاحتفاظ بالاعتبار والاحترام الذاتي لكونهم قضاة نشطين.
كثيراً ما يقوم القضاة بتوقيت استقالتهم خلال سيطرة حزبهم على رئاسة الجمهورية، بحيث يقوم الرئيس باستبدالهم بقانونيين من نفس الحزب السياسي والتوجه القانوني. وجدت دراسة أجريت سنة 1990 "أن معدلات التقاعد / الاستقالة تأثرت كثيراً، منذ سنة 1954، بالاعتبارات السياسية / الأيديولوجية، وكانت مُشرّبة بالروح الحزبية"، مُدللّة بهذا على أن العديد من القضاة يرون أنفسهم كجزء من سياسة التواصل بين الشعب، ومن عملية التعيينات القضائية، ومن القرارات التالية للقضاة ولقضاة المحكمة العليا.
ملاحظة هامشية
مؤهلات وخلفيات قضاة الولايات
تنص معظم قوانين ودساتير الولايات على القليل من الشروط المشددة لأن يصبح المرء قاضياً. فالأكثرية العظمى من الولايات لا تتطلب من قضاة الصلح أو قضاة التحقيق الأولي أن يحملوا شهادات حقوق، لكن هذه الشهادات لازمة فعلياً (اما رسمياً أو بفعل الممارسة) بالنسبة لقضاة محاكم الاستئناف والموضوع.
ومع أن النساء يشكلن أكثرية بسيطة من سكان أميركا، وعلى الرغم من الارتفاع السريع خلال العقود الأخيرة في عدد النساء في المهنة القانونية، لا يزال تمثيل المرأة دون المطلوب على منصات المحاكم. أما النساء اللواتي يخدمن كقاضيات في الولايات، فالأكثر منهن يخدمن في المستويات الدنيا من قضاء الولايات مقارنة مع المحاكم العليا، وإن كان ذلك الأمر يتفاوت بين ولاية وأخرى. في أواسط الستينات من القرن الماضي، كان حوالي 14 بالمئة فقط من جميع قضاة الولايات من النساء، وكان 6 بالمئة منهن إما أميركيات إفريقيات، أو من متحدرات من أصول لاتينية، أو أميركيات آسيويات.
كان قضاة الولايات، على غرار نظرائهم الفدراليين، من المقيمين على العموم في المنطقة التي نشأوا وتعلموا فيها. حوالي ثلاثة أرباع جميع القضاة في الولايات ولدوا في الولاية التي يخدمون فيها، كما أن أقل من الثلث انتقلوا إلى ولاية أخرى لتحصيل شهاداتهم الجامعية الأولى أو شهادات الحقوق. هذا الميل إلى التعلق بالمكان (أو التوطن) ينعكس أيضاً على أنماط تجارب العمل التي يحملها معهم قضاة الولايات إلى مٍنصّة المحكمة. مثلاً، من بين الذين يخدمون في مِنصّة المحاكم العليا في الولايات، هناك 13 بالمئة منهم فقط لديهم تجارب فدرالية، في حين أن 93 بالمئة لديهم نوع من أنواع التجارب السابقة في الولاية فقط.
يميل القضاة لأن يكونوا متوسطي الأعمار عندما يُرفعون الى مِنصّة المحكمة. قضاة الولايات في محاكم الموضوع يتبوأون المِنصّة وهم في السادسة والأربعين تقريباً، الأمر الذي يتماثل تقريباً مع متوسط أعمار 49 سنة بالنسبة لقضاة المحاكم الفدرالية. ويميل قضاة محاكم الاستئناف في الولايات لأن يكونوا أكبر سناً قليلاً من زملائهم في محاكم الموضوع عندما يصبحون قضاة، أي حوالي 53 سنة، وهو السن نفسه تقريباً لنظرائهم الفدراليين.
بالنسبة للإنتماء إلى حزب سياسي، يميل قضاة الولايات، سواء كانوا مُنتخبين أو مُعيّنين، إلى التطابق مع الحزب المسيطر في ولاية القاضي. كذلك، فإن الأكثرية العظمى من قضاة الولايات يكون قد سبق لهم القيام بنشاط سياسي قبل تولي منصبهم، سواء كانوا منتخبين لتبوء المنصب أو معينين على يد حكام الولايات.
أكثر من نصف قضاة محاكم الموضوع يأتون إلى مِنصّة القضاء من الممارسة النشطة للمحاماة، كما أن حوالي ربعهم تتم ترقيتهم من مناصب قضائية في المحاكم الدنيا، مثل منصب قاضي التحقيق الأولي. من بين الذين مارسوا المحاماة، أعلن معظمهم عن ممارسة عامة للقانون دون تخصص. يأتي واحد من كل خمسة من صفوف محامي المقاطعات، و3 بالمئة منهم فقط يأتون من مجال الممارسات الخاصة للقانون الجنائي. من بين الذين يخدمون في المحاكم العليا في الولايات، جاء حوالي الثلثين من صفوف محاكم الاستئناف الوسيطة، أو من محاكم الموضوع في الولايات.
عملية انتقاء قضاة الولايات
هناك، على مستوى الولايات، تشكيلة متعددة من الأساليب المستخدمة لانتقاء القضاة كما أن لكل من هذه الأساليب تبدلات متعددة. في الأساس هناك خمس طرق للوصول إلى منصب القاضي في أي ولاية من الولايات الخمسين: الانتخاب الحزبي، الانتخاب غير الحزبي، الإنتقاء على أساس الجدارة، التعيين من قبل حكام الولايات، والتعيين من قبل الهيئات التشريعية.
انتخاب القضاة
انتخاب القضاة، في اقتراع حزبي أو غير حزبي، هو القاعدة في الولايات. أصبح هذا الأسلوب دارجاً خلال ولاية الرئيس أندرو جاكسون (1829 – 1837)، في حقبة سعى فيها الأميركيون إلى ادخال الديمقراطية في صلب العملية السياسية. لكن، عملياً، كان قادة الأحزاب السياسية كثيراً ما يعتبرون الانتخابات القضائية بمثابة رعاية غير مباشرة لمكافأة المخلصين للحزب. وعلى نفس المنوال، كان القضاة الذين يريدون الترشح للانتخابات القضائية، مجبرين أحياناً كثيرة على التماس المساهمات لحملاتهم من المحامين وشركات المحاماة، والتي ستمثل لاحقاً أمامهم في المحاكم. شكل ذلك تضاربا كامنا في المصالح. أخيراً، تكون نسبة التصويت في الانتخابات القضائية مُتدنية للغاية. فالناخبون قد يعرفون من يُفضلون الرئاسة الجمهورية، أو لعضوية الكونغرس، أو لعضوية مجلس الشيوخ، لكنهم قد لا يعرفون المرشحين لمنصب القضاة في الولايات.
حاول الإصلاحيون، عند منعطف القرن العشرين، كجزء من الحركة التقدمية، إزالة بعض الروح الحزبية من الانتخابات القضائية عن طريق دفع القضاة إلى الترشح على أساس غير حزبي. مبدئياً، كان من المفترض أن يترشح هؤلاء على أساس أفكارهم ومؤهلاتهم، وليس على أساس الحزب الذي ينتمون إليه. لكن، حتى في تلك الولايات غير الحزبية تقنياً، ساندت الأحزاب السياسية المرشحين القضائيين المنفردين وساهمت في حملاتهم بحيث اكتسب المرشحون هوية احد تلك الأحزاب السياسية.
الإنتقاء حسب الجدارة
درج استخدام الإنتقاء حسب الجدارة منذ اوائل القرن العشرين كأسلوب مُفضّل لتعيين القضاة. كانت ميزوري الولاية الأولى التي تبنّت هذا الأسلوب بالكامل سنة 1940، ومنذ ذلك التاريخ بات النظام يُعرف بـالبدائل النوعية "لخطة ميزوري".
