السلام والأمن | إقامة عالم أكثر استقراراً

15 تموز/يوليو 2009

النص الكامل لخطاب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن السياسة الخارجية في مجلس العلاقات الخارجية

الوزيرة كلينتون تتطرق إلى التحديات السياسية الرئيسية، بما فيها التحدي العسكري

 

بداية النص

وزارة الخارجية الأميركية

مكتب الناطق الرسمي

15 تموز/يوليو، 2009

خطاب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن السياسة الخارجية في مجلس العلاقات الخارجية

واشنطن، العاصمة

الوزيرة كلينتون: شكرا جزيلا لك يا ريتشارد، وإنني سعيدة جدا أن أكون هنا في هذا المقر الجديد. لقد زرت مرارا على ما أعتقد مقركم الرئيسي في نيويورك، ولكنها فكرة جيدة أن يكون لكم مقر فرعي متقدم هنا على مسافة قريبة جدا من مبنى وزارة الخارجية. نحصل على الكثير من المشورة من المجلس، وهذا يعني أنه لا ينبغي عليّ أن أذهب بعيدا لأحصل على المشورة بشأن ما ينبغي علينا أن نفعل وكيف علينا أن نفكر بشأن المستقبل.

لقد قدم ريتشارد لكم ما يمكن وصفه بنسخة ملخصة لخطابي في حديثه عن القضايا التي تواجهنا. ولكنني وإذ أنظر إلى هذا الجمهور هنا، فإنني أراه لا يعج بالعديد من الأصدقاء والزملاء فحسب، بل وبالأشخاص الذين عملوا في حكومات سابقة أيضا. وهكذا فليس هناك أبدا وقت لا يكون فيه الصندوق المخصص لما علينا أن نقوم به من مهمات يومية ممتلئا.

قبل أن أبدأ عهدي بوزارة الخارجية بوقت قصير، اتصل بي وزير خارجية سابق ليقدم لي النصيحة التالية: لا تحاولي أن تفعلي الكثير. وقد بدت تلك وكأنها نصيحة جيدة، ولكن فقط لو أنها كانت ممكنة. فالأجندة الدولية اليوم لا ترحم: فهناك حربان، وصراع في الشرق الأوسط وتهديدات مستمرة من قبل قوى التطرف العنيف وهوة متزايدة الاتساع بين الأغنياء والفقراء. كل هذه التحديات تؤثر في أمن أميركا ورخائها وهي جميعها تهدد الاستقرار والتقدم العالميين.

ولكنها ليست سببا لليأس حيال المستقبل. فالقوى ذاتها التي تفاقم من مشاكلنا – التداخل بين اقتصادات الدول واعتمادها على بعضها البعض، والحدود المفتوحة، والحركة السريعة للمعلومات ورأس المال والسلع والخدمات والأفراد – هي أيضا جزء من الحل. وفي ضوء أن عددا أكبر من الدول يواجه تحديات مشتركة، فإن أمامنا فرصة، بل ومسؤولية مهيبة، بأن نمارس الدور القيادي لأميركا لحل المشاكل بالتعاون مع الآخرين. هذا هو صلب مهمة أميركا في العالم اليوم.

البعض يرى صعود دول أخرى ومشاكلنا الاقتصادية هنا في الوطن على أنها مؤشرات على أن قوة أميركا قد خبت. والآخرون ببساطة لا يثقون في أن نتولى نحن زمام القيادة؛ فهم ينظرون إلى أميركا كقوة غير خاضعة لأي مساءلة أو محاسبة، قوة تسارع إلى فرض إرادتها على حساب مصالحهم وعلى حساب مبادئنا. ولكنهم مخطئون.

والسؤال ليس هو ما إذا كانت بلادنا قادرة على أو ينبغي عليها أن تقود، بل هو كيف عليها أن تقود في القرن الحادي والعشرين. الإيديولوجيات غير المرنة والصيغ القديمة لم تعد صالحة. نحتاج إلى حالة ذهنية جديدة حول كيف يمكن لأميركا أن تحمي بلدنا وتوسع رخاءنا المشترك وتساعد عددا أكبر من الناس في عدد أكبر من الأماكن على تحقيق إمكانياتهم التي وهبهم الله إياها.

لقد قادنا الرئيس أوباما إلى التفكير خارج الحدود المعتادة. فقد أطلق حقبة جديدة من التواصل القائمة على المصالح المشتركة، والقيم المشتركة والاحترام المتبادل. ونحن نتجه إلى الأمام، وبالاعتماد على عوامل قوة أميركا الفريدة، علينا الدفع قدما بهذه المصالح عبر الشراكة وأن نروج للقيم العالمية عبر قوة قدوتنا وعبر تمكين الناس. وبهذه الطريقة، نستطيع صوغ الاتفاق العام العالمي المطلوب لدحر التهديدات وإدارة المخاطر واغتنام فرص القرن الحادي والعشرين. أميركا ستظل دائما قائدا عالميا ما دمنا مخلصين لمثلنا ونتبنى الاستراتيجيات التي تناسب الزمن الذي نعيشه. وعليه، فإننا سنمارس القيادة الأميركية لبناء الشراكات وحل المشاكل التي لا تستطيع دولة لوحدها حلها، وسوف نتبع سياسات لحشد المزيد من الشركاء وتحقيق النتائج.

أولا، اسمحوا لي بالقول إن الأفكار التي تصوغ سياستنا الخارجية هي أفكار مهمة بصورة حاسمة، وهذا بالنسبة لي ليس مجرد تمرين فكري. فلأكثر من 16 سنة أتيحت لي فرصة، بل هي ميزة حقا، تمثيل بلادنا في الخارج كسيدة أولى وكعضو في مجلس الشيوخ والآن كوزيرة للخارجية. لقد رأيت البطون الخاوية للأطفال الجوعى والبنات اللواتي يتم بيعهن في أعمال الاتجار بالبشر والرجال الذين يموتون بسبب أمراض يمكن علاجها والنساء اللواتي يحرمن من حق التملك أو الاقتراع والشبان المحرومين من فرص الالتحاق بالمدارس أو الحصول على العمل الذين يتملكهم إحساس بعدم جدوى مستقبلهم.

وقد رأيت كذلك أن الأمل والعمل الجاد والإبداع يمكن أن تتغلب على أسوأ الاحتمالات والحظوظ. فعلى مدى ما يقرب من 36 سنة، عملت كمدافعة عن قضايا الأطفال والنساء والأسر هنا في الوطن. وقد سافرت عبر البلاد كلها مستمعة إلى مشاغل مواطنينا اليومية. وقد قابلت آباء يكافحون من أجل الاحتفاظ بوظائفهم وتسديد دفعات قروضهم العقارية وتغطية نفقات رسوم أبنائهم الجامعية والتمكن من الحصول على التأمين الصحي.

وكل ما فعلته ورأيته أقنعني أن على سياستنا الخارجية أن تسفر عن نتائج تنفع الناس – عمال مصانع السيارات المسرحين في ديترويت الذين يعتمد مستقبلهم على تعافي الاقتصاد العالمي؛ المزارع أو صاحب المشروع التجاري الصغير في العالم النامي الذي يمكن أن يؤدي انعدام الفرص أمامه إلى انعدام الاستقرار السياسي والركود الاقتصادي؛ الأسر التي يخاطر أحبتها بحياتهم من أجل بلادنا في العراق وأفغانستان وغيرهما؛ الأطفال في كل مكان الذين يستحقون مستقبلا أكثر إشراقا. هؤلاء هم أناس – هناك مئات الملايين منهم هنا في أميركا والبلايين حول العالم – الذين ينبغي لحياتهم وخبراتهم وآمالهم وأحلامهم أن تكون مرشدا تسترشد به القرارات التي نتخذها والأفعال التي تتلوها.

وفي تعاطينا مع السياسة الخارجية، علينا أن نتعامل مع القضايا الملحة، المهمة، والطويلة الأجل في وقت واحد. غير أنه وفي حين أننا نضطر إلى القيام بأكثر من مهمة في وقت واحد – وهو مصطلح يتعلق بجنس معين (ضحك) – يجب أن تكون لدينا أولويات، وهي التي لخصها الرئيس أوباما في الخطب التي ألقاها من براغ إلى القاهرة، فموسكو وأكرا. إننا نريد عكس مسار انتشار الأسلحة النووية، ومنع استخدامها، وبناء عالم خال من تهديداتها. نريد أن نهزم وندحر الإرهابيين ونتصدى للمتطرفين العنيفين مع التواصل مع المسلمين حول العالم. نريد أن نشجع ونسهل تحقيق سلام شامل في الشرق الأوسط. نريد السعي إلى تحقيق تعاف ونمو اقتصادي عالمي – عن طريق تقوية اقتصادنا، والدفع قدما بأجندة تنمية نشطة، وتوسيع نطاق التجارة الحرة والمنصفة، وزيادة الاستثمارات التي توفر فرص العمل الكريمة. نريد أن نتصدى للتغير المناخي، وأن نزيد أمن الطاقة، وأن نضع الأساس لمستقبل مزدهر تُستخدم فيه الطاقة النظيفة. نريد أن ندعم ونشجع الحكومات الديمقراطية التي تحمي الحقوق وتقدم النتائج لشعوبها. ونعتزم الدفاع عن حقوق الإنسان في كل مكان.

الحرية، الديمقراطية، العدالة والفرصة تقف خلف أولوياتنا هذه. البعض يتهمنا بأننا نستعمل هذه الأمثلة لتبرير أفعال تناقض معناها الفعلي. والبعض الآخر يرى أننا متعالون وإمبرياليون، وأننا نسعى فقط من أجل توسيع قوتنا على حساب الآخرين. صحيح أن هذه الانطباعات أدت إلى تغذية المشاعر المعادية لأميركا، ولكنها لا تعكس هويتنا وكينونتنا الفعلية. لا شك في أننا فقدنا بعض الأرضية في السنوات القليلة الماضية على هذا الصعيد، ولكن الضرر مؤقت. ولعل ذلك كما هو حال مرفقي، فهو يتحسن يوميا. (ضحك).

وسواء في أميركا اللاتينية أو في لبنان أو إيران أو ليبيريا، فإن أولئك الذين تلهمهم الديمقراطية، أولئك الذين يفهمون أن الديمقراطية هي أكثر من مجرد إجراء الانتخابات – أي أن عليها أيضا أن تحمي حقوق الأقليات وحرية الصحافة وعليها أن تبني أجهزة قضائية قوية، كفؤة ومستقلة، وتبني المجالس التشريعية والوكالات التنفيذية، والملتزمة بالديمقراطية لتقديم النتائج – هؤلاء الناس هم الذين سيجدون أن الأميركيين هم أصدقاؤهم، وليسوا خصومهم. وكما أوضح الرئيس أوباما في غانا الأسبوع الماضي، فإن هذه الحكومة ستدافع عن الحكم الشفاف الخاضع للمحاسبة، وستدعم أولئك الذين يعملون لبناء المؤسسات الديمقراطية أينما يعيشون. وأولئك هم الناس الذين يلهمونني وزملائي والعمل الذي نحاول القيام به كل يوم.

نهجنا في السياسة الخارجية يجب أن يجسد العالم كما هو، وليس كما كان عليه في السابق. فليس من المعقول اعتماد استراتيجية انسجام القوى التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر أو استراتيجية ميزان القوى في القرن العشرين. ولا يمكننا العودة إلى سياسة الاحتواء في الحرب الباردة أو سياسة الأحادية.

واليوم، يتحتم علينا أن نقر بحقيقتين لا مفر منهما يحددان مسار عالمنا: أولهما، إنه لا توجد دولة قادرة على مجابهة التحديات ال╩ي يواجهها العالم بمفردها. فالقضايا الماثلة أمامنا بالغة التعقيد. إذ يوجد هناك عدد كبير جدا من اللاعبين يتنافسون على النفوذ، ابتداء من القوى الصاعدة إلى الشركات إلى منظمات الكارتل الإجرامية؛ ومن المنظمات غير الحكومية إلى تنظيم القاعدة؛ ومن وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة إلى الأفراد الذين يستخدمون موقع "تويتر" المفتوح على الإنترنت.

والحقيقة الثانية هي، أن معظم الدول تشعر بدواعي قلق تجاه نفس التهديدات العالمية، ابتداء من الحد من انتشار الأسلحة النووية إلى محاربة الأمراض إلى مكافحة الإرهاب، ولكنها أيضا تجابه بعقبات حقيقية جدا- لأسباب تاريخية وجغرافية وعقائدية، والقصور الذاتي. إنها تواجه هذه العقبات وهي عقبات تقف حجر عثرة أمام تحول المصالح المشتركة إلى عمل مشترك.

ولذا تستلزم هاتان الحقيقتان هيكلية عالمية مختلفة – هيكلية يكون للدول فيها حوافز واضحة للتعاون والارتقاء إلى مستوى مسؤولياتها، وكذلك مثبطات قوية تحول دون بقائها على الهامش أو قيامها بزرع بذور الفتن والانقسامات.

وهكذا فإننا سنمارس قيادتنا الأميركية من أجل التغلب على ما يُطلق عليه خبراء السياسة الخارجية في أماكن مثل هذا المجلس "مشاكل العمل الجماعي" وما أطلق عليها أنا العقبات التي تعترض سبيل التعاون. لأنه لا توجد دولة قادرة على مواجهة هذه التحديات بمفردها، كما أنه لا يمكن مجابهة أي تحد بدون أميركا.

وهذه هي الكيفية التي سنعمل بها: سنعمل من خلال المؤسسات القائمة ونصلحها. ولكننا سنذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. إذ سنستخدم قوتنا  للجمع، وقدرتنا للربط،  بين البلدان في جميع أنحاء العالم، واستراتيجياتنا السليمة الخاصة بالسياسة الخارجية لإقامة شراكات تهدف إلى حل المشاكل. وسوف نتجاوز الدول لخلق فرص أمام الجهات الفاعلة غير الحكومية والأفراد من أجل المساهمة في وضع الحلول.

إننا نؤمن بأن هذا النهج سوف يعزز مصالحنا وذلك بتوحيد شركاء متنوعين حول مشاغل المشتركة. وهذا سيجعل من الأصعب على الآخرين التنصل من تحمل  مسؤولياتهم أو إساءة استخدام سلطاتهم، ولكنه سيوفر مكانا على مائدة الاجتماع لأي دولة أو جماعة، أو مواطن على استعداد لتحمل نصيب عادل من أعباء المسؤولية. باختصار، سوف نقود من خلال تشجيع وتحفيز مزيد من التعاون بين عدد أكبر من الفاعلين، والحد من التنافس، وترجيح كفة الميزان  بعيدا عن عالم متعدد الأقطاب ونحو عالم متعدد الشركاء.

ومع ذلك فإننا نعلم أن هذا النهج لا يشكل حلا سحريا. وسنظل متيقظين وواضحي الرؤية بشأن هدفنا. ليس كل الناس العالم يحبون لنا الخير أو يشاطروننا قيمنا ومصالحنا. وسيسعى البعض جاهدين لتقويض مجهوداتنا. وفي هذه الحالات، يمكن أن تصبح شراكاتنا تحالفات قوى لكبح أو ردع هذه الأعمال السلبية.

ولهؤلاء الخصوم والخصوم المستقبليين، اسمحوا لي أن أقول إن تركيزنا على الدبلوماسية والتنمية ليس بديلا من ترسانة أمننا الوطني. إن استعدادنا لإجراء محادثات لا يدل على ضعف يمكن استغلاله. إننا لن نتردد في الدفاع بقوة عن أصدقائنا ومصالحنا، وقبل كل شيء، عن شعبنا بأقوى قوات مسلحة في العالم عندما تستدعى الضرورة. إن هذا ليس الخيار الذي نسعى إليه ولا هو تهديد، بل هو وعد لكل الأميركيين.

إن بناء هيكلية للتعاون العالمي يتطلب منا وضع السياسات الصحيحة والسليمة واستخدام الأدوات الصحيحة. وأنا غالبا ما أتحدث عن القوة الذكية لأنها أساسية جدا لتفكيرنا ولاتخاذ القرارات. وهذا يعني أن الاستخدام الذكي لجميع الوسائل المتاحة أمامنا، بما فيها قدرتنا على الجمع والربط. وهذا يعني قوتنا الاقتصادية والعسكرية؛ وقدرتنا على تنظيم مشاريع الأعمال التجارية والابتكار؛ وقدرة ومصداقية رئيسنا الجديد وفريقه. وهذا يعني أيضا تطبيق المنطق السليم القديم الخاص بصنع السياسة. إنه مزيج من المبدئية والتفكير العملي الواقعي.

القوة الذكية تترجم إلى سياسة نهج محدد في خمسة مجالات. أولاً، نعتزم تحديث وخلق آليات للتعاون مع شركائنا؛ ثانياً، سوف نتابع الحوار القائم على المبدأ مع أولئك الذين يختلفون معنا؛ ثالثا، سوف نقوم برفع مستوى التنمية لجعلها ركيزة أساسية للقوة الأميركية؛ رابعاً، إننا سندمج العمل العسكري والمدني في مناطق النزاعات؛ خامسا، سوف ندعم مصادر القوة الأميركية الرئيسية، بما في ذلك قوتنا الاقتصادية وقوة مثلنا العليا.

ونهجنا الأول هو بناء هذه الآليات الأقوى من التعاون مع الحلفاء التاريخيين، ومع القوى الناشئة، والمؤسسات المتعددة الأطراف، ومواصلة ذلك التعاون، كما ذكرت، بطريقة عملية ومبدئية. ونحن لا نرى أنها تتعارض ولكنها مكملة لبعضها البعض.

