01 ايلول/سبتمبر 2008
تبدأ الإجراءات الجنائية عندما يُنتهك قانون ما وتمتد إلى التوقيف، وتوجيه الاتهام، والمحاكمة، والاستئناف. ليس هناك من عملية جنائية أو مدنية وحيدة في محاكم الولايات المتحدة. بدلاً من ذلك، يقوم النظام الفدرالي بالإجراءات القانونية في المحاكم على المستوى القومي، بينما تكون لكل ولاية وإقليم مجموعتها الخاصة من القواعد والقوانين التنظيمية التي تؤثر في العملية القضائية. هناك قواعد عامة ووجوه شبه بين جميع هذه الكيانات الحكومية، وسوف يُركز النقاش أولاً عليها، لكن ليس هناك ولايتان تملكان أنظمة قضائية متشابهة كما لا يوجد نظام في ولاية يطابق نظام الحكومة القومية.
طبيعة وجوهر الجناية
لا يعتبر عمل ما جرماً بصورة آلية لمجرد أنه مؤذٍ أو شرير. يشكل العمل جرماً حقيقياً فقط إذا انتهك قانوناً جنائياً سَنّه الكونغرس، أو هيئة تشريعية في ولاية، أو سلطة عامة أخرى. وعليه، فالجرم هو إساءة ضد الولاية يعاقب عليه بالغرامة، أو السجن، أو الموت. الجرم هو انتهاك للواجبات إزاء المجتمع ككل ويمكن المعاقبة عليه من قبل الولاية فقط. لا يمكن فرض عقوبات السجن أو الموت من جانب محكمة مدنية أو في دعوى مدنية (علماً أن العقوبة يمكن أن تكون إمّا مدنية أو جنائية).
تشكل معظم الجرائم في الولايات المتحدة خطايا اقتراف أو فعل، مثل التعدي الخطر أو الاختلاس؛ قليل من هذه الجرائم تتكون من خطايا الإغفال أو التقصير، مثل عدم التوقف وتقديم المساعدة بعد حادث سير أو التقصير في إرسال استمارات ضريبة الدخل. تعتبر الولايات بعض الجرائم مثل القتل أو الخيانة خطيرة، وتنعكس هذه الخطورة في العقوبات المرافقة، مثل السجن لمدى الحياة أو عقوبة الموت. وتعتبر الولايات أن الجرائم الأخرى تستحق شجب معتدلا فقط مثل توقيف السيارة خلف سيارة أخرى، أو إرباك الأمن، وبالتالي فإن عقوبات الغرامات الخفيفة، أو تمضية ليلة في سجن محلي، أشبه بصفعة رسمية على الرسغ.
بعض الجرائم، مثل الخطف أو الاغتصاب، تشكل أعمالاً يعتبرها جميع المواطنين عملياً خارجة عن السلوك الإنساني المقبول، في حين تشكل الجرائم الأخرى أعمالاً من الممكن أن ينقسم الرأي العام حولها. مثلاً، سنة 1897، جعل قانون ولاية مشيغان من غير المشروع لفظ الشتائم (التجديف) أمام طفل، ومنع قانون في ولاية نبراسكا ألعاب البينغو في مآدب العشاء التي تقام في الكنيسة. هناك قوانين أخرى سخيفة بصراحة: ففي ولاية ويسكونسن، من غير المشروع الغناء في حانة (أو بار)، وفي ولاية لويزيانا ممنوع الظهور ثملاً في اجتماع جمعية أدبية.
أكثر الجرائم خطورة في الولايات المتحدة هي الجنايات. ففي أكثرية الولايات، تعتبر الجناية مخالفة قانونية يمكن أن تكون عقوبتها الموت (في الولايات التي تسمح بذلك) أو الحبس في سجن إصلاحي (سجن فدرالي أو سجن ولاية)؛ جميع المخالفات الأخرى هي إما جنح أو مخالفات أخرى. في ولايات أخرى، وبموجب القانون الفدرالي، تعتبر الجناية إساءة يمكن أن تكون عقوبتها الموت أو السجن لمدة سنة أو أكثر. وهكذا، يجري التمييز في بعض الولايات بين الجنايات حسب المكان الذي يحصل فيه العقاب؛ ففي بعض الولايات، ووفقاً للحكومة الفدرالية، يعتبر طول الحكم العامل الأساسي. تشمل أمثلة الجنايات، القتل، والاغتصاب بالقوة، والسرقة بقوة السلاح.
تنظر الولايات إلى الجنح على أنها جرائم صغيرة، وتتكون عقوبتها عادة من اعتقال في سجن مدينة أو إقليم لمدة أقل من سنة. حالة السكر العام، والمقامرة العرضية، والتشرّد أمثلة دارجة على الجنح. بعض الولايات لديها فئة ثالثة من الإساءات تعرف بالمخالفات. تشمل هذه الأخيرة مخالفات السير الصغيرة، مثل توقيف السيارة خلافاً للنظام، كما أن العقوبة هي عادة غرامة بسيطة. قد تشكل الغرامات أيضاً جزءاً من العقوبات الخاصة بالجنح والجنايات.
فئات الجرائم
الفئات الخمس العريضة التي تشمل الإساءات الجنائية الرئيسية في الولايات المتحدة اليوم هي التقليدية، الاقتصادية، المنظمة، السياسية، والرضائية (برضى المجني عليه).
الجرائم التقليدية
تشكل جرائم الملكية حصة الأسد من بين الـ 31،3 مليون جرم تقليدي يرتكب سنوياً في الولايات المتحدة. تميز الحكومة بين جرائم الملكية وجرائم العنف، وإن كان كلاهما يترافقان معاً يداً بيد. مثلاً، السارق الذي يدخل منزلاً عنوة ويواجه بطريق الصدفة مالكاً مقاوماً قد يؤذي المالك، ويتورّط بالتالي في أكثر من مجرد جرم من جرائم الملكية، أي السطو.
الجرائم التقليدية تكون أقل عدداً، لكن الناس يخشونها أكثر، وهي التي تُقترف ضد الأفراد. تشمل جرائم العنف هذه القتل المتعمد والقتل الخاطىء غير الاهمالي، والاغتصاب القسري، والسرقة، والاعتداء الجسدي الخطر أو المشدّد.
الجرائم الاقتصادية
هناك أربع فئات عريضة من الجرائم الاقتصادية:
- الجرائم الشخصية، وتتكون من عمل إجرامي غير عنيف ينزله شخص ما بشخص آخر على أمل الكسب المادي. تشمل الأمثلة كتابة شك دون رصيد عن تعمّد، الاحتيال بخصوص ضريبة الدخل، وارتكاب احتيال على الضمان الاجتماعي.
- اساءة استعمال الأمانة وتحصل عندما ينتهك موظفو شركات الأعمال أو الحكومة أمانتهم لصاحب العمل أو الزبائن ويتورطون في ممارسات مثل الرشاوى التجارية، والسرقة، والاختلاس الاحتيالي من مكان العمل، واختلاق حسابات نفقات زائفة.
- جرائم الأعمال، وهي الجرائم التي لا تشكل جزءاً من الغرض المركزي لمهمات الأعمال لكنها تكون تابعة لها (أو تساندها). فالإعلانات المضللة، وانتهاك القوانين المضادة للاحتكارات، وتزوير مبالغ ارقام تهالك الموجودات المحتسبة لأغراض ضرائب دخل الشركات، جميعها جرائم أعمال تجارية.
- الاحتيال بعد كسب ثقة الضحية هي نشاط إجرامي يرتكبه موظفو الأعمال المكتبية تحت غطاء الأعمال الشريفة.
الجرائم المنظمة
الجريمة المنظمة تقوم بها مجموعات من الناس كثيراً ما تكون ادارتها على شكل من اشكال القواعد التراتبية. إنها تمثل نشاطاً متواصلاً مترابطا بشدة مع ممارسات التخويف والرشوة التي لا ترحم. تميل الجريمة المنظمة إلى التركيز على مجالات مُربحة بدرجة كبيرة مثل المتاجرة بالمخدرات غير المشروعة، وألعاب القمار، والدعارة، وإقراض الأموال بمعدلات فائدة فادحة ونِسب تسديد عالية.
الجرائم السياسية
يشكل الجرم السياسي عادة جريمة ضد الحكومة: مثل الخيانة، والعصيان المسلح، واغتيال الرسميين السياسيين، والتحريض على الفتنة. غير أن هذه العبارة باتت تشمل الجرائم التي تقترفها الحكومة ذاتها ضد المواطنين الافراد، والمجموعات المعارضة، والحكومات الأجنبية، أو المواطنين الأجانب. مثلاً، التّنصت على الهواتف غير المشروع الذي تقوم به الحكومة ضد المجموعات السياسية المعارضة، أو رفض القوات المسلحة التحقيق في حوادث التحرش الجنسي الحاصلة لديها.
الجرائم الرضائية
الجرائم المسماة جرائم بلا ضحايا مثل الدعارة، وألعاب القمار، واستخدام المخدرات غير المشروعة، والممارسات الجنسية غير المشروعة بين بالغين متوافقين، تدعى رضائية لأن كلا من المرتكب والذي وقع عليه الجرم يرغب في ممارسة النشاط المحظور.
عناصر الجريمة
لكل جريمة عدة عناصر مميزة، وما لم تكن الولاية قادرة أن تثبت أمام المحكمة وجود هذه العناصر الأساسية، لن تكون هناك إدانة. صحيح أن العملية القضائية في قاعة المحكمة قد لا تركز بصورة منفصلة وبوضوح على كل واحد من هذه العناصر، إلا أن هذه العناصر تكون على الأقل متضمنة عبر كامل عملية إدانة شخص ما بالإساءة الجنائية.
قانون يُعرّف الجريمة والعقاب
إذا كان عمل ما محظوراً أو مفروضاً بموجب القانون، يترتب على السلطة المُكّونة قانونياً (عادة الكونغرس أو هيئة تشريعية في الولايات) توضيح الأمر بالطريقة المناسبة بحيث يستطيع المواطنون مسبقاً معرفة أي سلوك يكون محظوراً أو مفروضاً. على صانعي القانون أيضاً صياغة العقوبات التي ستفرض على الأفراد الذين يتورطون في سلوك مؤذٍ.
هناك عدة نتائج ملازمة لهذا المبدأ العام. أحدها يشير الى أن الدستور الأميركي يحظر اصدار قوانين جنائية بأثر رجعي، أي القوانين التي تعتبر بعض أنواع السلوك غير قاونية بعد حصولها. كذلك، لا تستطيع الولايات سَنّ قوانين تجريم شخص معيّن، وهي قوانين تشير إلى شخص مُعيّن أو مجموعة أشخاص مُعينة، وتعلن أن فعلاً ما هو إجرامي بالنسبة لهم ولكنه قانوني بالنسبة لسواهم. النتيجة الملازمة الأخيرة هي أن القانون الذي يُعرّف جريمة ما يجب أن يكون دقيقاً بحيث يستطيع الإنسان العادي أن يحدد سلفاً أي سلوك يكون محظوراً أو مفروضاً.
العمل الإجرامي (The Actus Reus)
آكتوس ريوس، هو التعبير اللاتيني الذي يعني الفعل الإجرامي الذي ارتكبه المتهم والذي يؤدي الى الاجراءات القانونية. هذا الفعل الاجرامي هو العنصر المادي للجريمة. يمكن أن يكون هذا العنصر متمثلا في القيام بعمل محظور (مثلاً، الاعتداء والضرب المبرح)، أو قد يكون التقصير في أداء عمل مفروض (مثلاً، رفض فرد ما التوقف وتقديم المساعدة إلى ضحية حادث سير).
النية الجرمية (The Mens Rea)
"المنز ريا"، عبارة لاتينية تعني العنصر الفكري الأساسي للجريمة. لقد ميّز النظام القانوني الأميركي دائماً بين الأذى المُتسبب عمداً وبين الأذى الذي يسببه الإهمال البسيط أو الصدفة. وهكذا، إذا سلب إنسان ما حياة إنسان آخر، لا تسمي الولاية ذلك دائماً قتلاً. إذا حصل القتل مع سوء نية مُبيتة على يد إنسان سليم العقل، من المُرجح أنه سيسمى "قتل من الدرجة الأولى". لكن إذا وقع القتل في غمرة شجار في حانة، سوف يُسمى على الأرجح "قتل من الدرجة الثانية" الذي يحمل عقوبات أخف. القيادة الطائشة على طريق عام سريع التي ينتج عنها موت إنسان آخر سوف تعتبر "قتل ناتج عن الإهمال". وهذه مخالفة بكل تأكيد، لكن أقل خطورة في نظر الدولة من القتل المتعمد لإنسان آخر.
الإيذاء أو النتيجة
تتكون الجريمة من ضرر أو إيذاء مُعيّن أو من إساءة يرتكبها إنسان بحق إنسان آخر. قد يؤذي الجرم المجتمع بوجه عام، مثل بيع أسرار عسكرية إلى حكومة أجنبية، أو قد يُصيب الأذى فرداً ما فيعتبر بالتالي، بسبب طبيعته، مؤذياً للمجتمع ككل. طبيعة الأذى، على غرار النية الجرمية، تحدّد أحياناً كثيرة، طبيعة الجريمة نفسها. مثلاً، لنأخذ سائقين كانا يعترضان بعضهما البعض في الطريق. أخيراً، يوقف كلاهما سيارته ويتعاركان. لنفترض أن أحدهما ضرب الآخر لدرجة أنه مات. قد تكون الجريمة جريمة قتل (من درجة ما). في حال لم يمت الرجل بل عانى من أذى جسدي خطير، يكون الجرم اعتداءً خطراً. إذا كان الأذى بسيطاً، ربما تكون التهمة الاعتداء البسيط. ولأن طبيعة الأذى كثيراً ما تحدد الجريمة، فكثيراً ما، يُعتبر أن طبيعة الإساءة هي العنصر الأساسي في الجريمة.
بعض الأفعال قد تكون إجرامية حتى ولو لم يُنزل بإنسان أي ضرر إيذاء. فمعظم جرائم التآمر الإجرامي تقع في هذه الفئة. مثلاً، إذا خطط عدة أشخاص لاغتيال قاضٍ أو لرشوة محلفين في محاولة لمنع ادانة مجرم ما، يعتبر الجرم مؤامرة لعرقلة مجرى العدالة. سوف يعتبر هذا جريمة حتى ولو ظل القاضي دون أذى، وحتى لو لم تُنقل أية أموال مطلقاً إلى المحلفين. كل ما هو مطلوب للإدانة هو أن يكون قد جرى التخطيط للجريمة وكانت هناك نية لاقترافها، وأن عملاً ما معيناً، عملاً مكشوفاً، قد قام به أحد المتآمرين لتحقيق المخطط (مثل شراء السلاح أو امتلاك خريطة الطريق التي يسلكها القاضي بين بيته وقاعة المحكمة).
العلاقة السببية بين العمل والأذى الناتج عنه
قبل التمكن من اصدار إدانة بسبب أذى جنائي، على الولاية أن تبرهن أن المتهم، الذي تصرف بتعاقب طبيعي ومتواصل، قد انتج وضعاً مؤذياً. برهان العلاقة السببية ليس عادة بالأمر الصعب. فإذا طعن "فلان" بسكين فلاناً آخراً وسبّب له جرحاً بسيطاً، فما من شك أن فلانا مذنب لاعتدائه بواسطة سلاح قاتل. لكن ماذا لو لم يحصل الفلان الآخر على العناية الطبية المناسبة للجرح وتطور هذا الأخير إلى التهاب، ومات بسببه؟ هل يصبح الآن فلان مسؤولاً عن القتل الخاطئ أو القتل المتعمد. أو ماذا سيكون عليه الوضع لو ان الفلان الآخر، بعد طعنه اصطدم عَرَضاً بفريق ثالث، وتسبب بالأذى لهذا الأخير؟ هل سَيُلام فلان عن ذلك أيضاً؟
كثيراً ما يكون تقرير مسائل كهذه صعباً على القضاة والمحلفين. يتطلب القانون أخذ جميع الظروف بعين الاعتبار. لا يمكن إدانة المتهم إلا إذا استطاعت الدولة أن تبرهن أن تصرف المتهم هو السبب المباشر، والفوري والوحيد للأذى الحاصل للضحية.
الإجراءات التي تسبق المحاكمة الجنائية
قبل إجراء محاكمة جنائية، تتطلب القوانين الفدرالية وقوانين الولايات سلسلة من الإجراءات والأحداث. بعض هذه المراحل حددها الدستور الأميركي ودساتير الولايات، وبعضها تعود لقرارات المحاكم، وغيرها من القوانين التشريعية. وكثيراً ما تلعب الأدوار المتبقية العادات او التقاليد. صحيح أن الطبيعة الدقيقة لتلك الأحداث الإجرائية تتفاوت بين الممارسة الفدرالية وممارسة الولايات، وبين ولاية وأخرى، غير أن هناك وجوه شبه بينها عبر مجمل البلاد. إلاّ أن هذه الإجراءات لا تحدث آلياً أو أوتوماتيكياً وروتينياً كما قد تبدو؛ على العكس من ذلك، يمارس صانعو قرارات النظام القضائي الاجتهاد في كل المراحل طبقاً لقيمهم، ومواقفهم، ونظرتهم إلى العالم.
التوقيف
التوقيف هو أول اتصال ذو شأن بين الدولة والمتهم. ينص النظام القانوني الأميركي على نوعين أساسيين من التوقيف، التوقيف بموجب مذكرة قبض او احضار رسمية والتوقيف بدونها. تصدر المذكرة بعد عرض شكوى، قدّمها إنسان ضد آخر، على قاضي تحقيق اولي الذي يكون قد درسها ووجد ان هناك سبباً مرجحاً للتوقيف. أما التوقيف بدون مذكرة فيحصل عند حدوث الجريمة بحضور ضابط شرطة، أو عندما يكون لدى ضابط ما سبب مرجح للاعتقاد بأن شخصاً ما ارتكب (أو هو على وشك ارتكاب) جريمة. مثل هذا الاعتقاد يجب تثبيته لاحقاً في افادة مُحلّفة أو شهادة أمام محكمة. تتم 95 بالمئة من حالات التوقيف في الولايات المتحدة بدون مذكرة احضار.
قرار قاضي التحقيق الأولي حول ما إذا كان سيجري التوقيف لا يكون سهلاً أو أوتوماتيكياً. فما من شك أن الضابط الذي يشهد جريمة قتل سوف يجري التوقيف على الفور، إذا أمكن، لكن معظم حوادث خرق القانون ليست بهذه السهولة كما أن، افراد الشرطة يملكون، ويمارسون، هامشا واسعا من حرية الاستنساب حول اعتقال شخصٍ ما.
الموارد الكافية غير متوفرة بكل بساطة للشرطة لتمكينها من اتخاذ الإجراءات ضد جميع النشاطات التي حظرها الكونغرس والهيئات التشريعية. فيجب بالتالي ممارسة القرار الاستنسابي الذاتي في تحديد كيفية تخصيص الوقت والموارد المتوفرة. يكون هامش التقدير أو الاستنساب لدى الشرطة عند حدّه الأقصى في العديد من المجالات.
- الإساءات التافهة. العديد من كتيبات تعليمات الشرطة تنصح ضباطها أنه في حالات الانتهاك البسيط للقانون، يكون الإنذار الرد هو الأنسب من التوقيف. فإنتهاك قوانين السير، وسوء التصرف من قِبَل الأحداث، والسِكر، والمقامرة، والتشرّد تشكل جميعها جرائم أقل خطورة وتستلزم زيارات استنسابية من الشرطة.
- لن تلجأ الضحية إلى المقاضاة. عدم فرض القانون هو أيضاً القاعدة في الحالات التي لا تتعاون فيها ضحية الجريمة مع الشرطة في مقاضاة قضية ما. ففي حال جرائم الملكية الصغيرة، مثلاً، تكون الضحية راضية عادة إذا حصل استرجاع الملكية، وإذا لم يتوفر للضحية الوقت الكافي للشهادة أمام المحكمة. فباستثناء الحالات التي تكون الشرطة قد انفقت موارد هائلة في التحقيق في جريمة ملكية مُعيّنة، فإنها (الشرطة) مضطرة على العموم إلى الانصياع لرغبات الضحية.
عندما تكون لضحية جريمةٍ ما علاقة متواصلة حالية مع المجرم، ترفض الشرطة عادة إجراء التوقيف. مثل هذه العلاقات تشمل المالك والمستأجر، وجار وآخر، وحتى وقت ليس ببعيد، الزوج والزوجة. لكن، في هذه الحالة الأخيرة، كان للإدراك المتزايد بوجود عنف منزلي أثر كبير في إجراءات الشرطة.
يشكل اغتصاب الأطفال والتحرش الجنسي بهم فئة كبرى أخرى من الجرائم التي لا يحصل فيها، أحياناً كثيرة، توقيفات لأن الضحايا لا تريد أو لا تستطيع التعاون مع الشرطة. فكثراً ما تكون الضحية على معرفة شخصية أو على علاقة قربى مع المجرم، كما أن الخوف من الانتقام أو من الدعاية الشنيعة تمنع الضحايا من تقديم شكوى.
- الضحية التي تتورط أيضاً في سوء السلوك. عندما يلاحظ ضباط الشرطة أن ضحية الجريمة متورطة هي أيضاً في بعض أنواع التصرّف غير الصحيح أو المشكوك فيه، كثيراً ما يختار الضباط عدم إجراء توقيف.
المثول أمام قاضي التحقيق الأولي (أو قاضي الصلح)
بعد توقيف متهم ما بجريمة، يُحتجز في مخفر الشرطة، حيث تسجل الوقائع المحيطة بالتوقيف وتؤخذ بصمات أصابعه ويُصّور. بعدها يمثل المتهم أمام قاض من درجة دنيا يمكن أن يكون لقبه قاض، أو قاضي تحقيق اولي أو مفوض. من المفترض أن يحصل هذا المثول "دون تأخير غير ضروري"، سنة 1991، حكمت المحكمة العليا الأميركية أنه لا يحق للشرطة احتجاز فرد أوقف بدون امر قبض رسمي أكثر من 48 ساعة دون المثول امام محكمة حول ما إذا كان التوقيف مبرراً.
المثول أمام المحكمة هذا يمثل المناسبة لأحداث عديدة هامة في عملية العدالة الجنائية. أولاً، يجب أن يكون المتهم قد أبلغ عن التهم الدقيقة الموجهة إليه، ويجب أن يُبلغ عن كل الحقوق والضمانات الدستورية. تتضمن هذه الحقوق، من جملة الأمور الأخرى، الحقوق التي أصبحت شهيرة الآن في قرار دعوى ميراندا ضد ولاية آريزونا الذي اتخذته المحكمة العليا سنة 1966. "يجب تنبيه المتهم قبيل أي استجواب أن له الحق في أن يظل صامتاً، وأن كل شيء يقوله يمكن استخدامه ضده في المحكمة، وأن له الحق في حضور محام، وأنه إذا كان عاجزاً عن تأمين محام، سوف يُعيّن له محام قبل أي استجواب". (مثل هذه التنبيهات يجب أيضاً إعطاؤها من قِبَل الضابط الذي أجرى التوقيف في حال استجوب الضابط المشتبه به حول الجريمة). في بعض الولايات، يجب إبلاغ المتهم عن الحقوق الأخرى المنصوص عنها في قانون حقوق الولاية، مثل حق المحاكمة السريعة وحق مواجهة الشهود المعادين.
ثانياً، يقرر قاضي التحقيق ما إذا كان يجب إطلاق سراح المتهم بكفالة، وفي هذه الحال، ما هو مبلغ هذه الكفالة. دستورياً، المطلب الوحيد بالنسبة للمبلغ هو أنه لا يجوز أن يكون "مفرطاً". فالكفالة تعتبر امتيازاً – وليس حقاً، ويمكن رفض اعطائها تماماً في قضايا عقوبة الموت حيث تكون الأدلة حول الذنب قوية، أو إذا اعتقد قاضي التحقيق أن المتهم قد يهرب من المقاضاة أيّاً كان مبلغ الكفالة. الخيار الآخر بدل الكفالة هو إطلاق سراح المدعى عليه على أساس تعهد شخصي، يستند هذا أساساً إلى تعهد من قِبَل المدعى عليه بالعودة إلى المحكمة في اليوم المحدد للمحاكمة.
في الدعاوى البسيطة، قد يُطلب من المتهم إما الإقرار أو عدم الإقرار بالذنب. إذا كان خيار المتهم الإقرار بالذنب، يمكن إصدار الحكم على الفور. أما إذا قرر المدعى عليه عدم الإقرار بالذنب، يتم تحديد موعد للمحاكمة. لكن، في القضايا الخطرة فعلاً (الجناية)، يكون الواجب التالي لقاضي الصلح تحديد ما إذا كان المدعى عليه يتطلب جلسة سماع أولية. وفي حال كان اجراء جلسة السماع هذه لازمة، تؤجل القضية من جانب النيابة العامة، وتبدأ مرحلة تالية من عملية العدالة الجنائية.
عملية هيئة المحلفين الكبرى أو السماع الأولي
على المستوى الفدرالي، يضمن التعديل الخامس لجميع المتهمين بجرائم النظر في قضاياهم من قِبَل هيئة محلفين كبرى. غير أن المحكمة العليا رفضت أن يكون هذا الحق مُلزماً بالنسبة للولايات. اليوم تعتمد نصف الولايات تقريباً هيئات المحلفين الكبرى؛ وفي بعض هذه الولايات، تُستخدم هذه الهيئات في أنواع خاصة من القضايا فقط. الولايات التي لا تستخدم هيئات محلفين كبرى تعتمد سماعاً أولياً أو محاكمة استجواب. (عدد قليل من الولايات يستخدم كلا الإجراءين). الغرض الأولي لهذه المرحلة، في عملية المحاكمة الجنائية، بصرف النظر عن أي أسلوب يجري اعتماده، هو تحديد ما إذا كان هناك سبب مرجح لإخضاع المتهم إلى محاكمة رسمية.
- هيئة المحلفين الكبرى. تتألف هيئات المحلفين الكبرى من 16 إلى 23 مواطناً، يتم انتقاؤهم عادة عشوائياً من قوائم تسجيل الناخبين. وهم يصدرون قراراتهم بأكثرية الأصوات. مدة عمل الهيئات قد تدوم من شهر واحد إلى سنة، كما أن بعض هذه الهيئات قد يستمع إلى أكثر من ألف قضية خلال فترة عمله. وحده المدعي العام يعرض الأدلة على هيئة المحلفين الكبرى. لا يغيب المتهم ومحاميه عن الإجراءات، فحسب بل أنه عادة لا يكون لديهم أي فكرة عن أي هيئة محلفين كبرى تنظر في قضيتهم أو عن تاريخ ذلك. إذا وجدت اكثرية الهيئة أن السبب المرجح قائم، عندها تصدر لائحة اتهام أو ما يسمى بيان وجيه (لائحة وجيهة)، وإلا، تكون النتيجة عدم صدور اتهام.
تاريخياً، كانت هناك حجتّان اثنتان تبرران الحاجة دعماً لهيئات المحلفين الكبرى. الحجة الأولى هي أن هيئات المحلفين الكبرى تخدم كرقابة على المدعي العام الذي قد يستخدم مركزه لمضايقة إنسان بريء لأسباب سياسية أو شخصية. الوضع المثالي لذلك يتمثل في قيام فريق من المواطنين غير مُتحيز ليفصل بين مدع عام غير أخلاقي ومدعى عليه. المبرر الثاني لهيئات المحلفين الكبرى هو التأكد من أن مدعي عام المقاطعة قد أمن أدلة كافية لتبرير الإزعاج والنفقات، لكل من الولاية والمتهم، لإجراء محاكمة كاملة.
- جلسة السماع الأولية. في أغلبية الولايات التي ألغت نظام هيئة المحلفين الكبرى، يُستخدم السماع الأولي لتحديد ما إذا كان هناك سبب مرجح لأخذ المتهم إلى المحاكمة. خلال جلسة السماع هذه، يقدم الادعاء قضيته، ويكون للمدعَى عليه الحق في مناقشة واستجواب الشهود، وفي تقديم أدلة تناصره. لا يختار الدفاع عادة القتال في هذه المرحلة من العملية الجنائية؛ فالواقع أن الدفاع يتنازل عن جلسة السماع الأولي في الأكثرية العظمى من القضايا.
في حال قرر القاضي الذي يحقق في القضية أن هناك سبباً مرجحاً للمحاكمة، أو إذا تم التنازل عن السماع الأولي، على المدعي العام أن يرفع مذكرة (أو عريضة) وقائع إلى المحكمة حيث ستجري المحاكمة. تخدم المذكرة لتوجز بدقة التهم التي سيتم النظر فيها في الواقع القانوني الجديد.
إحضار المتهم
إحضار المتهم هو العملية التي يتم فيها جلب المتهم للمثول أمام القاضي في المحكمة حيث سيحاكم للردّ على لائحة اتهام هيئة المحلفين الكبرى أو على مذكرة المدعي العام. يقرأ المدعي العام أو كاتب المحكمة في المحكمة العلنية التهم الموجهة إلى المتهم. يُبلّغ المدعَى عليه أن له الحق الدستوري في أن يُمثّل بمحامٍ، وأن محاميا سوف يُعيّن له دون مقابل إذا اقتضت الحاجة.
أمام المدعى عليه عدة خيارات حول كيفية الردّ على التهم. الدفوع الشائعة أكثر هي: مذنب أو غير مذنب. لكن بإمكان المتهم أن يدعّي عدم الذنب بسبب اختلالع العقل، أو بسبب المحاكمة السابقة لنفس الجرم، أو أن يجيب بعدم المنازعة nolo contendere من اللاتينية، أي لا اعتراض). يعني ذلك أن المتهم لا ينكر وقائع القضية لكنه يدعي أنه لم يرتكب أي جريمة أو قد يعني أن المدعى عليه لا يفهم التهم. فجواب عدم المنازعة أو الاعتراض يمكن إدخاله فقط بموافقة القاضي (وأحياناً بموافقة المدعي العام كذلك). مثل هذا الدفاع له أفضليتان. فهو قد يساعد المتهم في إنقاذ ماء الوجه إزاء عامة الناس لأنه يستطيع لاحقاً الإدعاء أنه لم يجر تقنياً الحكم بالجُرم، حتى ولو كان قد تم فرض حكم ما أو غرامة عليه. وقد يحمي هذا الدفع أيضاً المدعَى عليه من بعض العقوبات المدنية التي قد تتبع إلتماس الإقرار بالذنب (مثلاً، دعوى مدنية جديدة قد تتبع الإدانة أو الحكم عليه بالتزوير أو الاختلاس).
إذا أدعى المتهم أنه غير مذنب، يحدد القاضي تاريخاً للمحاكمة. أما إذا كان دفاع المتهم الإقرار بالذنب، يمكن الحكم عليه على الفور أو في تاريخ لاحق يُحدّده القاضي. قبل أن تقبل المحكمة التماس الإقرار بالذنب، على القاضي أن يشهد أن دفع المتهم كان طوعياً وأن المدعَى عليه كان مدركاً لعواقب الالتماس. الإقرار بالذنب يساوي بالنسبة لجميع النوايا والأغراض إدانة رسمية بالذنب.
إمكانية التماس الاعتراف بالذنب مقابل تخفيف العقوبة
من بين جميع القضايا الجنائية على كل من المستوى الفدرالي ومستوى الولايات لا يذهب 90 بالمئة منها على الأقل أبدا إلى المحاكمة. ذلك أنه قبل تاريخ المحاكمة، يكون قد تم عقد تسوية بين المدعي العام ومحامي المدعى عليه تتعلق بالتهم الرسمية التي سوف تقدم وبطبيعة الحكم الذي سوف توصي الولاية به الى المحكمة. عملياً، يجري اعطاء وعد بشكل من أشكال التساهل في التهم مقابل الإقرار بالذنب.
ولأن الالتماس الذي يقر بالذنب مقابل تخفيف العقوبة يختم عملياً مصير المدعى عليه قبل المحاكمة، فإن دور القاضي يقتصر حينئذٍ على التأكد من أن الإجراءات المناسبة والدستورية قد تم اتباعها. هناك ثلاثة أنواع (غير حصرية) من إلتماس الإقرار بالذنب.
- خفض التهم. النوع الأكثر شيوعاً من الاتفاقات بين المدعي العام والمدعَى عليه هو خفض التهمة إلى تهمة أقل خطورة من تلك التي تدعمها الأدلة. سوف يُعرّض ذلك المجرم إلى تشكيلة مخفضة بشكل كبير من إمكانيات الأحكام. السبب الثاني لإقرار المدعى عليه بالذنب لأجل خفض الحكم هو تجنّب تكوين سجل قضائي بالحكم عليه بسبب مخالفة تبقى وصمة عار اجتماعية. الاحتمال الآخر هو أن المدعَى عليه قد يرغب في أن لا يكون له أي سجل جنائي على الاطلاق، فيكون على استعداد للإقرار بالذنب لأي جنحة تقريباً يعرضها عليه المدعي العام بدلاً من مواجهة تهمة الجناية.
- إسقاط التهم التماسية. النوع الثاني من إلتماس الاعتراف بالذنب مقابل تخفيف العقوبة هو موافقة مدعي عام المقاطعة على إسقاط أية تهم أخرى عالقة ضد الفرد. هناك شكلان مختلفإن لهذا الموضوع. الأول، هو الموافقة على عدم المقاضاة "أفقياً"، أي عدم المقاضاة لجناية أكثر خطورة مقدمة ضد الفرد. أما الثاني فهو إسقاط التهم "الأفقية"، أي إسقاط لائحة التهم الاضافية العائدة لنفس الجريمة والمُعلقة ضد المتهم.
يمكن أيضاً في هذا النوع من إلتماس الاعتراف بالذنب مقابل تخفيف العقوبة الاتفاق على إسقاط بند المُعيد لنفس الجرم من لائحة الاتهام. فعلى المستوى الفدرالي وفي العديد من الولايات، يعتبر إنسان ما مجرماً "عائدا" للجرم بعد ادانته لمرة ثالثة بارتكاب جناية عنيفة في أي مكان في الولايات المتحدة. الحكم الإلزامي للجاني "المُعيد" هو السجن لمدى الحياة. في محاكم الولايات، تسقط تهمة المجرم "المُعيد" أحياناً كثيرة مقابل الاعتراف بالذنب.
يجري أيضاً في هذا النوع من التماس الإقرار بالذنب الاتفاق على تجميع لوائح الاتهام من عدة محاكم في محكمة واحدة لكي تسير جميع الأحكام بالتزامن. عندما تصدر لوائح الاتهام أو الاستماع الأولي عن عدة سلطات قضائية، توضع في جدول محاكمات ضمن نظام دوّار. هذا يعني أن مدعى عليه موجهة إليه أربع تهم تزوير، وتهمة واحدة بامتلاك أداة مزورة، يمكن وضع قضيتة في جدول خمس محاكم مختلفة. درجت العادة في مثل هذه المقاطعات المتعددة المحاكم على تحويل جميع لوائح اتهام شخص ما إلى المحكمة الأولى المدرجة في الجدول، وهذا يعطي القاضي المترئس للجلسة حرية تقرير السماح لجميع الأحكام الصادرة بحق المدعى عليه السير بالتزامن.
- المساومة على الحكم. النوع الثالث لالتماس الإقرار بالذنب يتعلق بالإقرار بالذنب من قِبَل المدعى عليه مقابل موافقة المدعي العام على الطلب من القاضي إصدار حكم أخف. تقوم أسس قوة المفاوضة بشأن طبيعة الحكم على واقع الموارد المحدودة للنظام القضائي. فعلى مستوى الولايات على الأقل، يستطيع المدعون العامون إعطاء المدعى عليه وعداً بحكم مُعيّن الى حد كبير مع الوثوق بأن القاضي سوف يقبل التوصية. فلو تمنع القاضي عن ذلك، لكانت مصداقية المدعي العام ستبدأ بالانحسار، وسوف يبدأ العديد من المدعَى عليهم، ممن كانوا يقرون بالذنب في دفاعهم، العودة الى دفاع عدم الاقرار بالذنب والاعتماد على فرص النجاة من خلال المحاكمة. وستكون النتيجة زيادة هائلة في جداول قضايا المحاكم التي تنتقل كاهل النظام القضائي وتوصله إلى التوقف التام. يفهم المدعون العامون والقضاة هذا الواقع، وهكذا يفعل محامو الدفاع.
- القيود الدستورية والنظامية على إلتماس الإقرار بالذنب. على مستوى الولايات والمستوى الفدرالي، تعني شروط اجراءات المحاكمة حسب الأصول أن التماس الإقرار بالذنب يجب أن يكون طوعياً ومع تفهّم لتداعياته. هذا يعني أن على المحكمة تنبيه المدعى عليه حول عواقب الإقرار بالذنب (مثلاً، يتنازل المدعى عليه عن كل الفرص لتغيير رأيه في وقت لاحق)، وأن على المتهم أن يكون سليم العقل، وكما تقول إحدى الولايات، "أن يظهر بوضوح تام أن المدعى عليه ليس متأثراً بأي نوع من الخوف، أو بأي إقناع، أو أمل وهمي بالعفو عنه يدفعه إلى الاعتراف بذنبه".
بالنسبة للنوعين الأولين من إلتماسات الإقرار بالذنب، أي خفض التهم وإسقاط التهم الالتماسية، فهناك قواعد أشد صرامة تحكم اجراءات المحاكم الفدرالية. إحداها أن القاضي لا يسمح له فعلاً المشاركة في عملية الإلتماس. لكن على مستوى الولاية، يمكن أن يلعب القضاة دوراً نشطاً في هذه العملية. وعلى نفس المنوال، إذا تم التوصل إلى تسوية بخصوص الإلتماس بين المدعي العام الأميركي والمدعَى عليه، لا يُسمح للحكومة بإنكار الاتفاق. إذا فعلت الحكومة الفدرالية ذلك، يترتب على قاضي المقاطعة الفدرالي سحب الإقرار بالذنب. وأخيراً، تعرض القواعد الفدرالية للإجراءات الجنائية بأنه يتوجب على الإدعاء، قبل قبول طلب الإقرار بالذنب، تقديم ملخص عن الأدلة ضد المتهم، كما يترتب على القاضي الإقرار بأن هناك أدلة قوية حول ذنب المدعى عليه.
- الحجج المؤيدة والمعارضة لإلتماس الإقرار بالذنب. الأفضلية الواضحة للإلتماس بالنسبة للمدعى عليه هي أنه ستتم معاملته بطريقة أقل قساوة مما ستكون الحال عليه فيما لو تمت إدانة المتهم وحكم عليه تحت ظروف قصوى. كذلك، فإن غياب المحاكمة يخفف كثيراً الدعاية حول القضية، كما أن المتهم قد يرغب، بسبب المصالح الشخصية أو الضغوط الاجتماعية، في تجنب المحاكمة الرسمية الطويلة المترافقة مع دعاية علنية. أخيراً، يقول بعض البانولوجيين (الاختصاصيون المهنيون في حقل العقوبات وإعادة التأهيل) أن الخطوة الأولى نحو إعادة التأهيل بالنسبة للمجرم تكون بالإقرار بالذنب والاعتراف بمشكلته.
يوفر إلتماس الإقرار بالذنب أيضاً بعض الأفضليات الواضحة المعالم بالنسبة للولاية والمجتمع ككل. الأفضلية الأكثر وضوحاً هي يقين الإدانة، ذلك أنه أياً تكن قوة الأدلة، فإن التبرئة تظل احتمالاً طالما كانت المحاكمة مُعلقّة. كذلك، يوفر مكتب مدعي عام المقاطعة، كما القضاة، كمّاً هائلاً من الوقت والجهد إذا لم يعد عليهم إعداد وترؤس قضايا ليس فيها إدعاء حقيقي بالبراءة أو هي ليست مناسبة لعملية المحاكمة. وأخيراً، عندما لا يُطلب من ضباط الشرطة الحضور إلى المحكمة والإدلاء بشهادتهم في المحاكمات الجنائية، يبقى لديهم مزيد من الوقت يكرسّونه لمنع أو حل الجرائم.
لالتماس الإقرار بالذنب جانب سلبي كذلك. الاعتراض الأكثر تكراراً على الإلتماس هو أنه يمكن أن يقوم الحكم على أسس غير بانولوجية. فعندما تُقدّم كمية ضخمة من قضايا إلتماس الإقرار بالذنب، كثيراً ما لا يكون للحكم أية علاقة بالوقائع المُعيّنة للقضية، وبحاجات المجرم الإصلاحية، أو بمصلحة المجتمع المشروعة في المقاضاة الجدية للقضية. العلة الثانية هي أنه إذا أصبح إلتماس الإقرار بالذنب هو القاعدة في نظام مُعيّن، عندها قد ينتج ضغط دون لزوم، حتى على الأبرياء، للإقرار بالذنب. لقد أظهرت الدراسات، في بعض السلطات القضائية، أنه كلما قلت فرص الإدانة كلما أصبح من الصعب المساومة على طبيعة الذنب لأن المدعي العام يحتاج للحصول، على الأقل، على شكل ما من الاعتراف بالذنب في حده الأدنى من جانب المتهم.
الوضع غير المعيق الثالث لإلتماس الإقرار بالذنب هو احتمال إساءة استخدامه بما يُسمى "الإفراط في التهم"، وهي العملية التي يأتي المدعي العام فيها بتهم ضد المتهم أقسى مما تُبيّنه الأدلة، على أمل أن يقوي ذلك يده في المفاوضات التالية مع محامي المدعى عليه.
الخلل الآخر في إلتماس الإقرار بالذنب هو مستوى شيوعه المُتدني جداً. التسويات بين المدعي العام ومحامي الدفاع لا تجري في الجلسات العلنية التي يرأسها رجل قانون محايد أمام أعين جميع الناس. فهي تجري بدلاً من ذلك حول فنجان قهوة في كافيتيريا في الطابق الأسفل من قصر العدل حيث يشكل ضمير المحامين المتفاوضين المرشد الأولي.
وأخيراً، لدى هذا النظام قدرة كامنة للتحايل على قواعد الأدلة الإجرائية والدستورية الأساسية. وحيث أن المدعي العام لا يكون بحاجة لتقديم أية أدلة أو شهود في المحكمة، يمكن أن ينتج عن ذلك مخادعة في الإدانة حتى ولو لم تكن القضية قادرة على اجتياز اول شرك المتمثل باعتماد الاجراءات القانونية الصحيحة في المحاكمة. قد يكون الدفاع في وضع مُعيق له لأن قواعد الاكتشاف (القوانين التي تسمح للدفاع الإطلاع بالتفصيل على الأدلة التي سوف يقدمها الادعاء) في بعض الولايات تُحدّد مدة إعداد قضية الدفاع من جانب المحامي ضمن الفترة اللاحقة لتقديم إلتماس الإقرار بالذنب. وهكذا، قد يحرم الإلتماس المتهم من حقوق دستورية أساسية.
عملية المخاصمة القضائية
يقوم نموذج المخاصمة القضائية على الافتراض أن لكل قضية أو نزاع وجهين: في القضايا الجنائية، تزعم الحكومة أن المدعى عليه مذنب في حين يقول المدعَى عليه إنه بريء؛ في القضايا المدنية يزعم المدَعي عليه أن من يدعي عليه تسبب له بضرر معين في حين ينكر المدعَى عليه المسؤولية. في قاعة المحكمة، يقدم كل فريق منظوره للقصة كما يراه. النظرية (أو الأمل) الذي يقوم عليها هذا النموذج هي أن الحقيقة سوف تظهر إذا أعطي كل فريق فرصة غير مكبوحة لتقديم لائحة الأدلة والوقائع والحجج الكاملة أمام قاضٍ (وهيئة محلفين) محايد ومتنبه.
المحامون الذين يمثلون كل جهة هم اللاعبون الكبار في دراما قاعة المحكمة. يعمل القاضي على كما لو كان سلبيا لا مصلحة له في أي من وجهتي نظر القضية، دوره الأولي هو إبقاء كلا الجانبين ضمن القواعد المقبولة للإجراءات القانونية ولياقة قاعة المحكمة. يُحدد القاضي عملياً أي جهة قد ربحت وفقاً لقواعد الأدلة، ولكن بعد أن يكون كلا الجانبين قد حظيا بالفرص الكاملة لعرض قضيتهما.
الإجراءات خلال المحاكمة الجنائية
إذا افترضنا أنه لم يجر تقديم أي إلتماس إقرار بالذنب وأن المتهم يواصل القول إنه بريء، سوف تجري محاكمة رسمية. هذا حق يضمنه التعديل السادس للدستور لجميع الأميركيين المتهمين بجرائم فدرالية، وهو حق تضمنه دساتير الولايات المختلفة، والتعديل الرابع عشر للدستور، لجميع المتهمين باساءات ضد الولاية. يُعطى المتهم العديد من الحقوق الدستورية والقانونية خلال المحاكمة. في ما يأتي الحقوق الأولية التي تلزم المحاكم الفدرالية ومحاكم الولايات في آن واحد.
الحقوق الأساسية المضمونة خلال عملية المحاكمة
ينص التعديل السادس على أنه "في جميع المحاكمات الجنائية، يجب أن يتمتع المتهم بحق الحصول على محاكمة سريعة وعلنية". شدّد المؤسسون على كلمة سريعة بحيث لا يترك المتهم ليقاسي في السجن لفترة طويلة قبل المحاكمة، أو أن يبقى تحديد مصيره مُعلقاً لفترة زمنية طويلة دون لزوم. لكن الى أي حدّ تكون "السرعة" مبكرة؟ مع أن هذه الكلمة قد تم تعريفها بطرق مختلفة من قِبَل المحكمة العليا، فإن الكونغرس أعطى العبارة معناً جديداً عندما سَنّ قانون المحاكمة السريعة سنة 1974. يأمر القانون بوقت مُحدّد، يصل في نهاية المطاف إلى 100 يوم، يجب خلالها بدء اجراء المحاكمة بالتهم الجنائية أو ردّها. لدى معظم الولايات تدابير مماثلة في قوانينها وإن كانت المدة الزمنية الدقيقة تتفاوت بين سلطة قضائية وأخرى. كان المؤسسون يفهمون بعبارة "محاكمة علنية" استبعاد فكرة الإجراءات السرية حيث يمكن محاكمة المتهم دون معرفة عامة الناس ونقله بسرعة إلى معسكر اعتقال غير معروف.
يضمن التعديل السادس أيضاً للأميركيين الحق بهيئة محلفين غير متحيّزة. عَنى هذا على الأقل أن المحلفين المحتملين لا يجوز أن يكونوا مُتحيّزين بطريقة أو بأخرى قبل بداية المحاكمة. مثلاً، لا يجوز أن يكون مُحلّف محتمل صديقاً أو قريباً للمدعي العام أو لضحية الجريمة؛ كما لا يجوز أن يخدم في الهيئة أي إنسان يعتقد أن أي فرد من عرق أو إثنية المدعَى عليه هو "ربما من نوع الناس الإجراميين". أما ما أصبح يعنيه هذا المفهوم عملياً عن المحلف غير المتحيز من نظراء المرء فهو أنه يجب اختيار المحلفين عشوائياً من قوائم تسجيل الناخبين، يضاف إليها، في عدد متزايد من السلطات القضائية، قوائم تستند إلى تسجيل السيارات، ورخص القيادة، وأدلة الهاتف، وسجلات الضمان الاجتماعي، وهلم جرّا. ومع أن هذا النظام لا يوفر شريحة نموذجية عن المجتمع، لأن ليس جميع الأشخاص مسجلين للتصويت، قالت المحكمة العليا إن هذا الأسلوب كافٍ الى حد ما. وحكمت المحكمة العليا أيضاً أن لا طبقة من الناس (مثل الأميركيين الإفريقيين أو النساء) يمكن استبعادها بصورة منتظمة من الخدمة في هيئة محلفين.
إلى جانب ضمان حق المدعى عليهم بالمحكمة في نفس المنطقة التي ارتكبت فيها الجريمة، وأن يتم ابلاغهم بالتهم الموجهة ضدهم، للمدعى عليهم الحق بمواجهة الشهود ضدهم، ولهم الحق في معرفة من هم مُتهِموهم، وماذا يوجهون إليهم من تهم لكي يتمكنوا من صوغ دفاع ملائم. وللمتهم أيضاً ضمانة فرصة "الحصول على مساعدة محام للدفاع". قبل الستينات من القرن الماضي، كان هذا يعني أن للمرء هذا الحق (على مستوى الولاية) فقط في حال الجرائم الخطيرة، وفقط إذا كان غير قادر على دفع أتعاب محام. لكن، وبسبب سلسلة من قرارات المحكمة العليا، ضَمِن قانون كل البلاد للمتهم محامياً إذا ما جرت محاكمته بسبب جريمة قد تؤدي إلى حكم بالسجن، وأن على الحكومة تسديد أتعاب الدفاع القانوني لمدعٍ عليه فقير. هذه هي القاعدة على مستوى من مستويات القضاء القومي والولائي في الولايات المتحدة.
يعلن التعديل الخامس للدستور الأميركي أنه "لا يجوز أن يتعرض الشخص مرتين، بسبب الجرم نفسه، لخطر فقدان حياته أو عضو من أعضائه". هذا هو بند حظّر المحاكمة المزدوجة وهو يعني أنه لا يجوز محاكمة إنسان مرتين لنفس الجريمة لا على يد حكومة أي ولاية ولا على يد الحكومة الفدرالية. غير أنه لا يعني أن الشخص لا يمكن محاكمته مرتين لنفس الجرم إذا كان ذلك قد انتهك كلا من القوانين القومية وقوانين الولايات. مثلاً، شخص ما سلب مصرفاً مُنشأً فدرالياً في نيوجيرزي ويواجه مشاكل مع القوانين الفدرالية وقوانين الولاية. تمكن محاكمة هذا الشخص قانونياً وتمكن تبرئته من هذا الجرم في محكمة في ولاية نيوجيرزي، ومن ثم محاكمته لنفس الجرم في المحاكم الفدرالية.
الحق الآخر الهام المضمون للمتهم على كل من مستوى الولاية والمستوى الفدرالي، هو أنه "لن يُجبر في أية قضية جنائية على أن يكون شاهداً ضد نفسه". لقد فُسّر ذلك ليعني أن كون إنسان ما يختار أن لا يشهد ضد نفسه في المحكمة لا يمكن استخدام ذلك ضده لا من قِبَل القاضي ولا من هيئة المحلفين. تخدم هذه الضمانة في تقوية المبدأ القائل إنه في ظل النظام القانوني الأميركي يقع عبء البرهان على الدولة؛ فالمتهم يفترض أنه بريء إلى أن تبرهن الحكومة عكس ذلك دون أي شك معقول.
أخيراً، فَسّرت المحكمة العليا ضمانة المحاكمة حسب الأصول الاجرائية المرعية لتعني أن الأدلة التي يتم الحصول عليها من خلال أي تفتيش أو مصادرة غير مشروعة لا يمكن استخدامها ضد المتهم في المحاكمة. مصدر هذه القاعدة، المسماة "إقصائية" أو استبعادية هو التعديل الرابع في الدستور الأميركي. وقد جعلت المحكمة العليا تقييداتها هذه إلزامية بالنسبة للولايات أيضاً. كان غرض المحكمة إزالة أية حوافز قد تكون لدى الشرطة للحصول بصورة غير مشروعة على أدلة ضد المتهم.
اختيار المحلفين
إذا اختار المتهم أن لا تجري محاكمته أمام هيئة المحكمة، أي أن لا يُحاكم ويحكم عليه على يد قاض وحيد، فإن مصيره سوف يتقرر على يد هيئة محلفين. على المستوى الفدرالي، يجب أن يصدر 12 محلفاً حكماً بالإجماع. على مستوى الولايات، تطبق هذه القاعدة فقط على الجرم الأكثر خطورة. في العديد من الولايات، يمكن أن تتألف هيئة المحلفين من أقل من 12 فرداً ويمكنها إصدار الأحكام بغير القرارات بالإجماع.
تُؤمر مجموعة من المحلفين المحتملين بالحضور إلى المحكمة. تُطرح عليهم الأسئلة في محكمة علنية حول مؤهلاتهم العامة للخدمة كمحلفين في عملية تُعرف بـقول الحق (voir dire من اللغة الفرنسية القديمة، تعني "قول الحقيقة"). يطرح المدعي العام ومحامو الدفاع أسئلة عامة ومحدّدة على المحلفين المحتملين. هل هم مواطنون في الولاية؟ هل يفهمون اللغة الإنجليزية؟ هل سبق لهم أو لأحد من أفراد عائلتهم أن جرت محاكمته بتهمة مخالفة جرمية؟ هل قرأوا عن أو شكلوا أي رأي حول القضية المطروحة أمامهم؟
للولاية وللدفاع، من خلال إدارتهما لعمليه "قول الحق" هدفان. الأول هو استبعاد جميع الأعضاء الذين لديهم سبب واضح في عدم إصدار قرار غير متحيّز في القضية. الأمثلة الشائعة عن ذلك، قد تكون الفرد الذي يُستثنى بموجب القانون من الخدمة في هيئة محلفين، أو مُحلف يكون صديقا أو قريبا من أحد أطراف المحاكمة، وشخص يُقرّ علناً أن لديه تحيزا قويا في القضية المطروحة. الاعتراضات على المحلفين في هذه الفئة تعرف بـ "الطعون بسبب" كما أن عدد هذه الطعون غير محدود. فالقاضي هو الذي يقرر ما إذا كانت هذه الطعون صالحة.
الهدف الثاني لدى المحامين المتقابلين في طرح الأسئلة على المُحلفين المحتملين هو استبعاد الأشخاص الذين يعتقدون أنهم سيكونون معادين لجهتهم، حتى لو لم يكن هناك سبب ظاهر للتحيز المحتمل. يُسمح لكل جهة بأن يكون لها عدد من الطعون القطعية، أي طلبات تقدم إلى المحكمة لاستبعاد محلف محتمل دون اعطاء سبب. تعطي معظم الولايات عادة الدفاع حقا بالطعون القطعية أكثر مما تعطيه للادعاء. على المستوى الفدرالي، يسمح عادة لكل جهة ما بين طعن واحد وثلاثة طعون عن كل مُحلف، حسب طبيعة الجرم؛ ويرتفع هذا العدد من الطعون المسموح لغاية العشرين في القضايا التي تكون عقوبتها الإعدام. استخدام الطعون القطعية هو فن أكثر مما هو علم، ويقوم عادة على حَدس المحامين.
كان المحامون في السابق قادرين على استبعاد المُحلفين المحتملين عن طريق الطعن القطعي عملياً لأي سبب كان. لكن، في السنوات الأخيرة، فسّرت المحكمة العليا بند الحماية المتساوية في التعديل الرابع عشر لتقييد حرية الاستنساب هذا عن طريق منع المدعين العامين من استخدام طعونهم لاستبعاد الأميركيين الإفريقيين أو النساء من الخدمة في هيئات المحلفين الجنائية.
تستمر عملية طرح الأسئلة على المحلفين المحتملين والطعن بهم إلى أن يتم استبعاد جميع المطعون بهم حسب الأصول، بحيث تصبح الطعون القطعية إما مستنفدة أو متنازل عنها، وإلى أن يتم انشاء هيئة محلفين من 12 عضواً (ستة في بعض الولايات). في بعض الولايات، يتم أيضاً اختيار مُحلفين بدلاء لكل محاكمة. هؤلاء يحضرون المحاكمة لكنهم لا يشاركون في المداولات إلا عندما يصبح أحد المُحلفين الأصليين عاجزاً عن الاستمرار في الإجراءات. بعد اختيار الهيئة، يؤدي المُحلفون اليمين أمام القاضي أو أمام كاتب المحكمة.
البيانات الافتتاحية
بعد بدء المحاكمة الرسمية، يتقدم كل من الإدعاء والدفاع ببيان افتتاحي (علماً أن ما من ولاية تجبر الدفاع على القيام بذلك). تقدم البيانات الطويلة والمفصلة أكثر، في العادة، امام المحاكمات على يد محلفين مما في المحاكمات التي يترأسها قاض منفرد. الغرض من البيانات الافتتاحية هو تزويد أعضاء هيئة المُحلفين – الذين يفتقرون إلى معرفة القانون وإجراءات التحقيقات الجنائية – بموجز عن الأهداف الرئيسية لقضية كل جهة، وبالأدلة التي ستقدم، وبالشهود الذين سيدعون، وما الذي تسعى كل جهة إلى إثباته. إذا كان تقديم البيانات الافتتاحية جيداً، سيجد المُحلفون سهولة أكثر في فهم معنى ومغزى الأدلة والشهادات. الإجراء الاعتيادي هو أن تقدم الحكومة بيانها أولاً، وأن يتبعها الدفاع ببيان حول كيفية تفنيده لتلك القضية.
قضية الإدعاء
بعد البيانات الافتتاحية، يعرض المدعي العام الأدلة التي جمعتها الولاية ضد المتهم. تكون الأدلة عادة من نوعين: الأدلة المادية وشهادات الشهود، وقد تشمل الأدلة المادية أمورا مثل الرصاص الذي استعمل، واختبارات المقذوفات النارية، وبصمات الأصابع، وعيّنات الكتابة، واختبارات الدم والبول، والمستندات أو البنود الأخرى التي تستخدم كإثباتات مادية مساعدة. بإمكان الدفاع الاعتراض على قبول أي من هذه البنود الملموسة وأن يحصل، إذا نجح، في استثناء أخذ هذه البنود بعين الاعتبار. إذا كانت طعون الدفاع فاشلة، يلصق موظف في قاعة المحكمة بطاقة تعريف على الدليل المادي ويصبح هذا الأخير جزءاً من السجل الرسمي للقضية.
تأخذ معظم الأدلة في المحاكمات الجنائية شكل شهادات الشهود. الشكل العام هو إجراء السؤال والجواب بغرض استنباط معلومات محددة جداً بطريقة منظمة. الهدف هو تقديم الأدلة فقط التي على علاقة مباشرة بالقضية المطروحة، وليس إعطاء معلومات مُربكة أو غير مرتبطة بالقضية، أو أدلة غير مشروعة يمكن أن تؤدي إلى محاكمة خاطئة (مثلاً، الأدلة القائلة إن المتهم سبق له أن أدين بسبب إساءة مماثلة).
يحق لمحامي الدفاع، بعد كل شهادة، أن يستجوب الشهود. يكون هدف الدفاع الطعن في شهادة شاهد الإدعاء، أي نزع الثقة عنها. يمكن أن يحاول المحامي إرباك، أو اثارة، أو إغضاب الشاهد لدفعه إلى عدم ضبط النفس والبدء في تقديم شهادات مرتبكة ومتضاربة. يمكن كذلك الطعن في شهادة شاهد الإدعاء إذا تم بعد ذلك تقديم شهود الدفاع لما يدحض رواية الأحداث التي قدمتها الدولة. بعد الانتهاء من استجواب الشهود من قِبَل محامي الدفاع، يمكن أن يعمد المدعي العام إلى اعادة استجواب الشهود بوجهة جديدة بغرض توضيح أو تصحيح بعض النقاط الشديدة الأثر التي وردت خلال استجواب الشهود. بعد أن تكون الحكومة قد قدمت جميع أدلتها وشهودها، تكتفي بما عرضت.
قضية الدفاع
عرض القضية بالنسبة للدفاع مُشابه من حيث النمط والشكل لعرض قضية الإدعاء. الأدلة الملموسة تكون أقل شيوعاً في قضية الدفاع، كما أن معظم الأدلة ستكون أدلة الشهود المستعدين لدحض أو نقض حجج الإدعاء. يجري استجواب الشهود من قِبَل محامي الدفاع بنفس الأسلوب الذي يجري فيه في قضية الإدعاء. كما يمكن استجواب كل شاهد دفاع بدوره من قِبَل مدعي عام المقاطعة، ومن ثم يصبح بالامكان اعادة الاستجواب باتجاه جديده.
يقوم الفارق بين قضية الإدعاء وقضية الدفاع في التزاماتهم أمام القانون. لا يطالب القانون الدفاع بتقديم أي أدلة جديدة أو إضافية أو أي شهود على الإطلاق. فقد يتكون الدفاع ببساطة من الطعن بمصداقية أو قانونية أدلة وشهود الإدعاء. الدفاع غير مرغم على إثبات براءة المتهم؛ فلا يحتاج إلاّ إلى أن يُظهر أن قضية الدولة يشوبها شك معقول. والمدعَى عليه لا يحتاج حتى إلى المثول على منصة الاستجواب. (لكن، إذا اختار أن يفعل ذلك، فإن المدعَى عليه يواجه نفس مخاطر الاستجواب المضاد الذي يتعرض له الشهود كأي شاهد آخر).
بعد أن يكون الدفاع قد اكتفى بما قدم، يحق للإدعاء تقديم أدلة دفوع جديدة. بدوره، يستطيع الدفاع عرض الجواب للمدعَى عليه المعروف بالدفع الثاني. بعدها، يقدم كل جانب الحجج الختامية. كثيراً، ما يكون هذا إحدى المراحل الأكثر دراماتيكية في المحاكمة، لأن كل جهة تسعى إلى تلخيص قضيتها، وتركيز أقوى حججها وتوجيه نداء أخير إلى هيئة المُحلفين. لا يمكن تقديم أدلة جديدة في هذه المرحلة، كما أن حجج الفريقين سوف تميل إلى الجنوح العاطفي والدعوة إلى مناصرة القيم التي تتجاوز القضية المباشرة. يمكن أن يتحدث المدعي العام عن مشكلة الجريمة بوجهها العام، وعن الحاجة إلى تطبيق القانون والنظام، وعن الحاجة إلى عدم ترك الشفقة على المتهم تقف بوجه التعاطف مع ضحية الجريمة. وبإمكان محامي الدفاع، من جهة ثانية، تذكير المُحلّفين "كيف ارتكبنا جميعنا أخطاء في الحياة"، أو القول إنه في المجتمع الديمقراطي الحر يجب أن يأتي القرار لصالح المتهم في حال وجود أي شك في كونه مذنباً. غير أنه من المُرجح أن الإدعاء سوف يتجنّب المنحى العاطفي أكثر من محامي الدفاع لأن العديد من قرارات هيئات المُحلّفين قد جرى نقضها في الاستئناف بعد أن يكون مدعي عام المقاطعة أدخل حجج تنال من حقوق الغير في البيانات الختامية.
دور القاضي خلال المحاكمة
صحيح أن دور القاضي في المحاكمة هام جداً لكنه دور سلبي نسبياً. فهو لا يقدم أي دليل ولا يأخذ دوراً نشطاً في استجواب الشهود. القاضي مدعو للحكم بشأن العديد من عرائض المدعي العام ومحامي الدفاع المتعلقة بنوع الأدلة التي يمكن تقديمها وأنواع الأسئلة التي يمكن طرحها على الشهود. في بعض السلطات القضائية، يُسمح للقاضي بطرح أسئلة جوهرية على الشهود وكذلك التعليق أمام هيئة المُحلفين حول مصداقية الأدلة المقدمة؛ في ولايات أخرى، يُحرّم هذا النشاط على القاضي. لكن التقليد القانوني الأميركي يترك مجالاً لتشكيلة واسعة من الأنماط القانونية التي تتوقف على شخصية، وتدريب، وحكمة القضاة الفرديين.
أولاً وقبل أي شيء، يُتوقع من القاضي أن يلعب دور الفريق الذي لا مصلحة له والذي وظيفته الأولى التأكد من أن كل جهة من الجهتين مسموح لها بعرض قضاياها على أكمل وجه ممكن ضمن حدود القانون. إذا حاد القضاة عن مظهر أو ممارسة كونهم فرقاء نزيهين وحياديين، فإنهم بذلك يسيرون عكس العقائد الأساسية للفقه الأميركي، ويتعرضون لابطال قراراتهم على يد محكمة الاستئناف.
صحيح أن القضاة يلعبون في معظمهم مثل هذا الدور، لكن خلفيات وقيم رجال القانون تؤثر أيضاً على قراراتهم في الحالات الحرجة، أي عندما يكون عليهم إصدار حكم بخصوص عريضة تكون فيها الحجج المتقابلة شبه متساوية، أو حول نقطة قانونية قابلة لتشكيلة متنوعة من التفسيرات.
دور هيئة المُحلّفين خلال المحاكمة
دور المُحلّفين خلال المحاكمة سلبي. فوظيفتهم الاستماع بعناية إلى القضايا المطروحة من قِبَل المحامين المتقابلين ثم التوصل إلى قرار يستند فقط الى الأدلة المقدمة. لا يحق لهم عادة طرح الأسئلة على الشهود أو القاضي كما لا يسمح لهم بتدوين ملاحظات حول الإجراءات، ليس بسبب حظر دستوري أو نظامي بل، بالدرجة الأولى، لأن تلك كانت الممارسة التقليدية الدارجة في محاكم أميركا.
لكن، خلال السنوات الأخيرة، سمح العديد من القضاة للمحلّفين بالانخراط أكثر في الحلبة القضائية. فقد سمح رئيس محكمة المقاطعة الأميركي في شيكاغو، القاضي جون ف. غرايدي، طيلة عقد من الزمن للمحلّفين في قاعة محكمته بتدوين ملاحظات. اصدرت أربعة محاكم استئناف أميركية على الأقل، موافقة ضمنية على ممارسة المشاركة للمُحلّف في استجواب الشهود، طالما لم يسمح للمُحلفين بطرح اسئلة عرضية خلال مجرى المحاكمة وطالما كان مسموحاً للمحامين الاعتراض على أسئلة مُعيّنة قبل طرحها على الشهود. في بعض الولايات، سمح بعض قضاة محاكم الموضوع للمُحلّفين بلعب أدوار نشطة بدرجة في المحاكمات. رغم هذا، لا زال دور هيئة المُحلّفين على كل من مستوى الولاية والمستوى الفدرالي، سلبياً في الأساس.
التعليمات للمُحلّفين
على الرغم من أن وظيفة هيئة المُحلفين تكون وزن وتقييم وقائع القضية، غير أن على القاضي إعطاء تعليمات إلى المُحلفين حول معاني القانون وكيف يمكن تطبيقه. يميل القضاة إلى التأكد بكثير من العناية من كون التعابير المستخدمة في المحاكمة صحيحة تقنياً وقانونياً لأن العديد من القضايا يتم إبطالها في الاستئناف نتيجة لتعليمات خاطئة أعطيت إلى هيئة المُحلفين.
جميع التعليمات الموجهة للمُحلفين يجب أن ترتكز الى عناصر أساسية. أحد هذه العناصر إصدار تعريف من جانب القاضي للجريمة التي جرى اتهام يُتهم المتهم بها. قد يستلزم ذلك إعطاء المُحلّفين عدة انواع من الخيارات حول أي نوع من القرار يمكنهم اتخاذه. مثلاً، إذا سلب انسان ما حياة آخر، فقد تحاكم الدولة المتهم على أساس اقتراف جريمة قتل من الدرجة الأولى. رغم ذلك، قد يجد القاضي نفسه مضطراً إلى تعريف هيئة المحلفين بالمعنى القانوني للدرجة الثانية من جريمة القتل، أو القتل عن طريق الخطأً إذا كان عليهم التقرير بأن المدعَى عليه كان القاتل لكنه لم يفعل ذلك عن نيّه مبيته بالقتل.
على القاضي أيضاً أن يُذكّر المُحلّفين بأن عبء برهان الجرم يقع على عاتق الدولة وأنه من المفترض أولاً أن المتهم بريء. إذا بقي لدى هيئة المُحلفين، بعد النظر في جميع الأدلة، شكوك معقولة بالنسبة لكون المتهم مذنباً، يجب أن يكون قرارها عدم الإدانة.
أخيراً، يُعرّف القاضي عادة هيئة المُحلّفين على تشكيلة متنوعة من المسائل الإجرائية: كيف يتم الاتصال بالقاضي إذا كانت لديهم أسئلة، والترتيب الذي يترتب على أساسه النظر في التهم إذا كان هناك أكثر من تهمة؛ ومن يجب أن يوقع المستندات الرسمية التي تعبّر عن حكم هيئة المُحلفين. بعد تلاوة التعليمات أمام هيئة المُحلفين (وبعد اعطاء محامي كل فريق فرصة لتقديم اعتراضاتهم)، ينسحب المُحلفون إلى قاعة المداولات لتقرير مصير المتهم.
قرار هيئة المُحلفين
تتداول هيئة المُحلفين قرارها في سرية تامة؛ ما من جهة خارجية تراقب أو تشارك في النقاش. يمكن أن يطلب المُحلفون خلال مداولاتهم، من القاضي، توضيح نقاط قانونية، وقد ينظرون في بنود من الأدلة، أو أجزاء مختارة من نص القضية، لكن لا يحق لهم استشارة أو مراجعة أي وسيلة اخرى (لا قواميس قانون، لا مقالات قانونية، ولا آراء من خبراء). عندما تصل هيئة المُحلفين إلى قرار بتصويت أعضائها، تعود الهيئة إلى قاعة المحكمة لإعلان القرار. إذا لم تصل الهيئة إلى قرار عند حلول الليل (الغروب) يُرسل المُحلفون إلى منازلهم مع تعليمات صارمة بأن لا يناقشوا القضية مع غيرهم أو يقرأوا عن القضية في الصحف. في القضايا الهامة جداً أو الشهيرة، يُمكن للقاضي احتجاز المُحلفين، مما يعني أنهم سيمضون الليلة في فندق محلي بعيداً عن أعين الناس.
إذا بلغت هيئة المُحلفين طريقا مسدودا وعجزت عن التوصل إلى قرار، بإمكانها أن تنقل الأمر إلى القاضي. في مثل هذه الحالة، بإمكان القاضي الإصرار على أن تواصل هيئة المُحلفين جهودها للتوصل إلى قرار. أو، إذا اقتنع القاضي بأن هيئة المُحلفين في الواقع أمام طريق مسدود وميؤوس منه، بإمكانه صرف المحلفين والدعوة إلى محاكمة جديدة.
تشير الدراسات والأبحاث الى أن معظم هيئات المُحلفين التي تتعامل مع القضايا الجنائية تتخذ قراراتها بسرعة معقولة. جميع هيئات المُحلفين تقريباً تعمد إلى التصويت مباشرة بعد انسحابها إلى قاعات المداولات لكي ترى إلى أي حد هي منقسمة أو موحّدة. في 30 بالمئة من القضايا، يحتاج الأمر إلى تصويت واحد للتوصل إلى قرار بالإجماع. في 90 بالمئة من القضايا المتبقية، تكسب في نهاية المطاف الجهة التي نالت الأكثرية في الاقتراع الأول. أما هيئات المُحلفين المنقسمة، أي تلك التي لا يمكن التوصل فيها إلى قرار، فتحدث عادة عند وجود أقلية كبيرة خلال الاقتراع الأول.
علِمَ البحاثة أيضاً أن هيئات المُحلفين تتوصل أحياناً كثيرة إلى نفس القرار الذي كان سيتخذه القاضي فيما لو كان هو المسؤول الوحيد عن القرار. سألت دراسة موسعة حول هيئات المُحلفين القضاة كيف كانوا سيحكمون قضايا ترأسوها بوجود هيئات مُحلفين. القاضي وهيئة المُحلفين كانا على وفاق في 81 بالمئة من القضايا الجنائية (نفس الشيء تقريباً في القضايا المدنية). في 19 بالمئة من القضايا الجنائية، يختلف القاضي مع هيئة المُحلفين، مع كون القاضي مُظهراً ميلاً واضحاً إلى الإدانة في حين كانت هيئات المُحلفين إلى جانب التبرئة.
عندما يتوصل أعضاء هيئة المُحلفين في نهاية المطاف إلى قرار، يعودون إلى قاعة المحكمة، ويتم اعلان قرارهم في جلسة علنية من قِبَل رئيس المُحلفين. في هذا الوقت، كثيراً ما يطلب المدعي العام أو محامي الدفاع اجراء استفتاء افرادي للمُحلفين، أي سؤال كل مُحلف فردياً إذا كان القرار العام يعكس فعلاً رأيه الخاص. الغرض من ذلك هو تحديد ما إذا كان كل مُحلّف يؤيد القرار بمجمله، أو إذا كان فقط يستسلم لضغط المجموعة. إذا أظهر إجراء هذا الإختبار أن هيئة المُحلفين ليست فعلاً على رأي واحد، يمكن إعادتها مجدداً إلى قاعة الهيئة لمواصلة المداولات. في بعض السلطات القضائية، يمكن في هذه الحال إعلان المحاكمة فاشلة. في حال اُعلن أن المحاكمة فاشلة، يمكن إعادة المحاكمة في القضية أمام هيئة مُحلفين أخرى. لن يكون هناك خطر محاكمة مزدوجة لأن هيئة المُحلفين الأصلية لم تتفق على قرار. إذا جاء قرار هيئة المُحلفين بعدم الذنب، يُخلى سبيل المدعى عليه على الفور، ويصبح حراً في مغادرة قاعة المحكمة.
الإجراءات بعد المحاكمة الجنائية
عند اختتام المحاكمة الجنائية، تبقى هناك عادة مرحلتان أمام المدعَى عليه إذا وُجد أنه مذنب: صدور الحكم والاستئناف.
صدور الحكم
صدور الحكم هو إعلان حكم المحكمة الرسمي بشأن المدعَى عليه الذي يجري على أثره تحديد العقاب أو الغرامة.
على المستوى الفدرالي وفي معظم الولايات، يتم فرض الأحكام من قِبَل القضاة فقط. لكن، في بعض الولايات، يمكن أن يختار المدعَى عليه أن يصدر الحكم إما على يد قاضٍ أو من جانب هيئة مُحلفين، وتطالب الولايات عادة، في القضايا التي تصل العقوبة فيها إلى الموت، أن لا تفرض أي عقوبة بالموت ما لم يكن القرار صادراً بالإجماع عن 12 مُحلفاً. في بعض الولايات، وبعد أن تكون هيئة المُحلفين قد وجدت أن شخصا ما مذنبا، تتداول هيئة المُحلفين مرة ثانية لتحديد الحكم. في العديد من الولايات، يتم اختيار مُحلفين جدد من الجدول خصيصاً لإصدار الحكم. آنذاك تكون قواعد تقديم الأدلة أقل صرامة، وقد يُسمح لهيئة المُحلفين بالنظر في الأدلة التي استُبعدت خلال المحاكمة الفعلية (مثلاً، السجل الاجرامي السابق للمتهم).
بعد أن يلفظ القاضي الحكم، تنقضي عادة عدة أسابيع بين الوقت الذي تقرر فيه أن المدعَى عليه مذنب، والوقت الذي تفرض فيه العقوبة/الغرامة. تسمح هذه الفترة الفاصلة للقاضي بأن يستمع وأن ينظر في أية عرائض بعد المحاكمة قد يقدمها محامي الدفاع (مثل طلب محاكمة جديدة) والسماح لضابط التثبت من الأدلة القيام بتحقيق سابق للحكم. يكون ضابط التثبت من الأدلة محترفاً ولديه خلفيات في علم الجريمة، وعلم النفس، أو العمل الاجتماعي، ويقدم توصيات إلى القاضي حول طول العقوبة التي ينبغي فرضها. يدرس موظف الاختبار عادة العوامل مثل خلفية المجرم، وخطورة الجريمة المرتكبة، واحتمال مواصلة المجرم التورط في نشاط إجرامي. ليس مطلوب من القضاة أتباع توصيات ضابط التثبت من الأدلة، لكن هذا الأخير يبقى عاملاً هاماً في اعتبارات القاضي حول ما يجب أن يكون الحكم.
أمام القضاة تشكيلة متنوعة من الخيارات وتشكيلة من الأحكام عندما يصل الأمر إلى معاقبة المجرمين. العديد من هذه الخيارات تستدعي مفهوم إعادة التأهيل، وتدعو إلى مساعدة المهنيين في حقول علم الجريمة والعلوم الاجتماعية.
العقوبة الأخف التي يستطيع القاضي لفظها هي اطلاق السراح التجريبي المشروط. وكثيراً ما تكون هذه العقوبة هي الغرامة المفروضة إذا اعتبر القاضي أن الجريمة بسيطة أو إذا اعتقد أن المذنب لن ينخرط على الأرجح في نشاط إجرامي جديد. إذا صدر حكم بإطلاق السراح التجريبي، ربما لن يمضي المجرم أي وقت في السجن طالما أن شروط اطلاقه في الاختبار المشروط تكون قائمة. يمكن أن تشمل هذه الشروط البقاء بعيداً عن المجرمين المدانين، وعدم ارتكاب جرائم أخرى، أو دون تكرار، وأداء نوع من الخدمات المجتمعية. إذا خدم مجرم ما مدة اختباره دون حوادث، ينظف سجله الاجرامي ويصبح في نظر القانون كما لو أنه لم يرتكب أية جريمة.
إذا لم يكن القاضي ميّالاً إلى الحكم بإطلاق السراح التجريبي، ويشعر أن الحكم بالسجن اصلح، عليه أن يفرض الحكم بالسجن ضمن الحدود التي ينص عنها القانون. يكون سبب اصدار الحكم بالسجن على اساس نطاق من السنوات بدلاً من تحديد عدد معين من السنين بصورة أوتوماتيكية، هو أن القانون يعترف بأن الجرائم والمجرمين لا يتشابهون جميعهم، وأن العقاب يجب أن يتناسب، من حيث المبدأ، مع الجريمة.
في محاولة لإزالة الفروقات الكبيرة بين الأحكام، حاولت الحكومة الفدرالية والعديد من الولايات تطوير مجموعة من الخطوط الإرشادية الدقيقة لأجل خلق توافق أكبر بين احكام القضاة. وقد ظهرت هذه الجهود على المستوى القومي عن طريق سن قانون إصلاح الأحكام لسنة 1987 الذي أرسى الخطوط الإرشادية لهيكلية عملية إصدار الأحكام.
نص قانون الكونغرس على أن بإمكان القضاة أن يحيدوا عن الخطوط الارشادية فقط إذا وجدوا ظروفاً إما تشديدية او تخفيفية لم تدرسها اللجنة القانونية بصورة كافية. صحيح أن الخطوط الإرشادية للكونغرس لم تُحدّد أنواع العوامل التي قد تشكل أسساً للانحراف عن الارشادات المذكورة، لكن الكونغرس بيّن في الواقع أن هذه الاسس لا يجوز أن تشمل العرق، أو الجنس، أو الأصول القومية، أو العقيدة، أو الدين، أو الوضع الاقتصادي والاجتماعي، والإدمان على المخدرات، أو الإفراط في تناول الكحول.
تملك الولايات أيضاً تشكيلة واسعة من البرامج لتجنب الفوارق الكبيرة في أحكام القضاة. في حلول سنة 1995، أنشأت 22 ولاية لجاناً قانونية لإرساء خطوط ارشادية لقضاتها حول الاحكام، وفي نهاية سنة 1997، اصبحت هذه الخطوط سارية المفعول في 17 ولاية. وعلى نفس المنوال، فإن معظم الولايات سنّت الآن قوانين أحكام إلزامية تعرض فترة حكم مُحدّد عند الإدانة ببعض الجرائم وبنوع خاص الجرائم العنيفة، والجرائم التي اُستخدم فيها مسدس، أو الجرائم التي يرتكبها مجرمون معتادون.
على الرغم من الأثر الهائل للقضاة في الأحكام، فليس لهم بالضرورة الكلمة الأخيرة في الموضوع. فعندما يقرر قاضٍ ما مدة السجن، يبقى هذا القرار خاضعاً للقوانين الفدرالية وقوانين الولايات بخصوص اطلاق السراح المشروط. وهكذا تكون لمجالس اقرار اطلاق سبيل المحكومين بشروط (وأحياناً لرئيس ولحكّام الولايات الذين يستطيعون منح العفو أو تخفيف الأحكام) الكلمة الأخيرة حول المدة التي سيقضيها المدان في السجن.
الاستئناف
لكل امرئ، على كل من مستوى الولايات والمستوى الفدرالي، الحق، في استئناف واحد على الأقل عند الإدانة بجناية، لكن الحقيقة أن القليل من المجرمين يستفيدون من هذا الامتياز. يستند الاستئناف على الحجة او الزعم بأن خطأً قانونياً قد حصل خلال عملية المحاكمة. يجب أن يكون هذا الخطأ قابلاً للتصحيح اذا لم يكن بطبيعته غير موذٍ. يعتبر الخطأ في الحكم غير مؤذ إذا لم يكن لحدوثه أي إثر على نتيجة المحاكمة. غير أن الخطأ القابل للتصحيح هو خطأ خطير ربما يكون قد أثر على حكم القاضي أو هيئة المُحلفين. مثلاً، الاستئناف الناجح قد يستند إلى حجة أن الأدلة قُبلت في المحاكمة بصورة غير صحيحة، وأن تعليمات القاضي إلى هيئة المُحلفين كان يشوبها الخلل، أو أن الإقرار بالذنب لم يكن طوعياً. غير أن الاستئناف يجب أن يستند إلى مسائل إجرائية وإلى تفسيرات قانونية، وليس إلى تحديدات وقائعية حول ذنب أو براءة المدعى عليه. أكثر من ذلك، وتحت معظم الظروف، لا يمكن للمحكوم تقديم استئناف لتغيير طول فترة الحكم بالسجن في الولايات المتحدة (طالما بنيت هذه الفترة ضمن الخيارات المنصوص عنها في القانون).
يحصل المدعى عليهم بجريمة على نسبه معينة من النجاح في الاستئناف قدرها 20 بالمئة تقريباً، لكن ذلك لا يعني أن المدعَى عليه يستعيد حريته عندئذ. ممارسة الاجراءات المتبعة تفرض على محكمة الاستئناف إرجاع القضية (إعادتها) إلى المحكمة الدنيا لاجراء محاكمة جديدة. عند تلك النقطة، يجب أن يحدّد الإدعاء ما إذا كان بالإمكان التخلص من الأخطاء الإجرائية في المحاكمة الأصلية من خلال المحاكمة الثانية، وما إذا كان يستحق ذلك الوقت والجهد اللازمين. لا تُعتبر المحاكمة الثانية محاكمة مزدوجة لنفس الجرم طالما أن المدعَى عليه اختار الاستئناف ضد الإدانة الأصلية.
كثيرا ما تلفت وسائل الإعلام، وغيرها المعنية بالقانون، الانتباه إلى محاكم الاستئناف التي تطلق سراح مجرمين يظهر أنهم مذنبون، وإلى الادانات التي يتم نقضها لأسباب تقنية. ان هذا الأمر يحدث بكل تأكيد، ويمكن القول أن ذلك لا مفر منه في بلد ديمقراطي يقوم نظامه القانوني على الإنصاف وعلى الافتراض أن المتهم بريء. غير أن حوالي 90 بالمئة من جميع المدعَى عليهم يقرون بالذنب، وأن هذا الإقرار يلغي عملياً إمكانية الاستئناف. من أصل المجموعة المتبقية من المدعى عليهم، يتبين أن الثلثين مذنبون من خلال المحاكمة، وأن نسبة صغيرة فقط من هؤلاء تستأنف. بين الذين يستأنفون، لدى حوالي 20 بالمئة درجة معقولة من النجاح. أما الذين يتم نقض إدانتهم، فإن العديد منهم يظهر على أنه مذنب في المحاكمة التالية. وهكذا، فإن عدد المدانين بجرائم، والذين يطلق سراحهم لاحقاً بسبب أخطاء قابلة للنقض في المحاكمة يشكل جزءاً بسيطاً لا يزيد عن واحد بالمئة.