28 آب/أغسطس 2009
كلمة مندوبة الولايات المتحدة في مركز الشؤون العالمية بجامعة
بداية النص
بيان صحفي
بعثة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة
نيويورك في 12 آب/أغسطس 2009
كلمة السفيرة سوزان إي رايس مندوبة الولايات المتحدة الدائمة إلى الأمم المتحدة في مركز الشؤون العالمية ومركز التعاون الدولي بجامعة نيويورك التي ألقتها في 12 آب/أغسطس تحت عنوان "مسار جديد في العالم ونهج جديد في الأمم المتحدة."
بداية النص
شكرا لك يابروس على هذا التقديم اللطيف الرائع. ولا أعتقد أن بالإمكان ألطف من هذا، لذا فإنني ممتنة جدا. وأنا ممتنة أيضا للين براون، لكل ما قامت به من عمل لتنظيم هذا الحدث، ولبروس وفيرا جيلينك لما أبديا من ترحيب حار هنا في جامعة نيويورك. ويسرني أيضا أن أرى هذا الحشد من الأصدقاء والزملاء هنا بين الجمهور بمن فيهم رئيس جامعة نيويورك السابق النائب جون برانديماس.
وإن من دواعي اغتباطي بوجودي هنا في هذه المؤسسة الرائعة هو بصراحة أن جامعة نيويورك، رغم ما تقوله فيرا، تمتد وتصل إلى أبعد من مدينة نيويورك. فمعهدكم مؤسسة عالمية لها أحرام تمتد من أكرا إلى أبو ظبي. ويقوم مركزا الشؤون العالمية والتعاون الدولي بجامعة نيويورك بعمل ريادي طليعي في العلاقات الدولية، مما يشكل إسهاما في ثقافة هيئتها التدريسية وعلومها المتقدمة وتقدم موظفيها وطلابها بفضل القيادة القديرة لبروس وفيرا. فالمركزان، كما يعلم الكثيرون منكم، يسهمان إسهاما هاما في الحياة الثقافية للأمم المتحدة.
تكتسب إسهاماتكم المبتكرة قيمة خاصة مع إطلالة هذا القرن الجديد، وفي وقت يضمُر فيه العالم ويصغر مع مرور كل دقيقة. وإنكم إذ تسعون مع الآخرين في الوسط الأكاديمي إلى اختطاط سبل جديدة في المشهد العالمي المتغير بسرعة، نعمل نحن في الحكومة الأميركية على إعادة تشكيل القيادة الأميركية وتجديدها لتتلاءم مع عهد مختلف كليا.
وإننا، إذ بلغت الحكومة شهرها السادس ونتطلع إلى افتتاح الدورة الـ 64 للجمعية العامة في الشهر القادم، عكف كثير من زملائي في فريق الرئيس للأمن الوطني على شرح الخطوط العريضة للكيفية التي تطبق بها وزاراتهم ومؤسساتهم استراتيجية الرئيس للأمن الوطني. وقد شرحت وزيرة الخارجية كلينتون مؤخرا الطرق التي تعمل بها دبلوماسيتنا على تقدم المصالح الأميركية من خلال بناء شراكات جديدة وتعزيز القيم التي يتمسك بها العالم وتأكيد قوة النموذج الذي نمثله كمثال وقدوة. ويعمل وزير الدفاع غيتس على إعادة تنظيم قواتنا المسلحة وإعدادها للحروب والصراعات غير التقليدية واللانظامية للقرن الحادي والعشرين.
وأوضحت وزيرة الأمن الوطني نابوليتانو مؤخرا الشراكات المحلية والولائية والفدرالية والدولية التي نحتاجها للحفاظ على أميركا آمنة سالمة من كوارث الإرهاب. وفي الأسبوع الماضي شرح جون برينان، كبير مستشاري الرئيس في مكافحة الإرهاب، بالتفصيل نهجنا الجديد للحفاظ على سلامة الشعب الأميركي من الأخطار الناشئة عن القاعدة وغيرها من المتطرفين العنفيين. وأوضح الجنرال جونز، مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، الكيفية التي ستعالج بها الحكومة التحديات العابرة للدول باستخدام طاقم جديد من موظفي الأمن القومي تم دمجهم حديثا في البيت الأبيض.
واليوم، وبصفتي سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، أ?د أن أعرض بعض الأفكار عن كيفية تغيير الولايات المتحدة النهج الذي اختطه لنفسها في العالم، وكيفية انسجامه وتوافقه مع اتجاهنا الجديد، فنحن عاكفون على تغيير جذري في أسلوبنا في الأمم المتحدة.
التغيير ضروري أساسا لأننا نواجه مجموعة غير اعتيادية من التحديات منها الأسلحة والمواد النووية التي لا تخضع للحماية اللازمة، وانهيار النظام المالي، وحربا أفغانستان والعراق، والهجمات التي تأتي عبر الإنترنت على بنيتنا الرقمية الأساسية، والجرائم الدولية وتجارة المخدرات، والأوبئة، ومناخ ينذر بالخطر مع مرور كل يوم. هذه أخطار عابرة للدول مهددة للأمن تعبر الحدود الوطنية بحرية كعبور عاصفة. وهذه تحديدا، لا يمكن لبلد ما أن يعالجها بمفرده.
تصرفت حكومة أوباما على الصعيد الدولي منذ توليها السلطة على أساس ثلاث مقدمات جوهرية هي أولا، أن التحديات العالمية التي تعترضنا لا يمكن مواجهتها بدون قيادة الولايات المتحدة. وثانيا، مع أن قيادة الولايات المتحدة ضرورية، فهي نادرا ما تكون كافية. فنحن نحتاج إلى تعاون فعال من عدد كبير من الأصدقاء والشركاء. وثالثا أن من المحتمل أن يضطلع الآخرون بنصيب أكبر من العبء العالمي إذا استطاعت الولايات المتحدة أن تقود بالمثال والقدوة، وتعترف بالأخطاء وتصحح المسار عند الضرورة، وتضع استراتيجيات مع الشركاء، وتعامل الآخرين باحترام.
وفهم ومعيار وتعقيدات تحديات القرن 21 الأمنية هذه فرضت متطلبات غير مسبوقة على الدول وعلى مجمل البنية الأساسية للتعاون الدولي التي ساعدنا في إنشائها بعد العام 1945. وإذا كان هناك أبدا زمن لتعاون فعال متعدد الأطراف سعيا لتحقيق المصالح الأميركية ومستقبل مشترك يسوده قدر أكبر من السلام والرخاء، فالآن هو أوان ذاك الزمن. نحن نقف على مفترق طرق حاسم. وعلينا أن نتحرك بإلحاح لبعث النشاط في أساس العمل المشترك. فالقاعدة الصلدة لهذا التعاون يجب أن تكون مجتمعا من الدول الملتزمة بحل المشاكل الجماعية وقادرة على الوفاء بالتزامات السيادة الفاعلة.
وهكذا فإن إحدى حتميات أمن الولايات المتحدة للقرن الحادي والعشرين واضحة وهي أننا بحاجة إلى الزيادة زيادة كبيرة في عدد الدول التي تملك القدرة والإرادة معا للتصدي لهذا الجيل الجديد من التحديات العابرة للدول. فنحن بحاجة إلى صرح عصري من التعاون قائم على أساس قيادة أميركية مسؤولة، تكون لبناته هي قدرات الدول ودعائمه هي الإرادة السياسية.
دعوني أزداد في التوسع قليلا في شرح القضايا الأساسية التي تشكل طاقة الدولة وإرادة الدولة.
تحتاج الولايات المتحدة إلى تنمية عدد الدول الديمقراطية التي تتوفر لها القدرة والكفاءة – دول تستطيع الوفاء بمسؤولياتها الدولية وبمسؤولياتها المحلية تجاه شعبها على حد سواء. فالدول القادرة تسيطر على أراضيها وتحكم بالعدل وتوفر الأمن والخدمات الأساسية وتحمي حقوق مواطنيها وتمنح شعبها الأمل في مستقبل أفضل. وعندما يكون أي بلد غير قادر- أو غير راغب في أداء – هذه الوظائف الأساسية، وعندما تحطم الحرب البلد، وعندما يصبح البلد مجرد قوقعة فارغة، فإن المعاناة تصيب شعبه فورا. ودولة هشّة ضعيفة يمكن أن تحتضن أيضا وتفرخ على المدى الطويل مشكلة عالمية تمتد وتنتشر إلى خارج حدودها. ومن هناك غالبا ما تنشأ الأخطار العابرة لحدود الدول في القرن 21.
في الماضي، غضت أطراف عديدة النظر عن الفقر والجوع واليأس الموجودة في بلدان بعيدة نائية معتبرين أنها مشاكل غيرهم ولا تخصهم، مفضلين حصر اهتمامهم في المسائل المفروض أنها مسائل "صعبة" مثل الحرب والسلطة. لكن المشاكل التي تجتاح الدول الهشة يمكن أن تشكل في عصر العولمة مصدر إزعاج وأذى للدول القوية الثابتة في نهاية المطاف.
الانتحاء جانبا والوقوف موقف المتفرج بينما يتحمل أكثر الناس في العالم عرضة للخطر عبء الصراعات والمرض واليأس يعتبر بلا شك تقاعسا ونقضا للعهد تجاه إنسانيتنا المشتركة. ولكنه يشكل أيضا خطرا مشتركا.
إن قيمنا تجبرنا على أن نعمل من أجل تخفيف الفقر والمرض والجوع ووضع حد لوفيات الأمهات والأطفال التي يمكن تلافيها، وتكوين القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الزراعة والصحة التعليم. وكذلك فإن مصالحنا القومية تلزمنا بذلك أيضا. وسواء أكانت المعضلة الإرهاب أو الأوبئة أو المخدرات أو الاتجار بالبشر أو حربا أهلية، فإن الدولة التي تكون واهنة إلى حد أنها تحتضن المخاطر والتهديدات، تكون أيضا دولة ضعيفة إلى الحد الذي لا تستطيع معه احتواء الخطر.
ولذا فلا مجال لدينا للشك ونحن في القرن الـ 21. فكما أعلن الرئيس أوباما مرارا وتكرارا، فإن أمن أميركا وخيرها لا ينفصمان عن أمن وخير الشعوب في كل مكان.
إن بناء قدرات الدول الضعيفة الهشة جزء هام من مهمتنا اليومية في الأمم المتحدة نظرا لأن الأمم المتحدة هي التي تتولى زمام قيادة المهمات في كثير من أصعب بقاع العالم. والأمم المتحدة، في أفضل حال، تساعد في إعادة بناء المجتمعات المحطمة وترسي أسس الديمقراطية والتنمية وتخلق الظروف التي يمكن أن يعيش الناس في ظلها بكرامة واحترام متبادل. ولقد شهدت بنفسي كيف حققت الأمم المتحدة ذلك في هايتي حيث عملت قوات حفظ السلام على طرد عصابات القتل من حي سيتي سولاي المشهور بفقره، ويعكفون الآن على تدريب قوة شرطة هايتية بعد إجراءات الإصلاح. ورأيت الشيء ذاته في ليبيريا حيث يدعم برنامج الأمم المتحدة للتنمية جهودا تدعو إلى الإعجاب لتعليم القراءة والكتابة ومهارات استخدام الكمبيوتر واكتساب المهارات المهنية للمقاتلين السابقين العاطلين عن العمل. ورأيت ذلك في الكونغو حيث مكّنت الأمم المتحدة من إجراء أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ ذلك البلد.
غير أن العمل على بناء فريق من الدول الديمقراطية القادرة ليس كافيا في حد ذاته. فنحن بحاجة إلى دول تملك القدرة والإرادة معا لمواجهة التحديات المشتركة ومعالجتها. فنحن، كما ذكّرتنا السنوات القريبة الماضية، لا يمكننا أن نعتبر تلك الإرادة تحصيل حاصل، حتى بالنسبة لأقرب حلفائنا. فالحقيقة البسيطة الواضحة هي أننا إذا أردنا مساعدة الآخرين في مكافحة أكثر الأخطار إثارة لقلقنا، ينبغي علينا أن نساعد الآخرين في مكافحة أخطر التحديات التي تواجههم. والأخطار التي تأتي في المرتبة الأولى وأهمها بالنسبة لكثير من الدول هي الأمور التي تصيب البشر، ومنها الفساد والقمع والصراع والجوع والفقر والمرض والافتقار إلى التعليم والفرص.
وعندما تنضم الولايات المتحدة إلى الغير في التصدي لتلك التحديات فإن ذلك ليس شكلا من أشكال الصدقة أو الأعمال الخيرية أو حتى المقايضة. ففي عالم اليوم فإن مصالح أميركا وقيمها تلتقي أكثر من التقائها في أي وقت مضى. وما هو جيد ومفيد للآخرين فهو غالبا نافع وطيب لنا. وعندما نظهر التزامنا بمعالجة الأخطار التي تقض مضاجع كثير من الدول الأخرى، وعندما نستثمر في حماية حياة الآخرين، ولمّا ندرك أن الأمن الوطني لم يعد مباراة ربح أو خسارة أو غالب ومغلوب، نعزز بذلك إرادة البلدان الأخرى في التعاون في المسائل الأكثر حيوية بالنسبة لنا.
نبني تلك الإرادة بالتدليل على أننا قيادة مسؤولة. نبني الإرادة بأن نضع صيغة لحسن السلوك والاحترام المتبادل بدلا من التعالي والازدراء. نبني الإرادة بالتزامنا بالقواعد التي نتوقع من الغير اتباعها. نبني الإرادة بانتهاج سياسات عملية قائمة على المبادئ ونشرحها بفطنة وصراحة. وبمعنى أعم وأشمل، نبني الإرادة عندما يستطيع الآخرون أن يبصروا ارتباط مصيرهم بمصيرنا.
كل هذا يساعد على شرح أسباب التقاء الكثير من مصالح أميركا الوطنية اليوم في الأمم المتحدة. فزملائي وأنا هنا في البعثة الأميركية إلى الأمم المتحدة نعمل يوما في أثر يوم لبناء إرادة البلدان ورغبتها في التعاون وتعزيز وسائلها للفعل والعمل. فنحن في الواقع نعمل في الخطوط الأمامية لما وصفه الرئيس أوباما بأنه "عهد جديد من المشاركة."
لهذا السبب، أعترف بأن كوني سفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في الوقت الراهن هو فرصة عظيمة. فالجميع يلاحظون عندما تتحول دولة عظمى إلى عامل تغيير – قولا وفعلا في السياسة والأسلوب. فنحن نبين أن الولايات المتحدة على استعداد كي تنصت، وتحترم الاختلاف، وتأخذ في الاعتبار الأفكار الجديدة.
نحن نسعى في كل من مجلس الأمن والجمعية العامة إلى تكوين هدف مشترك مع الآخرين. لكن الواقع هو أننا لا نستطيع أن نتفق، ولن نتفق دائما. فهناك أمور غير قابلة للتفاوض. وسنختار الثبات بحزم دوما على المبدأ، مفضلين ذلك على التلاشي والاختفاء كما يفعل الجبناء وسط الزحام.
نحن لسنا واهمين. فلا تزال هناك هوة خطيرة تفصل بين رؤيا مؤسسي الأمم المتحدة وبين هذه المؤسسة اليوم. صحيح أن مجلس الأمن أقل انشقاقا عما كان عليه في أبرد أيام الحرب الباردة، لكنه ما زال يتعثر عندما تختلف المصالح والقيم مثل ما هو حاصل بالنسبة لقضايا مثل دارفور وزيمبابوي وبورما. ففي الجمعية العامة كثيرا ما تعمل الدول الأعضاء على تحويلها إلى مسرح سياسي لتحويل الانتباه عن المناقشات الهامة والقرارات السليمة. وما زالت إسرائيل مستهدفة دون غيرها بغير إنصاف. وما زال على جهاز الأمم المتحدة أن يتصدى لمشكلة التبديد والإسراف في النفقات والانتهاكات وإساءة الاستخدام، حتى في الوقت الذي تكافح فيه المنظمة من أجل الوفاء بمسؤوليات جديدة مرهقة في مجالات حفظ السلام والمساعدات الإنسانية والتنمية.
وكما قال الرئيس أوباما، فإن الأمم المتحدة لا تتصف بالكمال، لكن لا غنى عنها. فليس هنالك بديل عن الشرعية التي تستطيع أن تقرها الأمم المتحدة أو لقدرتها على حشد أوسع ائتلاف ممكن. وليس هناك بديل أفضل للمشاركة في تحمل نفقات وأعباء عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام والمهمات الإنسانية حول العالم. وما من شك في أننا نكون أكثر أمنا عندما تستطيع الأمم المتحدة أن تتبنى عدم الانتشار ونزع السلاح (النووي). فنحن إلى جانب الآخرين، نستفيد عندما تحفز الأمم المتحدة التنمية المستدامة والديمقراطية وتعمل على تحسين الوضع الصحي العالمي وتتمسك بحقوق المرأة وتزيد من تمكين الوصول إلى التعليم. ونحن الذين نجني الفوائد الكثيرة عندما تضع الأمم المتحدة المعايير التي يجهلها الكثيرون في العالم والتي تجعل أجهزة هواتفنا الخلوية الجوالة تعمل بدقة وتمكن طائراتنا من التحليق في الأجواء بأمان.
وباختصار، إن الأمم المتحدة ضرورية لجهودنا الرامية إلى تنشيط العمل الجماعي في سبيل جعل أميركا أكثر سلاما وأمنا.
إننا إذ نختط اليوم مسارا جديدا في الأمم المتحدة، فإن المبادئ التي نهتدي بها واضحة. فنحن نقدّر الأمم المتحدة كأداة لتقدم مبادئ الولايات المتحدة والحقوق العالمية الشاملة. نحن نعمل في سبيل التغيير من الداخل بدلا من توجيه النقد من موقف المتفرج من الخارج. نقف بثبات في سبيل الدفاع عن مصالح أميركا وقيمها، لكننا لا نختلف لمجرد أن نكون مخالفين. نستمع إلى الدول كبيرها وصغيرها، ونبني الائتلافات، ونضطلع بمسؤولياتنا، وندفع ما يترتب علينا من استحقاقات، ونمارس ضغوطا في سبيل الإصلاح الفعلي، ونتذكر أن ما هو طيب نافع للغير في عالم متصل هو غالبا طيب ونافع للولايات المتحدة أيضا.
دعوني أشاطركم الكشف عن ست طرق نضع فيها هذه المبادئ موضع التنفيذ.
أولا، نحن نعمل في الأمم المتحدة على تعزيز المصالح الأميركية الأساسية. خذوا مثلا كوريا الشمالية. لقد تفاوضتنا واتفقنا مؤخرا على قرار جماعي من مجلس الأمن يفرض مجموعة من أشد العقوبات التي تفرض على أي بلد في العالم اليوم – بما في ذلك تجميد جديد للأصول، وعقوبات مالية شاملة، وحظر تام على تصدير الأسلحة، ومجموعة لا سابق لها من الالتزامات لتفتيش السفن المشبوهة. وتهدف هذه العقوبات إلى الضغط على كوريا الشمالية كي تفي بالتزاماتها تجاه تحقيق التجريد النووي الشامل القابل للتحقيق والذي لا عودة عنه لشبه الجزيرة الكورية.
كذلك نواصل العمل أيضا في مجلس الأمن لضمان وفاء إيران بالتزاماتها الدولية.
وجهودنا في كلتا الحالتين تعمل على دفع أولويات الرئيس أوباما الرئيسية وفي مقدمتها منع الانتشار النووي. إذ تسعى الولايات المتحدة من خلال مؤتمر الأمم المتحدة لنزع التسلح التوصل إلى معاهدة جديدة للتحقق من التوقف عن إنتاج المواد الانشطارية. فإننا نستطيع بذلك التقليل من فرصة تمكّن القاعدة أو غيرها من الجماعات الإرهابية من الحصول على أسلحة نووية أو على موادها الفتاكة. وهدفنا هو النجاح في التوصل إلى اتفاق لإعادة النظر في معاهدة منع الانتشار النووي في العام القادم. أما في هذا العام فسيترأس الرئيس أوباما في الشهر القادم، في 24 أيلول/سبتمبر، أثناء رئاسة الولايات المتحدة الدورية لمجلس الأمن، مؤتمر قمة نادرا للمجلس بهدف خلق زخم جديد نحو منع الانتشار وتحقيق الأمن النووي ونزع التسلح.
وتقوم الأمم المتحدة أيضا بدور حيوي في بلدين يحتلان مكانا في رأس جدول أعمال الأمن القومي، وحيث تتعرض القوات الأميركية للخطر. ففي العراق تقدم الأمم المتحدة المشورة والنصيحة الخبيرة حول الانتخابات وتتوسط في النزاعات الطويلة الأمد بين العرب والأكراد على حدود المناطق الداخلية وتساعد المواطنين العراقيين الذين شردتهم الحرب.
وفي أفغانستان تساعد الأمم المتحدة في التطور السياسي وتتولى تنسيق مساعدات الدول المانحة والدعم لانتخابات 20 آب/أغسطس وبناء قدرات الدولة الأفغانية وإمكانياتها. وكل هذا من شأنه أن يدعم استراتيجيتنا الدولية الشاملة في أفغانستان.
وتعمل الأمم المتحدة في أماكن أخرى على تعزيز أمن أميركا من خلال منع جذوة الصراعات الخامدة من الاشتعال من جديد. فقد ظلت الأمم المتحدة على مدى 60 عاما تقوم بدور حاسم في إنهاء الصراعات العنيفة في أماكن مثل كوريا وناميبيا وموزمبيق وغواتيمالا وقبرص ومرتفعات الجولان وهايتي وليبريا وسيراليون. فحيث تعاني الشعوب وحيث تستمر الصراعات وحيث يتلاشى الأمل توجد الأمم المتحدة.
ثانيا، نحن نشارك بشكل بنّاء. فبدلا من أن نرفع أيدينا في الهواء مستسلمين، نشمر عن سواعدنا جادين في إنجاز العمل.
خذوا مثلا مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. فقد امتنعت الولايات المتحدة في ثلاث دورات انتخابية عن السعي للحصول على مقعد في المجلس معتبرة أنه مختل ومعاد لإسرائيل – ومن الواضح أنه كذلك. لكن ما الذي حققه هذا الأسلوب؟ لم يحاسب الدكتاتوريون على سجل أعمالهم القمعية، ولم تُسمع أصوات المواطنين الذين تعرضوا للإساءة، واستمر الهجوم المفرط غير المجدي على إسرائيل.
لذا غيّرنا المسار في أيار/مايو وفزنا بمقعد في مجلس حقوق الإنسان بتسعين بالمئة من الأصوات. وإننا إذ ننضم إلى هذا المجلس، ندرك جيدا وبطرق عديدة أن مجلس حقوق الإنسان هو الصورة التي ترمز إلى علّة الأمم المتحدة. لكن القعود في خارجه لن ينهي المواقف المتشدقة في جنيف أو يحمي أولئك النازفين دما الذين هم تحت نعال الحكام المستبدين.
التغيير الفعلي لا يتم بالجلوس في مقاعد المتفرجين. فلا يتحقق التغيير الفعلي إلا من خلال جهود دبلوماسية مكثفة قائمة على المبادئ. وهكذا سنعمل على تخفيف الانشقاقات المعتادة، وسنطالب بمعاملة منصفة لإسرائيل، وسنرفع أصوات أولئك الذين يعانون في ظل حكم أقسى نظم العالم. سنقود بالمثال والقدوة من خلال أعمالنا في بلدنا في الداخل ومن خلال تأييدنا لأولئك الذين يخاطرون بحياتهم في سبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخارج.
لن يكون هذا العمل سهلا ولن يتم سريعا. لكن دعونا نتذكر كلمات رئيس سابق للجامعة قال "إذا اعتقدتم أن التعليم مكلف، فجربوا الجهل." حسنا، إذا اعتقدتم أن المشاركة غير مجدية، فجربوا العزلة.
ثالثا، نقف بثبات على المبدأ وبتصميم في أكثر ما يهمنا من الأمور، لكننا نترفع عن خوض معارك تافهة. تركنا المجال في الماضي لتعريفنا أحيانا بما نقف ضدّه وليس بما نقف معه. حسنا، لم يعد الأمر كذلك. فقد ألقت الولايات المتحدة في الشهور الستة الماضية نظرة جديدة على كل مواقفنا من كل القضايا – بما في ذلك بعض السياسيات التي جعلتنا، مع غيرنا، نحك رؤوسنا حائرين بالنسبة لما اعترضنا عليه – وهي السياسات التي فشلت في دفع مصالحنا وقيمنا وتقديمها.
لهذا السبب اتخذنا خطوات فعلÝة ملموسة في اتجاه جديد، فقد غيرنا المسار وتبنينا أهداف التنمية الألفية التي تجنبتها الولايات المتحدة واعتبرناها كما لو كانت لنا. ألغينا سياسة مكسيكو سيتي التي أوقفت المساعدات الأميركية للبرامج التي تدعم تنظيم الأسرة وخدمات الصحة الإنجابية. وأنهينا وقف التبرعات الأميركية لصندوق الأمم المتحدة للسكان. عكسنا الموقف لنؤيد قرارا من الجمعية العامة، عفوا، بيانا، يعارض العنف والتمييز القائمين على الجنس. لم نعد نعارض ذكر الصحة الإنجابية ومحكمة الجرائم الدولية. لم نعد نتوقف عند كل ذكر "للحق في الغذاء" أو اتفاق التخلص من كل أشكال التمييز ضد المرأة. وها نحن نضع نهجا جديدا بالنسبة لتغيير المناخ يتفق مع مسؤولياتنا العالمية.
تسهم هذه الخطوات في خلق عالم أكثر رخاء وأكثر سلاما وأكثر انسجاما مع القيم الشاملة التي تأسس عليها هذا البلد. وتدلل الولايات المتحدة بالقول والفعل على استعدادها لتولي زمام القيادة من جديد.
رابعا، نحن نسعى في العمل من أجل قيام علاقات عملية مع البلدان كبيرها وصغيرها. ففي الوقت الذي ننشد فيه تعاونا أكثر فاعلية بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، نحن واعون أيضا لحقيقة أن المجلس لا يضم خمسة أعضاء فقط بل 15 عضوا، وأن مجموع أعضاء الأمم المتحدة 192 وكلهم يصوتون في الجمعية العامة، وأن نصف عدد أعضاء الأمم المتحدة يتألف من دول صغيرة عدد سكانها أقل من 10 ملايين نسمة.
لذا نحن لا نتواصل مع "الخمسة الدائمين" ومع شركائنا الغربيين وحسب، بل ومع البلدان من كل الأحجام في أفريقا وجنوب وجنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي وجزر المحيط الهادئ – ومع عشرات البلدان التي تضم أكثرية مسلمة والتي اجتمع كثير من سفرائها في منزلي لمشاهدة خطاب الرئيس أوباما التاريخي في القاهرة.
سنتعاون مع الأغلبية الساحقة للبلدان على أساس من المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وسنفعل ذلك لجسر الفجوات السابقة ونقاوم جهود حفنة تسعى إلى تخريب التقدم المشترك. والفوارق بين الشمال والجنوب يكاد يعفّي عليها الزمن كما حدث لتلك التي كانت بين الشرق والغرب. ورغم ذلك، فلا يزال هناك مفهوم سائد على نطاق واسع في الأمم المتحدة مفاده أن الشمال لا يهمه أمر سوى الأمن، وأن الجنوب لا يهتم إلا بالتنمية. لكن هذه الحقائق البديهية تتجاهل حقيقة أساسية وهي أنه لا أمن بدون تنمية ولا يمكن أن تكون تنمية مستدامة بغير أمن. فانقسامات المدرسة القديمة هذه تشوه حقائق اليوم. فمصائرنا ليست متعارضة وإنما هي مترابطة.
إن هذا يجعل مشاركة كل أعضاء الأمم المتحدة أكثر من مجرد حسن سلوك. فذلك دبلوماسية ذكية أيضا. ولذا فنحن نستثمر في العلاقات لأن الدبلوماسية، كما الحياة، يمكن أن تحدث فارق التغيير.
خذوا مثلا التصويت الذي جرى مؤخرا في جنيف حول ما إذا كان ينبغي إنهاء انتداب مجلس حقوق الإنسان للمقرر الخاص بالسودان الذي يعتبر الآلية الدولية الوحيدة التي تراقب سوء المعاملة والاستغلال في البلد كله. وقد صوت مجلس حقوق الإنسان في حزيران/يونيو على إبقاء الخبير المقرر المستقل للسودان في عمله بفارق صوت واحد.
أو خذوا مثلا الانقلاب الأخير في هندوراس حيث استطاعت الولايات المتحدة التعاون مع مجموعة كبيرة من دول نصف الكرة الغربي في الجمعية العامة للتعبير بصوت واضح بناء عن الشجب العالمي.
وكما أوضح الرئيس أوباما، نحن فعلنا ذلك لسبب بسيط هو أنه إذا كانت الولايات المتحدة تؤيد الديمقراطية في الخارج، فعلينا عندئذ أن نحترم المبدأ العام القائل بأن من حق الشعب أن يختار هو قادته بحرية سواء أكانوا قادة نتفق معهم أم لا. فبهذه الطريقة يلتزم الناس بقيمهم ويطبقونها. وهكذا يتم وضع الأساس لنمو الديمقراطية التي تنشر السلام والرخاء.
خامسا، نحن نفي بالتزاماتنا ونؤديها. ففي الوقت الذي ندعو فيه الآخرين إلى المساعدة في إصلاح الأمم المتحدة وتعزيزها، يجب على الولايات المتحدة أن تؤدي نصيبها من الواجب – أن تدفع ما يستحق عليها. فواجباتنا المالية تجاه الأمم المتحدة التزامات تعاهدية ونحن ملتزمون بالعمل مع الكونغرس لتسديدها كاملة وفي مواعيدها.
ويعود الفضل للكونغرس في أننا أصبحنا الآن قادرين على تسديد المتأخرات المستحقة علينا للميزانية العادية للأمم المتحدة ولميزانية حفظ السلام التي تراكمت علينا منذ العام 2005 وحتى العام 2008. وسنفي بالتزاماتنا تجاه ميزانية حفظ السلام للعام 2009 كاملة.
وإذا خصص الكونغرس التمويل الكامل لطلب الميزانية المالية للحكومة للعام 2010 فذلك سيجعلنا وقتيين بالنسبة لحسابينا المعتاد والخاص بحفظ السلام ويمكننا من اتخاذ التدابير الكفيلة بإنهاء العادة السابقة التي بدأت في الثمانينيات بتأخير دفع المستحقات علينا للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الرئيسية بعد نحو عام من استحقاقها. فلا تستطيع الولايات المتحدة القيادة من مركز قوة وهي غارقة في المستحقات المتأخرة. ولا نستطيع أن نتولى قيادة مهمات دولية في العراق وأفغانستان ونتحول للاعتراض على ميزانيات تمويلها. لذا سنواصل العمل مع الكونغرس بروح مشتركة للوفاء بمسؤولياتنا.
وأخيرا، نحن نمارس ضغطا من أجل إجراء إصلاحات هامة. فمن حق كل مواطني العالم أن تكون لهم أمم متحدة تعمل بشكل سليم. ولذا فنحن نعمل على تعزيز قدرة الأمم المتحدة على القيام بواجبها. فاحتواء التكاليف وإنفاق الأموال ب¤ون فساد ليسا كافيين. فكل دولار ينفق يجب أن يحقق الغرض الذي أنفق فيه سواء أكان للتنمية أو لحفظ السلام. فالأمم المتحدة تحتاج كفاءة أكبر وفاعلية أشد.
يشكل الاهتمام بالجيل القادم من بعثات حفظ السلام محورا مركزيا في جهودنا الإصلاحية. فقد أنقذت بعثات حفظ السلام أعدادا لا تحصى من الأرواح وتفادت نشوب عدة حروب وساعدت في استعادة أو إقامة الحكم الديمقراطي في أكثر من عشرة بلدان. لكن نظام حفظ السلام يتعرض لإجهاد شديد. إذ يوجد حاليا أكثر من 115 ألفا من العسكريين وأفراد الشرطة وحفظة السلام المدنيين منتشرين في 15 مهمة حول العالم، في أماكن يغلب فيها عدم وجود أي سلام يحفظ.
وهكذا فنحن بحاجة إلى انتداب بعثات في مهمات أكثر مصداقية وقابلة للإنجاز. نحتاج عمليات حفظ سلام يتم التخطيط لها عن خبرة وتنشر بسرعة وتموّل بشكل واقعي وتجهز تجهيزا كافيا وتكون لها قيادة قادرة وتنتهي بمسؤولية. ونحن بحاجة إلى تعزيز الأمن ودعم سلطة القانون في أماكن مثل ليبيريا وهايتي كي يتمكن المحافظون على السلام من العودة إلى أوطانهم واثقين من أن مهمتهم أنجزت فعلا.
سنزيد دعمنا لعلميات الأمم المتحدة لحفظ السلام – بما في ذلك الاستعداد للمساهمة بإرسال ضباط عسكريين ومراقبين عسكريين أميركيين وشرطة مدنية ومدنيين أميركيين في مهمات للأمم المتحدة وبإعادة تركيز اهتمام المباردة الأميركية لعمليات السلام العالمية على مساعدة البلدان الشريكة في تدريب المحافظين على السلام الخاصين بها. ونحن نشجع الآخرين أن يبذلوا المزيد في هذا الصدد.
ونهدف في الوقت ذاته إلى أن تصبح للأمم المتحدة الثقافة الإدارية والقيادة التي تحتاجها كي تنجح. فأولوياتنا هي تحقيق مزيد من الشفافية والمحاسبة وأخلاقيات متينة وآلية للإشراف ودعم مبادرات الأمين العام بان كي - مون لإصلاح ممارسات نظام الأمم المتحدة للمشتريات والموارد البشرية.
الأمم المتحدة اليوم مؤسسة تكلّف عدة بلايين (آلاف الملايين) من الدولارات وتواجه زيادة طلب كبير عليها أكثر من أي وقت مضى وفي أماكن أكثر مما كانت على الإطلاق. وفيها كما في أي مؤسسة لا بديل لقيادة من الدرجة الأولى. ففي مقر الأمم المتحدة، كما في الميدان، يستطيع مسؤولو الأمم المتحدة بعيدو النظر واسعو الأفق الدافعون على العمل أن يحدثوا اختلافا كبيرا في العالم. ونحن نريد العمل مع الآخرين كي نستمر في التعرف والتعزيز والتمكين.
إصلاح الأمم المتحدة يعني أيضا تمكين أكثرية سكان العالم من استغلال وتحقيق طاقاتهم الكاملة أي النساء. ولهذا السبب نحن نعمل على تقوية آليات الأمم المتحدة التي تعمل على تقدم وضع المرأة. فالهياكل الحالية ليست منسقة وليست كافية وغير فعالة. نحن ملتزمون بإيجاد هيكل دولي منظم متمكن ومخول لمكافحة الاغتصاب والاسترقاق الجنسي والتمييز وضمان الحقوق العامة والمساواة وزيادة الفرص أمام المرأة. فذلك سيعمل على تقدم قضية الحقوق الإنسانية ويعمل أيضا على تقدم الأمن والرخاء.
وأود أن أختتم هنا بالتشديد على مقولة بسيطة هي أن الأمم المتحدة ضرورة حيوية لجهودنا الرامية إلى خلق عالم أفضل وأسلم.
وقد ورثنا طائفة كبيرة من التحديات والعالم، بلا شك، سيقذفنا بمزيد منها . لكن ذلك لن يرهبنا لأننا مصممون. إننا نروج للرؤيا والإستراتيجيات والخطط التي ستجدد زعامة أميركا، وتعزز أمننا وتدعم قيمنا وتعمق رخاءنا وتقوي التحالفات والشراكات التي تضاعف من قوتنا.
لكن النكسات والإحباطات ستتواصل. وستنشأ اختلافات ستظل عصية ومآزق تشعرنا باليأس.
بيد أننا لمسنا أثمان التمنع عن التعاطي. فقد دفعنا ثمن احتقار الأمم المتحدة وتحاشي شركائنا الدوليين. والولايات المتحد ستمارس دورا قياديا في القرن الحادي والعشرين، لا بشيء من الغطرسة ولا بالتسلط، بل بواسطة دبلوماسية متأنية وعزيمة ثابتة لتقوية أمننا المشترك من خلال الإستثمار في إنسانيتنا المشتركة.
وقبل فقط ستة أشهر، وفي خطاب تنصيبه قال الرئيس أوباما: "إلى جميع الشعوب والحكومات الأخرى...ومن كبرى العواصم إلى القرية الصغيرة التي ولد فيها والدي: كونوا على علم بأن أميركا صديقة كل أمة وكل رجل وإمرأة وطفل يسعى لمستقبل من السلم والعزة وأننا جاهزون للقيادة مرة ثانية."
وبعد مجرد فترة ستة أشهر من تسلم الحكومة الجديدة مقاليد الحكم إننا نطبق عمليا هذه الكلمات. وبمقدور المرء أن يلمسها في العمل الدولي الموحد لمعالجة الأزمة المالية العالمية، ونشاهدها في روابط أدفأ مع حلفائنا وفي علاقات أكثر إنتاجية مع روسيا والصين. ونراها في تصميم أميركي متجدد للعمل من أجل عالم خال من الأسلحة النووية وخطر الانتشار النووي.
كما نلمسها في نهج أميركي متحول يدعم سيادة العراق في الوقت الذي نقوم بإعادة نشر قواتنا نشرا مسؤولا. ونشاهدها في استراتيجية شاملة جديدة لتعطيل وتفكيك وإلحاق الهزيمة بالقاعدة والتنظيمات المتطرفة الملحقة بها وحرمانها من ملاذات آمنة في أفغانستان وباكستان. كما نشاهدها في جهود أميركية حثيثة للتوسط في الحل القائم على وجود دولتين وهو ما يحتاجه الإسرائيليون للعيش بسلام وأمان وم يحتاجه الفلسطينيون لتحقيق حقوقهم المشروعة وتطلعاتهم بأن تكمون لهم دولة ويتمتعون بكرامة ورخاء. ونشاهدها كذلك في تواصل الولايات المتحدة الراهن مع المسلمين حول العالم والذي جسده خطاب أوباما التاريخي بالقاهرة.
كما نشاهده في القرار المبكر بإغلاق (معتقل) غوانتنامو خلال عام لتحريم "أساليب الإستنطاق المكثفة" وللتوضيح أن أميركا لا تمارس التعذيب. ونشاهدها في جهود حثيثة لمعالجة آفة التغيير المناخي في الوقت الذي نسلم فيه بالعلوم ومسؤولياتنا بالذات حيال البيئة التي نتشاطرها.
وهذه التغييرات لا تحدث هنا في واشنطن وعواصم أجنبية فقط بل تحدث هنا في المؤسسة التي تعتريها عيوب لكن لا غنى عنها حيث أفتخر بتمثيل بلادي فيها. وهذا هو العمل الذي يقوم به زملائي وأنا يوما بعد يوم.
إننا نعمل بحماسة وبعزيمة لأننا مدركون أن التغيير الذي لامس أميركا يمكن أن يبدل العالم كذلك؟ والوقت للعمل هو الوقت الحالي. والتحديات التي نجابهها جسيمة. لكن الفرص هي حتى أعظم ونحن سنغتنمها لأن الولايات المتحدة عادت إلى الميدان.
شكرا جزيلا لكم.
العريف: السفيرة رايس تكرمت بالموافقة على الإجابة على سؤالين أو ثلاثة...
سؤال: سيدتي السفيرة. أنا جون براديماس، الرئيس الفخري لجامعة نيويورك، وقبل أن أتولى هذا المنصب كنت عضوا في الكونغرس طوال 22 عاما. وفي كلية الدراسات العليا صرفت صيفا وانا أعمل كمتدرب في الأمم المتحدة—هذا قبل تاريخ ولادتك—في القسم الخاص بالمنظمات غير الحكومية في دائرة الاستعلامات العامة. خطابك كان بارعا وقويا جدا وأنا أشيد بك لما ذكرتيه.
أنت لمحت ولو بإيجاز إلى العلاقات مع روسيا والصين. وأنا مهتم بمعرفة إذا واجهت أية مشاكل خطيرة في التعامل مع ذينك البلدين كون نظاميهما السياسيين مختلفين جدا عن نظامنا. وأذا كان الحال عكس ذلك، ما هي أكبر مشكلة واجهتها التي تقلقك كل ليلة حينما تأوين إلى الفراش؟
رايس: أنت تسأل ما هي أكبر مشكلة توجسني—ربما أمرين مختلفين.
حسنا دعوني أتطرق إلى روسيا والصين أولا. وشكرا حضرة عضو الكونغرس براديماس لقيادتك لجامعة نيويورك ولعملك في الخدمة العامة. ونحن لم نلتق في كثير من الأحيان لكن والدتي تشيد بك...
إننا نعمل بصورة طيبة على العموم مع روسيا والصين في الأمم المتحدة وفي الحقيقة في سياق علاقاتنا الثنائية. وقبل أسبوعين عقدنا أول دورة للحوار الإستراتيجي والاقتصادي الأميركي-الصيني والذي كان لي الشرف أن أشارك في أعماله.
وقد غطى حوارنا طائفة من القضايا—من الإقتصاد وانتهاء بالتغيير المناخي إلى تحديات إقليمية قاسية. وفي حين وكما هو جلي إننا لا نتفق حول كل شيء وهناك فجوات لا تزال قائمة بيننا ثمة مجهود قوي ورغبة بفهم اختلافاتنا والإقلال منها إلى أدنى حد والتعاون حيث أمكننا في مجالات.
وأعتقد أن من الإنصاف القول بأن نفس الشيء ينطبق إلى حد كبير على روسيا حيث نعمل ثنائيا في بعض من مفاوضات نوع السلاح البالغة الأهمية والتعقيد. وحيث وبالرغم من اختلافاتنا—وهي حقيقية—في المسائل المتصلة بمناطق واقعة في أطراف روسيا إننا نتباحث حول مسائل هامة مثل إيران ونعمل سوية على موضوع كوريا الشمالية.
وهذا ليس بلا عيوب لكنه أفضل بكثير. وأنا أثمن جدا علاقاتي والتعاون الذي أستمتع به مع زملائي هنا في نيويورك من روس وصينيين. وقد تحدثت للتو مع نظيري الروسي أثناء قيادتي سياراتي إلى هنا وسألني هل ألقيت خطابك بعد؟ فأجبته لا، إني أتجهز لإلقائه.
وهناك فترات يمكن أن نتصارح بشأن تصوراتنا ونحلها إلى المدى الممكن وحينما نختلف فإننا نختلف ببساطة وبصدق.
بخصوص متاعبي، سأقول لكم ما يقلق بالي. أعتقد بأننا جميعا نتوجس من تحديات الانتشار النووي ونحن نجابه قضايا قريبة جدا من بعضها البعض ونحن نقلق من عدم الاستقرار في دول يمكن أن تكون هشاشتها او تداعياتها كارثية. وتجربة الصومال في يومنا هذا هي تجرية تقلق بالي كثيرا بسبب تداعياتها على المنطقة وتداعياتها على أمننا القومي بالذات.
وهكذا باستطاعتي أن أقدم لك قائمة...لكن دعني أتوقف عند تلك الأمثلة. وشكرا لكم مرة ثانية.
سؤال: لدي سؤال سريع – الحكومة الأميركية السابقة لم تقدم على إجراء استثنائي خاص في موضوع إعادة توطين لاجئين عراقيين. وفي خلدنا أنها مشكلة كبيرة وبإلقائنا نظرة مستقبلية ما هو شعورك حيال السياسة الأميركية الحالية والمستقبلية بالنسبة للاجئين العراقيين؟
سؤال:... ومساعدتهم أيضا، لكن مفترضين أنه مع جلاء القوات الأميركية ربما لن تكون إعادتهم إلى الوطن على الفور من الأمور السلسة تماما.
رايس: شكرا على سؤالك إنه سؤال هام وهو موضوع حدده الرئيس بأنه من دعامات سياسته المتحولة حول العراق حتى في وقت مبكر من ولايته وفي سياق حملته الإنتخابية.
أننا نتحسن، وفي الواقع تحقق تقدم في عهد الحكومة السابقة وذلك بسماحها لعدد أكبر من العراقيين بدخول الولايات المتحدة. لكن بإمكاننا أن نفعل ما هو أفضل ونحن نعمل على ذلك.
لكن من الأهمية الحاسمة بمكان التعامل مع التحدي المتمثل في اللاجئين في بلدان الجوار وحوالي مليوني مواطن نازح داخل العراق اليوم، وهذا لا يزال تحديا حرجا.
ومن الأمور الهامة التي تقوم بها الأمم المتحدة والتي ندعم الأمم المتحدة في عملها هو مساعدة النازحين داخل العراق واللاجئين على إعادة التوطن والتعامل مع المشاكل الصعبة للنزاعات حول الملكية وضمان أنه حينما يعود (اللاجئون) إلى الوطن إننا سنزيد إلى أقصى حد من فرص تمكنهم من عمل ذلك بأمان وبقدر كبير من الأمل، وأنهم سيكونون قادرين على البقاء وألا يطردوا ثانية.
وهكذا كما ترون، إنها مشكلة هامة. وهي مشكلة ذات أولوية للأمم المتحدة وفي الحقيقة للسفارة الأميركية ببغداد. وأقول بصراحة هي مسألة نحن بحاجة لاستمرار تعاون السلطات العراقية وكذلك تعاون جارات العراق. وشكرا.
سؤال: مرحبا، أنا اسمي إيريك روزاند، من مركز التعاون من أجل مكافحة الإرهاب العالمي في نيويورك.
سؤالي يتعلق بخطاب الرئيس في القاهرة والعلاقات بين الولايات المتحدة والدول الإسلامية في الأمم المتحدة، وبالتأكيد في مجال اختصاصي، وهو قضية الإرهاب، إذ شهدت العلاقات بعض الصعوبة في إطار الأمم المتحدة. إنه دائمًا، "الغرب دائمًا ضد العالم الإسلامي" في هذه القضايا، والعكس هو الصحيح، في السياق المتعدد الأطراف.
لذا، يا ترى، بالنسبة للمضي قدما في رؤية الرئيس في القاهرة، هل هناك أية أفكار للشراكة مع، كما تعلمون، الدول الإسلامية الرئيسية المعتدلة، في إطار الأمم المتحدة، في مرحلة متعددة الأطراف، واتباع نوع من مجموعة من الأهداف المشتركة، بدلا من الوقوف دائما - ليس بالضرورة فيما يتعلق بالإرهاب، ولكن بالنسبة لمجموعة كاملة من القضايا في المرحلة المتعددة الأطراف؟
السفيرة رايس: شكرا لكم على ذلك. نعم، بالطبع. ولكن، ذلك لا ينطبق فقط على البلدان ذات الأغلبية المسلمة، والتي نمد يدنا بنشاط ووعي للتواصل معها - ليس فقط على المستوى الخطابي والاجتماعي، ولكن في الواقع على المستوى العملي. ونحن نتطلع قدما، على سبيل المثال، إلى دورة الجمعية العامة، حيث نسعى لمحاولة تغيير بعض الديناميكيات القديمة وإيجاد أرضية مشتركة أكبر حول المسائل التي قد نختلف بشأنها عادة.
لذلك، وهذا هو - إن من المهم. وما نقوم به، من حيث الإعداد للهجة جديدة، فإن الوضوح في وضع اتجاه جديد للسياسة، اعتقد أنه كان له تأثير مثمر بالفعل.
ومن ثم، الأمور الملموسة بشكل أقل مثلا – إنني سوف أتشرف خلال بضعة أسابيع باستضافة مأدبة إفطار في مقر إقامتنا في الأمم المتحدة. وهذه لن تكون مناسبة لتصريف الأعمال، ولكنها مناسبة لإظهار الاحترام، وبناء - الاستمرار في بناء العلاقات الشخصية التي نقدرها كثيرا.
إنني لا أريد أن "أنوه" بشخصية معينة. ولكن اسمحوا لي أن أقول إن هناك عددا من زملائنا من الدول العربية والدول ذات الغالبية المسلمة – قد ساعدونا، وغيرنا، بعدة طرق، مع أنهم لم يسعوا ليكونوا تحت دائرة الضوء، في الحد من الانقسام وإيجاد أرضية مشتركة. ونحن ممتنون لذلك.
السفيرة رايس: ( خارج نطاق الميكروفون ) إننا نحاول أن نحقق قليلا من التوازن بين الجنسين هنا (أي أسئلة الذكور والإناث)–
المشرف على المؤتمر الصحفي: المساواة بين الجنسين.
المشرف على المؤتمر الصحفي: يوجد واحد بيننا هنا.
سؤال: مرحبا، سعادة السفيرة رايس. شكرا جزيلا على مجيئكم.
أنا في الواقع سبق لي وأن عملت مع سلفكم، السفير خليلزاد، في فريقه المعني بالسياسة، وقد جابهنا بعضا من القضايا التي تحدثتم عنها في خطابكم. وأنا في الحقيقة أود أن أشكركم على جرأتكم وشجاعتكم في وضع تصور حقيقي لدور الولايات المتحدة الريادي في الأمم المتحدة، بطريقة لم نتوفق نحن مهما حاولنا في وضعها، نظرا للتلك المرحلة من التاريخ التي كنا فيها. لقد وجدت ذلك أمرا يثير الإعجاب.
وأود فقط أن أطرح سؤالا عن شيء محدد تحدثتم عنه، وهو بناء التحالفات - ولعله يتعلق بالسؤال الذي طرح للتو. إن أحد الأمور التي كنا نفكر فيها كثيرا – والتي وبكل صراحة لم نحقق فيها الكثير من التقدم، كانت هذه المشكلة الواسعة النطاق المتمثلة في كيفية كسر مجموعات كتل التصويت ضمن الجمعية العامة. ولم تكن لدينا طريقة منهجية جيدة لمتابعة ذلك. ولم نعرف كيف نقوم بذلك.
أعلم أنه لم يمض على تسلمكم هذا المنصب سوى ستة أشهر، وهو سؤال غير منصف نوعا ما، ولكن يا ترى هل سبق وأن حققتم أي نجاح بالنسبة لبرنامج بناء التحالفات الكبيرة. وإذا كان الجواب لا، فهل لديكم، مع اقتراب موعد دورة الجمعية العامة المقبلة، أية أفكار بشأن إطلاق مبادرات، أو أمور قد تكونون ، تحاولون نوعاما القيام بها من أجل تغيير هذه الديناميكية قليلا في الجمعية العامة؟
السفيرة رايس: إنه سؤال ممتاز وهام جدا. وبصراحة أقول إنه إذا جاز لي الإجابة على هذا السؤال بكل صدق فأنني لن أكون أعمل على مساعدة أنفسنا - ولذا، فسأكون حذرة بعض الشيء.
لقد حاولت معالجة ذلك، من بعض النواحي - على الأقل بصورة غير مباشرة في خطابي. إن ديناميكيات الكتل قد باتت بشكل متزايد عبارة عن عادة وظيفية مناسبة مريحة لا تمثل بالضروة تصرفا فرديا يخدم المصلحة الوطنية للدول. والعديد من البلدان تعترف بذلك في الجلسات المغلقة. ولكن إقناعها بالتصرف على هذا الأساس يمكن أن يكون أكثر صعوبة بعض الشيء.
ولكن ذلك يعتمد، كما تعلم، إلى حد كبير على القضية المطروحة ويعتمد أيضا على ما إذا كنا، نحن وغيرنا، نجعل من الصعب أو من السهل لنا أن ندرك مصالحنا المشتركة، بدلا من سرد الذرائع للإبقاء على العادات القديمة لمجرد أنها مريحة.
ولذلك، فإن الكثير مما نحاول القيام به - وفقا لطبيعة سياساتنا الجديدة ، بحكم طبيعة مشاركتنا، هو أن نجعل الناس تفكر مرتين؛ وترى، كما حاولت أن ألخص في هذا الحديث، إذ إن مصالحنا وقيمنا تعزز بعضها بعضا، وفي أغلب الأحيان تتلاقى مصالحنا فيما يتعلق بالآخرين.
عندما أقول في كثير من الأحيان إن ما هو خير للآخرين هو خير لنا، فإني أعني ما أقول. فهذا يعد تركيزا جوهريا في نهجنا، على الصعيد الدولي، وخصوصا هنا في الأمم المتحدة. ولذلك، فإننا لا نسعى من أجل البقاء في أخدود الايديولوجية الجامدة. نحن لسنا أيديولوجيين. نحن نحاول أن نكون عمليين ومبدئيين في نهجنا بالنسبة للمشاكل المشتركة التي هي في غاية الصعوبة.
وأنا أعتقد - أعتقد أننا نستطيع، وسنرى الأعمال التي تستجيب بنفس الطريقة. وأنا وليست لدي عصا سحرية. فكما تعلم، هناك أنماط وديناميكيات قد تجذرت وسوف تستمر.
ولكنني أشعر، وقد تشجعت حقا بملاحظة أن هناك مزاجا مختلفا. وهناك قدر أكبر من الانفتاح. وهناك استعداد للإصغاء إلى الولايات المتحدة، ولتشجيع الولايات المتحدة، وحتى في كثير من الأحيان لدعمنا.
لذا، وبذلك، سأكرر ثانية ما قلته في وقت سابق، إنه لوقت عظيم يدعو للشعور بالارتياح أن نتمكن من لعب هذا الدور، ويجعله كذلك العديد من زملائي، والدول التي يمثلونها، بشكل يومي. شكرا جزيلا لكم.
المشرف على المرتمر: حسنا.....سوف أدع التصفيق يستمر.
السفيرة رايس، أود أن أشكركم على مشاطرتكم لنا رؤيتكم الملهمة لإعادة تنشيط قيادة الولايات المتحدة، والولايات المتحدة، وكجزء من ذلك التوجه الجديد، تغير نهجها في الأمم المتحدة بشكل كبير. وإنه ليحدونا الأمل في أننا سوف نتمكن، بدعم من المواطنين المشاركين مثل المواطنين الممثلين هنا هذا المساء، من المضي قدما في هذه الجهود.
وشكرا لكم جميعا على انضمامكم إلينا، وعلى جعل هذه الأمسية أمسية شيقة.
السفيرة رايس: شكرا جزيلا.
المشرف على المؤتمر: شكرا. (تصفيق)
نهاية النص