استخدمت الولايات التي تبنّت خطط ميزوري خليطاً من الانتخابات والتعيينات. يختار حاكم الولاية قاضياً من بين عدة مرشحين أوصت بهم هيئة للتسمية مؤلفة من خمسة أشخاص أو أكثر، تضّم في العادة محامين (تختارهم عادة جمعية المحامين المحلية) وغير محامين يُعينهم الحاكم، وأحياناً قاضيا محليا كبيرا. ويقوم حاكم الولاية، سواء بموجب قانون أو باتفاق ضمني، بتعيين أحد الأفراد من القائمة الموصى بها. بعد أن يخدم القاضي المُعيّن مدة قصيرة من الزمن، كثيراً ما تكون هذه المدة بحدود السنة، عليه أن يتقدم لانتخاب خاص، وعليه عندئذ أن يعتمد بالواقع على سجله. (يُسأل المقترعون "هل يُستبقى القاضي فلان في منصبه؟") إذا حظى استبقاء القاضي في منصبه بتأييد الناخبين، كما تكون الحال عادة، يخدم القاضي لفترة نظامية وطويلة.
التعيين من قبل حكام الولايات والتعيين من قبل الهيئات التشريعية
اليوم، لا يتم اختيار القضاة لا من جانب حكام الولايات ولا من جانب الهيئات التشريعية في الولايات، إلاّ في عدد قليل جداً من الولايات. في حالات تعيين القضاة على يد حكام الولايات يميل هؤلاء إلى انتقاء الذين كانوا نشطين في الحياة السياسية للولاية، والذين أفاد نشاطهم، إما الحاكم شخصياً أو حزب الحاكم السياسي أو حلفائه. كذلك، عندما يعمد الحكام إلى التعيينات القضائية، فإنهم يعقدون، أحياناً كثيرة، صفقات مع القادة السياسيين المحليين أو مع أعضاء الهيئة التشريعية في الولاية الذين يحتاجون إلى تأييدهم. قد يستخدم حكام الولايات أيضاً المناصب القضائية لمكافأة عضو في الهيئة التشريعية أو سياسي محلي وفرّ لهم في الماضي تأييداً سياسياً مخلصاً.
عدد قليل فقط من الولايات لا تزال تسمح لهيئاتها التشريعية بتعيين قضاة الولاية. ومع أن هناك تشكيلة متنوعة من المعايير التي يمكن استخدامها عند اختيار أعضاء المحاكم العليا في الولايات، عندما يتعلق الأمر بملء منصب شاغر في محاكم الموضوع في الولايات، فإن المشترعين في الولايات يميلون إلى اختيار الأعضاء السابقين في الهيئات التشريعية.
تقاعد القضاة وإقالتهم
من الظاهر أن القضاة الذين أصبحوا متقدمين في السن أو غير صالحين للخدمة يشكلون مشكلة أقل على مستوى الولاية مما هي الحال على المستوى الفدرالي. لدى عدد من الولايات خطط تقاعد إلزامية. السن الدنيا للتقاعد تتراوح بين 65 و75 سنة، مع كون سن السبعين هي الأكثر شيوعياً. لدى بعض الولايات مخططات للتعويضات التقاعدية تميل إلى الانحدار بالنسبة للقضاة الذين يخدمون أكثر من المدة المرجوة؛ أي أنه كلما طال بقاء القضاة في المنصب، كلما أصبحت فوائد تقاعدهم أدنى.
خطط التقاعد، أياً تكن فاعليتها في دفع القضاة المسنين إلى التقاعد، ليست ذات فائدة تذكر بوجه القضاة الأصغر سنّاً غير الكفؤين، أو الفاسدين، أو اللا أخلاقيين. عبر التاريخ الأميركي، استخدمت الولايات إجراءات مثل الاتهام بالجرم، وإعادة الانتخابات، وقرارات مشتركة في ما بين الهيئات التشريعية لإقالة هؤلاء القضاة. لم تكن هذه الأساليب فعالة إلاّ في حدها الأدنى، وذلك إما لأنه تبيّن أنها صعبة التطبيق سياسياً، أو بسبب الوقت الذي تستهلكه، وطبيعتها المعيقة.
في الفترة الأخيرة، بدأت الولايات بتشكيل لجان خاصة تتألف أحياناً كثيرة من القضاة أنفسهم لتنظيم وضبط شؤونهم. غير أن هذه اللجان لم تكون دائماً فعالة، بما ان القضاة يمقتون تعريض زملائهم لللّوم العام أو التأديب.