الحكومة الأميركية | توازن ثابت بين المؤسسات

01 ايلول/سبتمبر 2008

تاريخ وتنظيم النظام القضائي الفدرالي

 

بداية النص

إحدى أهم سمات النظام القضائي في الولايات المتحدة، وأكثرها إثارة للاهتمام، وربما الأكثر مدعاة للبلبلة، تتمثّل في نظام المحاكم المزدوج؛ ما يعني أن كل مستوى من مستويات الحكم (إما على مستوى الولايات أو على المستوى القومي) يملك مجموعة خاصة به من المحاكم. وهكذا، هناك نظام محاكم منفصل لكل ولاية، ونظام آخر لمقاطعة كولومبيا (واشنطن العاصمة)، وواحد للحكومة الفدرالية. بعض المشاكل القانونية يتم حلها بالكامل في محاكم الولايات في حين أن مشاكل أخرى يتم التعامل معها بالكامل في المحاكم الفدرالية. بل هناك مشاكل غيرها قد تستدعي اهتمام كلا المجموعتين من المحاكم، الأمر الذي يُسبب الاحتكاك بينهما في بعض الأحيان. يبحث هذا الفصل في المحاكم الفدرالية ويجري البحث في  محاكم الولايات في الفصل الثاني.

السياق التاريخي

قبل تبني الدستور، كانت تحكم الولايات المتحدة مواد الاتحاد الكونفدرالي. كانت جميع وظائف الحكومة القومية تقريباً، بموجب مواد النظام المذكور، مخولة إلى مجلس واحد تشريعي يُدعى الكونغرس. ولم يكن هناك فصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية.

كان غياب السلطات القضائية القومية يُعتبر نقطة ضعف كبرى في نظام الاتحاد. نتيجة لذلك، اجتمع المندوبون في مؤتمر دستوري في فيلادلفيا سنة 1787 وأعربوا عن موافقتهم الواسعة على ضرورة إقامة نظام قضائي قومي. غير أنه برز قدر هام من الخلاف حول الشكل المُعيّن الذي يجب أن يكون عليه الفرع القضائي.

المؤتمر الدستوري والمادة الثالثة

أول اقتراح قُدّم إلى المؤتمر الدستوري كان خطة ولاية فرجينيا، التي كانت ستُنشئ سوية محكمة عليا ومحاكم فدرالية أدنى. ردّ المعارضون لخطة فرجينيا بتقديم خطة جيرسي التي دعت إلى إنشاء محكمة عليا فدرالية منفردة. كان ما أقلق مؤيدي خطة نيوجيرسي، على وجه التخصيص، فكرة إنشاء محاكم فدرالية أدنى. جادلوا بأن محاكم الولايات يمكنها النظر في جميع القضايا في البداية، وأن حق الاستئناف لدى المحكمة العليا سوف يكون كافياً لحماية الحقوق القومية، وسوف يؤمن قرارات موحدّة عبر البلاد.

تم حسم الخلاف بين المدافعين عن حقوق الولايات وبين القوميين، عن طريق إحدى التسويات العديدة التي ميّزت المؤتمر الدستوري. التسوية موجودة في المادة الثالثة من الدستور التي تبدأ هكذا، "تخوّل السلطة القضائية في الولايات المتحدة إلى محكمة عليا واحدة، وإلى المحاكم الدنيا الأخرى التي قد يقررها الكونغرس وينشئها من وقت لآخر."

قانون القضاء لسنة 1789

بعد المصادقة على الدستور، تَبعهُ العمل على النظام القضائي الفدرالي بسرعة. فعندما اجتمع الكونغرس الجديد سنة 1789، كان هاجسه الأول والأهم تنظيم القضاء.

شارك في مناقشة مشروع قانون مجلس الشيوخ رقم 1 العديد من نفس الذي شاركوا وتجادلوا في مناقشات المؤتمر الدستوري حول القضاء. كان السؤال، مرة أخرى، ما إذا كان يجب إنشاء المحاكم الفدرالية الدنيا، أو ما إذا كان يجب النظر في الشكاوى الفدرالية بداية في محاكم الولايات. محاولات حل هذا الجدل قسّمت الكونغرس إلى مجموعتين منفصلتين.

أعرب أحد الفريقين، الذي كان يعتقد أن القانون الفدرالي يجب أن يطبق في محاكم الولايات أولاً، وفي المحكمة الأميركية العليا فقط في الاستئناف، عن مخاوفه من أن تقضي الحكومة الجديدة على حقوق الولايات. أما الفريق الثاني من المشترعين، الذي كان يرتاب من التحيز المحلي الذي سوف يسود محاكم الولايات، فكان يخشى من عدم إنصاف المتقاضين من الولايات الأخرى ومن البلدان الخارجية. كان الفريق الأخير هذا يُحبّذ، بطبيعة الحال، النظام القضائي الذي يشتمل على محاكم فدرالية دنيا. أما القانون الذي نشأ عن هذا الجدال، فكان القانون القضائي لسنة 1789 الذي أقام نظاماً قضائياً مكوّناً من محكمة عليا مؤلفة من رئيس محكمة وخمسة قضاة مشاركين؛ وثلاثة محاكم دوائر تتكوّن كل واحدة منها من ثلاثة قضاة من المحكمة العليا ومن قاضي مقاطعة؛ و 13 محكمة مقاطعات، يرأس كل واحدة منها قاضي مقاطعة. وعليه، تمت على الفور ممارسة سلطة إنشاء المحاكم الفدرالية الدنيا. فلم ينشئ الكونغرس مجموعة واحدة بل مجموعتين من المحاكم الأدنى.

المحكمة العليا الأميركية

كتب قاضي المحكمة العليا تشارلز إيفانز هيوز في كتابه، المحكمة العليا في الولايات المتحدة (1966)، أن هذه المحكمة "أميركية بامتياز من حيث فكرتها ووظيفتها، وهي لا تدين بكثير للمؤسسات القضائية السابقة". لأجل فهم ما الذي قصده واضعو الدستور بالنسبة للمحكمة، يجب أخذ مفهوم أميركي آخر بعين الاعتبار: الشكل الفدرالي للحكومة. لقد استشرف المؤسسون في آن واحد قيام حكومة قومية وحكومات للولايات؛ وكان على محاكم الولايات التقيد بالقوانين الفدرالية. غير أن التفسير النهائي (الفاصل) للقوانين الفدرالية لم يمكن تركه لمحاكم الولايات ولا، وحتماً، لمحاكم عدة ولايات قد تأتي أحكامها غير متوافقة. وهكذا، أصبح على المحكمة العليا أن تفسر التشريعات الفدرالية. تمثلت إحدى النوايا الأخرى للمؤسسين بأن تتمكن المحكمة العليا من الحكم مباشرة بشأن المواطنين الأفراد كما وبخصوص أي ولاية من الولايات.

نظراً إلى أهمية المحكمة العليا بالنسبة لنظام الحكم الأميركي، ربما كان لا بد من أن تثير المحكمة جدلاً كبيراً. قال تشارلز وارن، الباحث الطليعي في موضوع المحكمة العليا، في كتابة، المحكمة العليا في تاريخ الولايات المتحدة: "ما من شيء في تاريخ المحكمة مُلفت أكثر من أنه، في حين أدرك أصحاب الفكر والوطنيون وقعها الهام واللازم في شكل الحكومة الفدرالي  إلا أنه، ما من فرع حكومي، وما من مؤسسة بموجب هذا الدستور، تعرضت لهجمات متواصلة أكثر، ولا استطاعت ان تبلغ منزلتها الحالية عقب معارضة لها أكثر ضراوة."

العقد الأول للمحكمة

أرسى جورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة، تقليدين هامين عندما عيّن أول قضاة للمحكمة العليا. فكان أول من بدأ الممارسة المتبعة في تعيين قضاة المحكمة من بين الذين كان على توافق سياسي معهم. قام واشنطن، الرئيس الوحيد الذي حاز على فرصة تعيين كامل هيئة القضاة الفدراليين، بإملاء جميع المناصب القضائية الفدرالية، دون استثناء، من أعضاء أوفياء في الحزب الفدرالي. ومن ناحية ثانية، شكّل القضاة الذين عينهم واشنطن، تقريباً، تمثيلاً متساوياً للمناطق الجغرافية في المحاكم الفدرالية. فالستة الأوائل الذين عيّنهم في المحكمة العليا ضموا ثلاثة شماليين وثلاثة جنوبيين.

كان تعيين رئيس المحكمة العليا أهم تعيين قام به واشنطن. كان الرئيس يعتقد أن الرجل الذي سيرأس أول محكمة عليا يجب أن يكون محامياً بارزاً، ورجل دولة، ومديرا تنفيذيا، وقائدا. عُرضت على واشنطن عدة أسماء، وتقدم شخص واحد على الأقل بطلب رسمي لشغل هذا المنصب. في نهاية المطاف، عيّن واشنطن جون جاي من نيويورك. ومع أن جاي كان في الرابعة والأربعين من عمره فقط، إلا أنه كان صاحب تجارب كمحامٍ، وقاضٍ، ودبلوماسي. علاوة على ذلك، كان الرجل الرئيسي في صياغة أول دستور لولايتة، نيويورك.

اجتمعت المحكمة العليا لأول مرة يوم الاثنين الأول من شباط/فبراير 1790 في مبنى رويال إكستشينج، وهو مبنى يقع في حي وول ستريت من مدينة نيويورك، ولم تدم دورتها الأولى أكثر من عشرة أيام. خلال تلك الفترة، انتقت المحكمة كاتباً، واختارت خاتماً، وقبلت عدة محامين لممارسة مهنتهم أمامها في المستقبل. لم تكن هناك، بالطبع، قضايا لاتخاذ قرار بشأنها؛ فلم تصدر المحكمة حكماً في قضية واحدة خلال سنواتها الثلاث الأولى. وعلى الرغم من هذه البداية المتواضعة والمختصرة، كتب تشارلز وارن، "وصفت صحف نيويورك وفيلادلفيا وقائع جلسات دورة المحكمة الأولى هذه بصورة كاملة أكثر من ذكرها لأي حدث آخر يعود للحكومة الجديدة؛ كما أن محاضرها نشرت في الصحف الرئيسية في جميع الولايات".

خلال العقد الأول من قيامها، حكمت المحكمة في حوالي 50 قضية. نظراً لضآلة أعمال المحكمة العليا خلال الأيام الأولى، يمكن تعقّب مساهمات رئيس المحكمة جاي أولاً من خلال قراراته في محاكم الدائرة ومن خلال سلوكه القضائي.

لكن، من المرجح أن تكون أهم مساهمات جاي، في إصراره على أنه لا يحق للمحكمة العليا تزويد الفرع التنفيذي بالإرشاد القانوني على شكل رأي استشاري. طلب وزير المالية ألكسندر هاملتون من جاي إصدار رأي حول دستورية قرار أصدره مجلس نواب ولاية فرجينيا، كما طلب الرئيس واشنطن من جاي نصيحة حول مسائل تتعلق بإعلان الحياد الذي أصدره. في كلا الحالتين، كان جواب جاي "لا" ثابتة، لأن المادة الثالثة من الدستور تنص على أن المحكمة تتخذ القرارات فقط في القضايا التي تخص النزاعات الفعلية.

 

أثر رئيس المحكمة مارشال

خدم جون مارشال كرئيس للمحكمة العليا من سنة 1801 لغاية 1835، وسيطر على المحكمة بالقدر الذي لم يماثله فيه أي رئيس آخر. سيطرة مارشال على المحكمة مكّنته من إدخال تغييرات كبرى على الطريقة التي كانت تعرض فيها الأراء القضائية. فقبل تثبيتهم في منصبهم، كان على القضاة كتابة آراء منفصلة (تدعى "آراء على حدة" "seriatim" باللغة اللاتينية) حول القضايا الرئيسية. خلال رئاسة مارشال، تبنّت المحكمة اسلوب إصدار رأي قضائي وحيد. كان هدف مارشال إبقاء الخلاف في الرأي عند حدّه الأدنى. كان يرى أن الخلافات تقوض سلطة المحكمة، فحاول إقناع القضاة بوجوب حل الفروقات بينهم سّراً، ومن ثم تقديم جبهة مُوحّدة امام الناس. استخدم مارشال سلطاته أيضاً لإدخال المحكمة في عملية صنع السياسة. ففي وقت مبكر من إشغاله لمنصبه كرئيس للمحكمة، مثلاً، أكدت المحكمة على سلطتها من خلال اعلانها عدم دستورية قانون أقره الكونغرس في قضية ماربوري ضد ماديسون (1803).

حدثت بداية هذه القضية خلال الانتخابات الرئاسية سنة 1800 عندما هزم توماس جفرسون جون آدامز في محاولة هذا الأخير لإعادة انتخابه. قبل مغادرته منصبه في آذار/مارس 1801، أنشأ آدامز والكونغرس، التابع للحزب الفدرالي، في فترة نهاية ولايته (فترة "البطة العرجاء") العديد من المناصب القضائية الفدرالية الجديدة. وعيّن آدامز لملء تلك المناصب الجديدة، قضاة أوفياء من الحزب الفدرالي وثبتهم الكونغرس. علاوة على ذلك، عيّن آدامز وزير خارجيته المنصرف، جون مارشال، ليكون الرئيس الجديد للمحكمة العليا.

كانت وظيفة مارشال، بصفته وزيراً للخارجية، تسليم القضاة المعينين حديثاً مهماتهم. غير أن الوقت مضى وبقيت 17 مهمة دون تسليم قبل تولي جفرسون منصبه. أمر الرئيس الجديد وزير خارجيته، جيمس ماديسون، بعدم تسليم المهام المتبقية. كان أحد المرشحين المستائين وليام ماربوري. قرر ماربوري مع ثلاثة من زملائه، المثبتين كقضاة صلح لمقاطعة كولومبيا، مطالبة المحكمة العليا بإجبار ماديسون على تسليم تكليفات المهمات. اعتمدوا على القسم 13 من القانون القضائي لسنة 1789 الذي منح المحكمة العليا سلطة إصدار "أوامر الإمتثال"، وهي أوامر تأمر فيها المحكمة أحد الرسميين الحكوميين بالقيام بمهمة رسمية لا سلطة تقديرية أو اجتهادية لها.

وضعت القضية مارشال في مأزق. قال البعض إنه جرّد نفسه من الأهلية بسبب منصبه السابق كوزير للخارجية. كانت هناك أيضاً مسألة سلطة المحكمة. فإذا كان من حق مارشال أن يمنح أمر الامتثال، فإن ماديسون (تطبيقاً لأوامر جفرسون) سوف يرفض، على وجه التأكيد تقريباً، تسليم التكليفات، وسوف تصبح المحكمة العليا عندئذ عاجزة عن فرض أوامرها. غير أن مارشال رفض منح أمر الامتثال، وفاز جفرسون غيابياً.

القرار الذي صاغه مارشال ليخرج من مأزقة، شبه المستحيل ظاهرياً، شكل دليلاً على عمق عبقريته. فقد اعلن أن القسم 13 من القانون القضائي لسنة 1789 غير دستوري لأنه منح السلطة القضائية البدائية إلى المحكمة العليا خروجاً على ما هو مُحدّد في المادة الثالثة من الدستور. وهكذا نشأت سلطة المحكمة في مراجعة وتقرير دستورية القوانين التي يصدرها الكونغرس. يعتبر هذا القرار، وعن حق، أنه أحد اهم القرارات الفردية التي اتخذتها المحكمة العليا. بعد بضع سنوات، طالبت المحكمة أيضاً بحق المراجعة القضائية لأعمال المجالس التشريعية في الولايات؛ وخلال ولاية مارشال، أبطلت المحكمة العليا أكثر من اثني عشر قانوناً على أساس مخالفتها الدستور.

تغيّر القضايا التي تُركّز عليها المحكمة العليا

لغاية سنة 1865 تقريباً، سيطرت العلاقات القانونية بين الحكومة القومية وحكومات الولايات، أو قضايا الفدرالية، على جدول أعمال المحكمة. كان جون مارشال يؤمن بحكومة قومية قوية ولم يتردد في الحدّ من سياسات الولايات التي كانت تتدخل في نشاطاته. جاءت قضية غيبونز ضد أوغدن (1824) لتؤكد هذا الأمر، حيث أبطلت المحكمة الاحتكار التي كانت تمارسه الولايات على النقل في البواخر على أساس أن هذا الاحتكار يتدخل في السيطرة القومية على التجارة بين الولايات. المثال الآخر حول استخدام مارشال المحكمة لتوسيع سلطات الحكومة المركزية جاء في قضية ماك كالو ضد ماريلاند (1819) حيث اعتبر رئيس المحكمة أن الدستور سمح للكونغرس بإنشاء مصرف قومي. إن إصرار المحكمة العليا على وجود حكومة قومية قوية لم يخفّ، بدرجة تذكر، بعد وفاة مارشال. خدم روجر تاني، الذي خلف مارشال، كرئيس للمحكمة العليا من سنة 1836 لغاية 1864. ومع أن موقف المحكمة إزاء الحكومة خلال تلك الفترة لم يكن ميالاً للحكومة الفدرالية بشكل متماثل دوماً، فإن تاني لم يعكس اتجاه مارشال في عمل المحكمة.

خلال الفترة الممتدة ما بين 1865 و1937، سيطرت قضايا القوانين التنظيمية الاقتصادية على جدول أعمال المحكمة. فالتحول في التشديد من قضايا الفدرالية إلى القوانين التنظيمية الاقتصادية حصل بسبب ازدياد عدد القوانين القومية وقوانين الولايات الهادفة إلى رصد نشاطات شركات الأعمال. وفيما كانت هذه القوانين تتزايد، كان يتزايد كذلك عدد القضايا التي تتحدى دستورية تلك القوانين. في زمن مبكر من تلك الفترة، كان موقف المحكمة من القوانين التنظيمية متفاوتاً، لكن في العشرينات من القرن الماضي، أصبحت هيئة المحكمة مناوئة لسياسة الحكومة التنظيمية. كانت القوانين التنظيمية الفدرالية تُلغى، بوجه عام، على أساس أنها لا تستند إلى سلطات دستورية ممنوحة للكونغرس، بينما كانت قوانين الولايات تُبطل بشكل رئيسي لكونها انتهاكات للحقوق الاقتصادية التي يحميها التعديل الرابع عشر للدستور.

منذ سنة 1937، ركزّت المحكمة العليا اهتمامها على هواجس الحريات المدنية، وعلى وجه التخصيص، على الضمانات الدستورية لحرية التعبير وحرية الاديان. علاوة على ذلك، تناول عدد متزايد من القضايا الحقوق القانونية الإجرائية للمدعى عليهم بجرائم. وأخيراً، قامت المحكمة بالحكم في عدد كبير من القضايا المتعلقة بالمعاملة المتساوية على يد الحكومة للأقليات العرقية والمجموعات المحرومة.

المحكمة العليا كصانع للسياسة

دور المحكمة العليا كصانع للسياسة ناجم عن كونها تفسّر القانون. فقضايا السياسة العامة تُعرض على المحكمة على شكل نزاعات قانونية يجب حلّها.

يمكن العثور على مثال ممتاز عن ذلك في مجال المساواة العرقية. في أواخر الثمانينات من القرن التاسع عشر، سنّت عدة ولايات قوانين تطالب بالتفرقة بين الأميركيين الإفريقيين وبين البيض في المرافق العامة. سنة 1890، مثلاً، سنّت ولاية لويزيانا قانوناً يطالب بمقاعد منفصلة ولكن متساوية في السكك الحديدية لكل من الأميركيين الإفريقيين والبيض. وبعد عامين ظهر التحدي. اعترض هومر بليسّي الذي كان أسود بنسبة الثِمْن، على قانون لويزيانا رافضاً الانتقال من العربة البيضاء في القطار المسافر من نيو أورليانز إلى كوفنغتون بولاية لويزيانا. بعد توقيفه وتوجيه التهمة إليه بانتهاك القانون، أعلن بليسّي أن القانون كان غير دستوري. أيدّت المحكمة العليا الأميركية، في قضية بليسّي ضد فرغوسون (1896) قانون لويزيانا. وهكذا، أرست المحكمة سياسة "منفصل ولكن متساوي" التي ظلت سائدة حوالي 60 عاماً. خلال تلك الفترة، طالبت عدة ولايات بأن تجلس الأعراق، المختلفة في أماكن مختلفة في الحافلات، والقطارات، وفي صفوف الانتظار، والمسارح؛ وأن تستخدم حمامات مختلفة؛ وأن تشرب من صنابير مياه مختلفة. كان الأميركيون الإفريقيون أحياناً يُستبعدون من المطاعم والمكتبات العامة. ولعل الأهم من ذلك، أنه كان على الطلاب الأميركيين الإفريقيين أن يلتحقوا بالمدارس الأدنى مستوى.

أتى الاعتراض على فصل الاعراق في المدارس الرسمية من خلال القضية الشهيرة براون ضد مجلس التعليم (1954). ادعى ذوو تلامذة مدارس أميركيين إفريقيين أن قوانين الولايات التي تطالب او تسمح بالتفرقة تحرمهم من الحماية المتساوية للقانون بموجب التعديل الرابع عشر للدستور. قررت المحكمة العليا أن المرافق التربوية المنفصلة هي غير متساوية أصلاً، وبالتالي، فإن التفرقة تشكل إنكاراً للحماية المتساوية. ففي قرار براون، دفنت المحكمة نهائياً مبدأ "منفصل لكن متساوي"، وأرست سياسة الاندماج العنصري في المدارس الرسمية.

كانت المحكمة تصدر أحكاماً خلال سنة واحدة عادية، ترافقها آراء قضائية موقعة، تعود لما بين 80 و90 قضية. وكانت هناك ألوف القضايا الأخرى التي كانت تبت بأمرها بأقل من معالجة كاملة. وهكذا، كانت المحكمة تحكم بالتفصيل في مجموعة مختارة جداً من القضايا السياسية، والتي تبدّلت خلال تاريخ المحكمة. في الأنظمة الديمقراطية، من المفترض أن يُترك أمر القضايا السياسية العريضة إلى ممثلي الشعب المنتخبين، وليس إلى مُعينين قضائيين لمدى الحياة. وهكذا، ومن حيث المبدأ، ليس من المفترض أن يُحدد القضاة السياسة. لكن، في الواقع، لم يكن بوسع القضاة سوى صوغ السياسة إلى حدّ ما.

غير أن المحكمة العليا تختلف عن كل من صنّاع السياسة التنفيذيين والتشريعيين. المهم بنوع خاص هنا، أنه ليس لدى المحكمة أي أداة للمبادرة. فعلى القضاة انتظار أن يؤتى إليهم بالقضايا؛ إذ لا تحصل صياغة قضائية للسياسة إذا لم تكن هناك دعاوى. لا توضع على رئيس الجمهورية وأعضاء الكونغرس قيود كهذه. أكثر من ذلك، أن المحكمة العليا مُقيدة إلى حدّ ما بأعمال صانعي السياسة الآخرين، مثل قضاة المحاكم الدنيا، والكونغرس، والرئيس. فالمحكمة العليا يتوقف عملها على الآخرين في تطبيق أو تنفيذ قراراتها.

المحكمة العليا بصفتها الحكَم الأخير

للمحكمة العليا سلطات قضائية بدائية واستئنافية. السلطات القضائية البدائية تعني أن للمحكمة حق الاستماع إلى قضية ما لأول مرة. وتعنى هيئة الاستئناف القضائية أن للمحكمة الأعلى سلطة مراجعة القضايا التي صدر بشأنها قرار من محاكم أدنى. المحكمة العليا، بوجه عام، محكمة استئناف طالما أن معظم وقتها مُكرّس لمراجعة قرارات المحاكم الدنيا. لكنها أعلى محكمة استئناف في البلاد، ولها، بهذه الصفة، الكلمة الأخيرة في تفسير الدستور، وقوانين الهيئات التشريعية، والمعاهدات؛ إلاّ في حال تم تغيير قرار المحكمة بتعديل دستوري أو، في بعض الحالات، بقانون من الكونغرس.

منذ سنة 1925، كانت هناك اداة تعرف بالأمر القضائي من محكمة عليا لمحكمة دنيا (writ of certiorari)، وهي تخوّل المحكمة ممارسة حق انتقاء أية قضايا يجب مراجعتها. فبإمكان أي فرد، بموجب هذه الطريقة، مطالبة المحكمة العليا بمراجعة قرار محكمة دنيا؛ لكن عندها، يقرر القضاة ما إذا كان عليهم قبول الطلب. وفي حال قبول الطلب، توجّه المحكمة أمر قضائي بنقل الدعوى (writ of certiorari) من المحكمة الدنيا وإرسال سجل القضية الكامل إلى المحكمة العليا. في حال رفضت المحكمة العليا طلب مراجعة القضية المعنية يبقى قرار المحكمة الدنيا ساريا.

في عمل المحكمة العليا

تمتد الدورة الرسمية للمحكمة العليا من أول يوم إثنين من شهر تشرين الأول/أكتوبر لحين إنتهاء الدورة، التي تكون في العادة  في أواخر حزيران/يونيو أو تموز/يوليو. منذ سنة 1935، أصبح للمحكمة العليا مبناها الخاص في واشنطن العاصمة. تظهر على  المبنى المهيب، المؤلف من خمسة طوابق من الرخام، كلمات "عدالة متساوية تحت القانون" منقوشة فوق المدخل. يقع المبنى عبر شارع مبنى الكابيتول الأميركي. تُعقد الدورات الرسمية للمحكمة في قاعة عريضة تتسّع لثلاثمئة شخص جلوساً. تقوم في واجهة قاعة المحكمة، المنصة (أو القوس) حيث يجلس القضاة. عندما تكون المحكمة في دورتها، يدخل الرئيس يتبعه ثمانية قضاة معاونين حسب ترتيب الأقدمية عبر الستائر الارجوانية المعلقة خلف المنصة ويأخذون مقاعدهم. المقاعد مرتبة وفقاً للأقدمية، الرئيس في الوسط، والقاضي المعاون الأقدم إلى يمين الرئيس، والقاضي المعاون الثاني في الأقدمية إلى يساره، ويتتابع هذا الترتيب بالتناوب للمقاعد حسب ترتيب الأقدمية. على مقربة من قاعة المحكمة تقع قاعة المداولات حيث يتشاور القضاة بشأن القرارات حول القضايا؛ وكذلك هناك الغرف التي تضم مكاتب القضاة والعاملين لديهم.

دورة المحكمة مقسمة إلى جلسات تدوم كل واحدة منها حوالي أسبوعين تجتمع خلالها هيئة المحكمة في دورة مفتوحة كما تعقد اجتماعات داخلية، وتتخللها استراحات، يعمل القضاة خلالها وراء أبواب مُغلقة لدراسة القضايا وكتابة الآراء. القضايا الثمانون أو التسعون التي تلقى معالجة المحكمة الكاملة في كل دورة تتبع نمطاً تكرارياً بوجه عام.

الحجج الشفوية.  يبرمج تقديم الحجج الشفوية عادة من الاثنين إلى الأربعاء خلال الجلسات. تستمر الدورات من العاشرة صباحاً لغاية الظهر، ومن الواحدة لغاية الثالثة بعد الظهر. وبما أن هذا الإجراء لا يشكل محاكمة أو الاستماع المبدئي إلى قضية، لا تكون هناك هيئة محلفين ولا يتم استدعاء الشهود. بدلاً من ذلك، يقدم المحاميان المتقابلان حججهما إلى القضاة. درجت العادة على إعطاء كل جهة 30 دقيقة، علماً أن المحكمة تقرر إن كان ثمة حاجة إلى وقت إضافي. تتمكّن المحكمة من الاستماع إلى أربع قضايا في اليوم الواحد. المحامون الذين يقدمون الحجج الشفوية كثيراً ما يُقاطعون بأسئلة من القضاة. تُعتبر الحجج الشفوية بالغة الأهمية من قِبَل المحامين والقضاة على حد سواء، لأنها المرحلة الوحيدة في المحاكمة التي يسمح فيها بمثل هذه المبادلات الشخصية.

اجتماعات المداولة. في أيام الجمعة السابقة للجلسات الرسمية التي تدوم أسبوعين، تعقد المحكمة اجتماعات لتبادل الآراء والبحث والتشاور؛ أما خلال الجلسات، فتعقد المحكمة اجتماعات أيام الأربعاء بعد الظهر وطيلة يوم الجمعة. خلال اجتماعات يوم الأربعاء، يناقش القضاة القضايا التي تم الترافع بشأنها يوم الاثنين، ويناقشون يوم الجمعة القضايا التي تم الترافع بشأنها يومي الثلاثاء والأربعاء، مضافاً اليها أية أمور أخرى تحتاج إلى معالجة. أهم هذه الأمور تخص طلبات تحويل الدعاوى للمراجعة.

قبل اجتماع يوم الجمعة، يُعطى كل قاض قائمة بالقضايا التي ستناقش. يبدأ الاجتماع حوالي الساعة التاسعة والنصف أو العاشرة صباحاً ويستمر لغاية الخامسة والنصف أو السادسة مساء. عندما يدخل القضاة قاعة الاجتماع، يصافحون بعضهم البعض ويأخذون أماكنهم حول الطاولة المستطيلة. يجري الاجتماع وراء أبواب مغلقة، وليس هناك سجل رسمي لمناقشاتهم. يرأس رئيس المحكمة الاجتماع ويعطي رأياً أولاً في كل قضية. يتبعه القضاة الآخرون حسب الترتيب التنازلي للأقدمية. النصاب المطلوب لاتخاذ قرار في كل قضية هو ستة أعضاء؛ ونادراً ما يصعب تأمين النصاب. يجري الحكم بشأن القضايا أحياناً بأقل من تسعة قضاة بسبب شغور المنصب، أو المرض، أو عدم المشاركة الناتجة عن تضارب محتمل للمصالح. يتم اتخاذ قرارات المحكمة العليا بتصويت الأكثرية. في حال تعادلت الأصوات، يبقى قرار المحكمة الدنيا صالحاً.

كتابة الرأي.  بعد التوصل إلى قرار مؤقت خلال الاجتماع، تكون الخطوة التالية تكليف قاضٍ فردي بكتابة الرأي. إذا صوت رئيس المحكمة، مع الأكثرية، يكتب الرأي أو يعهد بكتابته إلى قاض آخر صوّت مع الأكثرية. عندما يصوّت رئيس المحكمة مع الأقلية، يُكلف بكتابة الرأي القاضي الأقدم من بين الأكثرية.

بعد الاجتماع، يبدأ القاضي الذي سيكتب القرار عمله على مسودة أولية. يمكن أن يعمل القضاة الآخرون على القضية عن طريق كتابة آراء بديلة. تُمرر الآراء المكتملة إلى القضاة في كل من مجموعتي الأكثرية والأقلية. يسعى الكاتب إلى إقناع قضاة الأقلية أصلاً إلى تعديل تصويتهم، كما وإلى الحفاظ على مجموعة أكثريته كما هي. تحصل عملية مساومة، وقد يتم تغيير بعض التعابير الواردة في الرأي بغية إرضاء القضاة الآخرين أو تأمين تأييدهم. الانقسام العميق داخل المحكمة يجعل من الصعب التوصل إلى رأي واضح ومتجانس، بل قد ينتج عنه تحوّل في الأصوات، أو حتى في أن يصبح رأي قاض آخر هو حكم المحكمة الرسمي.

في معظم القضايا، ينال رأي فردي تأييد الأكثرية، وإن كانت بعض الأحكام القليلة تصدر بالإجماع. الذين لا يوافقون على رأي المحكمة يطلق عليهم لقب مخالفون. لا حاجة للمخالف لإرفاق رفضه برأي؛ لكن، خلال السنوات الأخيرة، كان الأمر عادة كذلك. فعندما كان يخرج أكثر من قاض عن رأي المحكمة، كان بوسع كل واحد منهم أن يكتب رأياً أو بوسعهم أن ينضموا جميعهم إلى رأي واحد منفرد.

في بعض الحالات، كان قاض ما يوافق على قرار المحكمة لكنه يختلف من حيث سبب توصله إلى هذا الاستنتاج. بإمكان هذا القاضي كتابة ما يُسمى برأي متداخل. الرأي الذي يحمل صفة "المتداخل والمخالف" يوافق على جزء من حكم المحكمة لكنه لا يوافق على أجزاء أخرى. أخيراً، تصدر المحكمة بين فينة وأخرى رأياً بكامل هيأتها (per curiam opinion)، وهو رأي غير مُوقّع يكون عادة مختصراً. مثل هذه الأراء تستخدم أحياناً كثيرة عندما تقبل المحكمة قضية للمراجعة لكنها لا تعالجها بالكامل. مثلاً، قد تحكم في القضية دون الاستماع الى الحجج الشفوية وتُصدر حكماً، بكامل هيأتها، لشرح سبب البت بأمر القضية.

محاكم الاستئناف الأميركية

تحظى محاكم الاستئناف بتغطية أقل من المحكمة العليا من جانب الوسائل الإعلامية، لكنها تبقى بالغة الأهمية في النظام القضائي الأميركي. فإذا اعتبرنا أن المحكمة العليا تعلن قراراتها، مع آراء كاملة، في 80 أو 90 قضية فقط في السنة، فإنه من الواضح أن محاكم الاستئناف هي المرجع الأخير بالنسبة لمعظم طلبات الاستئناف في نظام المحاكم الفدرالي.

محاكم الدائرة (محاكم الدوائر):  1789 – 1891

أنشأ القانون القضائي لسنة 1789 ثلاث محاكم دورية (محاكم استئناف)، تتكون كل واحدة منها من قاضيين من المحكمة العليا ومن قاضي مقاطعة. كان على المحكمة الدورية أن تعقد دورتين في السنة في كل مقاطعة ضمن الدائرة. أصبح قاضي المقاطعة المسؤول الأول عن تحديد عبء القضايا أمام المحكمة الدورية. بعد ذلك، كان يأتي قاضيا المحكمة العليا إلى المنطقة المحلية ويشاركان في القضايا. كانت تلك الممارسة تميل إلى جعل المحاكم المحلية تُركز محلياً بدلاً من التركيز القومي.

كان يعتبر نظام محاكم الدائرة منذ البداية أنه غير مُرضٍ،  خاصة من جانب قضاة المحكمة العليا الذين كانوا يعترضون على الاسفار المفروضة عليهم. طالب وزير العدل إدموند راندولف والرئيس واشنطن بإلحاح بإراحة قضاة المحكمة العليا. أدخل الكونغرس تعديلاً بسيطاً سنة 1793 عن طريق تغيير تنظيم محاكم الدائرة لكي تشمل قاضيا واحدا من المحكمة العليا وقاضي مقاطعة واحدا. وفي الأيام الختامية لإدارة الرئيس جون آدامز، سنة 1801، ألغى الكونغرس مشاركة قضاة المحكمة العليا في محاكم الدائرة، وسمح بتعيين 16 قاضيا جديدا للمحاكم الدورية، ووسع إلى حد كبير السلطات القضائية للمحاكم الدنيا.

عارضت إدارة توماس جفرسون الجديدة بقوة هذا العمل وألغاه الكونغرس. أعاد قانون محاكم الدائرة لسنة 1802 زيارات قضاة المحكمة العليا للمحاكم الدورية، وزاد عدد الدوائر. غير أن التشريع سمح بأن يرأس المحكمة الدورية قاضي مقاطعة واحد. قد يبدو هذا التغيير بسيطاً لكن ثبت أنه كان ذا أهمية كبرى. بدأ قضاة المقاطعة اكثر فأكثر القيام بمسؤولية قضاة المقاطعة ومحاكم الدائرة. وعملياً، أصبحت السلطات القضائية البدائية والاستئنافية في أيدي قضاة المقاطعات.

لم تأت الخطوة التالية في تطور محاكم الاستئناف إلا في عام 1869 عندما وافق الكونغرس على الإجراء الذي يسمح بتعيين تسعة قضاة مقاطعات جدد وبخفض زيارات قضاة المحكمة العليا للمحاكم الدورية إلى فترة واحدة كل سنتين. ومع هذا، ظلت المحكمة العليا غارقة بالقضايا حيث لم تكن هناك قيود على حق الاستئناف لدى المحكمة العليا.

محاكم الاستئناف: من 1891 إلى الوقت الحاضر

في 3 آذار/مارس 1891، تم التوقيع على تشريع إيفارتس ليصبح قانوناً، فأنشئت بموجبه محاكم جديدة عُرفت بمحاكم الاستئناف الدورية. كان على هذه المحاكم الجديدة أن تستمع إلى معظم الاستئنافات الواردة من محاكم المقاطعات. أما محاكم الدائرة القديمة التي وجدت منذ 1789، فقد بقيت. كانت محاكم الاستئناف الدورية الجديدة مؤلفة من قاضٍ دوري واحد، ومن قاضٍ محكمة استئناف دورية واحد، ومن قاضي مقاطعة واحد، ومن قاضٍ من المحكمة العليا. كان قاضيان يشكلان النصاب في هذه المحاكم الجديدة.

بعد مرور قانون إيفارتس، أصبح لدى القضاء الفدرالي محكمتان للدعاوى: محاكم المقاطعات ومحاكم الدائرة. وأصبح لديه أيضاً محكمتا استئناف: محاكم الاستئناف الدورية والمحكمة العليا. كان على معظم أحكام الدعاوى الانتقال إلى محكمة الاستئناف الدورية، علماً أن القانون سمح بالمراجعة المباشرة، في بعض الحالات، على يد المحكمة العليا. بالمختصر، أدى إنشاء محاكم الاستئناف الدورية إلى إراحة المحكمة العليا من العديد من القضايا الصغيرة. كان لا يزال بالإمكان تقديم الاستئناف، لكن بات الآن لدى المحكمة العليا سلطة رقابة أكثر بكثير على عبء القضايا امامها. وهكذا تم تحويل القسم الأكبر من هذا العبء إلى المستويين الأدنيين في القضاء الفدرالي.

جاءت الخطوة التالية في تطور محاكم الاستئناف سنة 1911. في تلك السنة، سنّ الكونغرس تشريعاً يلغي محاكم الدائرة القديمة التي لم تكن لها سلطات استئناف، والتي كررّت مراراً وتكراراً وظائف محاكم المقاطعات.

اليوم، تعرف محاكم الاستئناف الوسيطة رسمياً بمحاكم الاستئناف، لكنه لا يزال يشار إليها في اللغة العامية بمحاكم الدائرة. هناك الآن 12 محكمة استئناف إقليمية يعمل فيها 179 قاضي استئناف مفوّضا. محاكم الاستئناف مسؤولة عن مراجعة القضايا المستأنفة من محاكم المقاطعات الفدرالية (وفي بعض الحالات، من الوكالات الإدارية) داخل حدود الدائرة. ظهرت إلى الوجود محكمة استئناف مُتخصصة سنة 1982 عندما أقام الكونغرس الدائرة الفدرالية، وهي دائرة قضائية أكثر منها جغرافية.

وظيفة المراجعة لدى محاكم الاستئناف

معظم القضايا التي تُراجعها محاكم الاستئناف تنشأ من محاكم المقاطعات الفدرالية. الأطراف المتنازعة التي تُخيبها قرارات المحاكم الدنيا قد تستأنف القضايا أمام محاكم الاستئناف حيث تقع محكمة المقاطعة الفدرالية التي أصدرت الحكم. وقد أعطيت محاكم الاستئناف أيضاً سلطة مراجعة قرارات بعض الوكالات الإدارية.

لما كانت محاكم الاستئناف لا تملك السيطرة على أي قضايا سوف تحول إليها، فإنها تعالج كلا من المسائل العادية الروتينية والقضايا البالغة الأهمية ايضاً. عند أحد أطراف هذا الطيف، هناك استئنافات تافهة أو مزاعم لا أساس لها، وليس لها أمل يُذكر بالنجاح. في الطرف الآخر من الطيف، كانت هناك القضايا التي تثير تساؤلات كبرى حول السياسة العامة وتثير خلافات حادة. مثل هذه القرارات من جانب محاكم الاستئناف تُرسي، في العادة، السياسة للمجتمع ككل، وليس فقط للأطراف المتخاصمة. فقضايا الحريات المدنية، وإعادة توزيع الدخل، والدين، والتعليم تعطي أمثلة جيدة عن أنواع النزاعات التي قد تؤثر على جميع المواطنين.

هناك غرضان للمراجعة في محاكم الاستئناف. الأول هو تصحيح الأخطاء. فالقضاة في جميع الدوائر مدعوون إلى رصد أداء محاكم المقاطعات الفدرالية والوكالات الفدرالية، وإلى الإشراف على تطبيق وتفسير القوانين القومية وقوانين الولايات. وعندما تفعل محاكم الاستئناف ذلك، فإنها لا تسعى وراء أدلة واقعية جديدة، وإنما تدرس سجل أخطاء المحكمة الدنيا. خلال مجرى عملية تصحيح الأخطاء، تحسم محاكم الاستئناف أيضاً النزاعات وتفرض القانون القومي.

الوظيفة الثانية هي فرز وتطوير عدد قليل من القضايا التي تستأهل المراجعة من قِبَل المحكمة العليا. يعالج قضاة الدوائر المسائل القانونية قبل قضاة المحكمة العليا، فيحدث أنهم يساعدون في رسم ما يعتبرونه مطالب تستأهل المراجعة. لقد وجد العلماء القانونيون أن القضايا المستأنفة تختلف أحياناً كثيرة خلال الاستماع الثاني عما هي في الأول.

محاكم الاستئناف كصانعة للسياسة

ينجم دور المحكمة العليا كصانع للسياسة عن كونها تفسر القانون، والشيء نفسه يصح بالنسبة لمحاكم الاستئناف. يأخذ نطاق دور محاكم الاستئناف في صنع السياسة أهمية مُضافة لكونها محاكم المرجع الأخير في الأكثرية العظمى للقضايا.

كمثال عن التأثير البعيد المدى لقضاة محاكم الدائرة، يستحسن النظر إلى القرار في قضية تعود الى الدائرة الخامسة. طيلة عدة سنوات، كانت كلية الحقوق في جامعة تكساس (وكذلك العديد من كليات الحقوق الأخرى في البلاد) تمنح الأفضلية لطالبي التسجيل الأميركيين الإفريقيين والأميركيين المكسيكيين بغية زيادة تسجيل طلاب الأقليات في هذه الجامعة. هذه الممارسة وجدت من يعارضها في محكمة مقاطعة فدرالية على أساس أنها تمييز ضد البيض، وضد طالبي التسجيل من الأقليات غير المُفضّلة، انتهاكاً للتعديل الرابع عشر. في 18 آذار/مارس 1996، أصدرت هيئة قضاة من "الدائرة الخامسة" في قضية هوبوود ضد تكساس حكماً يقول إن التعديل الرابع عشر لا يسمح للكلية بأن تمارس التفرقة بهذه الطريقة وأنه لا يجوز أن تستخدم كلية الحقوق عامل العرق لقبول الطلاب. رفضت المحكمة العليا الأميركية عريضة تطالب بأمر نقل الدعوى اليها في القضية، تاركة الأمر لقانون ولايات تكساس ولويزيانا ومسيسبي، وهي الولايات التي تشكل الدائرة الخامسة. يصح القول تقنياً أن الكليات في الدائرة الخامسة وحدها سوف تتأثر بالحكم، لكن مقالاً إفتتاحياً في المجلة القومية لقانون (ذي ناشنال لو جورنال) أشار إلى عكس ذلك، ملاحظاً أنه في حين "قد يقول البعض إن تأثير هوبوود محدود بثلاث ولايات في الجنوب،... فإن الحقيقة هي أن عمداء كليات الحقوق (وغيرها) عبر البلاد، يتدافعون، خوفاً من دعاوى مماثلة، للتوصل إلى عمل إيجابي بديل".

في عمل محاكم الاستئناف

ليس لدى محاكم الاستئناف الدرجة نفسها من حرية القرار، طبقاً لتقديرها، كما هي حال المحكمة العليا لتقرير ما إذا كانت ستقبل قضية ما. غير أن قضاة الدوائر طوروا أساليب لاستخدام وقتهم بصورة فعالة قدر الإمكان.

الغربلة.  خلال مرحلة الغربلة، يقرر القضاة ما إذا كانوا سيمنحون الاستئناف مراجعة كاملة أم سيتصرفون فيه بطريقة أخرى. من الممكن خفض جدول الدعاوى إلى حدّ ما عن طريق جمع المطالب المماثلة في قضية منفردة، وهي عملية ينتج عنها أيضاً قرار متماثل. عندما تنتقي محاكم الاستئناف القضايا التي سوف تفصل بها دون حجج شفوية، فإنها تعتمد لذلك بصورة متزايدة على كتبة المحاكم أو على المحامين المساعدين. موظفو هذه المحاكم يقرأون عرائض الالتماس وخلاصات الوقائع القانونية ثم يقدمون التوصيات للقضاة. نتيجة لذلك، يتم البت بالعديد من القضايا دون بلوغ مرحلة الحجج الشفوية.

هيئات الثلاثة قضاة.  القضايا التي تتم معالجتها بالكامل تنظر فيها عادة هيئة من ثلاثة قضاة بدلاًَ من جميع القضاة في الدائرة. هذا يعني أنه بالإمكان الاستماع إلى عدة قضايا في نفس الوقت من جانب هيئات مختلفة كل منها مؤلفة من ثلاثة قضاة كثيراً ما تعقد جلساتها في مدن مختلفة عبر البلاد.

إجراءات هيئة المحكمة بكامل أعضائها.  قد يصادف أن تتوصل هيئات مختلفة من ثلاثة قضاة، ضمن نفس الدائرة، إلى قرارات متضاربة في قضايا متشابهة. لحل مثل هذه النزاعات ولتعزيز الإجماع داخل الدائرة، تنص القوانين الفدرالية على إجراءات بهيئة كاملة   en banc (عبارة فرنسية قديمة تعنى المقعد الرفيع) يجلس بموجبها جميع قضاة الدائرة معاً في هيئة واحدة ويقررون بشأن قضية ما. الاستثناء لهذه القاعدة العامة يحصل في الدائرة التاسعة الواسعة اذ يصبح جمع جميع القضاة فيها صعب التحقيق. تتكون هيئة "بكامل اعضائها" عادة من 11 قاضياً. وقد يستخدم إجراءات بكامل الأعضاء أيضاً عندما تتعلق القضية بمسألة ذات أهمية استثنائية.

الحجج الشفوية.  القضايا التي تعبر مرحلة الغربلة والتي لا تحسمها الأطراف المتخاصمة تتم برمجتها لأجل تقديم الحجج الشفوية. يعطى محامو كل جانب وقتاً قصيراً (بحدود 10 دقائق) لمناقشة النقاط الواردة في خلاصاتهم القانونية وللرد على أسئلة القضاة.

القرار.  بعد الحجج الشفوية، يمكن أن يتشاور القضاة لوقت قصير، وفي حال كانوا على اتفاق، قد يعلنون قرارهم فوراً، وإلا يعلن القرار بعد أن يكون القضاة قد تشاوروا لمدة أطول. بعد المداولات، تعلن بعض القرارات مع أمر مختصر أو "برأي من المحكمة"   (per curiam). أن قسماً صغيراً من القرارات يُرفق برأي أطول موقّع، وربما بآراء مخالفة ومتداخلة. لقد شهدت السنوات الأخيرة انخفاضاً عاماً في عدد الآراء المنشورة، على الرغم من أن الدوائر تختلف في ممارساتها.

محاكم المقاطعات الأميركية

تمثل محاكم المقاطعات الأميركية نقطة الإدخال أو "الدخل"  (input) الأساسية في النظام القضائي الأميركي. صحيح أن بعض القضايا تؤخذ لاحقاً إلى محاكم الاستئناف أو حتى ربما إلى المحكمة العليا، لكن معظم القضايا الفدرالية تنتقل إلى أبعد من محاكم الموضوع الأميركية. تشكل محاكم المقاطعات، من حيث أعداد القضايا التي تعالجها، وسائل العمل الرئيسية للقضاء الفدرالي. لكن أهمية تلك المحاكم تتعدى مجرّد الفصل بعدد كبير من القضايا.

أولى محاكم المقاطعات

اتخذ الكونغرس قرار إنشاء شبكة قومية من محاكم المقاضاة الفدرالية عندما أقر القانون القضائي سنة 1789. المادة 2 من هذا القانون أنشأت 13 محكمة مقاطعة إذ جعلت من كل واحدة من الولايات الإحدى عشرة التي كان يتألف منها الاتحاد آنذاك، مقاطعة، وجعلت من أجزاء من ولايتي مساتشوستس وفرجينيا، وهي الأجزاء  التي ستصبح في ما بعد ولايتي ماين وكنتاكي، مقاطعتين مختلفتين. هذا المُخطط التنظيمي أرسى الممارسة التي لا تزال قائمة، والتي تقوم على احترام خطوط حدود الولايات عند رسم المقاطعات.

قضاة المقاطعات الأوائل

كان يترتب على كل محكمة مقاطعة فدرالية أن يرأسها قاض منفرد يقيم في المقاطعة. بعد أن أصبح ذلك معروفاً، بدأ الرئيس واشنطن يتلقى رسائل من أفراد يرغبون في تعيينهم لمختلف المراكز القضائية. وطلب الكثيرون من بينهم، من أعضاء في الكونغرس أو من نائب الرئيس جون آدامز، بالتوصية بهم لدى الرئيس واشنطن. لم تكن الطلبات الشخصية ناجحة بالضرورة، ولم تكن هذه الطريقة الوحيدة التي وصلت من خلالها الأسماء إلى انتباه الرئيس. لم يكن هارّي إينّس، مثلاً، طالب وظيفة في محاكم كنتاكي، لكنه نالها بعد أن أوصى به عضو في الكونغرس من ولايته.

مع دخول الولايات الجديدة الاتحاد، تم إنشاء محاكم مقاطعات إضافية. أعطت الإضافات إلى جانب الاستقالات، الرئيس واشنطن فرصة تقديم وظائف قضائية إلى 33 شخصاً. جميع القضاة الذين عينهم كانوا أعضاء في جمعية المحامين، وكانت لجميعهم، باستثناء سبعة قضاة، تجارب قانونية محلية أو في الولايات بصفة قضاة، أو كمدعين عامين أو وزراء عدل. استمر الرؤساء في تعيين المحامين الذين لديهم خلفية من الخدمات العامة في هيئات القضاة الفدرالية.

التنظيم الحالي لمحاكم المقاطعات

مع نمو البلاد، تم إنشاء محاكم مقاطعات جديدة. وفي نهاية المطاف، بدأ الكونغرس تقسيم بعض الولايات إلى أكثر من مقاطعة قضائية. كانت كاليفورنيا ونيويورك وتكساس بين الولايات التي حصلت على أكثر، أربع مقاطعات لكل واحدة. علاوة على الاستمرار في احترام خطوط الولايات، بدا تنظيم الدوائر الانتخابية في المقاطعات كما لو أنه لا يتبع أي مخطط منطقي. كان حجم المقاطعات وسكانها يختلف كثيراً بين مقاطعة وأخرى. مع مرور السنين، أضيفت محكمة إلى مقاطعة كولومبيا كما للعديد من الأقاليم الخارجية، محاكم مقاطعات. هناك اليوم محاكم مقاطعات أميركية تخدم 50 ولاية، ومقاطعة كولومبيا، وغوام، وبورتوريكو، وجزر فيرجين، وجزر ماريانا الشمالية.

كان لمحاكم المقاطعات الأصلية قاضٍ واحد. مع نمو السكان والدعاوى، كان على الكونغرس أن يضيف بصورة دورية قضاة إلى معظم المقاطعات. قانون المواقع والوظائف القضائية الفدرالي لسنة 1990 أنشأ 74 موقعاُ قضائياً للمقاطعات رافعاً مجموع العدد الحالي للقضاة إلى 649. لدى جميع المقاطعات اليوم أكثر من قاضٍ واحد؛ المقاطعة الجنوبية في نيويورك التي تضّم مانهاتن وبرونكس، لديها حالياً 28 قاضيا وهي بهذا الأكبر. وحيث ان كل محكمة مقاطعة فدرالية يرأسها عادة قاضٍ واحد، فهذا يسمح بإجراء عدة محاكمات في كل دورة قضائية ضمن المقاطعة في أي وقت معين.

محاكم المقاطعات كمحاكم موضوع

أقام الكونغرس محاكم المقاطعات كمحاكم موضوع (مقاضاة) في النظام القضائي الأميركي وأعطاها صلاحيات بدائية في جميع القضايا عملياً. إنها المحاكم الفدرالية الوحيدة التي يستجوب فيها المحامون الشهود ويعاودون استجوابهم. وهكذا يتم وضع سجل بالوقائع عند هذا المستوى القضائي. أما طلب الاستئناف اللاحق لقرار محكمة الموضوع فيركز على تصحيح الأخطاء بدلاً من إعادة تكوين الوقائع.

مهمة تحديد الوقائع في قضية ما تقع أحياناً كثيرة على عاتق هيئة المحلفين، وهي مجموعة من المواطنين من المجتمع تخدم كهيئة تحكيم غير متحيزة لاقرار الوقائع وتطبيق القانون على أساس الوقائع. يضمن الدستور حق المحاكمة على يد هيئة محلفين في القضايا الجنائية في التعديل السادس، ويضمن نفس الحق في القضايا المدنية في التعديل السابع. غير أنه بالإمكان التنازل عن هذا الحق، وفي هذه الحال، يصبح القاضي الحكم بالنسبة لكل من مسائل الوقائع والشؤون القانونية في آن واحد. مثل هذه المحاكمات يشار إليها بعبارة محاكمات على يد هيئة القضاة.

ثمة نوعان من هيئات المحلفين مرتبطان بمحاكم المقاطعات الفدرالية. هيئة المحلفين الكبرى، وهي مجموعة من الرجال والنساء يجتمعون لتحديد ما إذا كان هناك سبب للاعتقاد بأن شخصا ما ارتكب جرماً فدرالياً وُجّهت إليه تهمة بشأنه. يجتمع المحلفون الكبار بصورة دورية للاستماع إلى التهم التي يتقدم بها المدعي العام الأميركي. يتم اختيار المحلفين الصغار عشوائياً في المجتمع للاستماع إلى الأدلة ولتحديد ما إذا كان المدعى عليه في محاكمة مدنية مسؤولاً، أو إذا كان المدعى عليه في محاكمة جنائية مذنباً، أم لا. القواعد الفدرالية تدعو إلى وجود 12 مُحلّفاً في القضايا الجنائية لكنها تسمح بعدد أقل في القضايا المدنية. تعتمد محاكم المقاطعات الأميركية في العادة هيئة محلفين مؤلفة من ستة أشخاص في القضايا المدنية.

يُنظر إلى محاكم الموضوع على أنها تهتم، بالدرجة الأولى، بفرض المعايير بينما يُعتبر ان لدى محاكم الاستئناف فرصاً أكبر لصنع السياسة. لفرض تطبيق القواعد صلة وثيقة بتسيير شؤون العدالة، لأن جميع الدول تطور معايير تعتبرها أساسية في المجتمع العادل والمنظم. تتجسد المعايير والقواعد المجتمعية في القوانين، والتنظيمات الإدارية، والقرارات السابقة للمحاكم، وتقاليد المجتمعات الأصلية. القوانين الجنائية، مثلاً، توضع في ضمنها مفاهيم حول السلوك المقبول وغير المقبول لدى القانون. القاضي الذي يحكم في قضية تتعلق بانتهاك مزعوم لذلك القانون يمارس فرض تطبيق القواعد. ولما كان هذا النوع من القضايا نادراً ما يسمح للقاضي بالتهرب من القيود الصارمة للمتطلبات القانونية والإجرائية، فلا يكون لديه أو لديها إلاّ فرصة محدودة لصنع قانون جديد أو تطوير سياسة جديدة. في القضايا المدنية، كذلك، يجد القضاة أنفسهم ملزمين حصراً بفرض القواعد لأن مثل هذه المنازعات القضائية، تنشأ، بوجه عام، من خلافات خاصة لا تهم نتائجها سوى أطراف الدعوى.

غير أن محاكم المقاطعات تلعب أيضاً دوراً في صنع السياسة. فحيث ان الأميركيين اصبحوا اكثر ادراكاً لأهمية الإحتكام للقضاء، أصبحت الخلافات، التي كانت تُحل في السابق بصورة غير رسمية، يبت بأمرها في محاكم القانون. وتجد المحاكم نفسها منخرطة بصورة متزايدة في ميادين كانت تعتبر في الماضي ميادين خاصة. ماذا يعني هذا بالنسبة لمحاكم المقاطعات الفدرالية؟ وفقاً لإحدى الدراسات، "هذه الميادين الجديدة للانخراط القضائي تميل إلى أن تكون، نسبياً، بعيدة عن الخطوط التوجيهية الاستئنافية الواضحة والدقيقة؛ ونتيجة لذلك، تصبح الفرصة متاحة أمام رجال قانون محاكم الموضوع لتدوين (قراراتهم) على صفحة بيضاء  جديدة، أي فرصة صنع السياسة، هائلة".

المحاكم الدستورية والمحاكم التشريعية

أرسى القانون القضائي لسنة 1789 المستويات الثلاثة للنظام القضائي الفدرالي القائم اليوم. غير أن الكونغرس مارس، بصورة دورية، سلطته استناداً إلى المادة الثالثة والمادة الأولى من الدستور لإنشاء محاكم فدرالية أخرى. تُعرف المحاكم التي تأسست بموجب المادة الثالثة بالمحاكم الدستورية، وتُدعى المحاكم التي أنشئت بموجب المادة الأولى بالمحاكم التشريعية. المحكمة العليا، ومحاكم الاستئناف، ومحاكم المقاطعات الفدرالية، هي محاكم دستورية. أما المحاكم التشريعية فتشمل محكمة الاستئناف العسكرية الأميركية، ومحكمة ضرائب الولايات المتحدة، ومحكمة استئناف قدامى المحاربين.

كثيراً ما تكون للمحاكم التشريعية، خلافاً لنظيراتها الدستورية، مهمات إدارية، وشبه تشريعية، وكذلك قضائية. الفارق الآخر هو أن المحاكم التشريعية تُنشأ أحياناً كثيرة لغرض المساعدة في فرض قانون معين صادر عن الكونغرس تحديداً. أما المحاكم الدستورية، من جهة ثانية، فهي محاكم تعالج النزاعات القضائية.

أخيراً، تختلف المحاكم الدستورية والتشريعية من حيث درجات استقلاليتها عن فرعي الحكم الآخرين. فقضاة المادة الثالثة (المحاكم الدستورية) يخدمون طالما كان سلوكهم صالحاً، أو ما يعني البقاء في المنصب مدى الحياة. وبما أن قضاة المادة الأولى (المحاكم التشريعية) لا يحصلون على ضمانات حسن السلوك للبقاء في مناصبهم، بإمكان الكونغرس أن يُحدّد مدداً مُعينة لبقائهم في مناصبهم. إجمالاً، تتمتع المحاكم الدستورية بدرجة أكبر من الاستقلالية، تجاه فرعي الحكم الآخرين، مما هي الحال بالنسبة للمحاكم التشريعية.

الدعم الإداري ودعم الموظفين للقضاء الفدرالي

صحيح أن القضاة هم اللاعبون الأكثر ظهوراً في النظام القضائي، غير أن لدى النظام أيضاً عددا كبيرا من اللاعبين الداعمين ومن الموظفين. جهود هؤلاء اللاعبين ضرورية لأداء المهمات التي قد لا يمتلك القضاة المهارة والأهلية اللازمة لها، أو التي قد لا يملكون، بكل بساطة، الوقت الكافي لادائها. بعض أعضاء فريق الدعم، مثل كتبة المحاكم، قد يعملون بالتخصيص لقاض واحد. هناك آخرون، مثل قضاة صلح الولايات المتحدة، يتم تعيينهم لمحكمة مُعينة. وقد يكون غيرهم موظفين في وكالة، مثل المكتب الإداري لمحاكم الولايات المتحدة، الذي يخدم كامل النظام القضائي.

قضاة الصلح في الولايات المتحدة

في محاولة لمساعدة قضاة المقاطعات الفدراليين في التعامل مع عبء القضايا المتزايدة، أنشأ الكونغرس، سنة 1968، نظام قضاة الصلح (او قضاة التحكيم البدائي) لتلبية الاحتياجات والظروف المُعيّنة لكل محكمة مقاطعة. يقوم  قضاة محاكم المقاطعات بتعيين قضاة الصلح لمدة ثمان سنوات، علماً أنه بالإمكان عزلهم قبل انتهاء المدة "لسبب وجيه". يُحدد القضاة في كل محكمة مقاطعة، وضمن المبادئ التوجيهية التي وضعها الكونغرس، واجبات ومسؤوليات قضاة الصلح، ويسمح القانون لهم، بموافقة الأطراف المعنية، القيام بجميع الإجراءات القانونية لقضية مدنية، إن كان  فيها أو لم يكن هيئة مُحلّفين، ووضع حكم في القضية، وبإجراء محاكمة للمتهمين بِجِنحٍ (مخالفة أقل خطورة من الجناية) ارتكبوها ضمن المقاطعة، شرط الحصول على موافقة المدعى عليهم. ولما كان قرار تفويض المسؤوليات إلى قضاة الصلح لا يزال يصدر عن قاضي المقاطعة، فإن اشتراك هؤلاء القضاة في معالجة القضايا قد تكون أضيق من تلك التي يسمح بها القانون.

كتبة المحاكم

أول استخدام لكتبة المحاكم من جانب قاضٍ أميركي يعود بوجه عام إلى هوراس غراي من ولاية مساتشوستس. ففي صيف 1875، وبينما كان غراي يخدم كرئيس محكمة في المحكمة العليا بمساتشوستس، استخدم، على نفقته الخاصة، محامياً متخرجاً جديداً بدرجات دراسية عالية من كلية الحقوق بهارفرد. كان غراي لا زال يستخدم كل سنة كاتباً جديداً من هارفرد، عندما تم تعيينه في المحكمة العليا الأميركية سنة 1882، فاصطحب معه نفس  كاتب محكمة لديه إلى أعلى محكمة في الدولة.

تبنّى خلف القاضي غراي في المحكمة العليا، أوليفر وندل هولمز، ممارسة توظيف المتخرجين المتفوقين من كلية الحقوق في هارفرد سنوياً بصفة كتبة تابعين له. عندما أصبح وليام هوارد تافت، أستاذ الحقوق السابق في جامعة يايل، رئيساً للمحكمة، أمن كاتباً جديداً سنوياً من لدن عميد كلية الحقوق في يايل. انضم هارلان فيسكى ستون، العميد السابق لكلية الحقوق في جامعة كولومبيا، إلى المحكمة سنة 1925 وسار على نفس ممارسة توظيف خريج من كولومبيا كل سنة.

منذ هذه البدايات المبكرة، استمر النمو المتواصل لإستخدام كتبة المحاكم على يد جميع المحاكم الفدرالية. يعمل الآن أكثر من 2000 كاتب في خدمة القضاة الفدراليين، وهناك أكثر من 600 كاتب يخدمون قضاة الافلاس وقضاة صلح الولايات المتحدة. إضافة إلى الكتبة الذين يوظفهم القضاة الأفراد، محاكم الاستئناف وبعض محاكم المقاطعات ككتبة لخدمة كامل أعضاء  المحكمة.

تختلف واجبات كتبة المحاكم وفقاً لتفضيلات القاضي الذي يعملون لديه، وتختلف أيضاً وفقاً لنوع المحكمة. يخدم الكتبة في محاكم المقاطعات الفدرالية، أحياناً كثيرة، بالدرجة الأولى كمساعدين في الأبحاث. فهم يمضون وقتاً طويلاً في دراسة الاقتراحات المختلفة المحفوظة في ملفات القضايا المدنية والجنائية. يراجعون كل اقتراح، ويسجلون قضايا ومواقف الأطراف المعنية، ومن ثم يبحثون عن النقاط الهامة المُثارة في الاقتراحات، ويُعدّون مذكرات خطية للقضاة. ولما كان عملهم مُكرّسا للمراحل المبكرة لاجراءات الدعوى، فقد ينخرطون في مقدار هام من الاتصالات مع المحامين والشهود. وقد يكون الكتبة عند هذا المستوى مُنشغلين في الصياغة الأولى للآراء.

على المستوى الاستئنافي، ينخرط الكتبة في القضايا، أول الأمر، عند البحث عن المسائل القانونية والوقائع المقدمة في طلب الاستئناف. ليست لدى محاكم الاستئناف نفس السلطة التقديرية لقبول أو رفض القضايا كما هي الحال بالنسبة للمحكمة العليا، لكنها تستخدم بعض أدوات الغربلة من حيث التمييز بين القضايا التي يمكن التعامل معها بسرعة وتلك التي تحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد. والكتبة هم جزء لا يتجزأ من عملية الغربلة هذه.

يجري برمجة عدد من القضايا للحجج الشفوية، وقد يدعى الكاتب لمساعدة القاضي في الاستعداد لها. لا تتوفر دائماً امكانية التحليل للسجلات على يد القضاة قبيل جلسة الاستماع للحجج الشفوية. فهم نادراً ما يجدون الوقت لأكثر من فحص عام لاجزاء السجل الوثيقة الصلة بالموضوع التي يلفت الكتبة انتباههم إليها.

عندما يتم توصل محكمة الاستئناف إلى قرار، كثيراً ما يشارك الكاتب في كتابة الأمر الذي يرافق القرار. تكون مشاركة الكاتب عموماً عبارة عن صياغة رأي أولّي أو أمر قضائي وثيق الصلة بتوجيهات القاضي. وقد يُطلب أيضاً من الكاتب تحرير أو ذكر قول للاستشهاد به (إشارات إلى قانون، أو فصل سابق في قضية، أو كتاب لدراسة القانون، ضمن ملخص القانون أو حجة المحكمة) ضمن رأي يكتبه قاضٍ.

عمل الكاتب في خدمة قاض من المحكمة العليا، يوازي تقريباً عمل الكاتب في محاكم الاستئناف الأخرى. يلعب الكتبة دوراً لا غنى عنه في مساعدة القضاة في تقرير أية قضايا يستمعون إليها. على أثر اقتراح قدمه القاضي لويس ف. باول الإبن، سنة 1972، بدأت أكثرية من أعضاء المحكمة المشاركة في "تجمّع الكتبة"؛ بحيث يجمع القضاة كتبتهم، ويوزعون جميع ملفات القضايا، ويوزعون مذكرة الأمر بتحويل دعوى (certiorari) يحررها كاتب منفرد على جميع المشاركين في التجمّع. توجز المذكرة وقائع القضية، والمسائل القانونية المطروحة، ومجرى العمل الموصى به؛ أي ما إذا كانت القضية سوف تُمنح استماعاً كاملاً، أو تُرفض أو تُردّ نهائيا.

بعد تصويت القضاة إلى جانب الاستماع إلى قضية ما، يعد الكتبة، على غرار نظرائهم في محاكم الاستئناف، مذكرات لكامل هيئة المحكمة، والتي  قد يستخدمها القضاة خلال الاستماع إلى الحجج الشفوية. أخيراً، يساعد كتبة قضاة المحكمة العليا، على غرار الذين يخدمون قضاة محاكم الاستئناف، في صياغة الآراء القانونية.

المكتب الإداري لمحاكم الولايات المتحدة

يقوم بإدارة النظام القضائي الفدرالي، ككل، المكتب الإداري المحاكم الولايات المتحدة. منذ إنشائه سنة 1939، عالج المكتب كل شيء، بدءا من توزيع المؤن مروراً بالتعاون مع الوكالات الحكومية الأخرى بشأن إقامة المحاكم في المباني الفدرالية، ووصولاً الى تنظيم سجلات الموظفين القضائيين، وجمع المعطيات عن قضايا معينة لدى المحاكم الفدرالية.

يخدم المكتب الإداري أيضاً المؤتمر القضائي للولايات المتحدة، المنظمة الإدارية المركزية لصنع السياسة في النظام القضائي الفدرالي. فإضافة إلى تزويد لجان المؤتمر العديدة بالمعلومات الإحصائية، يعمل المكتب الإداري كمركز مقاصّة للمعلومات والمقترحات الموجهة إلى المؤتمر القضائي. ويعمل المكتب أيضاً كمكتب اتصال لكل من النظام القضائي الفدرالي والمؤتمر القضائي، إذ يخدم كمدافع عن القضاء في تعامله مع الكونغرس، ومع الفرع التنفيذي، ومع المجموعات المهنية، ولدى عامة الناس. أما دوره التمثيلي أمام الكونغرس فهو مهم بنوع خاص، حيث يقدم، إلى جانب القضاة المعنيّين، اقتراحات الموازنة للقضاء، ويطالب بانشاء المزيد من المواقع او المراكز القضائية، ويقترح في قواعد اجراءات المحاكم، والإجراءات الأساسية الأخرى.

المركز القضائي الفدرالي

المركز القضائي الفدرالي الذي أنشئ عام 1967، هو وكالة المحاكم الفدرالية المسؤولة عن التعليم والبحث المتواصل. تُقسم واجباته، بوجه عام إلى ثلاث فئات: اجراء أبحاث حول المحاكم الفدرالية، تقديم توصيات لتحسين إدارة المحاكم الفدرالية، وتطوير البرامج التعليمية والتدريبية لموظفي الفرع القضائي.

منذ انشاء المركز، استفاد القضاة من دوراته التوجيهية ومن البرامج التعليمية الأخرى التي وضعها هذا المركز. خلال السنوات الأخيرة، كان قضاة الصلح، وقضاة الإفلاس، والموظفون الإداريون من بين المستفيدين من البرامج التعليمية. وقد اتاح الاستخدام المكثف لشرائط الفيديو وتكنولوجيا الأقمار الصناعية من قِبَل المركز القضائي الفدرالي امكانية الوصول إلى أعداد كبيرة من الناس.

عبء القضايا في المحاكم الفدرالية

عبء قضايا المحاكم ثقيل لكل من المستويات الثلاثة للقضاء الفدرالي أي محاكم المقاطعات، ومحاكم الاستئناف، والمحكمة العليا.

في السنة المالية 2002، كان هناك أكثر قليلاً من 340,000 قضية بوشر العمل بها في محاكم المقاطعات الفدرالية. الملفات الجنائية وحدها ارتفعت بنسبة 43 بالمئة منذ سنة 1993.

سنة 1995، كان في ملفات واحدة من محاكم الدائرة الإقليمية 50,072  دعوى استئناف. هذا الرقم ازداد، سنة تلو السنة، ليبلغ 60,847 استئنافاً في عام 2003. غير أن عدد الاستئنافات التي أنجزت على يد محاكم الاستئناف ازداد أيضاً بصورة مطردة، من 49,805 استئنافاً سنة 1995 إلى 56,586 سنة 2002.

مجموع عبء قضايا المحكمة العليا كبيرة مقارنة بالمقاييس التاريخية؛ فكان هناك 8255 قضية في ملف قضايا المحكمة العليا في عام 2002. لكن لدى المحكمة العليا حرية تقرير أية قضايا تستأهل الاهتمام الكامل. نتيجة لذلك، هبط عدد القضايا التي تمت مناقشتها أمام المحكمة بصورة درامية عبر السنين. فخلال سنة 2002 فقط تم النظر في 84 قضية، وتم البت بأمر  79 قضية من خلال  71 رأيا قانونيا موقّعا.

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي