03 ايلول/سبتمبر 2008
صحفي رياضي يتحول إلى مراسل أنباء في أولمبياد ميونيخ في 1972
باري نيوكومب
تَفتح لنا الألعاب الأولمبية نافذة زمنية قصيرة نسمح لأنفسنا فيها بأن نظن أن السلام والخير سوف يسودان العالم، وأن التنافس يستطيع أن يتعايش مع التآلف.وقد تحول هذا الاعتقاد إلى وهم في 5 أيلول/سبتمبر 1972، في ميونيخ عندما أخذت المنظمة الإرهابية أيلول الأسود رياضيين إسرائيليين كرهائن.
يتذكر باري نيوكومب، كاتب هذا المقال، ذلك اليوم ودوره فيه كمراسل شاب لصحيفة بريطانية. وهو يرأس الآن الجمعية البريطانية للصحافيين الرياضيين.
كان ذلك ثاني يوم ثلاثاء يمر على بدء الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972. وبما أنه لم يكن من المقرر إجراء سباقات ألعاب القوى (أو المضمار والميدان) في ذلك اليوم فقد كان من المتوقع أن يخف فيه ضغط العمل. لكن جرس الهاتف الموجود قرب سريري رنّ عند السادسة صباحاً وقال المتحدث معي: "هناك شيء ما يحدث في القرية الأولمبية. يجب أن تتوجه إلى هناك حالاً."
تحركت بسرعة وهبطت درج المبنى المخصص للصحافة واندفعت إلى الخارج ليلفح وجهي هواء الصباح. كان الناس من حولي يهرولون متوجهين إلى القرية ناشرين معهم موجة عارمة من الإشاعات. وعندما عدت من هذه الرحلة بعد 24 ساعة كان العالم الأولمبي قد انقلب رأساً على عقب. وكذلك أنا. فقد أصبحت كاتباً رياضياً يشارك في تغطية أنباء أهم حدث إخباري في حياتي المهنية.
من ناحية التوقيت، كانت قصة ما حصل في ذلك اليوم تتلاءم بالتمام مع توقيت طباعة صحيفتي، "الايفنينغ ستاندرد" اللندنية. فالتوقيت المحلي لمدينة ميونيخ يسبق التوقيت المحلي لمدينة لندن بساعة واحدة، وكان من المقرر أن تبدأ طباعة الطبعة الأولى للصحيفة خلال فترة قصيرة. وسوف تتبعها أربع طبعات أخرى من الصحيفة بحلول نهاية فترة بعد الظهر. كنا صحفيين اثنين نغطي الحدث، زميلي الأرفع مني منصباً وهو كاتب رياضي متخصص بألعاب القوى، وأنا. وكان لنا زميل آخر انفصل عنا بسبب دخوله المستشفى لإجراء عملية جراحية للقلب.
وكانت الاتصالات آنذاك محدودة، بالمقارنة مع يومنا الحاضر. وكان علي، كي أتصل بمكتب صحيفتي، أن أجد هاتفاً يقدم خدمة اتصالات دولية، مثلي مثل الصحافيين الآخرين القادمين من سائر أنحاء العالم. كان الطلب على الهواتف شديداً للغاية وشكل جزءاً أساسياً من العمل المضني المحيط بهذه المهمة الاستثنائية. لم يكن هناك أكشاك هاتف في الموقع قرب القرية الأولمبية حيث كان إرهابيون عرب يحتجزون 11 رياضياً إسرائيلياً كرهائن، في المبنى الذي يحمل العنوان 31 شارع كونوللي.
وكانت الإشاعات تلاحق المعلومات الدقيقة طوال النهار. في فليت ستريت في لندن، عندما ينتظر حشد من المراسلين ساعات طويلة على أمل الحصول على أي نبأ حول قصة تتكشف وقائعها تباعاً، فإننا نطلق على ذلك "درجة باب الجمهور". وكانت وقائع ما يحدث تأتينا ببطء في ذلك اليوم. وبحلول وقت انتهاء دورة إنتاج صحيفتي، كان الجميع في مواقعهم الأصلية: الإرهابيون، والرهائن، ووسائل الإعلام. وقد جاءنا من يبلغنا أن أحد المراسلين ارتدى بذلة عداء وركض إلى داخل القرية الأولمبية مُدّعياً انه عداء يشارك في المرثون ويقوم بتدريباته. وقيل لنا أيضاً إن مراسلاً آخر دخل المكان زاحفاً تحت السياج المحيط به.
ومع أفول ضوء النهار، أصبح من الواضح أن السلطات تنوي نقل الأطراف الرئيسية في العملية من شارع كونوللي إلى أحد المطارات. وانتشرت إشاعة تقول بأن الإرهابيين طلبوا إطلاق سراح 234 عربياً معتقلاً في السجون الإسرائيلية، إضافة إلى تأمين خروجهم بأمان من ألمانيا. وكان هناك أوتوبيس (حافلة ركاب) وطائرتا هليكوبتر يحملون الإرهابيين ورهائنهم في طريقهم.
كان على فريقنا المكون من شخصين أن يغطي الأحداث في كلا المطارين الممكن أن يستخدما لمغادرة ألمانيا. حسم الأمر زميلي والي، الذي كان قد خدم في الفيلق المدرع خلال الحرب العالمية الثانية، من خلال قذف قطعة نقود معدنية في الهواء تقرر بموجبها أن يذهب هو إلى مطار فورستنفلدبروك، غرب ميونيخ وان أذهب أنا إلى مطار رييم في الشمال.
كانت القاعدة الجوية في فورستنفلدبروك المكان الذي تقرر استعماله. واتخذ زميلي موقعه في محيط المطار وفجأة انطلق الرصاص في الظلام. صاح والي قائلاً لمراسل شاب كان بجانبه، "انبطح أرضاً وابق منبطحاً إلى أن أقول لك إن بإمكاننا النهوض". وقيل إن المعركة النارية الجارية داخل وحول طائرتَي الهليكوبتر كانت حاسمة، ولكن القليلين منا كانوا يعرفون بدقة ما يحصل ومرة أخرى كانت الشائعات تسبق الحقائق.
انسحب المراسلون إلى المركز الرئيسي للصحافة. وكانت الأنباء الأولية مفرحة- الكل سالمون، هكذا قالت السلطات المسؤولة. وتصدر هذا التصريح الصفحات الأولى في جميع الصحف الصادرة في بريطانيا وفي دول أخرى عديدة على أنه حقيقة واقعة. واعتقدنا أن النهار والليل الطويلين قد انتهيا بصورة مرضية.
ولكن الأمر لم يكن قد انتهى. كان بعيداً عن أن يكون قد انتهى. وخلال ساعة، دعي المراسلون إلى مؤتمر صحفي آخر. ولكن القصة هذه المرة كانت مختلفة بشكل قاسٍ: لم يتم إنقاذ أي شخص. كلهم قتلوا، وبزغ الفجر كئيباً بعد دقائق قليلة.
وجدت طاولة لأكتب القصة، وعندما فُتحت أبواب مكتبي لاستقبال يوم جديد أمليت أكثر من ألف كلمة حول ما كان أطول عملية عرفتها في حياتي الصحافية. ومثلي مثل العديد من الكتاب الرياضيين، كان علي أن ألبي جميع الطلبات. وكان ذلك مؤشراً على أن الدروس التي تعلمتها عندما كنت أتدرب أثبتت أنها مفيدة في مواجهة الضغط.
وما لبثت الألعاب الأولمبية في ميونيخ أن بدأت من جديد وتم تمديدها يوماً واحداً. إلا أن أياً من الذين كانوا هناك لن ينسى تلك الألعاب أبداً. وقد أصبحت تداعياتها بالنسبة للأمن واضحة. وأصبح منذ ذلك الحين على الروح الأولمبية أن تتعايش مع الأمن وذلك أمر لا مفر منه. شيء واحد أكيد بالنسبة لألعاب ميونيخ 1972. إن ما حدث هناك أصبح عنصراً حاسماً في جميع الخطط التي توضع للألعاب الأولمبية منذ ذلك الحين، وسوف يستمر في ذلك.