09 تشرين الثاني/نوفمبر 2009
تراثه المثير للجدل باق في لوحاته وتماثيله ونقوشاته

من لورين منسن، المحررة في موقع أميركا دوت غوف
واشنطن،- ربما لم يبلغ أي فنان معاصر من الأميركيين الأصلييين (الهنود الحمر سابقا) قدر التأثير والغموض اللذيْن بلغهما الفنان الراحل فرتس شولدر (2005-1937) الذي قضى بيده وحده تقريبا على بعض الكليشيهات الموجودة حول هوية الأميركيين الأصليين.
وبعد مرور حوالي ثلاث سنوات على رحيل فريتس، افتتحت مؤسسة سميثونيان معرضيْن لأعماله في توقيت واحد، هو الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2008، أحدهما كان في نيويورك والثاني في العاصمة واشنطن. ضم متحف الأميركيين الأصليين في واشنطن معظم الأعمال الفنية التي أبدعها الفنان شولدر، وكانت مجموعة صغيرة من آخر أعماله معروضة في فرع نيويورك من متحف الأميركيين الأصليين (الهنود الحمر). وعنوان المعرض في المتحفيْن هو فريتس شولدر: هندي/ أم غير هندي، كما يتكون كل منهما من لوحات ومنحوتات ومطبوعات على الحجر.
شارك في اختيار الأعمال التي يضمها المعرضان ترومان لو (من قبيلة هو تشانك للهنود الحمر) وبول شاآت سميث (من قبيلة كومانش)، وتعتبر أكبر مجموعة أعمال يتم تجميعها للفنان شولدر تمثل حياته الفنية. وفي لقاء مع موقع أميركا دوت غوف أوضح (لو) أن الفنان شولدر كان معروفا بأعماله غير التقليدية، ومع ذلك فإنه كان يرفض تصنيفه بالانتماء إلى أي فئة فنية- خاصة فئة "فنان هندي أحمر" التي كان يعتبرها مقيّدة له. واستعاد (لو) بعض ما قاله شولدر، فقال "كانت عبارته المفضلة هي أنه ‘مزيج متناقض‘، لقد كان يحب القول:‘إنني رُبع هندي، ولوحاتي رُبع هندية.‘"
ولما كان والده نصف هندي أحمر من قبيلة لويزينيو، ونصف ألماني؛ وأمه من أصل فرنسي، فإن شولدر لم ينزع إلى روح القتال القبلية إلا في القليل النادر- كما كان غير ميال إلى تأييد الغموض الرومانسي لما كان يُعرف بـ"البدائي النبيل" وهو الصورة النمطية عن الهنود الحمر التي بدأ انتشارها في القرن الـ19. وكان شولدر قد قال في إحدى المرات "إنني لم أصف نفسي إطلاقا بأنني فنان هندي أحمر، ولكن الجميع وصفوني بهذا الوصف." وفي كتاب نُشر في العام 1979 وصف شولدر نفسه بأنه "هندي، غير هندي،" وأضاف "إنني لا أشعر بوجود انقسام يفصل بين الثقافتين. ولكنني أدرك طبيعة عدم انسجام" هاتين الثقافتين،" فيما بينهما.
هندي في فترة ما بعد المعاصرة:
حسب تصريحاته هو نفسه، فإن شولدر بدأ الرسم في سن مبكرة، وعلى ما يبدو فإنه لم يشك على الإطلاق في قدراته الفنية. وُلد في مينيسوتا، ونشا في منطقة غريت بلينز، حيث كان والده يعمل في مكتب شؤون الهنود الحمر. ورغم منصب والده، فإن شولدر وأسرته لم يعشوا على الإطلاق في أي موطن من مواطن قبائل الهنود الحمر، ولم يتعرف على ثقافتهم إلا بشكل محدود. وخلال سنوات دراسته الجامعية، درس شولدر مع فنان موسيقى البوب (وين تيبود، وفي العام 1964، حصل على شهادة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة أريزونا. وبعد ذلك بفترة قصيرة دُعي للتدريس في معهد فنون الأميركيين الهنود الذي كان قد تأسس حديثا في مدينة سانتا فيه، بولاية نيو مكسيكو، وهناك تأكدت خبرته بشكل قاطع.
في البداية قال شولدر إنه لن يرسم الهنود "إطلاقا"، ولكن تعامله مع الفنانين من الهنود الحُمر ودارسي الفنون في سانتا فيه دفعاه لتغيير رأيه. ورغم أن تعلّمه للفن المعاصر وما بعد المعاصر أملى عليه ضرورة الانتقال من النهج السائد المتمثل في رسم الهنود الحمر، الذي كان يعتبره شولدر بدائيا بدرجة كبيرة.
وكان فنانون عديدون في سانتا فيه قد دأبوا منذ الثلاثينيات من القرن المنصرم على رسم مشاهد من الحياة اليومية لقرى الهنود الحمر التي عمقت الانطباع العام السائد عن مجتمعاتهم. وكانت معظم تلك اللوحات ذات بعد وحيد مسطح أصبح معروفا بأنه العلامة المميزة لمدرسة التصوير (أو الرسم) التي سُمّيت "نمط الاستديو،" التي هيمنت على المشهد الفني في سانتا فيه لعقود طويلة. وكان قرار شولدر رسم الهنود الحُمر "كما هم حقيقة" هو الذي أدى إلى إنزال مدرسة "نمط الاستديو" إلى منزلة فنية شديدة التدني.
وبدأ "يعيد تصور" الهنود الحُمر لجمهور معاصر، مستخدما ضربات فرشاته لتحديد ملامح شخصياته في تدريجات لونية كهربائية مثيرة. وكانت الألوان المتناقضة هي الخلفية الوحيدة دون تقديم أي شرح للمفاهيم. وعلى خلاف اللوحات السابقة الغريبة المنتمية إلى "مدرسة نمط الاستديو" فإن الهنود الحمر لدى شولدر قابلوا مشاهديهم وجها لوجه- وكان الأثر العام مفعما بالحيوية والحدة. وعلى الرغم من أن بعض اللوحات كانت مبنية على صور فوتوغرافية شهيرة للهنود الحمر، فإن شولدر صبغ أعماله بإحساس من الغرابة أتاح المجال لتفسيرات متعددة لرمز أيقوني.
آفاق الانطلاق:
جلبت ابتكارات شولدر عليه الإشادة بأعماله على الفور تقريبا، وضمنت له سوقا رائجة لأعماله. فلوحته "هندي أميركي" التي لم يتأكد تاريخ محدد لإنتاجها، بما احتوته من صورة غير واضحة الملامح لرئيس قبيلة من قبائل الهنود الحمر حصلت على إشادة واستحسان كبيريْن ووصفت بأنها انتصار. كما حظيت بقية لوحاته في سلسلة أعماله عن "الهنود الحمر باستقبال مماثل - إلى أن كشف النقاب عن لوحته "هندي مع علبة بيرة" في العام 1969 التي أثارت عواصف الغضب من جانب الأميركيين الأصليين والنقاد الفنيين على حد سواء. واللوحة صورت رجلا من الهنود الحمر يجلس في حانة أو إلى جوار طاولة وأمامه علبة بيرة، وبذلك تعرّضت هذه اللوحة لموضوع حساس جدا بالنسبة للهنود الحمر وهو مشكلة الإدمان على الكحول، وهو موضوع لم يتعرض له سوى عدد محدود جدا من الفنانين.
وعلى حد قول (لو) فإنه لوحة ‘هندي مع علبة بيرة‘ "كانت بمثابة مرآة عكست صورة مجتمع الهنود الحمر. ورغم أنها استخدمت صورة من الصور النمطية السلبية الشائعة عن الهنود الحمر، إلا أنها أجبرتهم على إمعان النظر في قضايا صعبة."
وكانت لشولدر أعمال فنية أخرى تعرضت لبعض الموضوعات المحرم الخوض فيها، مثل الفقر والتاريخ الطويل للظلم الذي عانوا منه. وكانت هذه المعالجة الخالية من العواطف للموضوعات المثيرة للجدل تصيب جمهوره بالصدمة، ولكنها فتحت الباب لمزيد من التقييم الصريح والصادق للمشاكل الاجتماعية الحادة والحقائق غير المريحة. وفي لوحته "صورة لأميركي مع العلم" التي أنتجها في العام 1979، كان رسم شولدر لأميركي هندي ملفوف بالعلم الأميركي انعكاسا للتوتر بين ثقافة الأرض الأصلية والمجتمع الأكبر الذي احتواها وجعلها ضمن ثقافة أوسع شمولا.
وفي الوقت نفسه كان شولدر يتوق للتعرض إلى مواضيع عالمية لا تشير من قريب أو بعيد إلى أصله العرقي أو إلى أي أصل عرقي آخر. ورغم أنه ظل يعود من آن إلى آخر لاستخدام وحدات زخرفية تنتمي إلى تراث الهنود الحمر، فإن أعماله في العقدين الأخيرين من حياته كانت مكرسة أساسا لأعمال مزاجية تسبر أغوار العلاقة المعقدة بين الرجل والمرأة ( مثل لوحة الحب الأول للغول) التي تصور ذكرا وأنثى في حالة عناق قوي، كما انعكس إحساسه المتنامي باقتراب الموت في بعض لوحاته (مثل لوحة جمجمة الفنان، الصورة الذاتية التي رسمها لنفسه في العام 2001، التي تتكون من صورة لرأسه تشبه صور الأشباح بالأبيض والأسود فوق صورة بأشعة إكس لجمجمته). وفي الحقيقة ظهرت الجماجم بصورة متكررة في آخر أعماله، إلى جانب شخصيات خيالية خارقة للعادة (لمصاصي الدماء والملائكة) ورموز روحية لمعتقدات الهنود الحمر.
إن معاني التراث الفني الذي خلفه شولدر كان موضعا لجدل ساخن، ولكن تأثيره كان وسيظل عظيما جدا. فحسبما قال (لو) إنه بفضل شولدر "تحطمت الحواجز. فهو الذي كسر القالب الجامد لنمط فن الاستديو وأظهر أن فن الهنود الحمر يمتد إلى ما هو أبعد من حدود الأعمال الحرفية التقليدية كالحليّ والسلال والأقمشة. لقد كان شولدر الرائد الذي يسّر على الفنانين الشباب من الهنود الحمر -"ممن لهم حكاياتهم الخاصة التي يودون روايتها، وتفسيراتهم الخاصة لتاريح الهنود الحمر- لكي يصبح لهم جمهور." وأضاف (لو) إن الغريب بالطبع هو أن شولدر قال إنه لن يرسم الهنود الحمر "إطلاقا"، ولكن ذلك كان هو ما جعله فنانا مهما."
من الممكن الاطلاع على عدد من أعمال شولدر على موقع أميركا دوت غوف.