16 شباط/فبراير 2010
وزيرة الخارجية تشير إلى الاحترام المتبادل والقيم المشتركة مع العالم الإسلامي
بداية النص
وزارة الخارجية الأميركية
مكتب المتحدث باسم الوزارة
14 شباط/فبراير، 2010
نص الملاحظات التي ألقتها
وزيرة الخارجية السيدة هيلاري كلينتون في
المنتدى السابع لأمريكا والعالم الإسلامي
يوم 14 فبراير/شباط 2010
في الدوحة بدولة قطر
شكرا جزيلا. يشرفني وجودي هنا ومشاركتي لكم في منتدى أمريكا والعالم الإسلامي.
أريد أن أقدم لكم الشكر لكل ما عبرتم عنه من كلمات كريمة ومن تمنيات طيبة لزوجي، وأطمئنكم على أنه في حالة جيدة، فلو لم تكن الأمور على ما يرام، لتعذر علي التواجد هنا هذا المساء. إن زوجي يقدم أطيب تحياته لكل منكم، وخاصة لكم، ياصاحب السمو. لقد قلت لسمو الأمير إن التعليمات الأخيرة التي تلقيتها من زوجي وأنا في طريقي اليوم إلى المطار كانت أن أقدم أطيب تحياته لكم، ياصاحب السمو. ويسعدني جدا أن أقدم لكم هذه التحية، علنا وبصورة شخصية، كما يسعدني أن أكون هنا معكم ومع رئيس الوزراء وحكومة دولة قطر للمشاركة من جديد في هذه الجهود الهامة والرامية إلى تعزيز الحوار بين بلدينا وشعوبنا.
أريد أن أقدم الشكر إلى السيد ستروب تالبوت والسيد مارتين إنديك وإلى مركز سابان في مؤسسة بروكنجز لاستضافة هذا المنتدى، كما أشكر كل منهم على مساعيهم التي تجاوزت أعمالهم في سبيل انعقاد هذا المنتدى، وهي المساعي التي بذلوها على أرض الواقع في سبيل الحوار ونتائجه، لأن العمل الذي تتولون تنفيذه في هذا المجال – ابتداء من العمل الدبلوماسي للقيادات الدينية إلى التعاون في مجال العلوم ووسائل الإعلام الجديدة – هو بالضبط ذلك الطراز من أعمال الريادة والمشاركة التي نحتاج إليها في الوقت الحالي.
أعلم أن الكلمات الملهمة التي ألقاها السيد رئيس الوزراء أمس وهذا المساء، تعكس الالتزام المستمر من طرف دولة قطر بتعزيز التفاهم المتبادل والتقدم المرتقب الناتج عنه.
لقد كان لي شرف زيارة 46 بلدا من بلدان العالم منذ أن توليت منصبي كوزيرة الخارجية في الولايات المتحدة منذ أكثر من عام واحد بقليل، وكان الكثير من تلك البلدان بلدان أغلبية سكانها من المسلمين، وكنت أهتم بالاجتماع بمواطني كل من تلك البلدان خلال زياراتي لها، رغم أن الجزء الأكبر من وقتي كان مكرساً للعمل مع الحكومات والمسؤولين ذوي المستوى العالي، فاجتمعت مع قيادات المجتمع المدني في إندونيسيا، ومع سيدات شابات في تركيا في حوار بثه التليفزيون هناك، واجتمعت مع الطلبة والطالبات في برنامج باللغة الإنجليزية في رام الله، ومع مواطنين يشاركون بعضهم البعض في طرح الأفكار حول مستقبلهم وحول آمالهم ليوم غد أفضل.
لقد زرت مصر والعراق ولبنان والكويت، واجتمعت مع القيادات الإسلامية في نيجيريا، وزرت تتارستان
في إطار رحلتي إلى روسيا، واجتمعت في باكستان وفي أفغانستان مع مجموعة عريضة من الأفراد والمجموعات، كما ساهمت في تأسيس الصندوق الأمريكي الباكستاني لإشراك عدد أكبر من الأمريكيين في العمل على دعم باكستان، كدولة قوية وديمقراطية.
وفي المغرب، في إطار المنتدى من أجل المستقبل، شددت مرة أخرى على دعم أمريكا للمجتمع المدني، وأعلنت عن برامج أمريكية صُممت لتمكين الأفراد والمجتمعات من خلال فرص اقتصادية أكبر وفرص للمبادرة بالمشاريع، ومن خلال العلوم والتكنولوجيا والتعليم كذلك.
إنني أشعر بالامتنان العميق لاجتماعي بهذا العدد الكبير من الأشخاص، كما أشعر بالامتنان لفرصة الاستماع لأفكاركم، مثلما استمعت عبر السنوات لأفكار المسلمين الأمريكيين الذين ساهموا بالكثير من أجل إثراء بلادي. وأتمنى أن تؤدي زياراتي إلى هذه البلدان إلى التأكيد على الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لمفهوم المشاركة في العمل بنشاط وفعالية، وهي المشاركة التي لا تقتصر على إشراك الحكومات في البلدان التي يشكل المسلمون فيها أغلبية السكان، بل تشمل أيضا إشراك الجاليات الإسلامية في كل مكان من العالم.
واليوم لا تشكل هذه المشاركة شيئا جديدا للولايات المتحدة، إذ كانت هذه المشاركة موضوع اهتمام الولايات المتحدة طوال تاريخنا، لأن العلاقة القوية بين بلادنا والعديد من البلدان الأخرى هي العنصر المتميز الذي نعتقد أنه ضروري للأمن العالمي والازدهار والسلام، ويرى الرئيس أوباما وأنا أن وجود هذه العلاقة القوية أمر إستراتيجي وضروري، إذ تعكس هذه العلاقة الروابط القائمة فيما بيننا – تعكس القيم والآمال والطموحات التي نحملها في طيات نفوسنا كآباء وأمهات وطلبة وعمال، ورجال أعمال وناشطين اجتماعيين، وأعضاء الأسرة البشرية.
إن الروابط التي تربط بين الولايات المتحدة والمجتمعات الإسلامية تمتد عبر التاريخ إلى الأيام الأولى لتاريخ بلادي: فكانت المغرب أول دولة تعترف باستقلال الولايات المتحدة، وبعد ذلك، ساندنا استقلال البلدان ذات الأغلبية المسلمة التي شاهدت عشرات السنوات من الحكم الاستعماري، وساهم الأمريكيون في تأسيس جامعات لا تزال من أفضل جامعات المنطقة، وبالمقابل، استفدنا نحن كثيراً من تقاليد التبادل في مجال التعليم التي استمرت لفترة طويلة. لقد شارك الجنود والبحارة من الولايات المتحدة ومن البلدان ذات الأغلبية المسلمة في مهام للحفاظ على السلام في جميع أنحاء العالم، وقمنا سويا بالعمل لإعادة بناء ما تم تدميره في أعقاب الكوارث الطبيعية، بما في ذلك التسونامي الذي وقع عام 2004 ، والزلزال الذي وقع عام 2005، وحالياً بالطبع في هايتي. كما تشارك الولايات المتحدة دولا أخرى بغية حماية المسلمين من العنف والمعاناة في البوسنا وفي دارفور.
يجدر بنا إذن أن نتأمل أمورا كثيرة تشكل لب العلاقات فيما بيننا وتعبر عما أنجزناه سويا، ولكننا نعلم أن هدفنا وقيمنا المشتركة كثيراً ما كانت تتوارى وتختفي عن الأنظار نتيجة الشكوك وسوء التفاهم، لقد آن الأوان، مثلما قال الرئيس أوباما في القاهرة، لبداية جديدة تعتمد على الالتزام بالحوار المفتوح والشراكة المتساوية، بداية جديدة تعالج ما بيننا من توتر، وتلزمنا جميعا بتأدية العمل المضني اللازم للتخفيف من هذا التوتر، بداية جديدة تعترف بدور ومسئولية كل منا في سبيل حل المشاكل المشتركة التي نواجهها.
لقد استجاب الكثيرون حول العالم إلى النداء الذي وجهه الرئيس أوباما في الخطاب الذي ألقاه في القاهرة منذ ثمانية أشهر، إلا أن الكثيرين يشعرون بالقلق ويخشون أن يكون التزام الولايات المتحدة بروح الاحترام المتبادل والشراكة الكاملة التزاما غير كاف أو غير صادق، أو أننا لم نتقبل هذا الالتزام بشكل كامل، أو أننا لن ننجح في ترجمته إلى خطوات ملموسة لازمة لتحقيق تغيير فعلي ودائم في العالم.
إنني أدرك الأسباب التي قد تؤدي إلى نفاذ صبر البعض، فبناء علاقات أقوى لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها أو حتى خلال عام، فذلك يتطلب الصبر والعزم والتصميم والجهد المضني منا جميعاً.
من الأهمية بمكان أن نذكر أن رؤية الرئيس أوباما لم تنطوي على قيام بلد وحده وبمفرده بكتابة فصلاً جديداً، بل كانت هذه الرؤية بمثابة نداءا لنا يدعونا جميعا لتحمل مسئولية الإقلاع عن استخدام الصور النمطية السلبية ووجهات النظر التي عفا عليها الزمن، وإضفاء إحساس متجدد بالتعاون.
إننا ندرك أن التغلب على التحديات يتطلب سبلا متعددة تختلف باختلاف الأشخاص والأماكن، فقد تختلف مخاوف إحدى الأمهات في إندونيسيا عن مخاوف طالبة أو طالب في مصر أو مخاوف رجل أعمال في الدوحة أو إمام في إنجلترا، ولكننا نهتم بجميع هذه المخاوف رغم اختلافها عن بعضها البعض.
لقد سعت إدارة الرئيس أوباما خلال العام المنصرم من أجل تغيير وترسيخ طبيعة علاقاتنا مع شعوب لها خلفياتها المختلفة وشعوب من جميع مناطق العالم. إننا ملتزمون برؤية الرئيس لبداية جديدة، وسوف نظل ملتزمين بهذه الرؤية، وهو الالتزام الذي ينعكس في أعمالنا وفي كيفية أدائنا لأعمالنا. إننا بصدد صياغة السياسات الجديدة وعلاقات الشراكة التي تعكس مبادئنا المشتركة، ونهجنا الجديد يرتكز على ثلاثة دعائم جوهرية: العلاقات المرتكزة على الاحترام المتبادل والمصالح المتبادلة والمسئولية المتبادلة؛ والالتزام المشترك بالقيم العالمية؛ والمشاركة واسعة النطاق مع الحكومات والمواطنين على حد سواء.
إن هذا الالتقاء بين سياساتنا ومبادئنا هو الموضوع الذي أريد أن أتحدث عنه بإيجاز هذا المساء.
إن الموضوع الأول والأهم هو جهودنا المستمرة الرامية لتحقيق التقدم في سبيل السلام الشامل في الشرق الأوسط، وهو السلام الذي يحقق السلام للإسرائيليين والفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، ويحقق أيضا التطبيع الكامل للعلاقات بين إسرائيل والدول العربية. ويُعتبر الأمر الرئيسي في إطار هذه الجهود تسوية الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أساس الحل الذي يرتكز على دولتين.
إنني مدركة تماما لأهمية هذه القضية لدى شعوب المنطقة وشعوب مناطق أخرى حول العالم، وهي قضية تهمني أنا أيضا، إذ نشاهد كل يوم التكاليف البشرية لهذا الصراع: الأزمة الإنسانية في غزة، والإهانات اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون بعد مرور عشرات السنوات من الاحتلال، والتهديد المستمر الذي يتعرض له الإسرائيليون، والازدراء الذي يرافق إسرائيل لسنوات مع مساعيها لحماية مواطنيها.
هذا الصراع يشكل عقبة تعترض الطريق الرامي لتحقيق الأمن والرخاء والفرص للفلسطينيين والإسرائيليين وشعوب دول المنطقة الأخرى، كما أن السلام الشامل يهدف إلى تحقيق مصالح الولايات المتحدة كذلك، إننا لذلك ملتزمون بدورنا لتأمين استهلال المفاوضات ونجاحها، وكان هذا سبب قيام الرئيس أوباما بتعيين السيد جورج ميتشل مبعوثا خاصا للسلام في الشرق الأوسط خلال أول أسبوع من فترة رئاسته، كما كان هذا سبب قيام السيناتور ميتشل بزيارات شهرية إلى المنطقة. إن هذا العمل عمل مضني، وهو ما يدركه بعض المستمعين الموجودين معنا من واقع تجاربهم الشخصية، لكننا عقدنا العزم على الوصول إلى تسوية دائمة لهذا الصراع، كما أن إصرارنا على تحقيق هذا الهدف قوي.
أعلم أن هناك شعور بخيبة الأمل لأننا لم نحقق الانفراج بعد، كما أن الرئيس أوباما والسيناتور ميتشل وأنا نشعر كذلك بخيبة الأمل، ولكن يجب علينا أن نتذكر أن حل هذا الصراع لا يمكن أن يُفرض عنوة من قبل الولايات المتحدة أو من قبل أية دولة، بل يجب على الطرفين أن يتوصلا إلى تسوية لما بينهما من خلافات عن طريق المفاوضات. إن الولايات المتحدة مستعدة للقيام بدور نشط ومستديم في هذه المفاوضات، كما أنها مستعدة لمساندة الطرفين وهما يعملان في سبيل تسوية جميع قضايا الوضع الدائم، بما في ذلك الأمن للإسرائيليين والفلسطينيين وقضايا الحدود واللاجئين وقضية القدس.
إننا نساند حلا يرتكز على أساس دولتين، يتعايش فيهما الإسرائيليون والفلسطينيون بسلام وأمن متبادل، ونعتقد أن باستطاعة الطرفين من خلال المفاوضات القائمة على النوايا السليمة أن يتفقا على نتيجة من شأنها إنهاء الصراع وتحقيق التوافق فيما بين الهدف الفلسطيني الرامي لتأسيس دولة مستقلة قابلة للبقاء بناء على خطوط عام 1967، وعلى مبادلات يتم الاتفاق عليها، والهدف الإسرائيلي الرامي لدولة يهودية لها حدود آمنة ومعترف بها تعكس التطورات اللاحقة وتفي بمتطلبات الأمن الإسرائيلي.
إننا نعترف أن قضية القدس لها أهميتها البالغة والعميقة بالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين واليهود والمسلمين والمسيحيين في كل مكان، ونعتقد أن التوصل إلى حل لهذه المسألة أمر ممكن، من شأنه تحقيق طموحات جميع الأطراف فيما يتعلق بالقدس، وتأمين الحماية لوضع المدينة في المستقبل.
ومن جانبنا، شجعت الولايات المتحدة إسرائيل على توقيف نمو المستوطنات للمحافظة على فرصة الوصول إلى حل يرتكز على أساس دولتين، ونرى أن التوقيف الحالي للمستوطنات الإسرائيلية هو خطوة إيجابية في هذا الاتجاه، ونتطلع قدما إلى خطوات إضافية بشأن هذا الأمر. إن سياسة الولايات المتحدة تجاه المستوطنات لم تتغير: إننا لا نقبل مشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية.
كما شجعنا الفلسطينيين على السعي في سبيل وضع خططهم لبناء مؤسساتهم ووضع حد للتحريض، وتحسين الأمن وبناء الأساس الذي تقوم عليه في المستقبل دولة فلسطينية ديمقراطية ومستقلة. إننا نساند الرئيس عباس ورئيس الوزراء فياض في جهودهما المبذولة لبناء وتدريب وإصلاح قوات الأمن الفلسطينية، ونثني على ما حققاه من تقدم حتى الآن.
إن مبدأ المسئولية المشتركة يشمل جيران إسرائيل العرب ويشمل دول العالم كذلك، إذ علينا جميعا أن نساند هذا الجهد عن طريق المساهمة في سبيل تحقيق ما يستطيع السلام تقديمه من مزايا ومنافع، فباستطاعة المنطقة والمجتمع الدولي أن يوضحا للإسرائيليين والفلسطينيين والسوريين واللبنانيين أننا نؤيد ونساند المفاوضات الشاملة التي تؤدي إلى نتائج، وفي هذا الصدد تلعب مبادرة السلام العربية لعام 2002 دورا حيويا في جهودنا المبذولة لتعزيز السلام الشامل، كما تطرح رؤية لمستقبل أفضل لجميع شعوب المنطقة، لقد آن الأوان لإنعاش روح هذه المبادرة ومن ثم الانتقال إلى التفاصيل.
أما القضية الثانية التي تتطلب منّا أن نتعاون على أساس المبادئ التي تطرقت إليها اليوم، فهي مساعي إيران في سبيل الأسلحة النووية.
أقر الرئيس أوباما في الخطاب الذي ألقاه يوم تنصيبه رئيسا للبلاد عصرا جديدا من المشاركة الدبلوماسية ينطوي على إشراك تلك الدول التي كانت أحيانا تعادي مصالح الولايات المتحدة. إن استعدادنا للمشاركة أمر أثبتناه عن طريق استئنافنا، مثلاً، لاتصالات عالية المستوى مع الحكومة السورية، ونحن الآن بصدد الاستعداد لإيفاد سفيرا لنا إلى دمشق لأول مرة منذ عام 2005.
كما أننا واصلنا جهودا مكثفة للتواصل مجددا مع إيران عن طريق الاتصالات المباشرة، وعن طريق مشاركة أكبر في الجهود المتعددة الأطراف، وكان هدفنا دائما، بعد مضي 30 عاما من العلاقات العدائية مع إيران، أن نبدأ في بناء علاقة مع إيران تتسم بقدر أكبر من الإيجابية.
إن موقفنا تجاه برنامج إيران النووي بسيط، يبدأ باعتقادنا أن جميع الدول، بما فيها إيران، لها نفس الحقوق ونفس المسئوليات، إذ تقر معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بحق الدول في اقتناء الطاقة النووية طالما أنها تتقبل مسئولية تقديم الأدلة التي تثبت على نحو قاطع وبوضوح تام أن برامجها لا تُستخدم إلا للأغراض المدنية السلمية.
ولكن إيران فشلت باستمرار في الوفاء بمسئولياتها في هذا الصدد، فرفضت أن تقدم إلى المجتمع الدولي ما يثبت أن برنامجها النووي برنامج سلمي فقط، واكتشف العالم العام الماضي وجود منشأة نووية سرية بالقرب من مدينة قم، واستجاب مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لذلك بإصدار قرار ينتقد إيران، وهو القرار الذي قوبل بدعم عريض.
في شهر أكتوبر/تشرين الأول، وفي إطار جهودنا المستمرة للتواصل، شاركت الولايات المتحدة لأول مرة في اجتماع مع إيران عقدته مجموعة "الخمس زائد واحد" في جنيف، وقد انطوى هذا الاجتماع على محادثات على أعلى المستويات بين الولايات المتحدة وإيران لم تجري الولايات المتحدة مثلها خلال أكثر من 30 عاما. وكان أملنا عندما توجهنا إلى جنيف أن تنتهز إيران هذه الفرصة وأن تبدأ في تسوية ما بيننا من خلافات، وأن تسعى في سبيل تحقيق قدر أكبر من التكامل السياسي والاقتصادي مع المجتمع الدولي، واشتركنا مع روسيا وفرنسا والمملكة المتحدة والصين وألمانيا لإقرار عرض طُرح على إيران ينطوي على توفير الوقود اللازم لتشغيل مفاعل الأبحاث في طهران الذي ينتج نظائر طبية للعلاج الطبي، وقد دل هذا العرض على الالتزام بالعمل مع إيران على أساس النوايا الطيبة، وذلك، في سبيل مستقبل البرنامج النووي المدني للأغراض السلمية.
ووافقت إيران من حيث المبدأ، ولكنها رفضت شروط الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والآن أعلنت إيران أنها سوف تضاعف من أنشطة التخصيب بغية إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة قد تصل إلى 20 في المائة ، منتهكة بذلك القرارات المتعاقبة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، وكانت المبررات التي قدمتها إيران غير مقنعة، لأن قبولها للعرض الذي قدمته لها الوكالة الدولية للطاقة الذرية كان من شأنه تمكينها من الحصول على اليورانيوم المخصب الذي تسعى من أجل الحصول عليه، وقد أدى هذا الإعلان الذي أصدرته إيران إلى تعميق شكوك المجتمع الدولي في نواياها النووية، كما أدى إلى تزايد العزلة التي تشاهدها حكومة إيران.
وعلاوة على ذلك، ومنذ الاجتماع الذي عُقد في جنيف في شهر أكتوبر/تشرين الأول، كان المسئولون الإيرانيون يرفضون كل عرض يُطرح عليهم للاشتراك في اجتماع حول برنامج إيران النووي، وقد أدت أعمال إيران إلى إثارة تساؤلاتنا المبررة: ماذا تخفي إيران؟ ولماذا ترفض إيران الامتثال لالتزاماتها الدولية التي من شأنها أن تؤدي إلى التكامل السياسي والاقتصادي مع المجتمع الدولي، وقد تعود بالفائدة فعلاً على الشعب الإيراني؟
ويؤدي الموقف الذي اتخذته إيران إلى تقليص الخيارات المتاحة للمجتمع الدولي الذي يجد نفسه مضطرا لفرض تكاليف أعلى على الخطوات الاستفزازية التي اتخذتها إيران. إننا نعمل مع المجتمع الدولي من أجل تشجيع إيران على إعادة النظر في قراراتها المتخذة في إطار سياسة خطرة، ونعمل حاليا بنشاط مع شركائنا الإقليميين والدوليين في إطار أسلوب مزدوج المسار، يرمي لوضع وتنفيذ تدابير جديدة لإقناع إيران بتغيير مسارها هذا.
كما أن السلوك الذي تنتهجه حكومة إيران مع المواطنين الإيرانيين يكثف من مخاوفنا حول نواياها، فقد شاهد العالم بانزعاج الأحداث التي وقعت في إيران خلال الشهور القليلة الماضية. إننا نعلم عن عمليات واسعة النطاق احتُجز فيها المواطنون، ونعلم عن المحاكمات الجماعية وعن أعمال الإعدام السياسي، ونعلم أيضا عن أعمال الترهيب والتخويف التي يتعرض لها أفراد أسر الأشخاص المنتمين للمعارضة، كما نعلم عن رفض الحكومة إصدار التصاريح للمواطنين الإيرانيين لممارسة حقهم في التجمع لأغراض سلمية وحقهم في التعبير، وقد شاهدنا ذلك مرة أخرى خلال الأيام القليلة الماضية.
تشترك الولايات المتحدة مع غيرها من دول أخرى في إدانة هذه الأحداث، فإذا كانت حكومة إيران تريد الحصول على احترام المجتمع الدولي، يجب عليها أن تحترم حقوق جميع مواطنيها.
أما القضية الثالثة التي تلتقي بشأنها سياساتنا ومبادئنا، فهي قضية التطرف الذي ينتهج العنف، وهي القضية التي تسبب لنا جميعا قلقا بالغا.
لقد شاهد عدد كبير من الدول الممثلة هنا اليوم الآثار المدمرة للتطرف الذي ينتهج العنف والذي تعرضت له أراضيها، وشاهدت دول أخرى كثيرة غيرها آثار مثل هذا التطرف، وبصفة خاصة، قتلت المجموعات التي تدير عملياتها من قواعد في أفغانستان وفي منطقة الحدود المشتركة مع باكستان، قتلت أشخاصا ينتمون إلى ديانات مختلفة في عدد كثير من البلدان.
وفي باكستان، قتل تنظيم القاعدة وحلفائه حوالي ألفين من المدنيين في عام 2009 فقط، وكان ضمن هؤلاء أشخاص كانوا يشاركون في مواكب دينية سلمية في كراتشي، ونساء وأطفال كانوا متجمعين في سوق محلي في بيشاور.
وفي الآونة الأخيرة هاجم متطرفون حجاجا في العراق لغرض زعزعة استقرار الحكومة وإشعال نيران الحرب الأهلية مرة أخرى، وفي نيجيريا يعمل المتطرفون على تفاقم حالة التوتر بين المسلمين والمسيحيين، ويعملون في الصومال على إسقاط الحكومة، أما في اليمن فيسعى تنظيم القاعدة إلى استغلال الانقسامات الداخلية والإقليمية من أجل إقامة مركزا جديدا للإرهاب العالمي.
لقد أعرب الكثيرون من القيادات الدينية ومواطني المجتمعات الإسلامية عن غضبهم الشديد تجاه أولئك الذين يدعون أنهم يقتلون الآخرين في سبيل الله. إننا نشاطرهم هذا الرأي، كما إننا مصممون على منع المتطرفين من دق إسفين بين المسلمين وغير المسلمين في أمريكا أو في أي مكان آخر. إن هذا الصراع أمر يهمنا جميعا، وتلتزم الولايات المتحدة بالعمل في إطار الشراكة مع البلدان ذات الأغلبية المسلمة لمواجهة هذا التحدي، لأن الإسلام يجب أن يكون جزءا هاما من الحل في التصدي للتطرف الذي ينتهج العنف.
وفي أفغانستان تشارك عشرات الدول في مكافحة تنظيم القاعدة والجماعات المتحالفة مع هذا التنظيم، كما تشارك في حماية الحكومة الديمقراطية وتحسين الفرص الاقتصادية والتعليمية للمواطنين الأفغان. ومن بين شركائنا في هذا السياق تركيا التي أرسلت أكثر من 1500 فرد من قواتها المسلحة، والأردن الذي يدير مرافق طبية وفرت العلاج للآلاف، ودولة الإمارات العربية المتحدة التي تساند العمليات الإنسانية، والمملكة العربية السعودية التي تعهدت بتقديم الدعم المالي.
واليوم، رغم قيام الولايات المتحدة، ومعها 43 دولة أخرى، بالتكثيف من تواجدنا العسكري في أفغانستان، إلا أننا قمنا أيضا بمضاعفة جهودنا المدنية لمساعدة الحكومة على تعزيز قدراتها القيادية، وخصوصا في المجال الزراعي الذي حظي في الماضي بازدهار كبير، كما أننا ندعم القادة الأفغان في عملهم الصعب والحساس الهادف إلي إعادة الإدماج الاجتماعي لأعضاء حركة طالبان — الأمر الذي لا يشمل إلا أولئك الذين ينبذون العنف ويلقون السلاح ويرغبون بإخلاص في تقديم المساعدة لبناء مستقبل ديمقراطي في بلدهم.
كانت البلدان والجماعات الخارجية تستخدم أراضي أفغانستان عبر فترات طويلة من التاريخ الأفغاني لتحقيق طموحاتها الخاصة من دون أن تحترم حقوق ومواهب وأحلام الشعب الأفغاني. ليست للولايات المتحدة أية مصلحة في احتلال أفغانستان، كما أننا لا ننوي التخلي عن دعمنا المقدم لذلك البلد. وعندما تغادر القوات الدولية أفغانستان سنبقي على تواجدنا المدني، حتى يتسنى لنا تطوير شراكة طويلة المدى.
يشكل ذات الالتزام بالشراكة والمسؤولية المشتركة لب عملنا في باكستان. إننا نقف إلى جانب حكومة باكستان الديمقراطية وإلى جانب الشعب الباكستاني في جهودهما الرامية إلى إلحاق الهزيمة بالمتمردين الذين يستهدفون بهجماتهم المواطنين في باكستان، وموقفنا هذا لا يعتمد على ما نراه نحن مناسبا للوفاء بما يحتاجه باكستان، بل يعتمد على الاحتياجات التي يحددها لنا باكستان.
وأقرت الولايات المتحدة في السنة الماضية تشريعات تاريخية بقيادة عضو مجلس الشيوخ، السيناتور كيري الذي خاطبكم أمس، وقد أدت هذه التشريعات إلى مضاعفة المساعدات المدنية المقدمة لباكستان بثلاثة أضعاف. إننا نسعى لمساعدة شعب باكستان على حل مشاكل الطاقة، وحل مشكلة نقص الطاقة التي أدت بصفة متكررة إلى انقطاع التيار الكهربائي في كافة أنحاء البلد، كما نسعى من أجل تحسين سبل وصول أفراد الشعب للمياه ومن أجل تحسين الإنتاجية الزراعية والنقل والتعليم.
إننا، علاوة على ذلك، نحقق تقدما مستمرا في إطار خطتنا لإنهاء الحرب في العراق على نحو مسئول، وفي إطار الشراكة بيننا وبين حكومة العراق وشعبه، فقد غادرت وحداتنا القتالية المدن العراقية مع حلول نهاية شهر حزيران/يونيو وفقا لخطتنا الموضوعة سلفا، كما نمضي قدما، ملتزمون بالموعد المحدد من قبلنا لإنهاء مهمتنا القتالية بحلول نهاية شهر آب/أغسطس. وشاهد الشهر الجاري تراجعا لعدد القوات الأمريكية، من أكثر من 170 ألف جندي في أيام الذروة إلى أقل من 100 ألف جندي حاليا، وسيستمر هذا العدد في التراجع حتى تغادر كل وحداتنا القتالية العراق.
إننا نعمل على تعزيز علاقاتنا المدنية على المدى الطويل في ذات الوقت الذي نخفض فيه تواجدنا العسكري في العراق. لقد وقع بلدانا على اتفاقية الإطار الإستراتيجي التي تنص على بناء الشراكات في مجالات التعليم والعلوم والتكنولوجيا والتجارة والزراعة، كما نقدم الدعم للعراق تمهيدا لإجراء الانتخابات الوطنية في الشهر القادم.
لم تكن مسيرة العراق نحو الديمقراطية مسيرة سهلة، فقد وقعت هجمات بشعة في الأسابيع القليلة الماضية أودت بحياة العشرات، ولكن تلك الهجمات فشلت في التقليل من إصرار العراقيين على إجراء انتخاباتهم، ولا شك أن الأشهر القليلة القادمة لن تكون سهلة. وينبغي على العديد من البلدان التي تستطيع مساعدة العراق أن تساعده على تحقيق النجاح في مواجهة التحديات التي تعترض طريقه، وتمكينه من إعادة الاندماج بصورة كاملة في المنطقة، فالعراق مؤهل ليصبح مصدر قوة للاستقرار والازدهار الإقليميين.
وهناك مسألتان أخريان تخصان الأمن العالمي والتطرف الذي ينتهج العنف، وهما مسألتان تستحقان المزيد من الشرح والتوضيح: ألا وهما موضوع السجن في خليج غوانتانامو ومسألة الأنظمة الأمنية الجديدة السارية على الرحلات الجوية الدولية المتجهة إلى المطارات الأمريكية.
كان إصدار التوجيهات بإغلاق معتقل غوانتانامو من بين أول الأنشطة التي قام بها الرئيس أوباما بعد توليه لمنصب الرئاسة، وذلك إدراكا منه أن غوانتانامو قد تحول إلى رمز يشير إلى الطريق غير الصحيح لتحقيق قدر أكبر من الأمن في أمريكا، وكنا نتمنى أن نكمل هذه المهمة في غضون سنة واحدة، بيد أن تحقيق ذلك أصبح مستحيلا. ولكننا رغم ذلك سوف نغلق غوانتانامو، وسوف نغلقه بطريقة مسئولة تتماشى مع المعايير الأساسية للعدالة، وبسبب صعوبة الأمر كانت وتيرة تقدمنا في هذا المضمار بطيئة، حيث يعتمد ذلك أيضا على استعداد الدول الأخرى لقبول المعتقلين. إننا نشعر بالامتنان لتلك الدول التي قامت فعلا باستقبال المعتقلين، كما نرجو دولا أخرى أن تنظر في قبول المعتقلين على أراضيها، حتى يتسنى لنا الإسراع بإغلاق غوانتانامو بصفة نهائية.
أما بالنسبة للأنظمة الجديدة المتعلقة بأمن الطيران الجوي، فقد أثارت تلك الإجراءات تساؤلات مشروعة يجب النظر إليها في إطار أوسع من الحقائق: إن لكل الدول المسئولة مصلحة في التصدي للمتطرفين الذين ينتهجون العنف والذين يسعون لاستغلال سهولة وحرية التنقلات الجوية العالمية، ولذلك، يتعين علينا جميعا أن نعمل سويا لتعزيز أمن المطارات في كل أنحاء العالم مع ضمان معاملة البشر باحترام وإنصاف. إن تحقيق هذا التوازن لأمر صعب، ولا تزال الولايات المتحدة، مثل العديد من البلدان الأخرى، تعمل على إيجاد أفضل سبيل لضمان أمن المسافرين والحفاظ في ذات الوقت على كرامتهم، إن الوضع الحالي بعيد تماما عن كونه وضعا مثاليا، ونحن لذلك نقوم بمراجعة تدابيرنا الأمنية بانتظام، بما يشمل تعديلها وفقاً للظروف والمخاطر القائمة، وفي غضون ذلك فإنني ألتمس من المسافرين أن يتفهموا الموقف وأن يتحلوا بالصبر.
إن الأمن على الخطوط الجوية هو عنصر صغير فقط من قضية كبرى، إذ يتعذر على أي مجتمع أن يزدهر في غياب الأمن، ولكن الأمن يتطلب أكثر من مجرد حدود قوية أو أجواء آمنة أو علاقات ودية مع الجيران. فالأمن الحقيقي والدائم تتأصل جذوره في الأماكن التي تُتاح فيها للناس فرص العمل والحصول على التعليم وتنشئة أسر سليمة والاستفادة من المنجزات العلمية والتكنولوجية التي أدت إلى تحول أنماط الحياة للعديد منا في القرن الـ21، وفي حال عدم توفر مثل هذه الفرص، يرتفع احتمال وقوع حالات من الإحباط والغضب.
إذن، هذه هي المسألة الرابعة التي أريد التطرق إليها اليوم: الفرص المتاحة للشباب. إن الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة يشكلون أكثر من نصف عدد السكان في عدد كبير من بلدان العالم، من أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، بما في ذلك العديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، ويستحق هؤلاء الحصول على فرصة الاضطلاع بدورهم في تشكيل وجه العالم والمساهمة مع غيرهم في سبيل التغيير الإيجابي.
يرى الرئيس أوباما أن التعليم والابتكار هما العملة الرائجة في هذا القرن، وأنا أشاركه هذا الرأي، ولذلك أعلن الرئيس عن حلول عصر جديد من الشراكة مع المجتمعات الإسلامية لتوسيع فرص التعليم ودعم أصحاب المشاريع وتشجيع التقدم في العلوم والتكنولوجيا، وهدفنا هو التعرف على الأفكار الممتازة والمشاريع الناجحة في المجتمعات الإسلامية، ثم نستثمر فيها ونساعد في ارتقائها وفي التواصل بين المخترعين والراغبين في العمل التجاري بحيث يدعمون ويعززون جهود بعضهم البعض.
إننا بصدد استحداث صندوق عالمي للتكنولوجيا والابتكار، سوف يباشر أعماله خلال موسم الربيع هذا، وسوف يوفر هذا الصندوق مئات الملايين من الدولارات لتقديمها إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة في كافة أنحاء الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا وتكون بمثابة رأسمال لهذه المشاريع. وفي شهر أبريل/نيسان سيستضيف الرئيس أوباما في واشنطن اجتماع قمة حول إدارة وتأسيس المشاريع يلتقي تحت مظلتها على مدى يومين المبتكرون ورجال الأعمال من 50 بلدا في 5 قارات بالإضافة إلى نظرائهم من رجال الأعمال الأمريكيين، وسوف يعمل المشاركون في هذا الاجتماع على تأسيس شبكة للاتصالات يكون باستطاعتها دعم هذه الأنواع من التقدم.
ولتشجيع التبادل العلمي أطلقنا برنامجنا الخاص بالمبعوثين العلميين. وقد زار أحد هؤلاء المبعوثين، وهو الدكتور أحمد زويل، عالم الكيمياء الحائز على جائزة نوبل، كل من مصر وتركيا بعد تعيينه مبعوثا خاصا. أما المبعوث الآخر، وهو الدكتور إلياس زرهوني، المدير السابق لمعاهد أمريكا الوطنية للصحة، فهو موجود هنا في هذا المنتدى.
إننا نتعاون بشكل وثيق مع منظمة المؤتمر الإسلامي للقضاء على مرض شلل الأطفال، وتمكين عدد أكبر من الناس من الاستفادة من أبرز الإنجازات العلمية التي تم تحقيقها في الماضي، ونتعاون مع دولة قطر وبلدان أخرى لاستحداث الفرص الاقتصادية لمكافحة الجوع والفقر والمرض. إنني أريد تسليط الأضواء على المبادرات التي أطلقتها دولة قطر لزيادة الأمن الغذائي وإنتاج الأغذية من خلال الزراعة المائية والتكنولوجيات الزراعية المبتكرة، وتحلية مياه الري بواسطة الطاقة الشمسية، إن هذه المبادرات من شأنها أن تشكل نموذجا يمكن الاهتداء به في كثير من أنحاء العالم.
وعلينا أن نواصل تعزيز وتوسيع دائرة التواصل مع الطلاب والطالبات، وقمنا لذلك بزيادة الأموال المخصصة لبرامج التبادل التعليمي مع الطلاب والطالبات المسلمين. وباشرت وكالة "ناسا" للطيران والفضاء العمل المشترك مع مؤسسة تطوير مشاريع الشباب العرب في دبي لإتاحة الفرصة لطلبة العلوم الهندسية من العرب والأمريكيين للتعاون فيما بينهم في إطار مهام خاصة بوكالة "ناسا"، كما نشجع علاقات الشراكة في مجال التعليم العالي مثل تلك التي أقيمت بين الجامعات في كل من الولايات المتحدة ودولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تعود بالفوائد على الطلبة وعلى أعضاء هيئة التدريس لدى الطرفين.
وتمثل هذه البرامج معا التزامنا المتواصل بالتبادل، إلا أن مدى نجاحنا يعتمد على قدرتنا على العمل الوثيق مع حكومات أخرى، ولا سيما تلك الحكومات التي ترغب في الاستثمار بغية بناء أنظمة اقتصادية مستدامة لا ترتكز على الموارد الطبيعية فحسب، بل ترتكز أيضا على طاقات الشعوب وبراعتها.
إننا نريد تكوين عددا أكبر من الشراكات مع القطاع الخاص والجامعات والمؤسسات والأفراد. معنا هنا اليوم السيدة فرح بانديث، مندوبتنا الخاصة للتواصل مع المسلمين، وهي تتولى قيادة عملنا المشترك مع المسلمين في كل أرجاء العالم، وعملها لا يقتصر على الأماكن التي نتوقع وجوده فيها، بل يشمل أوروبا أيضا. ويسرنا كثيرا إعلان الرئيس أوباما أمس تعيين السيد رشاد حسين مبعوثا خاصا له إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، والسيد رشاد حسين موجود هنا أيضا، وسوف يساعد على دفع وتحقيق التقدم في مختلف القضايا التي تعالجها منظمة المؤتمر الإسلامي.
وعلاوة على أي من هذه البرامج أو الشراكات، وعلاوة على مسألتي الأمن الوطني أو النمو الاقتصادي، يتعين علينا الالتفات إلى الحقوق غير الملموسة المكفولة لكافة البشر والتي توفر أساسا قويا لإنجاز التقدم على نطاق واسع وتحقيق قدر أكبر من التفاهم، وتشكل هذه الحقوق المسألة الخامسة والأخيرة التي أود أن أناقشها معكم اليوم، وتشمل هذه الحقوق ضمن ما تشمل، حرية العبادة الدينية بما في ذلك حرية اختيار الفرد لديانته، وتشمل أيضا حق الفرد للمشاركة في حكومة البلد، وحقه في الحصول على معاملة عادلة بموجب القانون، وتشمل أيضا حق المرأة والفتيات في المساواة. إن الولايات المتحدة، مثل غيرها من الدول، ترعى هذه الحقوق وتتمسك بها، ويعود ذلك جزئيا إلى التحديات التي واجهناها بأنفسنا في سبيل حماية هذه الحقوق ودفعها قدما، كما نحرص على أن نكون شركاء لشعوب بلدان أخرى في مساعيهم للحصول على هذه الحقوق لأنفسهم.
كانت أول خطوة اتخذناها بعد استعادتنا في هذه السنة لعضويتنا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، العمل مع مصر لوضع قرار خاص بحرية التعبير، وهو إعلان ضروري لمبدأ يأتي في الوقت الذي تتعرض فيه هذه الحرية للخطر بسبب وجود مساع جديدة لفرض القيود على ممارسة الشعائر الدينية. إن احترام المعتقدات على اختلافها، وكذلك الحق في حرية الكلام، أمران ضروريان لنجاح المجتمعات التعددية، ونتخذ لذلك موقفا قويا للدفاع عن الحرية الدينية وحرية التعبير، ونعتقد أن السبيل الأفضل لنشر التسامح والاحترام لكافة الأديان يكمن في توفير الحماية القانونية ضد التمييز وجرائم الكراهية إلى جانب التواصل مع الأقليات الدينية وتنظيم الحملات لتثقيف الجمهور، ولذلك نعمل حاليا مع الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان لطرح جدول أعمال إيجابي من شأنه أن يساعد في تحويل هذه المبادئ إلى حقيقة ملموسة.
يؤدي الإصلاح الديمقراطي إلى النهوض بهذه الحريات وبالكثير من الحريات الأخرى غيرها، كما يشكل الإصلاح الديمقراطي عنصرا حيويا للتقدم. إننا نشارك في الرأي القائل أن باستطاعة الناس تحقيق قدراتهم على أفضل وجه عندما تُتاح لهم إمكانية المشاركة في اتخاذ القرارات التي تحدد ملامح حياتهم، وعندما يتمتعون بحرية تبادل المعلومات والوصول إليها، وعندما يمارسون حرية الكلام وتوجيه الانتقادات ومناقشة الآخرين، بما في ذلك عبر شبكة الإنترنت التي أصبحت وسيلة حيوية للتواصل والاتصال فيما بين الناشطين في مجال الديمقراطية وحقوق المرأة.
لقد ساندنا في الماضي أولئك الذين يبنون أسس الديمقراطية، وسوف نواصل دعمنا لهم وللمؤسسات المتسمة بالشفافية والموثوق فيها، وسوف نواصل دعمنا لسيادة القانون وللمجتمع المدني النشط الذي يسلط الضوء على انتهاكات ترتكبها الحكومات وعلى تلك الأطياف من المجتمع التي يتم عادة تجاهلها، حيث نجد فيها أفرادا مغلوبين على أمرهم ولا قوة لهم.
ولكن، يجب أن ينبثق كل ذلك عن المواطنين أنفسهم، ولا يمكن، أولا ينبغي، أن يتم فرض أي من ذلك من قبل جهات خارجية. إن الدول التي ترتكز إلى تقاليدها الخاصة في مساعيها الرامية لبناء وتعزيز الحكومات التي تعكس إرادة الشعب، باستطاعتها أن تعتمد على الولايات المتحدة شريكا لها في هذه المساعي.
بيد أن إرادة الشعب في هذا السياق تعني إرادة جميع أفراد ذلك الشعب، رجالا ونساء. إن حقوق المرأة هي مسألة أولي لها أهمية قصوى، بصفتي الشخصية وبصفتي وزيرة خارجية بلدي.
أظهرت العديد من الدراسات أن تعليم المرأة والفتيات يؤدي إلى رفع مستوى الصحة في أوساط العائلات ويحسن النمو الاقتصادي، ويحقق حيزا أكبر من الازدهار. لقد قال الشاعر المصري حافظ إبراهيم إن "الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتها أعددت شعباً طيبَ الأعراقِ". إنني أتفق تماما مع هذه المقولة، التي تثبت صدقها بعض البلدان ذات الأغلبية المسلمة، إن هذه البلدان تثبت أن حقوق المرأة والتقدم الوطني هما وجهان لعملة واحدة. ومع ذلك نشاهد في كثير من دول العالم استمرار ظاهرة إخضاع المرأة لإرادة الآخرين، كما نشاهد مع هذه الظاهرة الفقر وتدني مستوى الصحة والاضطرابات الاجتماعية.
واليوم، حتى في سنة 2010 لا تزال المرأة تتعرض للعنف، وفي كثير من الحالات قد يُستخدم الدين لتبرير هذا العنف. إلا أن العنف ضد المرأة لا يوجد له أبدا أي مبرر. فالعنف ضد المرأة لا يرتبط بالثقافة، ولكنه عمل إجرامي، ويتعين على القيادات الدينية حول العالم الوقوف في صف المرأة وتوجيه نداء يدعوا إلى وضع نهاية لما يسمى بجرائم القتل لدواعي الشرف، وزواج الأطفال والعنف الذي يمارس في إطار الأسرة وعلى أساس الجنس الثقافي. ولا يمكن لأية دولة أن تحقق قدراتها الكاملة عندما تستبعد نصف سكانها أو تتخلف عن اصطحابهم معها في مساعيها لتحقيق التقدم.
إن التحديات الخمس التي تحدثت عنها هذا المساء لها أهميتها الحيوية للحوار فيما بيننا، وهناك بالتأكيد تحديات أخرى سوف تبرز من خلال الأسئلة وتكون جزءا من مناقشاتنا المستمرة، ولكنني أتيت إلى هذا المنتدى لأنني أعتقد أن تبادل الحديث والإصغاء فيما بيننا أمر ضروري لأي تقدم نأمل في تحقيقه، وعلينا إجراء حوار حقيقي حول المسائل الهامة، لأن قدرة الحديث وتبادل الحوار أثبتت لي جدارتها مرارا وتكرارا، ولذلك فإنني في كل مكان أتوجه إليه، سواء كان هذا المكان في باكستان أو إندونيسيا أو العراق، أطلب دائماً حوارا مفتوحا، وأشجع الآخرين على توجيه انتقادات صادقة، وهذا هو بالضبط ما أحصل عليه فعلاً.
إنني أتلقى أسئلة صعبة عن سياسات بلادي وعن نوايانا أو حتى قيمنا الأساسية. إنني أستمع لهذه الأسئلة، ثم أجيب عليها، أحيانا أصحح بيانات أعتقد أنها غير صحيحة، وأحيانا أقدم إيضاحات أو آراء بديلة، وأحيانا أتفق مع السائل، وعندما أختلف معه أحيانا، أعبر عن هذا الاختلاف بحرارة شديدة، ولكنني أخرج من جميع هذه الحوارات تقريبا وأنا مقتنعة بأننا توصلنا إلى قدر أكبر من التفهم، الأمر الذي يشكل أساس أي عمل مشترك نتوقع تنفيذه معا.
يساهم الحوار المفتوح والدقيق في إيجاد الظروف المؤدية للتغيير. هذا ما فعله الرئيس أوباما في القاهرة، وهذا ما نفعله هنا في الدوحة، ولكن الحوار وحده لا يكفي. إذ يرى الرئيس أوباما أن سياساتنا يجب أن تتوافق مع مبادئنا، وأنا أشاركه هذا الرأي، ونرى أن النتائج وليس الشعارات، هي الأهم في نهاية المطاف. ولهذا السبب أتطلع إلى العمل المشترك معكم جميعا على مدى الأسابيع والأشهر القادمة لبناء وتعزيز شراكاتنا والنهوض بها وبالتفاهم فيما بيننا، وذلك نيابة عن بلداننا، ونيابة عن جميع البشر في كل مكان.
شكرا جزيلا.
نهاية النص