21 أيار/مايو 2009
نص الخطاب في متحف الأرشيف القومي، 21 أيار/مايو 2009

واشنطن، في ما يلي النص الكامل لخطاب الرئيس باراك أوباما عن الأمن القومي الذي ألقاه اليوم، 21 أيار/مايو 2009 في متحف الأرشيف القومي بواشنطن العاصمة.
بداية النص
البيت الأبيض
مكتب السكرتير الصحفي
20 أيار/مايو 2009
كلمة الرئيس باراك أوباما – كما أعدت للإلقاء
حماية أمننا وقيمنا
متحف الأرشيف القومي
واشنطن العاصمة
21 أيار/مايو 2009
الأوقات الحالية هي أوقات استثنائية بالنسبة لبلدنا. فنحن نواجه أزمة اقتصادية تاريخية. ونحن نخوض حربيْن. ونواجه طائفة من التحديات التي ستحدد أسلوب حياة الأميركيين خلال القرن الـ21. ولدينا الكثير من المهام التي ينبغي القيام بها والمسؤوليات التي نحملها على عاتقنا.
ولقد بدأنا تحقيق تقدم. فخلال الأسبوع الحالي اتخذنا خطوات لحماية المستهلكين ومالكي المنازل الأميركيين، ولإصلاح نظام التعاقد الحكومي لكي نحمي شعبنا بشكل أفضل وفي الوقت نفسه ننفق أموالنا بشكل متعقل بدرجة أكبر . إن محركات اقتصادنا بدأت التحرك ببطء وإننا نعمل من أجل إجراء إصلاح تاريخي في نظام الرعاية الصحية وقطاع الطاقة لدينا. وإنني أرحب بالمجهود الشاق الذي بذله الكونغرس بشأن هذه المواضيع وغيرها.
ووسط كل هذه التحديات فإن أهم مسؤولية تقع على عاتقي كرئيس للبلاد هو المحافظة على سلامة وأمن الشعب الأميركي. وهذا هو أول شيء أفكر فيه حينما أستيقظ في الصباح. وهو آخر شيء أفكر فيه حينما أهم بالنوم في الليل.
إن هذه المسؤوليات إنما تعاظمت في فترة تهدد فيها شعبنا أيديولوجية متطرفة، وتمنح فيها التكنولوجيا لحفنة من الإرهابيين إمكانية إلحاق ضرر جسيم بنا. إننا بعد أقل من ثماني سنوات على وقوع أبشع هجوم مميت على التراب الأميركي في تاريخنا. ونحن نعلم أن القاعدة ناشطة في التخطيط للهجوم علينا مرة أخرى. ونعلم أن هذا التهديد سيظل ملازما لنا لفترة طويلة، وينبغي علينا استخدام كل عناصر قوتنا لدحره.
لقد اتخذنا بالفعل خطوات عديدة من أجل تحقيق هذا الهدف. وللمرة الأولى منذ العام 2002 فإننا نوفر الموارد اللازمة والتوجيهات الاستراتيجية لنقل القتال إلى المتطرفين الذين هاجمونا في 11 أيلول/سبتمبر، في أفغانستان وباكستان. إننا نستثمر في القدرات العسكرية والاستخباراتية للقرن الـ21 التي ستتيح لنا أن نظل متقدمين عن عدو ذكي. لقد أعدنا تنشيط النظام العالمي لمنع انتشارأسلحة الدمار الشامل لكي نحول دون حصول أخطر الأشخاص في العالم على أكثر الأسلحة فتكا في العالم، وشرعنا في مهمة تأمين كل المواد النووية الطليقة بلا كابح خلال أربع سنوات. إننا نحمي حدودنا بشكل أفضل، ونعزز استعدادنا لمواجهة أي هجوم أو كارثة طبيعية في المستقبل. إننا نقيم علاقات شراكة جديدة في جميع أنحاء العالم من أجل تعويق وتفكيك ودحر القاعدة والجماعات المرتبطة بها. وقمنا بتجديد الدبلوماسية الأميركية حتى نستعيد القوة والثبات اللذيْن يسمحان لنا بقيادة العالم بحق.
وهذه الخطوات مهمة للمحافظة على أمن وسلامة أميركا. ولكنني أؤمن بكل ذرة في كياني بأننا على المدى الطويل لا يمكننا أن نحافظ على سلامة هذا البلد ما لم نشحذ القوة المستمدة من قيمنا الأساسية. والوثائق التي نحتفظ بها في هذه القاعة (وهي) – إعلان الاستقلال، والدستور، ووثيقة الحقوق- ليست مجرد كلمات كُتبت على صفحات تزداد قدما. بل إنها أËاس الحرية والعدالة في هذا البلد، ونور يشع لكل الساعين إلى الحرية والعدالة والمساواة والكرامة في العالم.
إنني أقف هنا اليوم باعتباري شخصا أصبحت حياته ممكنة بفضل تلك الوثائق. إن والدي جاء إلى سواحلنا بحثا عن الوعد الذي كانت تقدمه. ووالدتي دفعتني للاستيقاظ قبل الفجر لأتعلم حقيقتها حينما كنت أعيش في طفولتي على أرض أجنبية. إن مسار رحلتي الأميركية مهدته أجيال من المواطنين ممن أضفوا المعاني على الكلمات البسيطة التي كونت عبارة "تشكيل اتحاد يكون أكثر كمالا." لقد درست الدستور حينما كنت طالبا؛ ودرّسته حينما كنت معلما؛ والتزمت به حينما كنت محاميا ومشرّعا. إنني أقسمت أن أحافظ وأحمي وأدافع عن الدستور باعتباري القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإنني كمواطن أدرك أننا ينبغي ألا ندير ظهورنا على الإطلاق لمبادئه الثابتة بأي حجة أو ذريعة.
إنني لا أعلن هذا من قبيل المثالية فحسب. فإننا نتمسك بقيمنا التي نعتز بها ليس لأن هذا هو الصواب فحسب، وإنما لأنها تعزز قوة بلدنا وتحافظ على أمننا وسلامتنا. إن الوقت وقيمنا –مرة أخرى- هي أفضل ممتلكات أمننا القومي- في الحرب والسلم؛ في أوقات الهدوء وفترات الاضطراب.
إن الإخلاص لمبادئنا هو السبب في أن الولايات المتحدة نمت من مجرد سلسلة صغيرة من المستعمرات تخضع لحكم امبراطورية لتصبح أقوى دولة في العالم.
وهو السبب في أن مقاتلي العدو استسلموا لنا في المعركة، وهم يعلمون أنهم سيحصلون على معاملة من القوات المسلحة الأميركية أفضل من المعاملة التي سيلقونها من حكوماتهم.
إنه السبب في أن الولايات المتحدة استفادت من التحالفات القوية التي ضاعفت قوتنا، ومثلت تناقضا حادا مع خصومنا.
إنه السبب في أننا تمكنا من التغلب على القبضة الحديدية للفاشية، ومن البقاء بعد زوال الستار الحديدي للشيوعية، ومن اجتذاب الأمم والشعوب الحرة في كل مكان إلى قضايانا المشتركة وجهودنا المشتركة.
فمن أوروبا حتى المحيط الهادي، كنا الدولة التي أغلقت غرف التعذيب وأحلت سيادة القانون محل الاستبداد. هؤلاء هم نحن. وحيثما يقدم الإرهابيون الظلم والفوضى والدمار فإنه ينبغي على أميركا أن تبين أن قيمنا ومؤسساتنا أكثر مرونة وقدرة على التكيف من أيديولوجية الكراهية.
وبعد 11 أيلول/سبتمبر، كنا نعلم أننا دخلنا عصرا جديدا يمثل فيه الأعداء الذين لا يلتزمون بأي قانون للحرب تحديات جديدة أمام تطبيقنا للقانون؛ وأن حكومتنا ستحتاج إلى أدوات جديدة من أجل حماية الشعب الأميركي، وأن تلك الأدوات ينبغي أن تكون قادرة على السماح لنا بمنع الهجمات بدل التحقيق مع الذين يحاولون تنفيذها.
وللأسف فإن حكومتنا، وهي تواجه تهديدا لم تكن متأكدة من كنهه، فإنها اتخذت مجموعة من القرارات المتعجلة. وإنني واثق من أن تلك القرارات كانت بدافع صادق لحماية الشعب الأميركي. ولكنني أعتقد أيضا – أنه في أحيان كثيرة- اتخذت حكومتنا قرارات قائمة على الخوف وليس على الحكمة، وأنها كلها في أغلب الأحيان عدّلت الحقائق والأدلة بحيث تتناسب مع النزعة الأيديولوجية. وبدلا من استخدام قوتنا ومبادئنا بأسلوب استراتيجي، فإننا في أغلب الأحيان نحينا تلك المبادىء جانبا باعتبارها ترفا لم نعد نطيق تحمله. وخلال موسم الخوف هذا لاذ الكثيرون منا بالصمت، ديمقراطيون وجمهوريون وسياسيون وصحفيون ومواطنون.
بتعبير آخر، خرجنا عن المسار. وهذا ليس تقييمي أو رايي أنا وحدى. ولكنه تقييم أو رأي يشاركني فيه الشعب الأميركي، الذي رشح لمنصب الرئيس شخصيات من الحزبيْن الرئيسييْن، والذي على الرغم من اختلافاتنا العديدة اختار نهجا جديدا- النهج الذي رفض التعذيب، وأدرك ضرورة إغلاق معتقل غوانتانامو.
والآن اسمحوا لي أن أكون واضحا: إننا بالفعل نخوض حربا مع القاعدة والجماعات المرتبطة بها . وإننا لا بد من أن نطور مؤسساتنا بحيث تستطيع التعامل مع هذا التهديد. غير أننا ينبغي أن نفعل ذلك مع التزامنا بالثقة في دور القانون واتباع الإجراءات التي ينبغي اتباعها ؛ بالنسبة للتوازن بين السلطات وللمحاسبة. ولأسباب سأشرحها فإن القرارات التي اتخذناها خلال الثماني سنوات الأخيرة أسست أسلوبا قانونيا خاصا بغرض مكافحة الإرهاب، لكنه لم يكن فعالا ولا ثابتا- إطار عمل أخفق في الاعتماد على التقاليد القانونية والمؤسسات التي اختبرها الزمن؛ أخفق في استخدام قيمنا كبوصلة تهدينا إلى الطريق. وهذا هو السبب في أنني اتخذت عدة خطوات عقب أن توليت المنصب لحماية الشعب الأميركي بأسلوب أفضل.
أولا، لقد منعت استعمال ما يسمى باسلوب الاستجواب المعزز من قبل الولايات المتحدة.
أنا أعلم بأن البعض يجادل بأن أساليب قاسية مثل محاكاة الإغراق هي ضرورية لإبقائنا في مأمن. لكنني أرفض ذلك كليا. وبصفتي قائدا أعلى (للقوات المسلحة)، أنا أطلع على المواد الاستخباراتية، وأتحمل مسؤولية إبقاء هذه البلاد في مأمن، وأنا أرفض التأكيد بأن هذه أكثر وسائل الاستجواب فعالية. وأكثر من ذلك، إنها تقوض حكم القانون. إنها تنفر العالم منا. وهي تؤدي إلى تجنيد للإرهابيين، وتزيد من رغبة أعدائنا في محاربتنا، بينما تقلل من إرادة الآخرين للعمل مع أميركا. وهي تعرض حياة جنودنا للخطر بتقليص الاحتمال بأن يستسلم آخرون لهم في المعركة، وزيادة الاحتمال بأن الأميركيين ستساء معاملتهم إذا أسروا. بالاختصار، إنها لم تدفع بحربنا وجهودنا ضد الإرهاب إلى الأمام – إنها هدمتها، وذلك هو السبب في أنني أنهيتها كلية.
?ن تفنيد هذه الأساليب لم يبدأ أصلا من حكومتي. وكما قال السناتور ماكين ذات مرة: "إن التعذيب يمكن أن يستخدم كأداة دعاية عظيمة لأولئك الذين يجندون الأشخاص للقتال ضدنا." وحتى في عهد الرئيس بوش، كان هناك اعتراف بين أعضاء إدارته – بمن فيهم وزير خارجية ومسؤولون كبار آخرون، وكثير في القوات المسلحة ومجتمع الاستخبارات – بأن أولئك الذين يجادلون لصالح هذه الأساليب هم في الجانب الخاطىء من النقاش، والجانب الخاطىء من التاريخ. علينا أن نترك هذه الأساليب في المكان الذي تنتمي اليه – الماضي. إنها ليست حيث نحن. إنها ليست أميركا.
القرار الثاني الذي اتخذته هو الأمر بإقفال معسكر السجناء في خليج غوانتنامو.
على مدى أكثر من سبع سنوات، احتجزنا مئات الأشخاص في غوانتنامو. وخلال ذلك الوقت، نجح نظام اللجان العسكرية في غوانتنامو بإدانة ثلاثة أشخاص مشتبه بهم على أ نهم إرهابيون. واسمحوا لي أن أكرر ذلك: ثلاثة أشخاص أدينوا خلال أكثر من سبع سنوات. وعوضا عن تقديم إرهابيين إلى العدالة، لقيت جهود للمحاكمة نكسات، وبقيت قضايا عالقة، وفي عام 2006 اعتبرت المحكمة العليا كامل النظام غير شرعي. وفي غضون ذلك تم الإفراج عن مئة وخمسة وعشرين معتقلا من غوانتنامو في عهد إدارة بوش. ودعوني أكرر: ثلثا المعتقلين أطلق سراحهم قبل أن أتسلم الرئاسة وأمرت بإقفال غوانتنامو.
وليس هناك شك أيضا في أن معسكر غوانتنامو سبب نكسة للسلطة الأخلاقية التي هي عملة أميركا الأقوى في العالم. عوضا عن بناء إطار متين للكفاح ضد القاعدة الذي يعتمد على قيمنا وتقاليدنا الراسخة، كانت حكومتنا تدافع عن مواقف هدمت حكم القانون. والحقيقة، أن جزءا من المنطق لإنشاء غوانتنامو بالدرجة الأولى كان الشعور في غير محله بأن سجنا هناك سيكون بعيدا عن متناول القانون – وهو رأي رفضته المحكمة العليا بقوة. وفي غضون ذلك، عوضا عن أن يكون أداة لمكافحة الإرهاب أصبح غوانتنامو رمزا ساعد القاعدة على تجنيد إرهابيين لصالح قضيتها. وعوضا عن ذلك، أوجد غوانتنامو على الأرجح إرهابيين حول العالم أكثر مما اعتقل في أي وقت.
وعليه فالسجل واضح: عوضا عن أن يجعلنا السجن في غوانتنامو أكثر أمنا، إنه أضعف أمن أميركا الوطني. إنه صرخة حاشدة لأعدائنا. إنه يضعف رغبة حلفائنا في العمل معنا في مقاتلة عدو يعمل في عشرات البلاد.
وفي أي معيار، تكاليف إبقائه مفتوحا تتجاوز بكثير تعقيدات إقفاله. وذلك هو السبب في أنني جادلت طيلة حملتي في أنه ينبغي أن يقفل . وذلك هو السبب في أنني أمرت بإقفاله خلال سنة.
والقرار الثالث الذي اتخذته هو أن أمرت بمراجعة جميع القضايا العالقة في غوانتنامو.
إنني عرفت عندما أمرت بإقفال غوانتنامو بأن الأمر سيكون صعبا ومعقدا. هناك 240 شخصا أمضوا سنوات في انتظار محاكمتهم. وفي معالجة هذا الوضع لا نملك ترف البدء من نقطة الصفر. إننا نحاول إصلاح شىء هو ببساطة ورطة وبلبلة؛ اختبار سيء التوجيه ترك وراءه سيلا من التحديات القانونية التي تضطر إدارتي إلى معالجتها على أساس متواصل، وذلك يستنزف وقت مسؤولي حكومتي الذين كان الأولى بهم أن ينفقوا وقتهم بصورة أفضل على حماية بلدنا.
والواقع أن التحديات القانونية التي أطلقت شرارة هذا الجدل الكثير في الأسابيع الأخيرة في واشنطن، كان لابد لها من أن تحدث سواء قررتُ إغلاق غوانتنامو أم لا. فعلى سبيل المثال، قرار المحكمة بإطلاق سراح سبعة عشر من المعتقلين الويغور (طائفة من المسلمين الصينيين) صدر في الخريف الماضي عندما كان جورج بوش رئيسا. والمحكمة العليا التي أبطلت نظام المحاكمة في غوانتنامو في العام 2006 عيّن غالبيتها الساحقة رؤساء جمهوريون. وبمعنى آخر، مشكلة ما نفعله بمعتقلي غوانتنامو لم يكن سببها قراري إغلاق المنشآت. فالمشكلة قائمة بسبب قرار فتح غوانتنامو في المقام الأول.
لا توجد هنا أجابات منمقة أو سهله. لكنني أستطيع أن أقول لكم إن الإجابة الخاطئة هي الادعاء بأن المشكلة ستزول إذا نحن حافظنا على حالة غير مستدامة للوضع الراهن. فأنا كرئيس أرفض السماح لهذه المشكلة بأن تتقيّح، فمصالحنا الوطنية لا تسمح بذلك. ومحاكمنا لا تسمح بذلك، ثم لا ينبغي لضميرنا أن يسمح بذلك.
والآن، لقد شهدنا خلال عدة أسابيع ماضية عودة إلى التسييس لهذه القضايا الذي تميزت به السنوات العديدة الماضية. أنا أدرك أن هذه القضايا تثير المشاعر والاهتمام. وينبغي لها أن تفعل. فنحن نواجه بعض أعقد المشاكل التي يمكن أن تواجهها الديمقراطية. لكنني لست مهتما بتمضية وقتنا في العودة إلى التقاضي بسياسات السنوات الثماني الماضية. أريد حل هذه المشاكل، وأريد أن نحلها معا كأميركيين.
لن يفيدنا بعض الترويج للخوف الذي يبرز كلما بحثنا هذه المشكلة. فباستماعي إلى المناقشة الأخيرة سمعت كلاما مقصودا به إخافة الناس بدلا من توعيتهم، كلاما علاقته بالسياسة أكبر من حرصه على حماية بلدنا. ولذا فإنني أود اغتنام هذه الفرصة كي أعرض ما نحن بسبيل عمله، وكيف ننوي حل هذه المشاكل المعلقة. سأشرح كيف يساعد كل إجراء نتخذه في بناء إطار يحمي الشعب الأميركي والقيم التي نعتز بها على السواء. سأركز حديثي في مجالين واسعين: أولا، القضايا المتعلقة بغوانتنامو وسياستنا في التوقيف والحجز، وثانيا القضايا المتعلقة بالأمن والشفافية.
دعوني أبدأ بتناول قضية جدلية واحدة بما أستطيع من وضوح: نحن لن نعمد إلى الإفراج عن أي أحد إذا كان ذلك يشكل خطرا على أمننا القومي، ولن نطلق سراح أي معتقل?ن في داخل اßولايات المتحدة ممن يشكلون خطرا على الشعب الأميركي. سنسعى حيث يطالبنا القضاء والأمن الوطني، إلى نقل بعض المعتقلين إلى نفس النوع من المنشآت التي نحتفظ فيها بكل المجرمين الخطرين والعنيفين في داخل حدودنا – السجون ذات الأمنية الشديدة والسلامة العامة. وضعوا في أذهانكم أننا ونحن نتخذ هذه التدابير الحقيقة التالية، وهي: لم يهرب أحد قط من أي من السجون الفدرالية "الفائقة إلى أقصى حد" والتي تحوي مئات الإرهابيين المحكومين. وكما قال السناتور ليندسي غراهام: "إن فكرة أننا لا نستطيع أن نجد مكانا نحتفظ فيه بأكثر من 250 معتقلا في داخل الولايات المتحدة بأمان ليست فكرة عقلانية."
نحن الآن بصدد النظر في قضية كل معتقل في غوانتناموعلى حدة كي نقرر السياسة المناسبة التي يجب أن نطبقها في التعامل معهم. وإننا إذ نفعل ذلك، نعي تماما أن هناك معتقلين ممن تم إطلاق سراحهم في ظل الحكومة السابقة عادوا إلى ميدان المعركة. ولهذا السبب نحن تخلينا عن الأسلوب سيء التخطيط المرتجل الذي سمح بإخلاء أولئك المعتقلين في السابق. فنحن، بدلا من ذلك، نتعامل مع هذه القضايا بعناية وحرص يتطلبهما القانون ويتطلبهما أمننا. وإلى الأمام في المستقبل، ستقسم هذه القضايا إلى خمس فئات واضحة.
أولا، سنحاول، عندما يكون ذلك ممكنا، أن نحاكم أولئك الذين خالفوا القوانين الأميريكية الجنائية في المحاكم الفدرالية – المحاكم التي نص عليها دستور الولايات المتحدة. وقد سخر البعض بمحاكمنا الفدرالية مدعين أنها غير قادرة على محاكمة الإرهابيين. إنهم على خطأ. إن محاكمنا وهيئات محلفي مواطنينا لهم من القوة والحزم ما يدين الإرهابيين، والتاريخ دليل واضح. فرمزي يوسف حاول أن ينسف مركز التجارة الدولي وحوكم وأدين في محاكمنا، وهو يمضي عقوبة السجن المؤبد في سجن أميركي. وزكريا موسوي تم التعرف عليه بأنه الخاطف العشرون في 11 أيلول/سبتمبر – وأدين في محاكمنا وهو أيضا يمضي حكما مدى الحياة في السجن. إذا كنا نستطيع أن نحاكم هذين الإرهابيين في محاكمنا ونودعهم سجوننا، فإننا نستطيع إذن أن نفعل الشيء ذاته مع معتقلين من غوانتنامو.
مؤخرا، حاكمنا وتلقينا اعترافا بالذنب من معتقل – المرّي – في محكمة فدرالية بعد سنوات من الفوضى والارتباك. ونحن نستعد لنقل معتقل آخر إلى المقاطعة الجنوبية من نيويورك حيث سيقدم للمحاكمة بتهم تتعلق بنسف سفارتينا في كينيا وتنزانيا في العام 1998 – وهي التفجيرات التي أسفرت عن مقتل 200 شخص. منع إحضار ذلك المعتقل إلى شواطئنا يحول دون محاكمته وإدانته. لقد آن الأوان بعد أكثر من عقد من الزمن للعدالة أن حقت أخيرا، وهذا ما ننوي أن نفعله.
الفئة الثانية من القضايا تشمل المعتقلين الذين يخالفون قوانين الحرب، وأفضل سبيل لمحاكمتهم هو اللجان العسكرية. وللجان العسكرية تاريخ في الولايات المتحدة يعود إلى أيام جورج واشنطن وحرب الثورة. فهي المكان المناسب لمحاكمة المعتقلين الذين يخالفون قوانين الحرب. فهي تمكّن من حماية المصادر الحساسة وأساليب جمع المعلومات الاستخباراتية، ومن المحافظة على سلام وأمن المشاركين، ومن عرض الأدلة المجموعة من ساحة المعركة ولا تكون فعالة في حال تقديمها أمام المحاكم الفدرالية.
والآن، أوحى البعض بأن هذا يمثل تراجعا من جانبي. إنهم على خطأ. ففي العام 2006 عارضتُ بشدة التشريع الذي اقترحته حكومة بوش وأقره الكونغرس لأنه أخفق في إيجاد الإطار القانوني المشروع ونوع مقبول من الطرق القانونية وحقوق المتهمين التي يمكن أن تصمد أمام الاستئناف. إلا أنني أيدت اللجان العسكرية لمحاكمة المعتقلين شرط أن يتم عدد من الإصلاحات. وهذه هي الإصلاحات التي نحن بصدد إجرائها.
بدلا من استخدام نظام لجان السنوات السبع الماضية بعيوبه، فإن حكومتي تعمل على جعل لجاننا منسجمة مع حكم القانون. فالحكم لا يسمح لنا بعد الآن باستعمال الاعترافات التي تم الحصول عليها باستخدام الأساليب القاسية اللاإنسانية أو المهينة كأدلة. ونحن لن نضع بعد الآن عبء إثبات أن الشهادة باطلة لا يعتمد عليها على الطرف المعارض للشهادة. وسنمنح المعتقلين صلاحية أكبر في اختيار محامهيم وتوفير حماية أكثر إذا رفضوا الشهادة. هذه الإصلاحات - وغيرها – ستجعل لجاننا العسكرية موضع ثقة أكبر ووسائل فاعلة لممارسة القضاء، وسأعمل مع الكونغرس لضمان أن تكون تلك الجان نزيهة ومشروعة وفعالة.
الفئة الثالثة من المعتقلين هم أولئك الذين أمرتنا المحاكم بالإفراج عنهم. دعوني أكرر ما قلته قبلا وهو أن هذا ليس له علاقة أبدا بقراري إغلاق غوانتنامو. بل إنه يعود إلى حكم القانون. فالمحاكم وجدت أنه ليس هناك مبرر شرعي لحجز واحد وعشرين شخصا محتجزين الآن في غوانتنامو. عشرون من تلك القرارات تمت قبل أن أتولى أنا الحكم. والولايات المتحدة بلد قانون ويتحتم علينا أن نطيع هذه الأحكام.
الفئة الرابعة من القضايا تشمل المعتقلين الذين يمكن أن ينقلوا بأمان إلى بلدان أخرى. وقد وافق فريق مراجعة القضايا حتى الآن على نقل خمسين معتقلا. وتجري حكومتي اتصالات مستمرة مع عدد من البلدان الأخرى حول نقل المعتقلين إليها لاستمرار اعتقالهم وإعادة تأهيلهم.
وأخيرا تبقى مسألة معتقلي غوانتنامو الذين لا يمكن محاكمتهم بعد، ويشكلون خطرا واضحا على الشعب الأميركي.
أريد أن أكون صادقا: هذه أصعب مشكلة سنواجهها. وسنتقصى كل سبيل لنا ونستخدمه لمحاكمة أولئك المعتقلين في غوانتنامو ويشكلون خطرا على بلد?ا. ولكن حتى عندما تتم هذه العملية، قد يبقى هناك عدد من الأشخاص الذين لا يمكن محاكمتهم على جرائم سابقة، ولكنهم يشكلون مع ذلك خطرا على أمن الولايات المتحدة. من أمثال الذين يشكلون هذا الخطر الأشخاص الذين تلقوا تدريبا مكثفا على المتفجرات في معسكرات القاعدة أو قادوا مجندي طالبان في المعركة أو أعربوا عن ولائهم لأسامة بن لادن أو أعلنوا صراحة أنهم يريديون قتل الأميركيين. فهؤلاء الأشخاص لا يزالون في الواقع في حرب مع الولايات المتحدة.
وكما قلت، أنا لا إريد الإفراج عن أفراد يشكلون خطرا على الشعب الأميركي. فإرهابيو القاعدة والمتضامنون معهم في حرب مع الولايات المتحدة وأولئك الذين نأسرهم – كأسرى حرب – يجب أن نحول دون تمكينهم من مهاجمتنا مرة أخرى. إلا أنه يجب أن ندرك أن سياسات الاعتقال هذه ليست بغير حدود. ولهذا السبب بدأت حكومتي في أعادة تشكيل المعايير لضمان أن تكون منسجمة مع حكم القانون. يجب أن تكون لنا معايير واضحة قابلة للدفاع عنها ومشروعة بالنسبة لأولئك الذين تشملهم هذه الفئة. يجب أن تكون لنا إجراءات منصفة كي لا نرتكب أخطاء. يجب أن تكون لنا عملية تامة ودقيقة من المراجعة الدورية بحيث يتم بعناية تقييم وتبريرالاعتقال المطوّل.
أنا أدرك أن إيجاد مثل هذا النظام يفرض تحديات فريدة. وكما صارعت بلدان أخرى هذه المسألة يترتب علينا نحن أيضا أن نفعل. لكنني أريد أن أكون واضحا في قولي إن هدفنا هو إقامة إطار قانوني شرعي لمعتقلي غوانتنامو وليس تحاشي إيجاده. الاعتقال الطويل الأمد في نظامنا الدستوري لا يقرره أي شخص واحد بعينه. فعندما وأينما نقرر أن تحتجز الولايات المتحدة أفرادا لمنعهم من القيام بأعمال حربية، فإننا نفعل ذلك من خلال نظام يخضع لإشراف القضاء والكونغرس. وبالتطلع نحو المستقبل، ستتعاون حكومتي مع الكونغرس في تطوير النظام القانوني المناسب الذي يجعل جهودنا متسقة مع قيمنا ودستورنا.
وإننا إذ نمضي في جهودنا قدما نحو إغلاق غوانتنامو، أعلم أن السياسات الحزبية في الكونغرس ستكون صعبة. فهذه القضايا تشكل طعما للإعلانات من 30 ثانية (على التلفزيون) والبريد المباشر يقصد بها بث الخوف. أنا أفهم ذلك. لكننا إذا استمرينا في اتخاذ قراراتنا في ظل جو من الخوف، فإننا سنرتكب مزيدا من الأخطاء. وإذا رفضنا معالجة هذه المشاكل اليوم، فأنا أضمن لكم بأنها ستظل مصدر إزعاج وعقبات لجهودنا في مكافحة الإرهاب في المستقبل. وأنا واثق من أن الشعب الأميركي مهتم بفعل ما هو صواب من أجل حماية هذا البلد أكثر من اهتمامه بالمظاهر السياسية. وأنا لست الوحيد في هذه المدينة الذي أدى يمينا بالحفاظ على الدستور – فقد أداه كل عضو في الكونغرس. ولذا نحن مشتركون معا في مسؤولية تجنيد قيمنا في جهود ضمان أمن شعبنا وأن نخلف وراءنا تركة تسهّل لرؤساء المستقبل المحافظة على هذا البلد آمنا.
المجموعة الثانية من القضايا التي أود بحثها تتعلق بالأمن والشفافية.
الأمن القومي يتطلب توازنا دقيقا. وديمقراطيتنا تعتمد على الشفافية، لكنه يتحتم حماية بعض المعلومات وعدم إعلانها حرصا على أمننا – مثال ذلك، تحركات قواتنا، وجمعنا للمعلومات الاستخباراتية أو المعلومات التي نملك عن المنظمات الإرهابية وشركائها. فبهذه القضايا وغيرها تضع حياة الناس في كفة الميزان.
قبل عدة أسابيع، وكجزء من قضية مطروحة في المحكمة، سمحت بنشر مذكرات صادرة عن مكتب المستشار القانوني في الحكومة السابقة. أنا لم أفعل ذلك لأنني مختلف مع أساليب الاستجواب المشدد التي سمحت بها تلك المذكرات أو لأنني أرفض تبريراتها القانونية – علما بأنني فعلت الاثنين. أنا سمحت بنشر المذكرات لأن وجود أسلوب الاستجواب معروف فعلا وعلى نطاق واسع، واعترفت حكومة بوش بوجوده وأنا منعت بالفعل تلك الأساليب. وأما القول بأن نشر المذكرات سيوفر للإرهابيين، بطريقة ما، المعلومات عن كيفية استجوابهم فلا أساس له – فنحن لن نستجوب الإرهابيين مستخدمين ذلك الأسلوب لأن استخدام ذلك الأسلوب أصبح محظورا.
وباختصار، أنا سمحت بنشر المذكرات لأنه لم يكن هناك سبب ملزم لحمايتها. والنقاش الذي تلا ذلك ساعد الشعب الأميركي على تكوين فهم أفضل لكيفية السماح بأساليب الاستجواب تلك واستخدامها.
ومن ناحية أخرى، فقد عارضت مؤخرا نشر بعض الصور التي التقطت للمعتقلين من قبل موظفين أميركيين بين 2002 و2004. وقد تم التحقيق مع الأفراد الذين انتهكوا معايير السلوك في هذه الصور وتحميلهم المسؤولية. ولا يوجد أي نقاش بشأن ما إذا كان ما ورد في تلك الصور يعد عملا خاطئا، ولم يتم التستر على أي شيء لتبرئة مرتكبي هذه الجرائم. ومع ذلك، فمن رأيي - وذلك بناء على ما بلغني من قبل فريقي للأمن القومي – أن نشر هذه الصور من شأنه إثارة المشاعر المعادية للولايات المتحدة، والسماح لأعدائنا بصياغة صورة غير دقيقة وشديدة الإدانة للقوات الأميركية، مما يعرضها للخطر في جبهات القنال.
وباختصار، ثمة سبب مقنع وواضح لعدم نشر هذه الصور على وجه الخصوص. فهناك حوالي 200 ألف جندي أميركي يخدمون في ظل ظروف محفوفة بالمخاطر، وأنا بصفتي القائد العام للقوات المسلحة أتحمل المسؤولية المهيبة المتمثلة في الحفاظ على أمنهم وسلامتهم. إننا لن نكسب شيئا من نشر هذه الصور ولا يهمنا شيئا أكثر من اهتمامنا بسلامة أرواح شبابنا من الرجال والنساء الذين يعملون في مناطق محفوفة بالمخاطر.
وفي كل حالة من هذه الحالات، كان يتعين علي أن أحقق التوازن الصحيح بين الشفافية والأمن القومي. وهذÃ التوازن يجلب معه مسؤولية ثمينة. وليس هناك شك في أن الشعب الأميركي قد شهد هذا التوازن يمر بفترة امتحان. فقد خرجت الصور التي التقطت في سجن أبو غريب، وأساليب الاستجواب الوحشية إلى العلن قبل فترة طويلة من تسلمي منصبي رئيسا، وقد علم الشعب الأميركي بالإجراءات التي اتخذت باسمه والتي تبعد كل البعد عن المثل العليا التي ناضلت من أجلها أجيال من الأميركيين. وسواء تحدثنا عن الفترة الموصلة إلى بداية حرب العراق أو الكشف عن برامج سرية، فقد شعر الأمريكيون أن جزءا من القصة قد تم حجها عنه من دون داع. وقد تسبب ذلك في تراكم الشكوك. الأمر الذي يؤدي إلى التعطش للمساءلة وتحمل المسؤولية.
وعندما ترشحت لمنصب الرئيس، وعدت بالشفافية، وكنت أعني ما أقول. ولهذا، فإنه يتعين علينا، كلما كان ذلك ممكنا، إتاحة المعلومات للشعب الأميركي حتى يتمكن من إصدار الأحكام المطلعة ويحملنا المسؤولية. ولكنه لم يسبق لي القول، ولن أفعل ذلك، بأن معظم المسائل الحساسة للأمن القومي ينبغي أن تكون عبارة عن كتاب مفتوح. إنني لن أتخلى أبدا -- وسوف أدافع بشدة – عن ضرورة إضفاء طابع السرية على المعلومات من أجل الدفاع عن جنودنا في الحرب ومن أجل حماية المصادر والأساليب والحفاظ على سرية الإجراءات التي تبقي الشعب الأميركي آمنا. وهكذا، فإننا حين لا نتمكن من نشر بعض المعلومات المحددة وجعلها في متناول الجمهور لأسباب أمنية قومية صحيحة، سوف أصر على أن تكون هناك إجراءات رقابية على تصرفاتي – إما من قبل الكونغرس أو من المحاكم.
ونحن بصدد مراجعة السياسات الحالية من قبل جميع هذه الوكالات المسؤولة عن تصنيف الوثائق على أنها سرية لتحديد المجالات التي يمكن إجراء إصلاحات عليها، وللتأكد من أن فروع الحكومة الأخرى ستكون في وضع يمكنها من إعادة النظر في قرارات السلطة التنفيذية بشأن هذه المسائل. ونظرا لأنه يوجد لدينا نظام الضوابط والتوازنات، فإنه يتحتم دائما أنه يقوم شخص ما بمراقبة المراقبين، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالمعلومات الحساسة.
وعلى نفس هذا المنوال، تواجه حكومتي تحديات ما يعرف بامتياز "أسرار الدولة". وهذا هو المبدأ الذي يمنح الحكومة الحيثية القانونية لتحدي القضايا القانونية التي تنطوي على برامج سرية. وقد استخدمه العديد من الرؤساء السابقين - من الحزبين الجمهوري والديمقراطي - لعقود عديدة. وعلى الرغم من أن هذا المبدأ يمثل ضرورة قصوى لحماية الأمن القومي، إلا أنني أخشى أنه قد تم الإفراط والمبالغة في استعماله. يجب علينا ألا نحمي المعلومات لمجرد أنها تكشف عن انتهاك للقانون أو تحرج الحكومة. وهذا هو السبب في أن حكومتي هي على وشك الانتهاء من إجراء مراجعة شاملة لهذه الممارسة.
إننا نعتزم اعتماد عدة مبادئ للإصلاح. وسوف نطبق اختبارا قانونيا أكثر صرامة للمواد التي يمكن أن تكون محمية بموجب امتياز أسرار الدولة. لن نشدد على الامتياز في المحكمة بدون القيام أولا باتباع عملية رسمية، بما في ذلك المراجعة من قبل لجنة من وزارة العدل والموافقة الشخصية لوزير العدل. وأخيرا، سوف نقوم كل سنة بتقديم تقرير إلى الكونغرس طوعا عندما نكون قد استخدمنا هذا الامتياز، ولماذا، لأنه يجب أن تكون هناك رقابة صحيحة على تصرفاتنا.
وفي كل نواحي هذه المسألة المتعلقة بالكشف عن المعلومات الحساسة، أتمنى القول إن هناك صيغة بسيطة (يمكن اتباعها). ولكن لا توجد. هناك قرارات صعبة تنطوي على مخاوف متنافسة، وتتطلب عملية جراحية "للتعاطي معها". ولكن القاسم المشترك بين جميع قراراتي هو قاسم بسيط وهو: إننا سنحافظ على كل ما يجب لحماية الشعب الأميركي، ولكننا أيضا سنضمن المساءلة والرقابة اللتين تعدان السمة المميزة للنظام الدستوري. إنني لن أخفي الحقيقة أبدا لمجرد أنها مزعجه. وسأتعامل مع الكونغرس والمحاكم باعتبارهما فرعان متساويان من فروع الحكومة. وسأخبر الشعب الأميركي، بما أعرف وبما لا أعرف، وعندما أكشف عن شيء أو أبقي شيئا سريا، سأخبركم لماذا فعلت ذلك.
وفي جميع المجالات التي تطرقت إليها اليوم، فإن السياسات التي قد اقترحتها تمثل اتجاها جديدا مغايرا للاتجاه الذي كان معمولا به خلال الأعوام الثمانية الماضية. ولحماية الشعب الأميركي، والمحافظة على قيمنا، فقد منعنا أساليب الاستجواب المعززة. ونحن بصدد إغلاق هذا المعتقل في غوانتنامو. ونعمل على إصلاح نظام محاكمات اللجان العسكرية، وسوف نتبع نظاما قانونيا جديدا لاعتقال الإرهابيين. ونحن نقوم بكشف المزيد من المعلومات السرية وتبني المزيد من الرقابة على أعمالنا، وتضييق استخدامنا لامتياز أسرار الدولة. إن هذه تغييرات مثيرة من شأنها أن تضع طريقتنا في التعامل مع الأمن القومي في وضع أكثر تأكدا وأكثر أمانا وأكثر استدامة، وتنفيذها سيستغرق وقتا.
وهناك مبدأ أساسي سوف نطبقه على جميع أعمالنا: وحتى نتخلّص من الفوضى في غوانتنامو، سوف نعيد تقييم نهجنا باستمرار، ونخضع قراراتنا للمراجعة من الفروع الأخرى للحكومة، وسوف نسعى من أجل الحصول على أقوى إطار قانوني وأكثرها استدامة لمعالجة هذه القضايا على المدى الطويل. وبذلك، يمكننا أن نترك وراءنا إرثا يدوم أطول من فترة حكومتي، ويستمر إلى الرئيس المقبل والرئيس الذي يليه؛ إرثا يحمي الشعب الأميركي، ويتمتع بشرعية واسعة في الداخل أو الخارج.
وهذا هو ما أعنيه عندما أقول إننا بحاجة إلى التركيز على المستقبل؛ إذ إنني أدرك أن الكثيرين لا يزالون ير?بون بقوة في التركيز على الماضي. وعندما يتعلق الأمر بالإجراءات التي تم اتخاذها في السنوات الثماني الماضية، فإن بعض الأميركيين غاضبون، وآخرون يريدون الدخول من جديد في المناقشات التي تمت تسويتها، بكل وضوح في صناديق الاقتراع في تشرين الثاني/نوفمبر. وأنا أعلم أن هذه المناقشات تؤدي مباشرة إلى الدعوة لمحاسبة أكمل، ربما عن طريق لجنة مستقلة.
لقد عارضت تشكيل مثل هذه اللجنة لأنني أعتقد أن مؤسساتنا الديمقراطية الحالية قوية بما فيه الكفاية للقيام بالمساءلة. فبإمكان الكونغرس مراجعة انتهاكات قيمنا، وهناك تحقيقات جارية من قبل الكونغرس في أمور مثل أساليب الاستجواب المعززة. ويمكن لوزارة العدل والمحاكم التحقيق في أية انتهاكات لقوانيننا ومعاقبة مرتكبيها.
إنني أدرك بأنه لا يخفى على أحد أن هناك اتجاها في واشنطن لقضاء وقتنا في توجيه أصابع الاتهام إلى بعضنا البعض. وتغذي ثقافتنا الإعلامية قوى الدفع التي تؤدي إلى نشوب معركة حامية الوطيس. والشيء الوحيد الذي سيسهم في ذلك هو إعادة مقاضاة مطولة للأعوام الثمانية الماضية. وبالفعل، فقد رأينا كيف أن هذا النوع من الجهد يؤدي بمن هم في واشنطن في جوانب مختلفة إلى كيل اللوم، ويمكن أن يصرفنا عن تركيز وقتنا، وجهدنا، وسياستنا على تحديات المستقبل.
ونحن نرى أنه، قبل كل شيء، كيف أن المناقشة الأخيرة قد طمست بطرفين متناقضين ومطلقين. ففي أحد شقي النقاش، هناك الذين لا يتيحون إلا مساحة ضئيلة للتحديات الفريدة التي يشكلها الإرهاب، والذين يكادون لا يضعون أبدا الأمن القومي فوق الشفافية. وفي الجانب الآخر للنقاش؛ هناك الذين يحملون وجهة نظر يمكن تلخيصها في ثلاث كلمات: "كل شيء مباح". وتوحي حججهم أن غايات مكافحة الإرهاب يمكن أن تستعمل لتبرير أية وسيلة، وأنه ينبغي أن يتمتع الرئيس بصلاحيات شاملة ليفعل ما يريد- شريطة أن يكون الرئيس الشخص الذي يتفقون معه في الرأي.
كلا الجانبين يمكن أن يكونا صادقين في وجهات نظرهما، ولكن أيا من الجانبين ليس محقا. الشعب الأميركي ليس شعبا يؤمن بالإطلاق، ولا ينتخبنا لفرض عقيدة متحجرة على مشاكلنا. وهم يعرفون أننا لا نحتاج للتضحية بأمننا من أجل قيمنا ولا للتضحية بقيمنا من أجل أمننا، طالما تعاطينا مع القضايا الصعبة بأمانة، وعناية، وجرعة من الإحساس السليم. إذ إن تلك، على أية حال، هي العبقرية الأميركية الفريدة. وهذا هو التحدي الذي وضعه دستورنا. والذي ظل مصدر قوتنا عبر العصور. وهذا ما يجعل الولايات المتحدة الأميركية تختلف عن غيرها كأمة.
ويمكنني أن أقف هنا اليوم، بصفتي رئيسا للولايات المتحدة، وأقول من دون استثناء أو مواربة إننا لا نمارس التعذيب، وإننا سنحمي شعبنا بقوة وشدة بينما نشكل إطارا قويا ودائما يسمح لنا بمكافحة الإرهاب مع الالتزام بسيادة القانون. وإننا بكل تأكيد؛ إذا ما أخفقنا في طي صفحة هذا النهج الذي اتبع خلال السنوات القليلة الماضية، فعندها لن أكون قادرا على قول ذلك بصفتي رئيسا. وإذا لم نتمكن من الدفاع عن هذه القيم الأساسية، فمن ثم سنكون قد تخلينا عن إيماننا بالوثائق المقدسة في هذه القاعة. إنه لا يمكن لواضعي مسودة الدستور التنبؤ بالتحديات التي تكشفت على مدى السنوات المئة والاثنتين والعشرين الماضية. ولكن دستورنا صمد خلال محاولات الانفصال والنضال من أجل الحقوق المدنية – وخلال الحرب العالمية والحرب الباردة - لأنه يوفر أساسا من المبادئ التي يمكن تطبيقها عمليا، ويزودنا بالبوصلة التي ترشدنا في تبين الطريق.
إن المسار لم يكن دائما سهلا. نحن شعب ينقصه الكمال. وبين الحين والآخر، هناك من يظن أن سلامة أميركا ونجاحها يتطلبان منا التخلي عن المبادئ المقدسة المنصوص عليها في الوثائق الموجودة في هذا المبنى. نحن نسمع هذه الأصوات اليوم. ولكن الشعب الأميركي قد قاوم الإغراء. وعلى الرغم من أننا ارتكبنا نصيبنا من الأخطاء، وقمنا بتصحيح مسار العمل، فقد ثبتنا في إيماننا بالمبادئ التي ظلت مصدر قوتنا، وظلت منارة للعالم.
والآن ، يواجه هذا الجيل اختبارا يتمثل في شبح الإرهاب. وعلى عكس ما كان عليه الحال بالنسبة للحرب الأهلية أو الحرب العالمية الثانية، فإن لا يمكننا التعويل على إقامة مراسم استسلام لإنهاء هذه الرحلة. والآن، وفي معسكرات التدريب البعيدة وفي المدن المزدحمة، هناك أشخاص يخططون لإزهاق أرواح الأميركيين. وسيكون هذا هو الحال بعد عام من الآن، وبعد خمس سنوات من الآن، و-- وفي كل الاحتمالات – بعد عشر سنوات من الآن. لا أنا ولا أي شخص آخر يمكن أن يقف هنا اليوم ويقول إنه لن يكون هناك هجوم إرهابي آخر يزهق أرواح الأميركيين. ولكنه يمكنني القول بثقة إن حكومتي -- إلى جانب قواتنا المسلحة الباسلة والوطنيين من الرجال والنساء الذي يذودون عن أمننا الوطني- قد بذلوا كل ما في وسعهم من أجل الحفاظ على أمن وسلامة الشعب الأميركي. وأنا أعلم علم اليقين بأننا قادرون على هزيمة القاعدة. لان الإرهابيين لا يمكن أن ينجحوا إلا إذا وحدوا صفوفهم وأبعدوا أميركا عن حلفائنا، ولن يكونوا قادرين على فعل ذلك إذا كنا أوفياء لمبادئنا؛ وإذا قمنا بصياغة نهوج صارمة ومستدامة لمكافحة الإرهاب ترتكز على مثلنا الخالدة.
يجب أن يكون هذا هو هدفنا المشترك. وقد ترشحت لمنصب الرئيس لأنني أعتقد أننا لا يمكن أن نواجه التحديات الراهنة ما لم نعمل سوية على حلها. و لن نكون آمنين إذا اعتبرنا أن الأمن القومي عامل تقسيم لأميركا – بل إن قضية الأمن القومي ق?درة، ويجب أن تكون، هي القضية التي توحدنا كشعب واحد، وكأمة واحدة. لقد فعلنا ذلك من قبل في أوقات كانت محفوفة بالمخاطر أكثر من الوقت الراهن. وسنفعل ذلك مرة أخرى. وأشكركم، وبارك الله فيكم وليبارك الله في الولايات المتحدة.
نهاية النص