وقد بدأنا (هذا النهج) من خلال تنشيط التحالفات الأساسية التي لدينا، التي أصابها الوهن في السنوات الأخيرة. ففي أوروبا، هذا يعني علاقات ثنائية محسنة، وشراكة أكثر إنتاجية مع الاتحاد الأوربي، وتنشيط حلف الناتو. إنني أعتقد بأن حلف شمال الأطلسي يعتبر أعظم تحالف في التاريخ. ولكنه تشكل إبان للحرب الباردة. أما الناتو الجديد فهو مجتمع ديمقراطي يضم حوالي بليون نسمة يقطنون منطقة تمتد من دول البلطيق في الشرق إلى ألاسكا في الغرب. إننا نعمل على تحديث مفهومه الاستراتيجي بحيث يكون فعالا في هذا القرن كما كان في (القرن) الماضي.

وفي الوقت نفسه، نعمل مع حلفاء أساسيين تربطنا بهم معاهدات أساسية وهي اليابان وكوريا وأستراليا وتايلاند والفلبين وغيرها من الشركاء لتعزيز العلاقات الثنائية وكذلك تعزيز المؤسسات التي تضم الدول المطلة على المحيط الهادي. إننا دولة من الدول المطلة على المحيط الأطلسي ومن الدول المطلة على المحيط الهادي أيضا.

وسنشدد بصورة خاصة على تشجيع قوى عالمية كبرى وناشئة مثل الصين وروسيا والبرازيل، علاوة على تركيا وإندونيسيا وجنوب أفريقيا كي تكون دولا شريكة كاملة في العمل على الأجندة العالمية. وأود أن أوكد على أهمية هذه المهمة والتزامي الشخصي بها. فهذه الدول تعتبر حيوية لتحقيق حلول للمشاكل المشتركة وللترويج لأولوياتنا ومن بينها منع الانتشار النووي، ومكافحة الإرهاب، والنمو الاقتصاي، والتغيير المناخي. وبالتعاون مع تلك الدول سنقف بحزم إلى جانب مبادئنا حتى في الوقت الذي نسعى لقاسم مشترك.

هذا الأسبوع سأتوجه إلى الهند حيث سأعد أنا ووزير الشؤون الخارجية الهندي كريشنا أجندة ذات قاعدة عريضة تقوم على نهج يتوخى إشراك كامل حكومتينا في علاقاتنا الثنائية.  وفي وقت لاحق من الشهر الحالي سأقود مع (وزير المالية) غايتنر حوارنا الإستراتيجي والاقتصادي الجديد مع الصين، وهو حوار سيتطرق لا إلى قضايا اقتصادية فحسب بل لطائفة  التحديات الإستراتيجية التي نواجهها سوية. وفي خريف هذا العام سأقوم بزيارة إلى روسيا للترويج للجنة الرئاسية الثنائية القومية التي سأترأسها مع وزير الخارجية لافروف.

وحقيقة الأمر أن هذه الأجتماعات وسواها من لقاءات لا تضمن النتائج، إلا أنها تطلق العنان لعمليات وعلاقات تعمل على توسيع مجالات تعاوننا وتضيق مجالات الإختلاف، من دون أية أوهام. ونحن نعلم أن التقدم  لا يرجح أن يتأتّى بسرعة أو بدون عقبات على الطريق إلا أننا عازمون  على البدء في هذا المسار والبقاء فيه.

لقد أقيمت مؤسساتنا العالمية والإقليمية لعالم خضع لتحوّل، وبالتالي يجب تحويلها وإصلاحها كذلك. وكما أعلن الرئيس (أوباما) عقب قمة الدول الثماني الأخيرة في إيطاليا، فإننا نسعى لمؤسسات "تجمع بين الكفاءة والقدرة على العمل بصورة جامعة." ومن الأمم المتحدة إلى البنك الدولي، ومن صندوق النقد الدولي إلى مجموعة الدول الثماني ومجموعة العشرين، ومن منظمة الدول الأميركية وقمة الأميركيتين إلى منظمتي آسيان وآبيك – كل تلك وسواها من منظومات لديها دور تضطلع به، إلا أن استمرار حيويتها وكونها ذات أهمية يعتمدان على شرعيتها ومدى تمثيلها، وكذلك قدرة أعضائها على العمل على وجه السرعة وبصورة مسؤولة حينما تنشأ المشاكل.

كما سنتواصل بما يتجاوز الحكومات لأننا نؤمن بأن الشراكات مع الشعوب تلعب دورا حاسما في إدارة شؤوننا الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين. وقد كان خطاب الرئيس أوباما في القاهرة مثالا فذا على الاتصال مباشرة مع الشعوب، من مستوى القاعدة حتى القمة.  ونحن نقوم بخطى متابعة من خلال خطة شاملة من برامج التبادل التعليمي والتواصل والمشاريع التجارية الخاصة. وفي كل بلد أزوره أبحث عن الفرص لتدعيم المجتمع الأهلي والتعاطي مع المواطنين، سواء كان ذلك في بلدية بغداد، وهو الأول من هذا القبيل في ذلك البلد، أو الظهور في برامج تلفزيونية لها شعبية محلية تصل شريحة واسعة وصغيرة السن من المشاهدين، أو لقاء نشطاء الديمقراطية أو أرامل حرب أو طلاب.

وقد عينت موفدين خاصين كي يركزوا اهتماتهم على عدد من التحديات المحددة، ومن بين هؤلاء أول سفيرة للشؤون العالمية للمرأة وسفير لبناء شراكات بين القطاعين العام والخاص والتعاطي مع جاليات الشتات في الولايات المتحدة لغرض  زيادة الفرص في بلدانهم الأصلية.  ونحن نعمل مع وزارة الخارجية بما يضمن أن حكومتنا تسخر التكنولوجيات الأكثر إبداعا لا للتحدث والإصغاء عبر الحدود فحسب، وليس لإبقاء التكنولوجيات فعالة وعاملة فقط، بل لتوسيع الفرص لا سيما للمهمشين في أحيان كثيرة.  ونحن نقوم بهذه الخطوات لأن التواصل مباشرة مع الشعوب سيشجعها على احتضان التعاون معنا مما يجعل شراكاتنا مع الحكومات ومعها (أي الشعوب) أمتن وأكثر ديمومة.

كما بدأنا بتبني موقف أكثر مرونة وواقعية تجاه شركائنا. ونحن لن نتفق حول كل مسألة، لكن الوقوف بثبات إلى جانب مبادئنا ينبغي ألا يمنعنا من العمل سوية حيثما أمكننا.  لهذا فإننا لن نقول لشركائنا، اقبلوا بكل شيء أو لا شيء، كما لن نصرّ على أن يكونوا إما معنا أو ضدنا. ففي عالم اليوم يعتبر موقف كهذا بمثابة سوء تصرف على المستوى العالمي.

ومثال على ذلك دبلوماسيتنا التي ننتهجها حيال كوريا الشمالية. فقد وظفنا قدرا لا بأس به من مواردنا الدبلوماسية وصولا لإجماع في مجلس الأمن ردا على أعمال كوريا الشمالية الإستفزازية. وقد تحدثت في مرات عديدة إلى نظرائي في اليابان وكوريا الجنوبية وروسيا والصين مستفهمة عن مشاغلهم، وموضحين مبادئنا وخطوطنا الحمر وساعين لمسار يدفعنا إلى الأمام.  وكان من نتائج تلك المباحثات قراران صدرا بالإجماع عن مجلس الأمن يتضمنان آليات تطبيق ويوضحان التبعات التي تتحملها كوريا الشمالية ومتابعة ناشطة للصين وروسيا والهند معنا  في إقناع آخرين بالامتثال للقرارين. وباعتقادنا أن النتيجة في المدى البعيد ستكون مجهودا مشتركا أشد حزما باتجاه نزع يمكن التثبت منه للأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية.

إن بناء هذه الشراكات ونطاقها الكامل يتطلب وقتا وصبرا. كما يقتضي إصرارا. وهذا لا يعني المماطلة في مسائل عاجلة. ولا يعني إرجاء جهود قد يقتضي إثمارها سنوات.  وفي واحد من أفضل الملاحظات بالنسبة إلي يقول ماكس ويبر: "السياسة هي عملية حفر مطولة وبطيئة لألواح خشبية قاسية. وهي عملية تتطلب الحماسة والموقف الصائب معا." والموقف الصائب يقتضي الحماسة والصبر. وبالطبع فالحماسة تحول دون بحثنا عن الذرائع كي نتمنع عن العمل.

إنني أعلم جيدا أن الزمن وحده لا يعمل على اندمال كل الجروح. لنعتبر مثلا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. ولهذا لم نأل جهدا في بدء مسعى مكثف منذ اليوم الأول (لولايتنا) لإحقاق حقوق الفلسطينيين والإسرائيليين بالعيش بسلام وبأمن في دولتين وهو ما يصب في مصلحة أميركا ومصلحة العالم. وقد عملنا مع الإسرائيليين  لمعالجة قضية المستوطنات وتخفيف وطأة شظف العيش للفلسطينيين، وإيجاد الظروف التي يمكن أن تفضي إلى تأسيس دولة فلسطينية قابلة للحياة.  وعلى مدى العقود القليلة الماضية تمسكت الحكومات الأميركية بمواقف ثابتة حيال قضية المستوطنات. وفي حين نتوقع من إسرائيل أن تتصرف بهذا الصدد، فإننا ندرك بأن قرارات من هذا القبيل تمثل تحديا سياسيا لها.

كما نعلم أن التقدم باتجاه السلام لا يمكن أن يكون من مسؤوليات الولايات المتحدة، أو إسرائيل، حصرا. وإنهاء النزاعات يقتضي عملا من قبل جميع الأطراف. فالفلسطينيون يتحملون مسؤولية تحسين وبسط التدابير الإيجابية التي اتخذوها في المجال الأمني، والعمل بحزم ضد التحريض، والإقلاع عن أي عمل من شأنه أن يقلل من احتمالات مفاوضات ذات مغزى.

وعلى الدول العربية تقع مسؤولية دعم السلطة الفلسطينية بالأقوال والأفعال واتخاذ خطوات لتحسين العلاقات مع إسرائيل، وإعداد جماهيرها لتقبل السلام والقبول بمكان إسرائيل في المنطقة. وكان الاقتراح السعودي للسلام الذي أيده أكثر من عشرين دولة خطوة إيجابية. لكننا نعتقد أنه ما زالت هناك حاجة إلى ما هو أكثر. ولذا فنحن نطالب أولئك الذين يتبنون الاقتراح أن يتخذوا الآن خطوة ذات مغزى. فقد سبق للرئيس أنور السادات والملك حسين أن تخطيا عتبة هامة فحشدت شجاعتهما ورؤاهما الجماهير في إسرائيل ومهدتا السبيل أمام التوصل إلى اتفاقيات للسلام الدائم. فبتوفير الدعم للفلسطينيين وإيجاد منفذ للإسرائيلين، مهما كان متواضعا، يمكن أن يكون للدول العربية نفس التأثير. لذا أقول لكل الأطراف: إن مجرد إعلان رسالة للسلام ليس كافيا. إذ إنه يجب عليكم أن تعملوا أيضا ضد ثقافة الكراهية وعدم التسامح وعدم الاحترام التي تديم الصراع.

أسلوبنا الثاني في سياستنا هو القيادة بالدبلوماسية حتى في الحالات التي تتعلق بخصومنا أو الدول التي نختلف معها. فنحن نعتقد أن عملنا هذا يدفع عجلة مصالحنا إلى الأمام ويضعنا  في موقف أفضل للقيادة مع شركائنا الآخرين. فنحن لا يسعنا أن نكون متخوفين أو غير مستعدين للمشاركة. ومع ذلك، فالبعض يوحي بأن هذا دليل على السذاجة والقبول بالقمع الذي تمارسه تلك الدول ضد شعبها بالذات. أنا أعتقد أن هذا خطأ. فما دام التعامل قد يعمل على تعزيز مصالحنا وقيمنا، فليس من الحكمة استبعاده وإزاحته عن الطاولة. فالمفاوضات يمكن أن توفر نظرة متعمقة في حسابات الأنظمة وإمكانية أن تغير تلك الأنظمة سلوكها في نهاية المطاف – وإن بدا هذا بعيد الاحتمال – مقابل فوائد قبولها في المجتمع الدولي. وليبيا أحد الأمثلة على ذلك. ثم إن استنفاد خيار الحوار سيزيد أيضا من احتمال أن يصبح شركاؤنا أكثر استعدادا لممارسة الضغط إذا أخفق الإقناع.

وإذ قلت هذا، أود أن أقول كلمات قليلة عن إيران. لقد تابعنا حمية نشاط الانتخابات الإيرانية بإعجاب شديد، ولكن لكي نصدم بالأسلوب الذي استخدمت فيه الحكومة العنف لكبت أصوات الشعب الإيراني ثم محاولة التستر على أفعالها باعتقال الصحفيين الأجانب والمواطنين وإبعادهم وقطع الاتصال مع التكنولوجيا والوصول إليها. وهذه الأعمال، كما أوضحنا نحن وشركاؤنا في مجموعة الثماني ، مستنكرة وغير مقبولة.

نحن نعلم جيدا ما ورثناه مع إيران لأننا نتعامل مع هذا الإرث كل يوم. ونحن نعلم أن رفض التعامل مع الجمهورية الإسلامية لم ينجح في تحويل المسيرة الإيرانية عن طريق السلاح النووي وتخفيض الدعم الإيراني للإرهاب أو تحسين معاملة إيران لمواطنيها.

وليس لدى الرئيس أو لدي أي أوهام بأن الحوار مع الجمهورية الإسلامية سيكفل تحقيق نجاح من أي نوع، وبأن الاحتمالات قد تغيرت في الأسابيع التي أعقبت الانتخابات. لكننا ندرك أيضا أهمية عرض مشاركة إيران ووضع قادتها أمام خيار صريح وهو: إما الانضمام إلى المجتمع الدولي كعضو مسؤول، أو الاستمرار على هذا الطريق المؤدي إلى مزيد من العزلة.

المحادثات المباشرة توفر أفضل آلية لعرض ذلك الخيار وشرحه. ولهذا السبب عرضنا على القادة الإيرانيين فرصة لا لبس فيها ولا خطأ وهي أن: إيران ليس لها حق في امتلاك القدرة النووية العسكرية، ونحن مصممون على الحيلولة دون ذلك. لكن لها الحق في الطاقة النووية المدنية إذا استعادت ثقة المجتمع الدولي في أنها ستستخدم برامجها للأغراض السلمية دون سواها.

إن بإمكان إيران أن تصبح عضوا بناء في المنطقة إذا توقفت عن تهديد جيرانها وعن دعم الإرهاب. وهي يمكنها أن تحتل مركزا مسؤولا في المجتمع الدولي إذا لبت التزاماتها تجاه حقوق الإنسان. والخيار واضح. فنحن على استعداد للتعامل مع إيران، لكن الآن هو أوان العمل. فالفرصة لن تبقى قائمة مفتوحة إلى ما لا نهاية.

النهج الثالث في سياستنا، والذي يحظي بأولوية شخصية مني بصفتي وزيرة الخارجية، هو رفع مستوى التنمية ودمجها في الدعامة الأساسية للقوة الأميركي?. فنحن نعزز أمننا ورخاءنا وقيمنا بتحسين الظروف المادية في معيشة الناس وحياتهم حول العالم. وتمهد هذه الجهود السبيل أمام مزيد من التعاون العالمي من خلال بناء طاقات الشركاء الجدد وإمكانياتهم ومعالجة المشاكل المشتركة من القاعدة إلى القمة.

وإن الغرض المركزي من "المراجعة الرباعية الأبعاد للدبلوماسية والتنمية" التي أعلنت عنها في الأسبوع الماضي، هو استكشاف كيفية تصميم وتمويل وتطبيق مساعدات التنمية والمساعدات الخارجية كجزء من سياستنا الخارجية الأوسع نطاقا. ولنواجه ذلك بوضوح وصراحة. إننا نخصص للتنمية نسبة صغيرة من ميزانية حكومتنا تقل عن النسبة التي خصصتها للتنمية أي دولة متقدمة أخرى. وجزء صغير جدا مما أنفقناه ساهم في إحداث تقدم حقيقي دائم. بينما لم يصل الكثير من الأموال التي أنفقناها إلى الهدف المحدد، وإنما بقي هنا في أميركا لدفع مرتبات أو تمويل نفقات عامة أو غير مباشرة في العقود. إنني ملتزمة بمزيد من علاقات الشراكة مع المنظمات غير الحكومية، لكنني أريد استخدام المزيد من أموال دافعي الضرائب الأميركيين بفاعلية أكبر ومن أجل تحقيق نتائج ملموسة.

وفيما نسعي لإقامة شراكات من أجل التنمية تكون أكثر قدرة على الحركة وفعالية وابتكارية، فإننا سنركز على الحلول النابعة من كل دولة، مثل تلك التي نشرع في تطبيقها مع هايتي الخاصة بالإنعاش والتنمية المستدامة، ومع دول أفريقية بخصوص مكافحة الجوع في العالم. إن هذه المبادرات والبرامج ليست مصممة لكي تساعد الدول على مواصلة العيش بالكاد، وإنما هي أداة لمساعدتها على النهوض بذاتها دون حاجة لمساندة من أي طرف.

إن أجندتنا التنموية ستركز أيضا على النساء باعتبارهن قائدات للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. إن النساء بقين لزمن طويل يشكلن غالبية من يعانون في العالم من الأحوال الصحية السيئة وقلة التعليم ونقص الغذاء. إن الكساد العالمي كان له أثر غير عادل على النساء والفتيات، وهو ما كانت له عواقب بدورها على الأسرة والمجتمع. وإلى حين أن تحصل النساء في جميع أنحاء العالم على حقوقهن طواعية- وتتوفر لهن فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية والعمل الذي يتكسبن منه- إلى حين أن يتحقق ذلك، سيظل تحقيق التقدم والازدهار في العالم محصورا بما أسميه بالسقف الزجاجي.

ونهجنا الرابع هو ضمان أن جهودنا المدنية والعسكرية تعمل بطريقة منسقة ومتكاملة حيثما تكون لنا مشاركة في نزاع أو حرب. هذا هو لب استراتيجيتنا في أفغانستان والعراق حيث تتكامل جهودنا مع شركائنا الدوليين.

في أفغانستان وباكستان، هدفنا هو تعويق وتفكيك، وفي نهاية المطاف دحر القاعدة وحلفائها المتطرفين، ومنع عودتهم إلى أي من الدولتين. ومع ذلك فإن الأميركيين غالبا ما يسألون، لماذا نطلب من شبابنا (رجالا ونساء) المخاطرة بحياتهم في أفغانستان بينما توجد قيادة القاعدة في دولة باكستان المجاورة؟ وهذا سؤال يستحق تقديم إجابة جيدة عليه: إننا نقاتل نحن وحلفاؤنا في أفعانستان لأن طالبان تحمي القاعدة وتعتمد عليها للحصول على الدعم، وأحيانا يكون هناك تنسيق بينهما في العمليات والأنشطة. بعبارة أخرى، إننا لكي نقضي على القاعدة، علينا أيضا أن نقاتل طالبان.

والآن، فإننا ندرك أنه ليس كل من يقاتلون مع طالبان يؤيدون القاعدة، أو يؤمنون بالسياسات المتطرفة التي تنتهجها طالبان حينما تكون في السلطة. والآن نقف نحن وحلفاؤنا الأفغان على استعداد للترحيب بأي شخص من مؤيدي طالبان يكون على استعداد للتخلي عن القاعدة والتخلي عن سلاحه، ولديه الرغبة في المشاركة في مجتمع حر ومنفتح حسبما كفل ذلك الدستور الأفغاني.

ومن أجل تحقيق أهدافنا، فإن الرئيس أوباما سيرسل 17 ألف جندي إضافي وأربعة آلاف مدرب عسكري إلى أفغانستان. وعلى نفس القدر من الأهمية، فإننا سنرسل مئات من المدنيين الأميركيين الذين تعاقدت معهم حكومتنا مباشرة (ليس من خلال التعاقد مع شركات) لقيادة مجهود جديد لتقوية وتعزيز الحكومة الأفغانية، والمساهمة في إعادة بناء القطاع الزراعي الذي كان- في وقت ما- مفعما بالحيوية ، وخلق الوظائف، وتشجيع سيادة القانون، وتوسيع نطاق الفرص المتاحة للمرأة، وتدريب الشرطة الأفغانية. ويبنغي ألا يكون هناك شك في التزامنا بأفغانستان وبالشعب الأفغاني. لكن الشعب الأفغاني هو الذي سيقرر بنفسه شأن مستقبله.

وفيما نتقدم نحو الأمام، يجب ألا نغفل أن النجاح في أفغانستان يتطلب أيضا التعاون مع دولة باكستان المجاورة، التي سأزورها في خريف العام الحالي. وباكستان نفسها واقعة تحت ضغط شديد من الجماعات المتطرفة. والتعاون الثلاثي بين أفغانستان وباكستان والولايات المتحدة سيؤدي إلى بناء الثقة ويسفر عن تحقيق تقدم على عدد من الجبهات السياسية. إن أمننا القومي، علاوة على مستقبل أفغانستان، يعتمد على كون باكستان مستقرة وديمقراطية ويكون اقتصادها قابلا للحياة والنمو. وإننا نشيد بالقرار الباكستاني الجديد بالتعامل مع الجماعات المسلحة التي تهدد نظامهم الديمقراطي وأمننا المشترك.

في العراق، نحن نعزز دبلوماسيتنا وبرامجنا الخاصة بالتنمية، وفي الوقت نفسه ننفذ انسحابا لقواتنا يتسم بالمسؤولية. ففي الشهر الماضي أتمت قواتنا المقاتلة بنجاح إعادة الانتشار من المدن والبلدات العراقية. وتركيزنا الأساسي يتحول الآن من القضايا الأمنية إلى الجهود المدنية التي تعزز قدرة العراق- ندعم عمل الوزارات العراقية ونساعد في جهودهم الرامية إلى تحقيق الوحدة ?لوطنية. وإننا نعمل على تطوير علاقة اقتصادية وسياسية طويلة الأجل مع العراق حسبما هو محدد في اتفاق إطار العمل الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق. إن هذا الاتفاق يمثل أساس تعاوننا في المستقبل مع العراق ومع الشعب العراقي، وإنني أتطلع إلى مناقشته ومناقشة تطبيقه مع رئيس الوزراء المالكي حينما يأتي إلى واشنطن في الأسبوع القادم.

ونهجنا الخامس هو حشد المصادر التقليدية لنفوذنا – بما فيها القوة الاقتصادية وقوة مثلنا. لقد أحيينا قيمنا نحن، عن طريق منع التعذيب والشروع في إغلاق مركز الاعتقال في غوانتانامو. ولقد كنا في منتهى الصراحة فيما يتعلق بمعاييرنا الخاصة بالمسؤولية تجاه مشكلات مثل الاتجار في المخدرات بالمكسيك وتغيرات المناخ في العالم. وحينما أعربت عن الإدراك لما هو واضح بالفعل حول دورنا في النزاع الحالي بين المكسيك مع تجار المخدرات، كان ذلك عرضة لانتقادات البعض. لكنهم أغفلوا نقطة مهمة. إن قدرتنا على تحمل المسؤولية، ورغبتنا في التغيير، وفي فعل ما هو صواب، هي في حد ذاتها علامات مميزة لعظمتنا كأمة، ومصادر قوة استراتيجية يمكن أن تساعدنا على تشكيل تحالفات تكون في خدمة مصالحنا.

وهذا يكون صحيحا تماما حينما يتعلق الأمر بأولويات أساسية مثل منع الانتشار النووي وتغيرات المناخ. إن الرئيس أوباما ملتزم برؤيا أن يكون العالم خاليا من الأسلحة النووية، وباتخاذ سلسلة من الخطوات الثابتة لتقليل خطر تلك الأسلحة وانتشارها، بما يتضمنه ذلك من العمل مع مجلس الشيوخ للتصديق على اتفاق نتابع به اتفاق ستارت ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وتحمل مسؤوليات أكبر ضمن معاهدة إطار العمل لمنع الانتشار النووي، وعقد اجتماع لزعماء العالم هنا في واشنطن في مؤتمر قمة نووية خلال العام القادم. والآن يجب علينا أن نحث الآخرين على اتخاذ خطوات عملية من أجل دفع برنامجنا المشترك لمنع الانتشار.

إن حكومتنا ملتزمة أيضا بإجراء تخفيضات كبيرة لانبعاث الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، بخطة ستحدث تغييرا كبيرا فيما لدينا من أساليب الإنتاج والاستهلاك والمحافظة على الطاقة، وأثناء هذه العملية إشعال جذوة تفجر استثمارات جديدة، وملايين فرص العمل. والآن يجب علينا أن نحث الدول الأخرى على الوفاء بالتزاماتها واغتنام الفرصة من أجل تحقيق مستقبل تُستخدم فيه الطاقة النظيفة.

إننا نصلح اقتصادنا الداخلي من أجل تعزيز قوتنا وقدرتنا في الخارج، خاصة في هذه الآونة التي تسودها اضطرابات اقتصادية. والآن هذا لا يعد من الأولويات المعتادة لوزير الخارجية، لكنني أؤيد بشدة الإنعاش الاقتصادي لأميركا والنمو كأحد دعائم دورنا القيادي على المستوى العالمي. وإنني ملتزمة باستعادة الدور الكبير لوزارة الخارجية الأميركية ضمن النهج الشامل للحكومة بالنسبة لصنع القرارات السياسية الدولية. إننا سنعمل من أجل ضمان أن إدارة الشؤون الاقتصادية لحكومتنا- التجارة والاستثمار، إلغاء الديون، ضمانات الديون، والمساعدات التقنية، ممارسات العمل السليمة- تدعم أهداف سياستنا الخارجية. وحينما يترافق ذلك مع جهد سليم من أجل التنمية، فإن تواصلنا على المستوى الاقتصادي يمكن أن يمنحنا شكلا أفضل للعولمة، بتقليل المعارضة المريرة التي سادت في السنوات الأخيرة وانتشال ملايين أخرى من البشر من وهدة الفقر.

وأخيرا، إنني عاقدة العزم على ضمان أن العاملين بوزارة الخارجية الأميركية سواء في الوظائف المدنية أو السلك الدبلوماسي ستتوفر لهم الموارد التي يحتاجون إليها من أجل تنفيذ أولوياتنا بفاعلية وأمان. وهذا هو السبب في أنني عينت للمرة الأولى وكيلا لوزارة الخارجية لشؤون الإدارة والموارد. وهذا هو السبب في أننا نبذل جهدا مضنيا من أجل توفير مصادر تمويل إضافية لوزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وهذا هو السبب في أننا وضعنا أنفسنا على طريق مضاعفة المساعدات الخارجية خلال السنوات القليلة القادمة. وهذا هو السبب في أننا نطبق خطة لزيادة عدد الدبلوماسيين وخبراء التنمية بنسبة كبيرة.

وكما أننا لن نحرم القوات الأميركية على الإطلاق من الذخيرة الحربية وهم يتجهون نحو المعارك، فإننا لا نستطيع أن نبعث موظفينا المدنيين إلى مواقعهم وهم غير مجهزين بالكامل. وإذا لم نستثمر في الدبلوماسية والتنمية، فإن المطاف سينتهي بنا لأن ندفع أكثر من ذلك بكثير في النزاعات والحروب وما يترتب عليها من عواقب، ومثلما قال وزير الدفاع غيتس، فإن الدبلوماسية أداة لا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة للأمن القومي، مثلما كانت منذ ظفر فرانكلين وجيفرسون وآدمز بالدعم الخارجي لجيش (جورج) واشنطن.

والآن، فإن كل ذلك يضاف إلى برنامج طموح جدا. لكن العالم لن يسمح لنا بأن ننعم بالاختيار والانتظار. ومثلما قلت في السابق، يجب علينا أن نتعقب كل القضايا: الملحة والمهمة والطويلة الأجل، كلها، في آن واحد.

إننا نُعتبر شهودا وصناعا للتغييرات الكبرى. وليس بمقدورنا أن نكون مجرد مراقبين سلبيين لما يجري. وإننا عازمون على توجيه تيارات التغيير لتصب نحو وجود عالم يخلو من العنف والتطرف والأسلحة النووية والاحتباس الحراري والفقر وانتهاكات حقوق الإنسان، وقبل أي شيء آخر، عالم يستطيع فيه مزيد من الأشخاص في مزيد من الأماكن الاستفادة من القدرات التي وهبها الله لهم.

إن هيكلية التعاون التي نسعى إلى بنائها سوف تدفع بكل هذه الأهداف نحو الأمام، باستخدام قوتنا ليس في الهيمنة أو الفر?ة، وإنما في حل المشاكل. إنها هيكلية التقدم لأميركا ولكل الدول.

منذ ما يزيد على 230 عاما قال توماس بين "إننا نستطيع بما يتوفر لدينا من قوة أن نعيد تشكيل العالم من جديد." واليوم، وفي عصر جديد ومختلف جدا، فإننا مدعوون إلى استخدام تلك القوة. وإنني أعتقد أن لدينا الاستراتيجية الصحيحة، والأولويات الصحيحة، والسياسات الصحيحة، ولدينا الرئيس المناسب، كما لدينا الشعب الأميركي المتنوع والملتزم والمنفتح على المستقبل.

والآن لم يبق علينا إلا التنفيذ. أشكركم جميعا شكرا جزيلا. (تصفيق)

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي