السلام والأمن | إقامة عالم أكثر استقراراً

27 آذار/مارس 2009

أوباما يشرح استراتيجية جديدة للوضع في أفغانستان وباكستان

ويقول: ينبغي على الولايات المتحدة وأفغانستان وباكستان أن تتكاتف لدحر القاعدة وشل نشاطها

 
أوباما يشرح استراتيجية جديدة للوضع في أفغانستان وباكستان.
أوباما يشرح استراتيجية جديدة للوضع في أفغانستان وباكستان.

واشنطن- ألقى الرئيس الأميركي باراك أوباما يوم 27 آذار/ مارس خطابا أمام حشد غفير من الشخصيات السياسية والعسكرية والمدنية حدد فيه معالم الاستراتيجية الجديدة التي ستنتهجها الولايات المتحدة تجاه الوضع الخطير في كل من أفغانستان وباكستان.

في ما يلي نص الخطاب:

بداية النص

البيت الأبيض

مكتب السكرتير الصحفي

للنشر الفوري

27 آذار/ مارس 2009

كلمة الرئيس باراك أوباما كما أعدت للإلقاء

استراتيجية جديدة  تجاه أفغانستان وباكستان

واشنطن العاصمة

27 آذار/ مارس 2009

أسعد الله صباحكم، وتفضلوا بالجلوس

قبل أن أبدأ كلمتي اليوم، اسمحوا لي أولا أن أشكر أصحاب السعادة على حضورهم....جميع السفراء الحاضرين. كما أود أن أعبر عن امتناني لجميع العسكريين والمدنيين الذين يتأهبون للخدمة في تلك المنطقة. إنني ممتن لكم جميعا لعملكم الرائع.

وأود أن أنوه بالجنرال ديفيد بترياس الموجود بيننا الآن وأشكره على إنجازاته المتميزة. شكرا لبروس ريدل الذي عمل متفانيا على إعداد هذا الاستعراض الاستراتيجي. شكرا لكارل آيكنبري سفيرنا المعين لدى أفغانستان. ولفريقي في مجلس الأمن القومي: شكرا جزيلا على عملكم الرائع.

سأعلن اليوم استراتيجية جديدة شاملة تجاه أفغانستان وباكستان. وهذه هي ثمرة لمراجعة وافية ومتمعنة كنت أمرت بإجرائها بمجرد أن تسلمت منصبي رئيسا. وقد استمعت حكومتي لتقارير قدمها القادة العسكريون والمسؤولون الدبلوماسيون. وقد تشاورنا مع الحكومتين الأفغانية والباكستانية؛ ومع شركائنا وحلفائنا في حلف شمال الأطلسي وغيرههم من الجهات المانحة والمنظمات الدولية. وعلينا أيضا أن يعمل بشكل وثيق مع أعضاء الكونغرس هنا في الداخل. والآن، أود أن أتحدث بوضوح وصراحة إلى أبناء الشعب الأميركي.

إن الوضع يزداد خطرا. لقد مضى على الإطاحة بنظام طالبان عن السلطة أكثر من سبع سنوات، ولكن الحرب لا تزال مستعرة، والمتمردون يسيطرون على أجزاء من أفغانستان وباكستان. وقد ارتفعت بشكل مطرد الهجمات التي تشن ضد قواتنا، وقوات حلفائنا في الناتو، وضد الحكومة الأفغانية. والأشد إيلاما هو أن العام 2008 كان الأكثر دموية في الحرب بالنسبة للقوات الأميركية.

ويطرح العديد من الناس في الولايات المتحدة- بل وفي والكثير من البلدان الشريكة التي تكبدت تضحيات جسيمة - سؤالا بسيطا هو: ما هو هدفنا في أفغانستان؟ وبعد مضي سنوات عديدة، تتساءلون لماذا لا يزال أبناء قواتنا المسلحة من الرجال والنساء يحاربون ويقتلون هناك؟ إنهم يستحقون منا إجابة صريحة واضحة.

ولذلك اسمحوا لي أن أكون واضحا: إن تنظيم القاعدة وحلفاءه - الإرهابيين الذين خططوا ودعموا هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر – موجودون في باكستان وأفغانستان. وتحذر التقارير الاستخباراتية المتعددة من أن تنظيم القاعدة يخطط بنشاط لشن الهجمات على الوطن الأميركي من ملاذه الآمن في باكستان. وإذا قدر للحكومة الأفغانية أن تسقط في يد طالبان -  وسمح للقاعدة بممارسة نشاطها دون التصدي لها – فسيغدو هذا البلد مرة أخرى قاعدة للإرهابيين الذين يريدون قتل أكبر عدد ممكن من أبناء شعبنا.

إن مستقبل أفغانستان يرتبط ارتباطا لا فكاك منه بمستقبل جارتها باكستان. فخلال الفترة التي مرت على هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، وهي ثماني سنوات تقريبا، اعتاد تنظيم القاعدة وحلفاؤه من المتطرفين على التنقل عبر الحدود إلى المناطق النائية من الحدود الباكستانية. ومن شبه المؤكد أن يشمل هذا زعماء القاعدة أمثال أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. وقد استخدموا هذه المناطق الجبلية واستغلوها باعتبارها ملاذا آمنا للاختباء فيها، وتدريب الإرهابيين، والتواصل مع أتباعهم وأنصارهم، والتآمر لشن هجمات، وإرسال المقاتلين لدعم التمرد في أفغانستان. وبالنسبة للشعب الأمريكي، فقد غدت هذه المنطقة الحدودية أخطر مكان في العالم.

ولكن هذه ليست مجرد مشكلة أميركية – إنها بعيدة كل البعد عن كونها كذلك. بل إنها، بدلا من ذلك، مشكلة تشكل خطرا على الأمن الدولي على أعلى المستويات؛ إذ إن الهجمات الإرهابية التي وقعت في لندن وبالي لها صلة بتنظيم القاعدة وحلفائه في باكستان، وكذلك الهجمات التي حدثت في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وفي إسلام أباد وكابول. وإذا وقع هجوم كبير على مدينة ما في آسيا، أو أوروبا، أو أفريقيا، فمن المرجح أن يكون له صلة بقيادة تنظيم القاعدة في باكستان. إن أمن وسلامة أبناء الشعوب في كافة أنحاء العالم على المحك.

 وأية عودة لحكم طالبان، بالنسبة للشعب الأفغاني، ستكون الحكم على أبناء الشعب الأفغاني بالخنوع لحكم وحشي، وعزلة دولية واقتصاد مشلول، وحرمانهم من أبسط حقوق الإنسان الأساسية –  ولاسيما النساء والفتيات. وأية عودة لإرهابيي تنظيم القاعدة الذين يرافقون القيادة الأساسية لحركة طلبان من شأنها أن تلقي بأفغانستان في مستنقع العنف المستمر.

وأنا كرئيس، أعظم مسؤولية تقع على عاتقي هي حماية أبناء الشعب الأميركي. ونحن لسنا في أفغانستان للسيطرة على هذا البلد أو إملاء ما سيكون عليها مستقبله. إن وجودنا في أفغانستان هو للتصدي للعدو المشترك الذي يهدد الولايات المتحدة وأصدقاءنا وحلفاءنا، ويهدد شعبي أفغانستان وباكستان اللذين عانيا أشد العناء على أيدي المتطرفين الذين يمارسون العنف.

ولذا فإنني أريد أن يعي الشعب الأميركي أن لدينا هدفا واضحا ومركزا هو: تعطيل وتفكيك، وهزيمة شبكات القاعدة في باكستان وأفغانستان، والحيلولة دون عودتها إلى أي من البلدين في المستقبل. وهذا هو الهدف الذي يجب تحقيقه. فهذه قضية لا جدال في عدالتها. ورسالتي للإرهابيين الذين يعارضوننا، هي نفسها وهي: إننا حتما سنهزمكم.

ولتحقيق أهدافنا، فإنه يجب علينا وضع استراتيجية شاملة، أقوى وأذكى. وللتركيز على الخطر الأكبر الذي يهدد شعبنا، يجب ألا تحرم أميركا بعد اليوم أفغانستان من الموارد التي تحتاج إليها بسبب الحرب في العراق. ولتعزيز القوات المسلحة، والحكم الرشيد، والقدرة الاقتصادية في أفغانستان وباكستان، يجب علينا حشد الدعم الدولي اللازم. ولكي يتسنى قهر هذا العدو الذي لا يعير أي اهتمام للحدود أو لقوانين الحرب، فإنه يجب علينا أن ندرك الترابط الأساسي بين مستقبل أفغانستان وباكستان - وهذا هو السبب الذي جعلني أعين السفير ريتشارد هولبروك للعمل ممثل خاصا لي لكلا البلدين، والعمل عن كثب مع الجنرال ديفيد بترايوس لدمج جهودنا المدنية والعسكرية وتنسيقها.

دعوني في البداية أتحدث عن سبل المضي قدما في باكستان.

الولايات المتحدة تكن للشعب الباكستاني احتراما عظيما. إن الشعب الباكستاني له تاريخ حافل وثري، وقد ناضل طويلا وفي مواجهة صعاب جمة  للحفاظ على الديمقراطية وصونها. والشعب الباكستاني ينشد الأشياء التي ننشدها نحن: القضاء على الإرهاب، والحصول على الخدمات الأساسية، وإتاحة الفرصة لتحقيق أحلامه، واستتاب الأمن الذي لا يمكن أن يتحقق إلا مع سيادة القانون. إن أكبر تهديد يتعرض له مستقبله يأتي من تنظيم القاعدة وحلفائه المتطرفين، وهذا هو السبب في أننا يجب أن نقف متكاتفين معا.

إن الإرهابيين الموجودين داخل حدود باكستان ليسوا مجرد أعداء أميركا وأفغانستان – بل إنهم يشكلون خطرا جسيما وملحا على الشعب الباكستاني. فقد تسبب تنظيم القاعدة وغيره من المتطرفين الذين يمارسون العنف في مقتل عدة آلاف من الباكستانيين منذ هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. وقد قتلوا العديد من الجنود وعناصر الشرطة الباكستانيين. واغتالوا (الزعيمة الباكستانية) بناظير بوتو وفجروا المباني، ونفروا الاستثمار الأجنبي بإخراجه عن مساره الصحيح، وهددوا استقرار الدولة. إعلموا تماما أن تنظيم القاعدة وحلفاءه المتطرفين هم سرطان يهدد بالقضاء على باكستان من الداخل.

ومن الأهمية أن يعي الشعب الأميركي أن باكستان تحتاج إلى مساعدتنا في ملاحقة تنظيم القاعدة. وهذه ليست مهمة بسيطة. فالمناطق القبلية مترامية الأطراف، ووعرة ، وكثيرا ما تكون غير خاضعة لسلطة الدولة. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نركز على المساعدات العسكرية والعتاد والتدريب والدعم التي تحتاج إليه باكستان من أجل القضاء على الإرهاب. وبعد سنوات من النتائج المتفاوتة، فإننا لن نقدم شيكا على بياض؛ إذ يتحتم على باكستان أن تبرهن على التزامها باقتلاع جذور القاعدة والمتطرفين الذين يمارسون العنف داخل حدودها. وسنصر على نوع الإجراءات التي ينبغي اتخاذها -- بطريقة أو بأخرى -- عندما تتوفر لدينا معلومات استخباراتية حول وجود أهداف إرهابية رفيعة المستوى.

وتعتمد قدرة الحكومة على تدمير هذه الملاذات الآمنة على قوتها الذاتية وأمنها. ولمساعدة باكستان على تذليل الأزمة الاقتصادية، علينا أن نواصل العمل مع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي والشركاء الدوليين الآخرين. ولتخفيف حدة التوتر بين الدولتين النوويتين اللتين تتأرجحان في كثير من الأحيان عند حافة التصعيد والمجابهة، لا بد لنا من بذل جهود دبلوماسية بناءة مع كل من الهند وباكستان. ولتجنب أخطاء الماضي، يجب علينا أن نوضح أن علاقتنا مع باكستان تقوم على أساس دعمنا للمؤسسات الديمقراطية في باكستان ومساندة الشعب الباكستاني. ولكي نثبت قولا وفعلا بأن هذا الالتزام هو التزام دائم، يجب علينا أن نساند الفرصة الدائمة.

وإن الحملات التي نشنها ضد التطرف لن تنجح بالرصاص والقنابل وحدها. تنظيم القاعدة لا يقدم للشعب الباكستاني سوى الدمار. أما نحن فمبادؤنا جد مختلفة. ولذا فإنا أطالب، الكونغرس اليوم بالموافقة على مشروع قانون يحظى بدعم الحزبين برعاية مشتركة من جون كيري وريتشارد لوغار يسمح بتخصيص 1.5 بليون دولار سنويا على شكل دعم مباشر للشعب الباكستاني على مدى السنوات الخمس المقبلة – وسيتم الاستفادة من هذه الموارد لبناء الطرق والمدارس والمستشفيات، ولتعزيز الديمقراطية في باكستان. كما أطلب من الكونغرس الموافقة على مشروع قانون من الحزبين برعاية مشتركة من ماريا كانتويل وكريس فان هولين وبيتر هويكسترا من شأنه أن يوفر الفرصة في المناطق الحدودية لتطوير الاقتصاد وجلب الأمل إلى الأماكن التي تعاني من العنف. وسنطلب من أصدقائنا وحلفائنا القيام بدورهم -- بما في ذلك خلال مؤتمر للمانحين في طوكيو الشهر المقبل.

أنا لا أطلب هذا الدعم باستخفاف وغير ترو. فنحن نمر بأوقات عصيبة. وهناك شح في الموارد. ولكنه يجب أن نفهم الشعب الأميركي بأن هذا يمثل عربون مستقبلنا - لأن أمن أميركا وباكستان أمران مشتركان. إنه يتحتم على حكومة باكستان أن تكون شريكا في تدمير هذه الملاذات الآمنة، كما يجب عزل القاعدة عن بقية أبناء الشعب الباكستاني. وهذه التدابير التي نتخذها في باكستان هي خطوات لا غنى عنها أيضا لدعم جهودنا في أفغانستان، التي لا نرى نهاية للعنف فيها إذا كان للمسلحين أن يتنقلوا بحرية جيئة وذهابا عبر الحدود.

إن الأمن يتطلب منا شعورا جديدا بالمسؤولية المشتركة. وهذا هو السبب في إطلاقنا حوارا ثلاثيا متواصلا بين الولايات المتحدة وأفغانستان وباكستان. سيجتمع المؤولون في دولنا بصورة منتظمة، حيث سيتولى كل من كلينتون وغيتس قيادة جهودنا. وبالتكاتف معا، لا بد لنا من أن نعزز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العسكري على طول الحدود، إضافة إلى  معالجة القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل التجارة، والطاقة، والتنمية الاقتصادية.

وهذا ليس سوى جزء يسير من استراتيجية شاملة ترمي إلى منع أفغانستان من أن تصبح مجددا ملاذا آمنا لتنظيم القاعدة كما كانت عليه خلال فترة ما قبل الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. ولإنجاح هذه الاستراتيجية، فإنه يتعين علينا نحن وأصدقائنا وحلفائنا عكس المكاسب التي حققتها حركة طالبان وتشجيع قيام حكومة أفغانية أقوى ولكن تخضع للمحاسبة.

لقد قاتلت قواتنا المسلحة ببسالة ضد عدو وحشي لا يرحم. وقدم مدنيونا تضحيات جسيمة. وتحمل حلفاؤنا أعباء كبيرة. كما عانى الأفغان، وقدموا التضحيات من أجل مستقبلهم. ولكن أفغانستان حرمت، على مدى ست سنوات، من الموارد التي تحتاج إليها بسبب الحرب في العراق. الآن، بات يتعين علينا أن نقطع على نفسنا تعهدا من شأنه أن يحقق أهدافنا.

لقد سبق لنا وأن أمرنا بنشر قوات قوامها 17000 جندي هو ما كان يطالب به الجنرال مكيرنان لعدة أشهر. وسينقل هؤلاء الجنود ومشاة البحرية الأميركية المعركة إلى الأراضي التي تسيطر عليها حركة طالبان في الجنوب والشرق، ويمنحوننا قدرة أكبر على المشاركة مع قوات الأمن الأفغانية وعلى ملاحقة المتمردين على طول الحدود.

وفي الوقت ذاته، سوف نحول تركيز مهمتنا للتمحور على التدريب وزيادة حجم قوات الأمن الأفغانية، حتى يتسنى لها في نهاية المطاف أخذ زمام المبادرة في بسط الأمن والاستقرار في البلاد. هذه هي الطريقة التي ستعد الأفغان لتحمل المسؤولية عن أمنهم، والتي ستجعلنا قادرين في نهاية المطاف على تحقيق عودة قواتنا إلى أرض الوطن.

على مدى ثلاث سنوات، كان القادة واضحين بشأن مسألة الموارد التي يحتاجونها للتدريب. وقد حرموا من هذه الموارد بسبب الحرب في العراق. ولكن الأحوال ستتغير الآن. فقد تمكنت القوات الإضافية التي نشرت بالفعل من زيادة القدرة على التدريب. وسنقوم في وقت لاحق من هذا الربيع بنشر ما يقرب من 4000 جندي أميركي لتدريب قوات الأمن الأفغانية. ولأول مرة، تتوفر الموارد لدعم جهودنا الرامية لتدريب قوات الجيش والشرطة الأفغانية. وستدخل كل وحدة أميركية في أفغانستان في شراكة مع وحدة أفغانية، وسنسعى إلى الحصول على المزيد من المدربين من دول حلف شمال الأطلسي لضمان أن كل وحدة أفغانية لديها وحدة شريكة من قوات التحالف. وسنعمل على تسريع جهودنا لبناء جيش أفغاني قوامه 134000 جندي وقوة شرطة قوامها 82000 عنصر حتى يتسنى لنا تحقيق هذه الأهداف بحلول عام 2011 – إذ إن الحاجة ستقتضي هذه الزيادة في عديد القوات الأفغانية بينما تسير خططنا لتسليم المسؤولية الأمنية للأفغان على قدم وساق.

ويجب أن يقترن هذا الاندفاع بزيادة كبيرة في الجهود المدنية. صحيح أن الحكومة في أفغانستان حكومة منتخبة لكن الفساد يقوضها وتواجه صعوبة في توفير الخدمات الأساسية لشعبها. فالاقتصاد ينال منه بشدة ازدهار تجارة المخدرات التي تشجع الإجرام وتمول التمرد. إن الشعب الأفغاني ينشد الوعد بمستقبل أفضل. ومع ذلك، فقد شاهدنا، مرة أخرى، كيف يحجب العنف والملابسات نور الأمل بقدوم يوم جديد.

ولذا فإن إشاعة الأمن وتوفير الفرص وتحقيق العدالة - ليس فقط في كابول، ولكن في جميع المحافظات من القاعدة إلى القمة - تحتاج إلى المربين والاختصاصيين الزراعيين والمهندسين والمحامين. هذه هي الطريقة التي يمكن بها أن تساهم الحكومة الأفغانية في خدمة الشعب وتطوير اقتصاد لا تهيمن عليه المخدرات غير المشروعة. وهذا هو السبب الذي جعلني آمر بزيادة كبيرة في عديد موظفينا المدنيين العاملين على أرض الواقع. وهذا أيضا هو السبب الذي يحتم علينا أن نسعى من أجل الحصول على دعم مدني من شركائنا وحلفائنا، ومن الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية- وهو جهد ستمضي به وزيرة الخارجية كلينتون قدما في الأسبوع المقبل في لاهاي.

وقد يحلو للمرأ عندما تلم به ضائقة اقتصادية أن يقتنع أن بالإمكان اخترال المسافات واختصار الجهد. ولكن فلنعلم جميعا أن جهودنا سوف تفشل في أفغانستان وباكستان إذا لم نستثمر في مستقبلنا. ولها السبب تتضمن ميزانتي استثمارات لا غنى عنها في برامج وزارة الخارجية والمساعدات الخارجية. وهذه الاستثمارات تخفف العبء عن كاهل قواتنا. ذلك أنها تساهم مساهمة مباشرة في استتباب الأمن مما يعزز بدوره أمن الشعب الأميركي. وهي أيضا تقتصد مبلغا كبيرا من المال على المدى الطويل لأن تدريب شرطي ما على المحافظة على الأمن في قريته أو مزارع ما على زرع الغلال وحصدها أقل تكلفة بكثير من إرسال قواتنا إلى ميادين المعارك فترة تلو أخرى دون أن نحول هذه المسؤولية إلى الجانب الأفغاني.

وفيما نقدم هذه الموارد ينبغي أن نضع حدا لعهد الإنفاق بغير حساب وإبرام العقود دون مناقصات والتبذير والإسراف في مشاريع إعادة الإعمار. لهذا فإن ميزانيتي ستزيد التمويل المخصص لمكتب المفتش العام في كل من وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، كما ستتضمن تمويلا سليما لبرنامج المفتش العام المختص بمشاريع إعادة البناء في أفغانستان.

وأود أن أكون واضحا: إننا لا نستطيع أن نتعامى عن الفساد الذي يدفع أبناء أفغانستان إلى فقدان الثقة بزعمائهم. وبدلا من ذلك فسوف نسعى إلى ميثاق جديد مع الحكومة الأفغانية يعاقب الفاسدين ويضع معايير واضحة للمساعدات الدولية بحيث تنفق لسد حاجات الشعب الأفغاني.

وفي بلد يعاني من الفقر المدقع منذ زمن طويل ويعاني الأمرين بسبب حروب نكب بها شعبه لعشرات من السنين فلن يكون هناك سلام بغير مصالحة وطنية بين أعداء الأمس. ولا تخامرني أي أوهام بأن هذا سيكون بالأمر اليسير. ولكننا في العراق حققنا نجاحا في التواصل مع أعدائنا السابقين وأقنعناهم بمحاربة القاعدة وعزلها. ويجب علينا أن ننتهج مسارا مماثلا في أفغانستان دون أن ننسى أننا في بلد مختلف جدا.

هنالك عناصر في قلب حركة طلبان من المتطرفين العنيدين الذين لا يحيدون عن مواقفهم المتزمتة. ينبغي مواجهة هوؤلاء بالقوة ودحرهم. غير أن هناك أيضا من حمل السلاح بفعل الإكراه أو بإغراء المال. هؤلاء الأفغان يجب أن تتاح لهم فرص اختيار سبيل آخر. ولهذا السبب سوف نعمل مع وجهاء الأهالي والحكومة الأفغانية والشركاء الدوليين في الشروع في مصالحة بين أعداء الأمس في كل محافظة من المحافظات الأفغانية. وفيما تتناقص أعداد الإرهابيين سيجد العدو نفسه خالي الوفاض لا يقدم للشعب الأفغاني سوى الرعب والاضطهاد، وبالتالي سكون مصيره مزيدا من العزلة. وسنواصل دعم الحقوق الإنسانية الإساسية لجميع الأفغان، لا سيما النساء والفتيات.

ولن نمضي في هذا الشوط على غير هدى. إننا سنضع معايير واضحة لقياس مدى التقدم وسنكون عرضة للمحاسبة أمام شعبنا. سوف نعكف على الدوام على تقييم جهودنا الخاصة بتدريب قوات الأمن الأفغانية ومدى تقدمنا في مكافحة المتمردين. وسوف نقيس نمو الاقتصاد الأفغاني ونلقي نظرة متفحصة على انتاج المخدرات المحظورة. وسوف نرى ما إذا كنا نستخدم الأدوات والأساليب الصحيحة لتحقيق التقدم نحو بلوغ أهدافنا.

كل هذه الخطوات الآنفة الذكر لن تكون سهلة التطبيق، وليس من العدل أن تقع مهمة تطبيقها على كاهل الولايات المتحدة وحدها. فبوسع العالم أن يدفع الثمن المستحق عليه لأن مخاطر إنزلاق أفغانستان نحو الفوضى هي أشد مما يمكن تحمله. إن علينا جميعا مسؤولية مشتركة ليس لأننا نود بسط سيطرتنا، بل لأن سلامنا وأمننا يتوقفان على ذلك. وليس أمننا وحده هو الذي في كفة الميزان، بل إنها الفكرة الحميدة بان تستطيع الدول الحرة أن تتكاتف لصالح الأمن المشترك. والواقع أن ذلك كان السبب الأساسي لإنشاء منظمة حلف شمال الأطلسي قبل ستة عقود من الزمن، وينبغي أن يظل ذلك هدفنا المشترك اليوم.

إن حكومتي ملتزمة بتعزيز المنظمات الدولية والعمل والجماعي. وهذه ستكون رسالتي في أوروبا في الأسبوع المقبل. ومع قيام أميركا بإنجاز المزيد سوف نطلب من الآخرين أن يشاطرونا العمل. من شركائنا ومن حلفائنا: نحن لا نطلب قوات مقاتلة فحسب بل قدرات واضحة ومحددة: ألا وهي مساندة الانتخابات الأفغانية وتدريب قوات الامن الأفغانية والتزام ميداني أقوى نحو شعب أفانستان. أما بالنسبة للأمم المتحدة فنحن نطلب قدرا أكبر  من التقدم في التفويض الممنوح لها لتنسيق المساعدات الدولية وتعزيز المؤسسات الأفغانية.

أخيرا وبالتعاون مع الأمم المتحدة، سوف نشكل مجموعة اتصال جديدة لأفغانستان وباكستان تجمع شمل كل من له مصلحة جوهرية في أمن المنطقة... حلفاءنا وشركاءنا الآخرين وكذلك دول آسيا الوسطى ودول الخليج وإيران وروسيا والهند والصين. هذه الدول لن يستفيد أي واحد منها من وجود قاعدة لإرهابيي القاعدة ومنطقة تعمها الفوضى. إن لنا جميعا مصلحة جوهرية في تحقيق وعد السلام الدائم والأمن والتنمية.

ويصح هذا القول قبل كل شيء على دول الإئتلاف التي حاربت سوية في أفغانستان جنبا إلى جنب مع القوات النظامية الأفغانية. لقد كانت التضحيات جسيمة. فقد فقد حوالى سبعمئة أميركي أرواحهم. كما أن قوات من أكثر من عشرين دولة دفعت ثمنا باهظا. والشعب الأميركي كله يوقر ويجل خدمة من حاربوا ويعتز بصداقتهم ويحترم أؤلئك الذين كافحوا وأريقت دماؤهم. إن الشعب الأميركي كله يقر ويجل خدمة أبناء وبنات القوات المسلحة.... هؤلاء الذين حملوا على كواهلهم عبئا جسيما بقدر ما تحملته الأجيال السابقة. إنهم وعائلاتهم رمز للتضحية الإئثار بأروع ما يكون هذا الرمز.

إن الولايات المتحدة لم تختر من تلقاء نفسها ان تخوض حربا في أفغانستان. فنحو ثلاثة الاف شخص من أبناء شعبنا قتلوا في 11 أيلول/ سبتمبر 2001 لا لذنب سوى لانهم كانوا في ذلك اليوم يكسبون أرزاقهم. ومن ذلك الحين عمدت القاعدة وحلفاؤها الى قتل الاف من الناس في العديد من الدول. والدماء البريئة التي سفكت وأزهقت كانت في معظمها دماء أبرياء من المسلمين قتلهم ارهابيوا القاعدة وشوهوا جثثهم بأعداد كبيرة. هذا هو المستقبل الذي تلوح به القاعدة لشعبي باكستان وأفغانستان، إنه مستقبل لا أمل فيه ولا وعد ولا فرص، مستقبل لا عدالة فيه ولا سلام.

ولذا فلنعلم جميعنا أن الطريق أمامنا طويل. ستكون هناك ايام عسيرة وشاقة. ولكننا سنسعى الى قيام شراكتين دائمتين مع أفغانستان وباكستان تحملان في طياتهما وعد عهد جديد لكلا الشعبين. إننا لن نتوانى عن استخدام كل عناصر قوتنا القومية لإلحاق الهزيمة بالقاعدة وحماية أميركا وحلفائنا وكل من يسعى الى مستقبل افضل. ولاغرو في ذلك، فالولايات المتحدة تنادي بالسلام والامن والعدالة والفرص. هذا هو معدننا الاصيل وهذا ما يمليه علينا التاريخ مرة اخرى.

شكرا لكم، بارككم الله وليبارك المولى الولايات المتحدة.

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي