20 حزيران/يونيو 2008
الاحتفال بمرور خمسين عاماً على إنشاء شبكة الطرق العامة الأميركية
من بريدجيت هنتر، المحررة في موقع أميركا دوت غوف
بداية النص
واشنطن، 20 حزيران/يونيو، 2008- يشاهد المرء عند انتهاء العمل في كل يوم جمعة في الولايات المتحدة ملايين السيارات تنساب من المدن الأميركية متحركة على ما يبدو وكأنه أشرطة من الزفت مصممة بطريقة فنية تتلاقى فيها وتتهادى في دوائر رشيقة. وفي اليوم التالي، يوم السبت الذي يؤذن ببداية عطلة نهاية الأسبوع، ينطلق ملايين الأميركيين للتنزه على الشواطئ وفي المنتجعات الجبلية أو لزيارة الأهل في لقاءات عائلية بعيدة عن مكان سكنهم، أو لحضور مباريات رياضية تقام في كل مكان. ويقطع بعضهم للقيام بذلك مئات الكيلومترات دون أدنى تردد وكأنهم خرجوا لمجرد شراء رغيف خبز من الدكان المجاور.
أما ما يمكّن الأميركيين من الاستمتاع بطريقة الحياة المتميزة هذه، ويوفر لهم قدرة على التنقل لا تضاهيها قدرة شعب أي دولة كبيرة أخرى، فهو نظام الطرقات العامة الرابطة بين الولايات الأميركية، واسمه الرسمي نظام دوايت آيزنهاور القومي من شبكات الطرق الرابطة بين الولايات. ذلك أن نظام الطرق العامة هذه يعني أن بإمكان أي أميركي الانطلاق بسيارته على الطرق العامة والوصول إلى أي أميركي آخر خلال أيام قليلة رغم مساحة الولايات المتحدة الشاسعة البالغة 9,3 مليون كيلومتر مربع.
وقد استهل قانون المساعدة الفدرالية للطرق العامة لدى توقيعه في 29 حزيران/يونيو، 1956، واحداً من أضخم المشاريع الهندسية في العالم. كما أدى إلى تغيير طريقة الحياة الأميركية جذرياً إذ ازداد بفضله استعداد كل أميركي للسفر، وتغيرت طريقة نقل البضائع عبر الولايات المتحدة، وازدادت المسافة الفاصلة بين مكان السكن ومكان العمل، وتم الربط بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية. وقالت إدارة الطرق العامة الفدرالية إن ركاب السيارات قطعوا في الفترة الممتدة من العام 1957 حتى العام 2005، مسافة أكثر من 25 تريليون كيلومتر على الطرقات العامة الواسعة التي تربط بين الولايات.
وكانت فكرة إنشاء شبكة الطرق قد برزت أثناء مناورات عسكرية أظهرت الحاجة إلى طرق جيدة ودفعت ضابطاً شاباً، أصبح في ما بعد رئيساً للولايات المتحدة، إلى مناصرة التشريع الضروري في الكونغرس الأميركي.
ففي العام 1919، ساعد مقدم (لتنانت كولونيل) شاب يدعى دوايت د. آيزنهاور في قيادة موكب من 81 عربة عسكرية من ساحل الولايات المتحدة الشرقي إلى ساحلها الغربي، فأدرك من تجربته الشخصية ضرورة وجود نظام طرقات عامة في الولايات المتحدة. وقد استغرقت تلك الرحلة من واشنطن العاصمة إلى سان فرانسيسكو، والتي تم فيها قطع مسافة 5 آلاف و200 كيلومتر، 62 يوماً نتيجة للتأخير الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة وتعطل المركبات وضرورة عبور أنهار بدون جسور والسير في طرقات غير معبدة. وكان معدل سرعة العربات، نتيجة لكل هذا، أقل من 10 كيلومترات في الساعة. وتعززت قناعة آيزنهاور بضرورة وجود نظام طرق عامة في الولايات المتحدة عندما استخدم، أثناء خدمته جنرالا في الحرب العالمية الثانية، شبكة الطرق العامة الألمانية لنقل القوات المسلحة الأميركية إلى داخل ألمانيا النازية.
ورغم أن حكومة روزفلت كانت قد ناقشت مسألة إقامة نظام طرق عامة إلا أن آيزنهاور كان أول رئيس أميركي جعل المسألة بنداً أساسياً في برنامج سياسته الداخلية. وحين رفض الكونغرس اقتراحه في العام 1955، ثابر على المطالبة بذلك، مدعوماً في جهوده من قبل السناتور عن ولاية تنسي آل غور الأب، والسناتور عن ولاية ماريلاند جورج فالون، حتى كان له ما أراد وتم إصدار قانون المساعدة الفدرالية للطرق العامة في العام 1956. ومن المؤسف أن آيزنهاور لم يتمكن من الاحتفال بانتصاره التشريعي إذ إنه وقع القانون في غرفته في مركز وولتر ريد الطبي العسكري حيث كان يتعافى من عملية جراحية.
ونتيجة لجهود آيزنهاور، تتمتع الولايات المتحدة اليوم بشبكة طرقات عامة تربط جميع أنحاء الولايات المتحدة ببعضها بعضا، لا يقل عرض أي طريق منها عن أربعة مسارب وتمتد مسافة 75 ألف كيلومتر مصممة لعربات تسير بسرعة 80 كيلومتراً في الساعة أو أكثر. وتشير سجلات مكتبة الكونغرس، إلى أن طول الطرقات العامة المماثلة في الصين، على سبيل المقارنة، التي تفوق مساحتها مساحة الولايات المتحدة قليلاً، لا يزيد عن 30 ألف كيلومتر، في حين أن روسيا، التي تبلغ مساحتها 17,7 مليون كيلومتر مربع ظلت تفتقر إلى شبكة مماثلة حتى العام 2003.
ويشتمل نظام الطرقات الرابط بين الولايات الأميركية على 55 ألفاً و500 جسر، و15 ألف تقاطع بنظام من المستويات المختلفة يتيح الانتقال من طريق إلى أخرى بدون التأثر بانسياب السيارات أو التأثير عليه و82 نفقا. وهو ينقل يومياً ما معدله 1,9 بليون سيارة، بينها حوالى 245 مليون شاحنة، أي حوالى 40 بالمئة من مجمل سيارات الشحن الكبيرة التي تنطلق على الطرق في الولايات المتحدة يوميا.
وقد غطت الحكومة الفدرالية 90 بالمئة من تكاليف إقامة نظام الطرق العامة الرابطة بين الولايات؛ أما العشرة بالمئة المتبقية فقسمت بين الولايات المختلفة. وتم تمويل حصة الحكومة الفدرالية من خلال الضريبة الفدرالية على البنزين وغيرها من الضرائب التي دفعها مستخدمو السيارات ووضعت في صندوق ائتمان خاص بالطرق العامة تم إنشاؤه بموجب تشريع سُن في العام 1952. وأتاح هذا الأسلوب للمسؤولين إتمام جميع أجزاء شبكة الطرقات على أساس تغطية التكاليف أثناء التقدم في العمل بدون خلق عجز في الميزانية الفدرالية.
* أعجوبة حديثة في هندسة طرق المواصلات
في حين أن هدف تشريع العام 1956 المتلخص بإقامة نظام طرق مواصلات سريعة كفؤة لم يتغير، تطور تصميم هذا النظام وتغير مع اكتساب المهندسين والمهندسين المعماريين وبنائي الطرق مزيداً من المعرفة ومع تكيفهم مع الاحتياجات واستجابتهم إلى الانتقادات.
فقد اعتُبر النظام مسؤولا، رغم فوائده، عن مجموعة من السيئات في المجتمع الأميركي، بما فيها امتداد المدن وتوسعها دون اتساق، والتوترات العرقية، وما اعتبره الرئيس بوش أخيراً "إدمان (أميركا) على البترول الأجنبي." ويقول المنتقصون من أهمية ونجاح نظام الطرق العامة الرابطة بين الولايات إنه يسبب الضجيج وتلوثَ الهواء والضوء، علاوة على أنه يمزق الأواصر ويفرق بين أبناء المجتمع المحلي.
وقد عملت الوكالات الفدرالية والوكالات التابعة للولايات، تجاوباً منها إلى حد ما مع هذه الانتقادات، على ضمان تحديث معايير الطرق العامة كلما تغيرت الظروف والتكنولوجيا، في حين عدّل المهندسون تصاميم وطرق بناء الطرق العامة بحيث يمكن التغلب على الصعوبات الجغرافية ومعالجة الحساسيات المحلية. كما أثارت الانتقادات اهتماماً أكبر بتقليص الضجيج وبتجميل الطرقات والمحافظة على المواقع التاريخية وشق الطرق في أماكن تأخذ البيئة في الحسبان.
وهكذا أصبحت الولايات المتحدة تتمتع اليوم بنظام قومي من الطرقات التي أقيمت على أساس معايير موحدة ولكنها تضمنت عناصر فريدة، كجسر لنارد زكيم في حي بَنكر هيل في بوسطن (وهو أضخم جسر تثبته كابلات في العالم) القائم على الطريق العام رقم 93 وجسري ويندوورد التوأمين على الطريق العام رقم 3 في جبال كولاو في ولاية هاواي.
وقد أصبح من الصعب في العام 2006، وقد اكتمل النظام فعلياً، أن يقطع المرء أكثر من بضعة كيلومترات بدون أن يشاهد الإشارات المدهونة بالأحمر والأزرق والأبيض والتي ترشد السائق إلى أقرب طريق عام يربط بين الولايات. وقد غيرت هذه الإشارات والطرق التي ترشد السائق إليها الأماكن التي يقيم فيها الأميركيون والأماكن التي يزورونها، كما غيرت الطعام الذي يأكلونه والسلع التي يشترونها. وبالإضافة إلى ذلك، حولت سيارات الشحن الكبيرة إلى مخازن متحركة على عجلات تتيح شحن حتى أضخم المواد من أدنى القارة إلى أقصاها.
وأثرى نظام الطرق اللغة الأميركية مضيفاً إليها عدة مفردات ومصطلحات مثل "الطريق الحزام" أو beltway (وهو طريق عام دائري حول مدينة)، و"ورقة البرسيم" أو cloverleaf (وهو ملتقى طرق تتقاطع على مستويات مختلفة تسهيلاً لحركة السير) و"موتيل" أو motel (وهي كلمة مشتقة من دمج كلمتي أوتيل (فندق) وموتور (سيارة) لتعني الفنادق المقامة على الطريق العام ليبيت فيها المسافرون ليلتهم قبل استكمال الرحلة في صباح اليوم التالي).
ولكن لعل أعظم إنجازات هذا النظام الذي وصفه وزير النقل والمواصلات الأميركي، نورمان مينيتا، بأنه "أساسي لازدهار أميركا وطريقة الحياة الأميركية" هو أنه يقرب بين أبناء بلد شاسع المساحة يتسم سكانه بالتعددية.
نهاية النص