27 تشرين الأول/أكتوبر 2009

المسرح والسينما يساعدان البوسنيين على تحمل معاناة الماضي والتعامل مع التنوع

مهرجان الأفلام السينمائية في سراييفو له جذور في تجارب حقبة الحرب

 

بداية النص

المخرج البوسني دانيس تانوفيتش يتحدث الى زوار مهرجان سراييفو السينمائي، 2009.
المخرج البوسني دانيس تانوفيتش يتحدث الى زوار مهرجان سراييفو السينمائي، 2009.

من ميشيل أوستين بروكس، المحررة في موقع أميركا دوت غوف

سراييفو، البوسنة والهرسك - كانت سراييفو خلال الفترة الممتدة من عام 1992 إلى عام 1996، تحت الحصار، والهجمات اليومية بقذائف المدافع أو نيران القناصة. وكان النفق الذي حفره الأهالي المحليون أحد الطرق الوحيدة لتهريب الإمدادات إلى داخل المدينة.

ومن بين المواد التي كان يتم تهريبها إلى الداخل: ملصقات الأفلام والمسرحيات. وبينما كان الكثيرون يحاولون مغادرة المدينة، دخل عن طريق نفق سراييفو الممثلون والمخرجون السينمائيون ومنتجو الأفلام وما أصبح يعرف في عام 1995 بمهرجان سراييفو السينمائي.

ويقول الملحق الثقافي والتعليمي في السفارة الأميركية في البوسنة والهرسك رون هوكينز "إن استمرار هذه المهرجانات في زمن الحرب كان بمثابة منارة أمل في عودة الحياة الطبيعية والسلام. أما الآن فهو يمثل الطرق التي يمكن من خلالها الجمع بين أبناء هذا البلد المتعدد الأعراق، البلد الذي يصارع تنوعه، ومساعدتهم على تبادل التجارب بينهم."

وتقول إيلما تتاراجيتش، التي التحقت إبان الحصار حين كانت لا تزال في سن المراهقة بمركز أوبالا، وهو عبارة عن مركز فنون رئيسي يساعد في إقامة المعارض الفنية والفعاليات السينمائية "إن الحرب والنزاع يشكلان أمرين صعبين للحياة اليومية، ولكنهما يعتبران مصدر إلهام للفنون، وخاصة لصناعة الأفلام."

وذكرت تتاراجيتش "أن السينما هي واحدة من أقوى وسائل الاتصال وتبادل أنواع مختلفة من الأفكار. فقد أتى أولئك الذين يعملون في قسم الأفلام بالمركز بهذه الفكرة المجنونة ... اي تنظيم مهرجان سينمائي." ولكن المشكلة أنه لم تكن هناك أية دور سينما تعمل بانتظام في ذلك الوقت.

وأردفت تقول "اعتقدنا أن الأفلام ستجلب للشخص الراحة لمدة لا تقل عن ساعة ونصف الساعة. وعلى الأقل خلال مدة الساعة والنصف الساعة هذه كنا ننسى متاعبنا، والمتاعب كانت كثيرة."

وفي تشرين الأول/أكتوبر 1995 ولد مهرجان سراييفو السينمائي وقد أصبح حدثا سنويا منذ ذلك الحين. وقالت إنه تم في السنة الأولى، عرض 45 فيلما وأنه حضر حوالي 20 سينمائيا عبر النفق للمشاركة في هذا الحدث. وكان من المهم أن نظهر للمخرجين السينمائيين وللعالم أن "الحرب ليست مجرد وجود طرفين يتقاتلان، بل إنه يوجد أيضا أشخاص بين الجانبين يحاولون أن يعيشوا حياة طبيعية".

وقد اكتظت دور السينما بالمشاهدين الذين حضروا لمشاهدة هذه العروض، بما في ذلك عرض فلم للأطفال، الذي وصفته تتاراجيتش بأنه "عرض عاطفي غير معقول"، لأنها كانت تلك المرة الأولى بالنسبة للعديد من الأطفال التي يزورون فيها دور السينما.

وقد أصبحت تتاراجيتش اليوم مبرمجة في هذا المهرجان وتقوم باختيار الأفلام التي يتم عرضها. يجتذب المهرجان السنوي الذي يقام في آب/أغسطس السياح والسينمائيين على حد سواء. ومن المعروف عنه أنه واحد من المهرجانات السينمائية الرائدة في أوروبا، ويحظى باحترام كبير بين الجمعيات السينمائية الدولية. وقد جلب آخر مهرجان من مهرجانات سراييفو 1800 شخص من الأشخاص المعتمدين لدى قطاع صناعة السينما وباع تذاكر دخول بلغ عددها 100 ألف تذكرة دخول. وتم خلال فترة ثمانية أيام عرض 240 فلما من 35 بلداً.

التحضيرات لمهرجان سراييفو السينمائي الخامس عشر في آب/أغسطس، 2009.
التحضيرات لمهرجان سراييفو السينمائي الخامس عشر في آب/أغسطس، 2009.

وذكرت تتاراجيتش أنه على الرغم من الاهتمام الدولي الذي يحظى به المهرجان الآن، فإنه يظل ملتزما بجذوره، إذ أنه يهدف إلى توفير البرامج لأبناء سراييفو. وأضافت أن المهرجان قد أصبح جزءا هاما من حياة المدينة الثقافية. وكما فعل المهرجان في السنة الأولى، فقد واصل عرض الأفلام الخاصة بالأطفال ولديه الآن أيضا مسابقة أفلام خاصة بالمراهقين. وأحد البرامج الرائدة فيه سلسلة لعرض أفلام من البوسنة والهرسك. وقد تم خلال هذا العام عرض 54 فيلما محليا.

ومن بين العروض الأكثر شعبية تلك الأفلام التي يتم عرضها في سينما الهواء الطلق. وقد خضع أهالي سرايفو لحصار أرغمهم على البقاء في السراديب وأقبية المباني لمدة أربعة أعوام. ... إذ كان من الخطورة بمكان عليهم الخروج. وقد ظن منظمو المهرجان أنه من خلال عرض الأفلام في الهواء الطلق بعد انتهاء الحصار، "أنه لأمر عظيم أن يتمكن ثلاثة آلاف شخص من الجلوس تحت أضواء النجوم ومشاهدة الأفلام والتلذذ بمذاق بالحرية."

المسرح يعتبر بمثابة "مقاومة ثقافية"

وهناك حدث سنوي شعبي آخر يقام في سراييفو هو مهرجان المسرح الدولي، والذي احتفل بالذكرى الـ49 لانطلاقته، حيث تستمر فعاليات المهرجان من 16 تشرين الأول/أكتوبر إلى 26 تشرين الأول/أكتوبر. و منذ انطلاقة المهرجان وهو يرحب بالفرق المسرحية من جميع أنحاء العالم.

وقد جعل الحصار إقامة مهرجان تقليدي أمرا بالغ الصعوبة، إلا أن منظّمي المهرجان واصلوا استضافة الأفلام والعروض. وقد أدّى الممثلون عروضهم في دور الأيتام والمستشفيات. ودعا المهرجان أساتذة دوليين وعلماء وفنانين لإلقاء المحاضرات وإقامة المعارض. وقد أقيمت إحدى الفعاليات في حديقة نهاد كريسيفلجاكوفيتش، الذي أصبح اليوم المخرج التنفيذي للمهرجان. ويقول إن الجيران كانوا يمرون علينا في طريقهم للحصول على بعض الماء وعندما كانوا يشاهدون ما يجري كانوا ينضمون إلينا. وأوضح "لقد كان ذلك جانبا إنسانيا جدا من تلك الفترة".

حصل المهرجان على دعم من الممثلين والمخرجين الدوليين. فقد جاءت المؤلفة الأميركية سوزان سونتاج في عام 1993 لتقديم مسرحية "في انتظار غودو." وقد انضمت الممثلة فينيسا ريدغريف إلى الجماعات المحلية على خشبة المسرح في عام 1994. وعندما قدم هؤلاء المشاهير إلى المدينة، تسلل الكثير من الأهالي لالتقاط  صور معهم على الملصقات والمواد الترويجية الأخرى. وقد ساعد دعمهم على التعريف بالمهرجان في وسائل الإعلام الدولية بوصفه منظم "المقاومة الثقافية"، على حد تعبير كريسيفلجاكوفيتش.

وقال كريسيفلجاكوفيتش إن سنوات الحصار قد جلبت الفعاليات المسرحية الأكثر إثارة على الإطلاق، مشيرا إلى أن المسارح كانت مكتظة بالمشاهدين في وقت كان الناس يخاطرون فيه بحياتهم لا لشيء سوى ليكونوا مع الجمهور. وقال إن الغرض من مشاهدة الأداء هو أن تصبح جزءا من المسرحية؛ إذ إن هذه اللحظات الوحيدة من حياتي التي أتمكن فيها من أن أكون فعلاً جزءا من المسرحية، لأن المسرحية تكون واقعية جدا، هي تلك اللحظات."

وأوضح كريسيفلجاكوفيتش أن المهرجان بدأ ثانية يستضيف مهرجاناته المنتظمة في عام 1997 وقد أصبح اليوم معترفا به على أنه واحد من أهم الفعاليات السينمائية في جنوب شرق أوروبا. وسوف يضم مهرجان هذا العام 26 عرضا ويجلب 500 فنان وممثل ومخرج وناقد مسرحي وغيرهم معا.

ولا تزال الحرب تشكل أعمال المهرجان. ويدير المهرجان برنامجا ثقافيا يدعى وحدة الذاكرة يحاول استكشاف العلاقات بين الفنون والنزاعات، ليس فقط في البوسنة والهرسك ولكن في أماكن مثل دارفور. وقال كريسيفلجاكوفيتش "إننا في الحقيقة نحاول رفع الوعي لدى الناس، بأنه ينبغي عليهم أن يتعلموا من مأساتهم أنه يجب عليهم أن يكونوا أكثر تعاطفا مع مآسي الشعوب الأخرى."

ولا يزال الدعم الدولي للمهرجان قويا. يذكر أن ثلاثة عشر من العروض في مهرجان هذه السنة تؤديها فرق دولية.

وقد دأبت المنظمات الدولية مثل سفارة الولايات المتحدة في سراييفو على دعم هذا المهرجان ومهرجان سراييفو السينمائي. وتساعد السفارة الأميركية في دعم الجهود الترويجية للمهرجان، الذي ظل يدعم برنامج المهرجان حول الأفلام البوسنية. كما أنه من المؤيدين لبرنامج الحرم الجامعي للموهوبين في سراييفو، وهو برنامج تدريبي مدته ستة أيام يقدم بعض المخرجين الشباب إلى بعض من أكثر المختصين في صناعة الأفلام موهبة في العالم.

 

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي