01 ايلول/سبتمبر 2008
عندما وضع الكونغرس والدستور الأميركي، وما وازاها من كيانات في الولايات، السلطات القضائية للمحاكم، حددا أية أنواع من القضايا يحق لكل محكمة النظر فيها. يبحث هذا الفصل في كيفية تمكن الكونغرس، بنوع خاص، من التأثير على سلوك القضاء عن طريق إعادة تحديد أنواع القضايا التي يحق للقضاة النظر فيها. يناقش الفصل أيضاً ضبط النفس القضائي، ويدرس 10 مبادئ، ناجمة عن التقاليد القانونية وعن القوانين الدستورية والنظامية، التي تحكم قرار القاضي حول ما إذا كان سيراجع قضية ما.
المحاكم الفدرالية
نظام المحاكم الفدرالية مُقسّم إلى ثلاثة مستويات منفصلة: محاكم الموضوع، ومحاكم الاستئناف، والمحكمة العليا الأميركية.
محاكم المقاطعات الأميركية
وضع الكونغرس السلطات القضائية لمحاكم المقاطعات الفدرالية. تملك هذه المحاكم السلطة القضائية البدائية في القضايا الفدرالية الجنائية والمدنية؛ وهذا يعني، في القانون، أنه يجب النظر في القضايا أولاً في تلك المحاكم أيّاً كانت الأطراف أو مهما كانت أهمية المسائل.
- القضايا الجنائية. تبدأ القضايا عندما يجد المدعّون العامون الأميركيون المحليون سبباً للاعتقاد بأن انتهاكاً للقانون الجزائي الأميركي قد حصل. بعد حصوله على لائحة اتهام من قِبَل هيئة محلفين كبرى، يودع المدعي العام الأميركي التهم الموجهة إلى المتهم لدى محكمة المقاطعة التي يخدم فيها. يغطّي النشاط الجنائي كما يحدده الكونغرس تشكيلة واسعة من أنواع السلوك، بما في ذلك سرقة سيارة في ما بين الولايات، والاستيراد غير المشروع للمخدرات، واغتيال رئيس، والتآمر لحرمان أناس من حقوقهم المدنية، بل وحتى قتل طائر مهاجر خارج موسم الصيد.
بعد إيداع التهم ضد متهم ما، وإذا لم يجر أي إلتماس يُقرّ فيه بالذنب لأجل تخفيف العقوبة، تجري المحاكمة من قبل قاضي مقاطعة أميركي. يتمتع المدعى عليه في المحكمة بجميع الامتيازات والحصانات الممنوحة في قانون الحقوق (مثل حق الحصول على محاكمة سريعة وعلنية)، أو بموجب تشريعات الكونغرس أو أحكام المحكمة العليا (مثلاً، يجب أن تصدر هيئة المحلفين المؤلفة من 12 شخصاً قراراً بالإجماع). يحق للمدعى عليهم التنازل عن حقهم في محاكمة على يد هيئة محلفين من أقرانهم. المدعى عليه الذي يتبيّن أنه غير مسؤول عن الجرم يطلق سراحه ولا يمكن أبداً إعادة محاكمته لنفس الجرم (حماية التعديل الخامس للدستور ضد التعرض لخطر المحاكمة المزدوجة). إذا تبيّن أن المدعى عليه مذنب، يحدد قاضي المقاطعة العقوبة المناسبة ضمن المجالات التي وضعها الكونغرس لذلك. ولا يمكن الإستئناف بالنسبة لطول العقوبة طالما أنه ضمن نطاق المجالات المنصوص عنها. لا يحق للحكومة الاستئناف ضد حكم بالبراءة، لكن المدعى عليهم المدانين يحق لهم الاستئناف إذا اعتقدوا أن القاضي أو هيئة المحلفين أصدروا قراراً قانونياً غير صحيح.
- القضايا المدنية. يكون عبء قضايا محاكم المقاطعات في غالبه ذي طبيعة مدنية؛ أي أن الدعاوى في ما بين الفرقاء الخاصين، أو مع حكومة الولايات المتحدة، التي تقوم بالتصرف بصفة غير صفة الإدعاء العام، وبين فريق آخر خاص. القضايا المدنية التي تبدأ في محاكم المقاطعات الأميركية يمكن تصنيفها في عدة فئات. الفئة الأولى هي الدعاوى المتعلقة بتفسير أو تطبيق الدستور، أو قوانين الكونغرس، أو معاهدات الولايات المتحدة. تشمل الأمثلة عن قضايا من هذه الفئة ما يلي: يدعي أحدهم أن واحداً من حقوقه الفدرالية قد انتهك، أو يدعي طرف أنه مُتضرّر من قانون نظامي أصدره الكونغرس وغير دستوري، أو يقول مُدّع إنه يشكو من ايذاء سببه معاهدة تؤثر عليه بشكل غير مشروع. النقطة الأساسية هي وجوب إثارة المسائل الفدرالية لكي يكون لمحاكم الموضوع الأميركية السلطة القضائية فيها.
تقليدياً، كان من الواجب وجود جدال حول مبلغ مالي زهيد في بعض أنواع القضايا قبل أن تقبل محاكم الموضوع النظر فيها. لكن هذه المبالغ تلغى إذا وقعت القضية في واحدة من الفئات العامة المتعددة. مثلاً، في حال انتهاك مزعوم لقانون الحقوق المدنية، مثل قانون حقوق الاقتراع لسنة 1965، يجب النظر في الشكاوى من قِبَل السلطات القضائية الفدرالية بدلاً من السلطات القضائية في الولايات. تتعلق أنواع القضايا الأخرى في هذه الفئة ببراءات الاختراع وحقوق النشر، وجوازات السفر، وإجراءات التجنيس، والنزاعات البحرية، وانتهاكات القوانين البريدية الأميركية.
هناك فئة عريضة أخرى من القضايا تمارس عليها محاكم الموضوع الأميركية سلطة قضائية عامة تشمل ما يُعرف بنزاعات تتنوع فيها الجنسية. هذه نزاعات بين مواطنين من ولايات مختلفة أو بين مواطن أميركي وبين بلد أو مواطن أجنبي.
تملك محاكم المقاطعات الأميركية أيضاً السلطة القضائية على عرائض الالتماس المقدمة من مساجين أُدينوا ويدعون أن سجنهم (أو ربما منع اطلاق السراح المشروط عنهم) هو انتهاك لحقوقهم المحمية فدرالياً. في الأغلبية العظمى من هذه القضايا، يطالب المساجين "بأمر إحضار بغرض التحقيق (باللاتينية، "يجب أن تأخذ الشخص")، وهو أمر يصدره القاضي للتحقيق في ما إذا كان شخص ما قد سُجن أو احتُجز بطريقة غير مشروعة. قد يطلب القاضي من سلطات السجن إما تبرير الاحتجاز أو إطلاق سراح صاحب العريضة. على المساجين المدانين في محكمة ولاية أن يقدموا الحجج بأن حقاً لهم محميا فدرالياً قد انُتهك. مثلاً، حق تمثيل المدعى عليه بواسطة محام في المحاكمة، وإلا لا تكون للمحاكم الفدرالية سلطة قضائية. المساجين الفدراليون لديهم تشكيلة أوسع نوعاً ما من الاستئنافات طالما تبقى حقوقهم وخياراتهم تبقى ضمن نطاق الدستور الأميركي.
أخيراً، لمحاكم المقاطعات سلطة النظر في أية قضايا أخرى قد ينصّ عليها الكونغرس حسب الأصول بموجب القانون.
محاكم الاستئناف الأميركية
ليس لمحاكم الاستئناف الأميركية أية سلطات قضائية بدائية؛ فكل قضية أو جدل تقدم إلى واحدة من تلك الهيئات الوسيطة يكون قد سبق أن نوقشت أولاً في منتدى آخر. هذه المحاكم، مثلها مثل محاكم المقاطعات، هي من صنع الكونغرس كما أن هيكليتها ووظائفها تفاوتت كثيراً بمرور الزمن.
في الأساس، منح الكونغرس المحاكم الدورية سلطات استئنافية على فئتين عامتين من القضايا. أولى هذه القضايا هي الاستئنافات المدنية والجنائية العادية الواردة من محاكم الموضوع الفدرالية. في القضايا الجنائية، يكون المستأنف المدعى عليه لأنه ليس للحكومة حق الاستئناف بعد حكم بعدم الجرم. أما في القضايا المدنية، فإن الفريق الذي خسر في محكمة الموضوع هو عادة المُستأنف، لكن بوسع الفريق الرابح تقديم استئناف إذا لم يكن راضياً على حكم المحكمة الدنيا. تشمل الفئة العريضة الثانية من سلطات الاستئناف، الاستئنافات الصادرة عن بعض الوكالات الإدارية والوزارات الفدرالية، وكذلك من لجان تنظيمية مستقلة مثل هيئة مراقبة عمليات الأوراق المالية (SEC)، والمجلس القومي للعلاقات العمالية.
المحكمة العليا الأميركية
المحكمة العليا الأميركية هي المحكمة الفدرالية الوحيدة التي ذُكرت بالاسم في الدستور الذي رسم شكل السلطات القضائية للمحكمة العليا. صحيح أنه يُنظر عادة إلى المحكمة العليا على أنها محكمة استئناف، غير أن للمحكمة بعض السلطات القضائية العامة التي تختص بها. ولعل الموضوع الأهم في هذه السلطات هي الدعاوى بين ولايتين أو أكثر.
تتقاسم المحكمة العليا السلطات القضائية الأساسية (مع محاكم المقاطعات الأميركية) في بعض القضايا التي تقدم من جانب، أو ضد، سفراء أو قناصل أجانب، وفي قضايا بين الولايات المتحدة وولاية ما، وفي قضايا تتقدم بها ولاية ما ضد مواطنين من ولاية أخرى، أو من بلد آخر. في أوضاع كهذه، حيث هناك تقاسم للسلطات القضائية، يقال إن المحاكم لديها سلطات قضائية مشتركة او متلازمة. القضايا التي للمحكمة العليا عليها سلطات قضائية اساسية كثيرا ما تكون ذات شأن، لكنها لا تشكل جزءاً كبيراً من مجمل عبء القضايا القانونية. في السنوات الأخيرة، كان أقل من واحد بالمئة من جدول قضايا المحكمة العليا مُكوّنا من قضايا نُظر فيها من جانب السلطة القضائية البدائية.
يقرر الدستور الأميركي أن المحكمة العليا "يجب أن تكون لها سلطات الاستئناف... بموجب القوانين التنظيمية التي يضعها الكونغرس". عبر السنين، سنّ الكونغرس العديد من التشريعات التي تحدّد "القوانين التنظيمية" مقرراً بذلك أية قضايا يمكن أن تمثل أمام أعظم كيان قضائي في البلاد. يمكن أن تصل طلبات الاستئناف إلى المحكمة العليا عبر طريقين رئيسيين. أولاً، يمكن أن يكون هناك استئناف من كل المحاكم الدنيا الدستورية الفدرالية ومحاكم الأقاليم، وأيضاً من معظم، ولكن ليس من كل، المحاكم التشريعية الفدرالية. ثانياً، من الممكن أن تنظر المحكمة العليا في استئنافات من أعلى محكمة في ولاية ما – طالما تكون هناك قضية فدرالية.
يتكون معظم جدول قضايا المحكمة العليا من قضايا وافقت على إصدار أمر تحويل بشأنها من محكمة دنيا، وهو اجراء يعود لها حق تقريره. مثل هذا الأمر (الذي يجب أن يحظى بتأييد أربعة قضاة على الأقل) هو أمر توجهه المحكمة العليا إلى محكمة دنيا طالبة منها إرسال السجل الكامل لقضية ما كي تتمكن المحكمة العليا من مراجعته. تاريخياً، وافقت المحكمة العليا على منح العرائض المطالبة بأمر التحويل في نسبة قليلة جداً من القضايا، وكانت عادة، أقل من 10 بالمئة. لكن عدد هذه القضايا في السنوات الأخيرة قارب الواحد بالمئة.
الأسلوب الآخر الذي تمارس فيه المحكمة العليا سلطاتها القضائية الاستئنافية هو التصديق. يتم اتباع هذا الأسلوب عندما تطلب إحدى محاكم الاستئناف من المحكمة العليا تعليمات تتعلق بمسألة قانونية. قد يختار القضاة إعطاء قضاة الاستئناف تعليمات ملزمة، أو قد يطلبون إرسال كامل السجل إلى المحكمة العليا للمراجعة وإصدار الحكم النهائي.
السلطات القضائية لمحاكم الولايات وصنع السياسة
السلطات القضائية في أنظمة المحاكم المنفصلة في كل من الولايات الخمسين في الولايات المتحدة، قائمة عملياً بنفس الطريقة كتلك التي داخل نظام المحاكم القومي. فكل ولاية لها دستور يُحدّد صلاحيات وسلطة صنع القرار لقضاة محاكم الموضوع والاستئناف. كذلك، تمرّر كل هيئة تشريعية في الولايات قوانين تعطي مزيداً من التفاصيل بالنسبة لسلطات وامتيازات القضاة المُعيّنة، وبالنسبة لحقوق وواجبات الذين يتقدمون بدعاوى لدى محاكم الولاية. وما دام لا وجود لدستورين أو هيئتين تشريعيتين متشابهتين في ولايتين، فإن السلطات الإدارية في الولايات الفردية تختلف من ولاية لأخرى.
محاكم الولايات هامة جداً بالنسبة لصنع السياسة في الولايات المتحدة. فما يزيد عن 99 بالمئة من عبء الأعمال القضائية في الولايات المتحدة يتكون من قضايا تعود للولايات، وليست فدرالية، كما أن 95 بالمئة من جميع القضاة في الولايات المتحدة يعملون على مستوى الولايات. أكثر من ذلك، أن قرارات رجال القضاء في الولايات المتحدة يكون لها في كثير من الأحيان تأثير كبير على السياسة العامة. مثلاً، خلال السبعينات من القرن الماضي، أقيم أمام المحكمة الفدرالية عدد من الدعاوى تتحدى دستورية الإنفاق غير المتوازن بنسبة هائلة لدى الولايات على تعليم تلامذة المدارس (حصل هذا لأن مناطق المدارس الأفقر كانت عاجزة عن جمع نفس المبالغ من المال كما هي الحال في مناطق المدارس الميسورة). زعم المُدعّون أن الأولاد في المقاطعات الأفقر كانوا ضحايا التمييز غير المشروع انتهاكاً لحقوق الحماية المتساوية بموجب الدستور الأميركي. غير أن المحكمة العليا قالت عكس ذلك، بقرار وافق عليه خمسة مقابل أربعة قضاة في قضية مدرسة مقاطعة سان أنطونيو المستقلة ضد رودريغز (1973). لكن المسألة لم تنته عند ذلك. فقد أقيمت دعاوى في العديد من الولايات تقول إن فرص التعليم غير المتساوية شكلّت انتهاكاً للعديد من البنود في دساتير الولايات. منذ دعوى رودريغز، تم التقدم بمثل هذه الدعاوى 28 مرة في 24 ولاية. وفي 14 من تلك القضايا، ابطلت المحاكم العليا في الولايات أساليب الولايات في تمويل التعليم مطالبة بالتالي بإعادة تخصيص مليارات الدولارات.
السلطات القضائية والسياسات التشريعية
يجادل بعض القضاة ورجال القانون بأن الدستور الأميركي ووثائق الولايات الخاصة به تمنح بعض السلطة القضائية الملازمة لمراجع قضائية في بعض الميادين الأساسية، وذلك بصورة مستقلة عن إرادة الهيئات التشريعية. ومع هذا، فإن حدود السلطات القضائية للمحاكم الأميركية هي أيضاً من إنتاج الأحكام التشريعية، وهي قرارات كثيراً ما تتأثر بالسياسة.
من الممكن أن يدعم الكونغرس قضية معيّنة عن طريق إعطاء المحاكم سلطة النظر في قضايا تخص عالم السياسة العامة كانت في السابق أراضٍ مُحرمّة على القضاء. مثلاً، عندما سنّ الكونغرس قانون الحقوق المدنية سنة 1968، أعطى القضاة سلطة معاقبة الأفراد الذين يتدخلون ضد "أي شخص بسبب عرقه، لونه، دينه أو أصله القومي، أو لأنه كان... مسافراً في... تجارة ما بين الولايات". قبل سنة 1968، لم تكن للمحاكم سلطات قضائية على الأحداث الناجمة عن تدخل شخص ما بحق شخص آخر في السفر. كذلك، يحق للكونغرس أن يثبط هِمّة حركة اجتماعية مُعيّنة عن طريق سنّ تشريعات تجعل عملياً من المستحيل لمناصري هذه الحركة أن ينجحوا في المحاكم.
السلطات القضائية في محاكم الولايات، على غرار نظيراتها الفدرالية، تحكم عملها أيضاً، إلى درجة كبيرة، ارادة الهيئات التشريعية في الولايات، كما تكون الناتج السياسي عن الهيئات التشريعية للولايات.
ضبط النفس القضائي
النشاطات التي يُحظر على القضاة القيام بها، أو على الأقل لا يشجعون على الانخراط بها، لا علاقة لها كثيراً بالسلطات القضائية كما هي الحال بالنسبة لأهلية المحكمة للنظر في القضايا، وهي المسألة التي تخص ما إذا كان يحق للقضاة في النظام القضائي النظر في أو الامتناع عن النظر في بعض أنواع النزاعات. تقوم عشرة مبادئ حول ضبط النفس القضائي، واردة أدناه، بمراقبة وتقييد سلطات القضاة الأميركيين. هذه القواعد العامة تنبع من مصادر مختلفة، الدستور الأميركي، ودساتير الولايات، وقوانين الكونغرس، وقوانين الهيئات التشريعية في الولايات والقانون العام. بعض هذه القواعد ينطبق أكثر على محاكم الاستئناف منه على محاكم الموضوع؛ وينطبق معظمها على الأنظمة القضائية الفدرالية وأنظمة الولايات القضائية.
يجب أن يكون هناك موضوع نزاع مُحدّد
نص الدستور الأميركي على أن "السلطة القضائية يجب أن تطال جميع القضايا، في القانون والانصاف، الناشئة بموجب هذا الدستور، وقوانين الولايات المتحدة، والمعاهدات التي عقدت... تحت سلطاتها" (المادة الثالثة، القسم 2). العبارة الهامة هنا هي القضايا. منذ سنة 1789، اختارت المحاكم الفدرالية تفسير العبارة بمعناها الحرفي المطلق: يجب أن يكون هناك موضوع نزاع حقيقي بين خصوم قانونيين لبّوا جميع المعايير التقنية القانونية لرفع دعوى. يجب أن يتعلق النزاع بحماية حق ذي شأن، وغير تافه، أو يتعلق بالمنع أو رد الحق بخصوص ضرر يؤثر مباشرة على الفرقاء في الدعوى. هناك ثلاث نتائج ملازمة لهذا المبدأ العام.
النتيجة الأولى هي أن المحاكم الفدرالية لا تصدر أراءً استشارية، أي أحكاماً حول حالات افتراضية أو أوضاعا لم ينتج عنها صدام بين أخصام. يجب أن يكون النزاع واقعياً وجارياً قبل أن توافق المحكمة على قبول النظر فيه.
النتيجة المترافقة الثانية هي أنه يجب أن يكون للأطراف في الدعوى موقف صحيح او ملائم. هذه الفكرة تتعلق بمسألة من يحق له أن يرفع دعوى إلى المحكمة. على الشخص الذي يرفع الدعوى أن يكون قد عانى (أو هو على وشك المعاناة) من ضرر مباشر وذي شأن. هناك قاعدة عامة تقول إن المدعي لا يمكنه التقدم بادّعاء بالنيابة عن آخرين (باستثناء ذوي الأولاد القاصرين، أو، في بعض أنواع الدعاوى الخاصة المدعوة دعاوى جماعية أي دعاوى يقيمها أشخاص باسم آخرين). علاوة على ذلك، يجب أن تكون الإساءة المزعومة شخصية وفورية – وليست جزءاً من شكوى مُعمّمة.
النتيجة الثالثة هي أن المحاكم لن تنظر عادة في قضية أصبحت جدلية، او لا تستند الى واقع، أي عندما تتغير الوقائع الأساسية أو أوضاع الفرقاء بصورة مهمة بمكان خلال الفترة ما بين رفع الدعوى لأول مرة وتاريخ تقديمها للقاضي (القضاة). فموت أحد المدعين أو كون الخصوم لم يعودوا أطرافاً متنازعة، يجعل من القضية قضية جدلية في معظم المحاكم. غير أن بإمكان القضاة، أحياناً، تقرير أن من الضروري الاستماع إلى قضية ما حتى ولو بدا أن وضع الوقائع والأطراف قد تبدل بصورة راديكالية. تشمل الأمثلة على ذلك، قضايا تحدّى فيها شخص قرارا رفضت فيه ولاية السماح بإجهاض ما، أو رفضت السماح بإغلاق نظام الدعم لحياة إنسان يشارف على الموت (في مثل هذه القضايا، وإلى حين وصول الدعوى إلى محكمة الاستئناف، تكون المرأة قد وضعت طفلاً أو يكون الشخص الهاجع قد توفي). في تلك القضايا، اعتقد القضاة أن المسائل كانت ذات شأن لدرجة أنها بحاجة لمعالجة المحكمة. القول ان مثل هذه القضايا جدلية يمنع، عملياً، أي نظر فيها في الوقت المناسب، من جانب هيئة استئنافية.
صحيح أن القضاة الفدراليين لا يصدرون أحكاماً بالمُجرّد، أي حول مسائل افتراضية، لكنه يسمح للعديد من محاكم الولايات بأن تفعل ذلك بشكل أو بآخر. كما بوسع المحاكم التشريعية الفدرالية إعطاء آراء استشارية ايضاً. وللقضاة الأميركيين أيضاً سلطة إصدار أحكام إيضاحية تحدّد حقوق مختلف الأطراف بموجب قانون ما، أو وصية، أو عقد. لا تستتبع هذه الأحكام أي نوع من التعويض القسري (عن الاساءة). أعطيت المحاكم الفدرالية سلطة العمل بهذه الصفة في قانون الأحكام القضائية الإيضاحية الفدرالي لسنة 1934، كما أن حوالي ثلاثة أرباع الولايات تمنح محاكمها هذه السلطة. ومع أن هناك فارقا بين نزاع مُجرّد يجب أن تتجنبّه المحاكم الفدرالية، وبين الوضع الذي يكون فيه الحكم التفسيري مناسباً، فإن الخط الفاصل بين الاثنين، في العالم الحقيقي، خط يصعب أحياناً كثيرة على رجال القانون رسمه.
يجب أن يكون الإلتماس لغرض مُعيّن
القيد الآخر على القضاء الفدرالي هو أن القضاة لن ينظروا في القضايا على أساس الجدارة إلا إذا كان المتقدم بالطلب قادراً، في أول الأمر، على ذكر جزء مُعيّن من الدستور كأساس لإلتماسه. مثلاً، يحظر التعديل الأول على الحكومة صنع قانون "يتعلق بتأسيس ديانة". سنة 1989، أنشأت ولاية نيويورك مدرسة مقاطعة خاصة لصالح الحسيديين الساتمار، فقط، وهي مجموعة من اليهود الحسيديين من ذوي الجذور الأوروبية الشرقية الذين يقاومون بشدة الإندماج في المجتمع الحديث. كان معظم الأطفال يلتحقون بالمدارس الأبرشية في قرية كيرياس جوئيل، لكن هذه المدارس الخاصة لم تكن قادرة على إيواء الطلاب المعاقين والمصابين بعجز، وكان الساتمار يدّعون أن هؤلاء الطلاب داخل مجتمعهم سوف يصابون بأذى إذا هم أجبروا على الالتحاق بمدرسة عامة. رداً على هذا الوضع، أنشأت الهيئة التشريعية في الولاية مقاطعة خاصة تشمل مدرسة واحدة، وتخدم فقط الأطفال المعاقين من الطائفة اليهودية الحسيدية. اعترضت على هذه الترتيبات جمعية تمثل مجالس مدارس نيويورك. في حزيران/يونيو، 1994، حكمت المحكمة العليا الأميركية أن إنشاء مقاطعة لمدرسة واحدة يؤدي فعلياً الى تفويض للسلطة السياسية إلى المجموعة اليهودية الأرثوذكسية، وأنه بالتالي ينتهك الحظر الذي وضعه التعديل الأول على "تأسيس الديانات"، من جانب الحكومة. وسواء كان كل واحد يوافق أم لا يوافق على أن قانون نيويورك كان دستورياً، فإن قليلين جداً هم الذين شككّوا في أن تكون جمعية مجالس المدارس قد لبت بالفعل المعايير المحددة لتأمين المراجعة القضائية: يحظر الدستور بالتحديد على الحكومة تفويض السلطات السياسية إلى كيان ديني مُعيّن. هنا اعترفت الحكومة طواعية أنها أصدرت قانوناً لصالح طائفة دينية غريبة وحدها.
لكن، لو ذهب شخص ما إلى المحكمة وادعى أن قانوناً مُعيناً أو عملاً رسمياً "انتهك روح قانون الحقوق"، أو "أساء إلى القيم التي وضعها المؤسسون"، فإن القاضي كان سيرفض بكل تأكيد الإجراءات. ذلك أنه إذا كانت للقضاة حرية إعطاء معنى ملموس وجوهري لعموميات غامضة كتلك، فلن يكون هناك الكثير من القيود على ما قد يفعلون. لا يكون هذا المبدأ، في العالم الواقعي، بهذه البساطة والوضوح كما يبدو، لأن الدستور يحتوي على العديد من البنود القابلة لتشكيلة واسعة من التفسيرات، موفرة بذلك للقضاة الفدراليين هامشاً كافياً للمناورة ولصنع السياسة.
لا يحق للمستفيدين إقامة دعوى
الناحية الثالثة لضبط النفس القضائي هو أن المستدعي الذي استفاد من قانون ما أو من عمل رسمي لا يمكنه بالتالي معارضة هذا القانون. مثلاً، لنتصور أن مزارعاً كان لمدة طويلة عضواً في برنامج وافق بموجبه على وقف الإنتاج في جزء من أرضه، وكان يتلقى بصورة دورية مساعدة بسبب ذلك من الحكومة. بعد انقضاء سنوات على كونه مشاركاً، يعلم المزارع أن جاراً له يتلقى مدفوعات بصورة منتظمة بسبب تركه كامل مزرعته دون زراعة. فكرة كون الجار يحصل على شيء مقابل لا شيء يسيء إلى المزارع، فيطرح بالتالي مسألة دستورية البرنامج. يعارض المزارع شرعية البرنامج في محكمة المقاطعة الفدرالية المحلية. وما أن يصل إلى انتباه القاضي أن المزارع كان شخصياً عضواً في البرنامج، وأنه كسب منه مالياً، تُرفض الدعوى، ذلك أنه لا يحق لإنسان ما الاستفادة من مشروع حكومي معيّن أو عمل رسمي، ومن ثم يهاجمه في المحاكم.
محاكم الاسئناف تحكم في القضايا القانونية لا الواقعية
الاقتراح المعمول به في ممارسات محاكم الاستئناف الفدرالية ومحاكم الولايات هو أن هذه المحاكم لن تنظر عادة في القضايا إذا كانت أسباب الاستئناف هي أن قاضي المحاكمة أو هيئة المحلفين جمعوا وحددوا بطريقة خاطئة العناصر الواقعية الأساسية للقضية، ليس لأن قضاة محاكم الموضوع أو هيئات المحلفين تقوم دائماً بعمل ممتاز في تحديد الوقائع. بل، لأن هناك اعتقادا بأن القضاة وهيئات المحلفين هم أقرب إلى الأطراف الحقيقية والأدلة المادية للقضية، وهم بالتالي سوف يقومون بعمل أفضل بكثير في تقييم الوقائع مما يمكن أن تفعله هيئة استئنافية تقرأ نسخة مكتوبة عن القضية بعد انقضاء عدة أشهر أو سنوات على المحاكمة. غير أن الأمور القانونية، أي ماهية القوانين التي يترتب تطبيقها على وقائع قضية ما، أو كيفية تقييم الوقائع على ضوء القانون السائد، تكون ملائمة للمراجعة الاستئنافية.
المحكمة العليا ليست مُقيّدة (تقنياً) بالسوابق
إذا كانت المحكمة العليا حرة في إبطال أو تجاوز السوابق، والمفترض على أنها المسيطرة عندما تحكم في قضية، فإن ذلك قد يبدو كحجة مؤيدة لمبدأ النشاط القضائي – وليس كقيد. غير أن هذه الممارسة تبقى أحد مبادئ ضبط النفس. ذلك أنه لو كان لا مفر من تقيد المحكمة العليا بقرارات الأحكام السابقة، لما بقي للمحكمة العليا الكثير من المرونة. فعندما تسمح المحكمة العليا لنفسها، من حين لآخر، بحرية إبطال قرار سابق أو تجاهل سابقة كانت تبدو على أنها التي تسود، فإن المحكمة العليا تنشئ بذلك زاوية أمان تستطيع أن تلجأ إليها إذا ما دعت الحاجة. فعندما تُملي الحكمة على المحكمة أن تغيّر اتجاهها أو، على الأقل، الإبقاء على عقل منفتح وغير منحاز، يوضع مبدأ ضبط النفس هذا في الاستخدام.
يجب استنفاد العلاجات الأخرى
مبدأ آخر من مبادىء ضبط النفس كثيراً ما يحيط الخصم القلِق، لكنه ضروري لإدارة العدل بشكل منظم: فالمحاكم في الولايات المتحدة لن تقبل قضية ما ما لم تُستنفد جميع العلاجات الأخرى، القانونية والإدارية. هذه النظرية، في شكلها الأبسط، تعني أن على المرء أن يصعد السلم مع عرائضه القانونية الخاصة. يجب الاستماع إلى القضايا الفدرالية أولاً من قِبَل محاكم الموضوع الأميركية، ومن ثم مراجعتها من جانب إحدى محاكم الاستئناف، وفي نهاية المطاف الاستماع إليها من جانب المحكمة العليا الأميركية. يجب أن يحصل هذا الإجراء المنتظم للأحداث على الرغم من أهمية القضية، أو أهمية الأشخاص الذين رفعوا الدعوى. لكن، في بعض الحالات، يمكن اختصار عملية الاستئناف.
يشير استنفاد العلاجات إلى المساعدة الإدارية المحتملة كما وإلى اتباع مبدأ التراتبية القضائية لنظام الطبقات القضائية الثلاث. مثل هذه المساعدة قد تأخذ شكل استئناف لدى مسؤول إداري، أو جلسة استماع أمام مجلس أو لجنة، أو دراسة رسمية لأمر ما على يد هيئة تشريعية.
المحاكم لا تقرر "المسائل السياسية"
فروع الحكومة التنفيذية والتشريعية هي، في نظر القضاة الأميركيين، فروع سياسية من حيث أنه يتم اختيارها من قبل الشعب لغرض صنع السياسة العامة. القضاء، على العكس، لم يُضعه المؤسسون ليكون أداة تعبّر عن الإرادة الشعبية وهو، بالتالي، غير سياسي. وفقاً لهذا التفكير، إذاً، يعود أمر حل المسائل السياسية بصورة مناسبة إلى واحد من فرعي الحكومة الآخرين.
مثلاُ، عندما أعطت ولاية أوريغون مواطنيها حق التصويت في الاستفتاءات والمبادرات الشعبية على نطاق الولاية، حوالي سنة 1900، عارضت شركة تلفون وتلغراف ولايات منطقة المحيط الباسيفيكي. (خشيت الشركة أن يتجاهل المقترعون الهيئة التشريعية التي كانت ميالة أكثر إلى شركات الأعمال، وأن يمرّروا قوانين تخفّض أسعارها وأرباحها). أدعّت الشركة أن المادة الرابعة، القسم 4، من الدستور تضمن لكل ولاية "شكل حكومة جمهوريا"، وهو تعبير يفترض أنه يعني أن القوانين يجب أن يسنها فقط الممثلون المنتخبون للشعب، وليس المواطنون مباشرة. رفضت المحكمة العليا الحكم بخصوص جدارة القضية، معلنة أن المسألة قضية سياسية. قالت المحكمة إنه طالما أن المادة الرابعة نصت أولاً على واجبات الكونغرس، فإن ذلك يعني أن المؤسسين أرادوا أن يشرف الكونغرس، وليس المحاكم، على أشكال الحكم في الولايات المتعددة.
خلال العقود الأخيرة، قام نزاع سياسي هام ضد نزاع غير سياسي حول مسألة إعادة توزيع حدود المقاطعات التشريعية. قبل سنة 1962، رفضت الأكثرية في المحكمة العليا الحكم حول دستورية المقاطعات الانتخابية التشريعية ذات الأعداد السكانية غير المتساوية، قائلة إن هذه الأمور، "غير مؤهلة لنظر المحكمة"، وأن المحكمة لم تجرؤ على الدخول، في ما سماه القاضي فيليكس فرانكفورتر، "الادغال السياسية". وفقاً للتفكير التقليدي للمحكمة العليا، فإن ما أراده المؤسسون هو أن تقوم الهيئات التشريعية بإعادة توزيع المقاطعات بنفسها، وربما كان ذلك مع مشاركة من جمهور الناخبين. لكن، مع قرار المحكمة العليا في دعوى بيكر ضد كارّ (1962)، قلبت الأكثرية هذا التفكير. ومنذ ذلك الحين، نظرت المحكمة في أعداد من القضايا القائلة بأن بند الحماية المتساوية في التعديل الرابع عشر يتطلب أن يكون في الدوائر الانتخابية التشريعية حجم سكاني متساوٍ، وأكثر من ذلك، أن على المحاكم أن تسهر على تنفيذ هذا الأمر.
عبء البرهان يقع على عاتق المدعي
يوافق رجال القانون في البلاد عادة على أن الفرد الذي يريد معارضة دستورية قانون نظامي ما يتحمل عبء البرهان. وهكذا، في حال أراد شخص ما مهاجمة قانون نظامي، عليه أن يعمل أكثر من مُجرّد الدلالة على أن القانون كان "موضع نقاش أو مشكوك فيه دستورياً"؛ بل كان على المدعي إقناع المحكمة بأن الأدلة ضد القانون واضحة المعالم ودامغة (لا شك فيها).
الاستثناء الوحيد لعبء مبدأ البرهان هذا، متواجد في عالم الحقوق والحريات المدنية. بعض رجال القانون الذين هم من كبار المدافعين عن الحريات المدنية ادعوا منذ زمن طويل أنه عندما تحاول الحكومة الحد من الحريات الإنسانية الأساسية، يجب تحويل عبء البرهان إلى الحكومة. ففي العديد من الميادين المُحدّدة لفئة للحريات المدنية، تسود هذه الفلسفة الآن. مثلاً، حكمت المحكمة العليا في قضايا منوعة أن القوانين التي تعامل الناس بطرق مختلفة حسب عرقهم أو جنسهم هي قوانين عرضة "لرقابة دقيقة خاصة". هذا يعني أن عبء البرهان يتحول إلى الحكومة لكي تثبت الحاجة المُلزمة أو المسيطرة للتمييز بين الناس حسب أصولهم الإثنية أو جنسهم. مثلاً، قالت الحكومة طويلاً (وبنجاح) إن بالإمكان وضع بعض القيود الهامة على النساء في القوات المسلحة تمنع تكليفهّن القيام بواجبات القتال الكاملة.
يتم إبطال القوانين على أضيق الأسس فقط
يحدث في بعض الأحيان خلال المحاكمات أن يرى القاضي أن هيكليات الدستور أسيء إليها بواسطة قانون تشريعي أو تنفيذي. لكن، حتى في هذه الحالة، يترتب على رجل القانون العمل بحذر. أولاً، قد يكون أمام القاضي خيار إبطال عمل رسمي على أسس تسمى نظامية بدلاً من الأسس الدستورية. الإبطال النظامي يعني أن القاضي يبطل عملاً رسمياً لأن العمل الرسمي تعدّى السلطات الموكلة إليه من قِبَل القانون. مثل هذا الحكم له وظيفة حماية القانون نفسه في الوقت الذي يلغي فيه إثم المسؤول. ثانياً، قد يبطل القضاة، إذا أمكن، جزءاً فقط من القانون الذي وجدوا فيه شائبة دستورية بدلاً من إبطال القانون النظامي بكامله.
ليس هناك من أحكام تصدر بخصوص "حكمة" التشريعات
يعني هذا المبدأ، إذا اتبع بصرامة، أن الأساس الوحيد لإعلان قانون أو عمل رسمي ما غير دستوري، هو أنه ينتهك حرفياً الدستور. القوانين النظامية لا تخرق الدستور لمجرّد أنها غير منصفة، أو مُبذّرة مالياً، أو تشكل سياسة عامة سيئة. وإذا أخذ هذا المبدأ بمعناه الجوهري، فهذا يعني أن القضاة على أنواعهم ليست لهم حرية الرجوع إلى أفكارهم الشخصية الخاصة حول ما هو صالح وما هو باطل، أو حول السياسة العامة الصالحة أو السيئة، عندما ينظرون في دستورية التشريعات.
النتيجة الأخرى لهذا المبدأ هي انه يمكن سنّ قانون يعتبره الجميع جيداً وحكيماً، ولكنه مع هذا غير دستوري؛ وعلى العكس من ذلك، سن قانون نظامي يجعل من إجراء عمل رسمي معني قانونياً، بينما يعرف الجميع أنه سيء وخطير، ولكنه مع هذا لا يخرق الدستور.
مبدأ عدم إصدار أحكام حول "حكمة" قانون ما يصعب اتباعه في العالم الواقعي. السبب أن الدستور، الذي هو وثيقة قصيرة نوعاً ما، صامت حول العديد من ميادين الحياة العامة ويحتوي على عدد من الجمل والتحذيرات القابلة لتفسيرات منوعة. على سبيل المثال، يقول الدستور إنه يحق للكونغرس تنظيم التجارة ما بين الولايات. لكن ما هي التجارة بالضبط وإلى أي حد يمكن لها ان تتمدد قبل أن تصبح لها صفة "ما بين الولايات"؟ والقضاة، كمخلوقات بشرية، اختلفوا حول الطريقة التي أجابوا فيها عن هذا السؤال. ومثلاً يضمن الدستور للمتهم بجرم حق الاستعانة بمحامي دفاع. لكن، هل يستمر هذا الحق عندما يستأنف الفرد حكماً بجناية، وفي هذه الحال، أي عدد من الاستئنافات يحق له بها؟ أجاب كل من اصحاب "المبدأ الِبنائي" الصارمين والمتساهلين بطريقة مختلفة عن تلك الأسئلة.
إجمالياً، وعلى الرغم من تدخل قيم القضاة الشخصية في تفسيرهم لأجزاء عديدة من الدستور، يتقيد كل رجل قانون عملياً بالمبدأ العام القائل أنه لا يمكن إبطال القوانين إلاّ إذا خالفت الدستور، وليس طبقاً للتفضيلات الشخصية للقضاة.