29 تموز/يوليو 2008

مقابلة مع نوربرت هولتكامب، الحائز على شهادة دكتوراه، والعالم الذي سوف يقود مع المدير العام للمفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER) كانامي ايكيدا، بناء أكبر مفاعل انصهاري في العالم.
المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER) مشروع دولي مشترك للأبحاث والتنمية بين سبعة أطراف من مختلف أنحاء العالم لإظهار الجدوى العلمية والتقنية لاستعمال الطاقة الانصهارية، أي التي تنشأ من اتحاد النواة، أو المركز لذريتيْن، كمصدر طاقة لمواجهة الطلب العالمي المتزايد للطاقة. سوف يبنى هذا المفاعل في كاداراش، فرنسا، بحيث يبدأ العمل في العام 2016 أو قريباً منه.
ونوربرت هولتكامب، الحائز على شهادة دكتوراه، هو المرشح الرئيسي لمنصب نائب المدير العام لمشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER) وقائد إنشاء المشروع. وُلد في ألمانيا وشغل وظائف في مركز دوتشيه إلكترونين سينكوترون (Deutsches Elektronen Synchroton)، في هامبورغ، ألمانيا، وفي مختبر فيرمي ناشونال اكسليرايتر (Fermi National Accelerator Laboratory) في ولاية إلينوي. وابتداءً من العام 2001، نسق وقاد عملية التصميم والإنشاء لمسرِّع مصدر النيوترونات الانشطارية (Spallation Neutron Source) (SNS) في مختبر أوك ريدج القومي التابع لوزارة الطاقة الأميركية. اكتمل تنفيذ هذا المشروع في أيار/مايو 2006، وهو مصدر طاقة، بقيمة 1.4 مليار دولار، يقوم على مسرِّع للجزيئات شبه الذرية التي تدعى نيوترونات، والتي سوف تزود شعاعات نيوترونية نابضة هي الأكثر كثافة في العالم لاستعمالها في الأبحاث العلمية والتطوير الصناعي.
في عالم تزداد فيه بسرعة الاحتياجات للطاقة بدرجة تتخطى قدرة الإمداد المتوفرة، يعمل علماء من حول العالم من أجل تسخير طاقة الشمس والنجوم، واستعمال هذا المورد لتلبية الحاجات المتزايدة على الكرة الأرضية. يُشكِّل الاتحاد الأوروبي، جمهورية كوريا، الهند، الصين، اليابان، روسيا والولايات المتحدة منظمة المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER) لتطوير هذه الوسيلة في توليد الطاقة. في هذه المقابلة يتحدث الدكتور نوربرت هولتكامب، المرشح لمنصب نائب المدير العام لهذه المنظمة، والعِالم الذي سيقود إنشاء أكبر مفاعل انصهاري في العالم. عن هذا المفاعل، وعن تقدم أبحاث الانصهار. تحدث الدكتور هولتكامب مع كاتبة الشؤون العلمية تشيريل بيليرين من مجلة "غلوبال إيشوز" (شؤوون عالمية).
سؤال: ما هو مشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER)؟
هولتكامب: ITER هي اختصار للمفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي ولها أيضاً معنى باللغة اللاتينية، إذ انها تعني "الطريق". وهذا المشروع يعبر عن النية لبناء أكبر تجربة لمفاعل انصهاري في العالم. هناك في الوقت الحاضر مفاعل صغير مماثل له، هو المفاعل الأوروبي المشترك توروس المعروف اختصارا باسم (JET)، وهو أكبر مفاعل اختباري انصهاري نووي بني حتى الآن، وقد بدأ العمل فيه عام 1983 بالقرب من كالهام، بإنجلترا. و المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER) هو الخطوة التالية تجاه بناء مفاعلات انصهارية للطاقة من أجل توليد الكهرباء.
سؤال: ما هو الفرق بين الانشطار والانصهار؟
هولتكامب: الانشطار هو الحصول على طاقة من تفكيك النواة الثقيلة للذرة. والانشطار عملية تتم السيطرة عليها في مفاعل نووي وتتحول إلى قنبلة نووية إذا تركت دون سيطرة. أما الانصهار فهو دمج نواتيْن خفيفتيْن معا. في ما يتعلق بالمفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER) تلتحم نواتان بصورة أساسية مع بعضهما البعض. وعند حصول ذلك تتحرر الطاقة وتنطلق إلى الخارج.
سؤال: لماذا عملية الانصهار أفضل لهذا المشروع من الانشطار؟
هولتكامب: هناك حالياً عدد كبير من مفاعلات الانشطار النووي العاملة والتي تستعمل لتوليد الطاقة، ولذلك فإن الانشطار له الأفضلية لكونه قيد الاستعمال اليوم. أما الانصهار فإنه لم يستخدم عمليا حتى الآن، فهو مشروع أبحاث. والانشطار والانصهار كلاهما عمليتان نوويتان، ولكنهما تختلفان بصورة أساسية. ميزة الانصهار هي أن أحد الفضلات المتبقية بعد التفاعل، أي الهيليوم، ليس مشعاً، أما الآخر، النيوترون، فيستعمل لإنتاج نظير الهيدروجين، التريتيوم، من مواد تحمل الليثيوم وتحيط بالبلازما (الغاز المؤيِّن). في المفاعل الانشطاري، عندما تتفكك هذه النواة، يكون الجزءان المتخلفان إشعاعيين. أما في عملية الانصهار، فهذا الأمر ليس صحيحاً، فالفراغ المحيطة بالنواة يصبح إشعاعيا بنسبة قليلة، أما المنتجات الثانوية فلا تكون إشعاعية.
والشيء الهام جداً في الانصهار هو أن مادتي الديوتيريوم والليثيوم، المستعملتين لصنع التريتيوم، وهو المستخدم في عملية الانصهار، متوفرتان بكميات وفيرة في البر والبحر. وليس الأمر كذلك في مفاعلات الانشطار حيث يتوجب استعمال اليورانيوم، المتوفر بكميات محدودة، أو شيء مثيل لتشغيلها. ولكن ليس من الإنصاف التأكيد على أن الانصهار عملية أفضل لأن أجهزة الصهر المصنوعة في الوقت الحاضر هي تجارب واختبارات أبحاث، وليست مفاعلات، أي أن العلماء يحاولون إيجاد طريقة لكيفية استعمال الانصهار لتوليد الطاقة، فإذا نجح مشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER)، سوف يكون أول مفاعل انصهار يولد طاقة أكبر بكثير من تلك التي يستهلكها. وهذه خطوة أساسية.
سؤال: من أين أتت فكرة مشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER)؟
هولتكامب: أتت من التعاون الدولي في أبحاث الانصهار وكان قد اقترحها الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشيف خلال اجتماعه مع الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران، ولاحقاً مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان في مؤتمر القمة في جنيف عام 1985. اجتمع الرؤساء الثلاثة وقرروا عمل شيء ما بالنسبة لموارد الطاقة ومعرفة ما تستطيع علوم مصادر الطاقة الأخرى توفيره بعد أن تستنفد مصادر الفحم الحجري والنفط. كانت عملية الصهر دائماً موضوع أبحاث دولية مهتمة، وخلال مؤتمرات القمة كانت الطاقة تُشكِّل، بالطبع، نقطة بحث هامة. فهي تقود كل اقتصاد، وكل دولة. لم يكن النقاش نقاشاً علمياً، ولكنهم أقروا سوية بأن هذا شيء يتوجب علينا أن نفعله. علينا أن نضم الطاقات الفكرية في العالم معا، وأن نفعله سوية، وأن نتشاطر نتائج الأبحاث.
سؤال: ما هي الأهداف العلمية والتقنية لمشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER) و على ما يدل؟
هولتكامب: سوف يكون هذا المشروع أول مفاعل انصهار يولّد طاقة أكثر مما يستهلك. يقيس العلماء هذا وفق عامل بسيط، يسمونه عامل Q. فإذا لبى المشروع كافة الأهداف العلمية، سوف يولد طاقة تزيد بمقدار عشرة أضعاف عن الطاقة التي يتم تزويده بها. وأحدث مفاعل، أي المفاعل الأوروبي المشترك توروس (JET) في إنكلترا، هو نموذج أولي أصغر بكثير حيث وصلت المرحلة العلمية النهائية فيه إلى Q واحد تقريباً، مما يعني أنه ولد طاقة بقدر الطاقة التي تم إمداده بها. أما مشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER) فسوف يوفّر الطريقة لتجاوز ذلك، أي تبيان لتوليد الطاقة في عملية الانصهار إلى أن تصبح قيمة Q مساوية لـ 10. والفكرة تكمن في إمداده بحوالي 50 ميغا واط لإنتاج 500 ميغا واط من الطاقة. لذلك فإن جزءاً من الهدف العلمي لمشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER) هو التأكد أولاً من إمكانية جعل قيمة Q هذه تصل إلى 10.
وجزء آخر من الهدف العلمي هو أن هذا المشروع سوف تكون له مدة احتراق مطولة جداً، أي نبضة ممددة تصل فترتها إلى حوالي الساعة الواحدة. والمشروع هو مفاعل أبحاث اختبارية ولا يستطيع توليد طاقة في كافة الأوقات. وعندما يبدأ المفاعل ITER بالعمل، سوف يستمر في العمل لمدة ساعة واحدة ثم يتوقف تشغيله بعدها. وأهمية ذلك هي أنه حتى هذا اليوم تستطيع الأجهزة النموذجية التي نصنعها أن تكون لها فترات احتراق تدوم بضع ثوانٍ أو لعشرات من الثواني، وهذا هو الحد الأقصى. حقق مشروع المفاعل الأوروبي المشترك توروس (JET) قيمة 1 Q بالاحتراق لمدة ثانيتين تقريباً في نبضة بطول 20 ثانية. لكن بضع ثوان ليست عملية ثابتة بالفعل. فتماماً كبدء تشغيل السيارة، فإن بدء تشغيل المحرك ومن ثم إيقافه مباشرة، لا يعتبر بالفعل تشغيل السيارة. عندما تقودين سيارتك لمدة نصف ساعة، فهي تشتغل باستمرار وتبين لك أنه يمكنك قيادتها بالفعل.
لذلك فإن ما سوف يوفره لنا مشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER) من الوجهة التقنية والعلمية هو Q بقيمة 10 مع مدة احتراق ممددة.
سؤال: ما هو البرنامج الزمني لإكمال مشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER).
هولتكامب: يعتمد ذلك على السرعة التي نستطيع من خلالها تشكيل الفريق في كاداراش، ومدى نجاح الأطراف المختلفين في صنع الأجزاء المكونة التي يتوجب عليهم تزويدها. يترافق ذلك مع تمويل المشروع بصورة كافية على أساس سنوي، ولذلك فإن النية العامة هي بدء تشغيل المشروع في العام 2016. لا أستطيع أن أعد بأن يكون هذا التاريخ واقعياً لأن على عملية التخطيط المفصلة خلال السنة القادمة أن تؤكد ذلك. ولهذا السبب لا أرغب بالفعل بالالتزام بالعام 2016 في هذا الوقت. عندما يكتمل المشروع فإنه سوف يعمل لمدة 25 إلى 30 سنة.
سؤال: هل تستطيع وصف مراحل مشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER)؟
هولتكامب: المرحلة الأولى هي ما قبل الإنشاء. المشروع غير موجود رسمياً بعد كمنظمة حتى الآن، لأن الأطراف السبعة لم يوقعوا على الوثائق ولم يصادقوا عليها. ومن المفروض أن يتم ذلك بحلول نهاية العام. فقد وافقت الأطراف على الشكل الذي سيكون عليه المشروع كمنظمة دولية. وهذه بالفعل قصة نجاح حقيقية. لقد تطلب إنهاء المفاوضات حول ما هو المفروض عمله أربع سنوات وتمّ الاتفاق على أن يُبنى المفاعل في فرنسا. وفي نفس الوقت، إذا نظرت إلى ما قاله الأطراف، تجدين أن الوثيقة الكاملة للاتفاق سمكها أقل من بوصة واحدة. من المثير للإعجاب أن توافق سبعة أطراف على تأسيس مختبر دولي جديد استناداً إلى وثائق يقل سمكها عن بوصة واحدة.
إننا الآن بالذات في مرحلة الإنشاء فعلا، أي إنشاء الجهاز، بناء المباني وقطع "التوكاماك" (حجرة حلقية على شكل كعكة صغيرة مستديرة تستعمل في أبحاث الانصهار حيث يتم تسخين البلازما وحصرها بواسطة حقول مغنطيسية. عبارة "توكاماك" هي مختصر باللغة الروسية "لحجرة حلقية في الملفات المغنطيسية")، ومن ثم يجري تجميع أجزاء التوكاماك سوية ونصبها وتشغيلها.
مرحلة التشغيل تغطي الـ 25 أو 30 سنة القادمة، بعد أن يتم إجراء كافة الاختبارات. ولكونه جهازا اختباريا، فلن يحقق المشروع أداءه فورا في اليوم الذي يلي بناءه. يجب على الناس أن يتعلموا كيفية تشغيله، أين تقع المطبات، وأين توجد المشاكل، وعليهم أن يدفعوا بقوة لتحقيق الأهداف العلمية النهائية، وربما سوف يكون عليهم أن يذهبوا إلى أبعد من ذلك.
ثم تبدأ مرحلة إنهاء التشغيل والخدمة. فالتخطيط لإنهاء مهمة التشغيل جزء من مرحلتي البناء والتشغيل. لقد ذكرت سابقاً أن المنتجات الثانوية للانصهار ليست إشعاعية جداً ولكن الحجرة، أي المكان الذي تحصل فيه هذه العملية، تكون إشعاعية للغاية. ويتطلب ذلك إخراجها من الخدمة والتخلص منها بطريقة متلائمة مع البيئة، تماماً كأي قطعة أخرى إشعاعية من الأجهزة. هذا هو جزء من مرحلة إخراج المفاعل من الخدمة التي سوف تدوم حوالي خمس سنوات.
سؤال: لماذا يعتبر التعاون العلمي الدولي حاسماً بالنسبة لمشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER)؟
هولتكامب: الطاقة مشكلة يواجهها كل الناس في العالم. فإذا نظرت إلى الأطراف السبعة، الاتحاد الأوروبي، جمهورية كوريا، الهند، الصين، اليابان، روسيا، والولايات المتحدة، وحسبت عدد الناس الذين يعيشون في هذه الدول لوجدت أن عددهم يتجاوز نصف عدد سكان العالم. الجزء المثير للاهتمام واضح ويمكن تفسيره بسهولة. والتعاون العلمي واضح بنفس القدر في نظري. هناك خبرات موجودة حول العالم في أجهزة الانصهار. ويحتاج جهاز معقد بهذا الحجم بالتأكيد إلى مشاركة أذكى الناس الذين نستطيع العثور عليهم في العالم لكي ننجح. وإضافة إلى ذلك، هناك فائدة كبيرة في التعاون الدولي لأن الناس من مختلف الثقافات يجلبون معهم إلى طاولة الأبحاث أفكاراً مختلفة، وبوجود بيئة تنافسية من الوجهة العلمية يؤدي ذلك إلى تصميم جهاز علمي أفضل.
سؤال: ماذا سيحدث عند انتهاء مشروع المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER)؟
هولتكامب: برنامج الانصهار برنامج دولي فعلا، ذاع صيته جداً. وبدأ الناس منذ الآن يتوقعون بأن المشروع سوف ينجح وهم يفكرون بما ستكون عليه الخطوة التالية، أي إنشاء نموذج أولي لمفاعل انصهاري تجاري يسمى "ديمو" (Demo). ومن أجل صنع مثل هذا الجهاز يجب أن ينجح المفاعل الاختباري النووي الحراري الدولي (ITER). إذ يجب تحقيق الأهداف العلمية لأن ذلك يعني أن المبادئ التي يتم وضعها قابلة للتحقيق ومجدية. مع ذلك، أوافق على وجوب أن يفكر المرء دائماً مقدما في المستقبل. ثم إنه مع عمل المشروع طيلة 25 أو 30 سنة، فإن المعرفة سوف تتحسن وتنمو تدريجياً وسوف يصبح بالإمكان وضع تحديد أفضل للخطوة التالية.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.