27 نيسان/إبريل 2009
بقلم ديفيد بي. باراش
توحي نظرية الألعاب انه رغم أن إنجاز التعاون ليس بالأمر البسيط على الإطلاق، لكن في مُعظم الأحيان يُمكن أنه يظل الخيار المُفضل على خيار النزاع.
ديفيد بي. باراش هو أستاذ علم النفس في جامعة واشنطن، وشارك في تأليف كتاب "دراسات السلام والنزاع" من بين كتب عديدة أخرى.
تبدو المشكلة بسيطة بما يكفي: وهي لماذا لا يتعاون الناس في ما بينهم؟ أو على الأقل لماذا لا يتعاونون بنسبة أكبر مما يفعلون حالياً؟ ففي نهاية المطاف، إذا ساعدتك أنا وساعدتني أنت بالمقابل، ألن نصبح كلانا في وضع أفضل؟ وبصورة مماثلة، ألن يستفيد كل إنسان في حال انتهجنا جميعاً مسار اللاعنف؟ باختصار، ما هو الأمر الصعب إلى هذه الدرجة بالنسبة للسؤال الذي طرحه سائق السيارة الأميركي رودني كينغ، بعد أن ضربه رجال الشرطة في لوس أنجلوس وهو: "لماذا لا نعمل جميعنا سوية؟ وبدون اللجوء إلى العنف."
لكن يتبين أن الجواب سيكون أكثر تعقيداً مما يعتقده المرء. علاوة على ذلك، تساعد سلسلة من الأساليب التقنية لاتخاذ القرارات، تُعرف بنظرية الألعاب، في إلقاء الضوء على كل من المشاكل نفسها وبعض الاستراتيجيات الخاصة بحلّها، من ضمنها مشكلة العنف مقابل الأساليب السلمية.
باختصار، نظرية الألعاب هي طريقة للنظر في أوضاع تشمل، في أبسط الحالات، جانبين (أو لاعبين) مع تحديد "المكافآت"، أو "الحصائل"، ليس استناداً إلى ما يفعله أحد اللاعبين فحسب، بل وأيضاً استناداً إلى تفاعل الجانبين المشتركين. وفي غياب مكون التفاعل هذا، قد لا تكون مثل هذه "الألعاب" كثيرة الصعوبة: قد يفعل كل لاعب ببساطة كل ما يمكن فعله للحصول على أفضل نتيجة لنفسه، بغض النظر عن اللاعب الآخر. فعلى سبيل المثال، إذا كان الطقس ماطراً، قد يكون "التحرّك" الصحيح حمل مظلة بغض النظر عما يفعله الآخر. ومن غير المحتمل أن يتأثر الطقس بسلوك أي فرد. ولذلك فكل إنسان حر باتباع ميوله دون اعتبار لما يفعله الآخر.
ومن جهة أخرى، تصور أن يعثر شخصان، مثلاً، على كومة صغيرة من النقود؛ عندها يكون من الأفضل لهما أن يأخذ كل واحد منهما مصلحة الآخر بعين الاعتبار: مثلاً، تقاسم الغنيمة بدلاً من أن يحاول أحدهما احتكار المبلغ وربما يتقاتلان عليه نتيجة لذلك. وعندما يتم تحديد "المكافآت" ليس بما يفعله الشخص الأول فحسب، بل وأيضاً بما يفعله الشخص الثاني بالتزامن معه، فإن الحاجة تقتضي اللجوء إلى نظرية الألعاب تلك.
لكن، ولسوء الحظ، كثيراً ما تكون مثل هذه القرارات أقل وضوحا من مجرّد عملية تقاسم الفرق، بل والأسوأ من ذلك، أنها كثيراً ما توفّر فرصاً لعدم التعاون، وبوجه خاص عندما يؤدي تعاون أحد اللاعبين إلى تعرّضه للاستغلال على يد اللاعب الآخر. وبالطبع، كثيراً ما تواجه مثل هذه الحالات أفراداً ومجموعات اجتماعية تكون ساعية لمنع حدوث النزاع وتجنّب العنف.
باختصار، هناك خطر دائم، بأنه من خلال اختيار التعاون بدلاً من التنافس، سوف يخاطر اللذين يتبعون الممارسات السلمية بالتعرض للخسارة أمام من هم أكثر عدوانية وأكثر ميلاً إلى ممارسة العنف. تصوروا، مثلاً، أنه في مثال عثور شخصين على كومة من المال، إذا قرر أحدهما أن يشهر سلاحاً في وجه الآخر ويدعي بأن كل المال يعود إليه، بينما يلتزم الشخص الآخر بالموقف السلمي. قد تبدو النتيجة الحتمية مكافأة المشارك العنيف على سلوكه (بأخذ المال كله) بينما يُترك الشخص الملتزم بالموقف السلمي خاوي اليدين، أو كما وصفه مكيافيللي بقوله المشهور: "الرجل الذي يرغب في أن يجعل من الطيبة مهنته في كل شؤون الحياة سوف يواجه الأسى حتماً إذا تواجد بين أشخاص غير طيبين."
الحلول السلمية
ولكن يبقى هناك أمل، كذلك: لا تساعدنا نظرية الألعاب في مجرد فهم المشكلة بل تقترح حلولاً سلمية وتدعمها.
إن لعبة مأزق السجين، المستخرجة من نظرية الألعاب، توفّر نموذجاً لتطوّر التعاون مقابل التنافس بصورة أكثر عموماً. ومثلها مثل معظم النماذج، فإنها متناهية البساطة، لكنها تساعد في توضيح تفكير المرء.
لنفترض أن شخصين، أو جماعتين أو حتى دولتين، لديهما الخيار إما أن ينتهجا أسلوب العنف أو الأسلوب السلمي. (يعمّم أصحاب نظرية الألعاب هذه الخيارات "على التعاون" مقابل "التخلف عن التعاون"، أو المرء "اللطيف" مقابل "البغيض"، ومن ضمن ذلك نجد شؤون دولية، مثل سباق التسلح وفرض الحواجز التجارية). فإذا اختار الفريقان اللاعنف، يحصل كل فريق على مكافأة على تصرفه: وهو الحل السلمي لنزاعهما، أو في مثال العثور على كومة المال، الحصول على حصة دون قتال؛ أما في حال اختار الاثنان العنف، فسوف يحصل كل واحد منهما على مكافأة مختلفة: العقاب باحتمال تعرضه للأذى. أما إذا تخلف أحدهما وتعاون الآخر، يحصل المتخلف العنيف على ما يعرف بإغراء "التخلف" (في هذا المثال كل المال)، ويحصل الشخص الذي تعاون (الذي تصرف بدون عنف بينما اختار الشخص الآخر العنف)، على مكافأة "المغفل": لا يحصل على شيء من المال في هذا المثال.
وحتى يتسنى فهم ما سيحدث بعد ذلك، تصوّر نفسك داخل رأس أحد هذين اللاعبين: "اللاعب الآخر يستطيع إما أن يتعاون معي (أن يكون عنيفاً) أو أن يتخلف عن التعاون. فإذا كان من الصنف الأول، عندا يكون أفضل تحرك لي هو التهديد بالعنف لأني بذلك قد أحصل على أعلى مكافأة، وهي كل شيء، بينما هو، أي المغفل، لن يحصل على أي شيء. ومن جهة أخرى، فإنه قد يختار التخلف عن التعاون ويهدد بالعنف. وفي هذه الحالة، يكون أفضل تحرك لي، أيضا، هو أن افعل الشيء ذاته، لأنه حتى وإن حصلت على عقاب القتال المحتمل، الأمر الذي في واقع الأمر يُشكِّل مكافأة سيئة، فعلى الأقل يكون ذلك أفضل من أن ينتهي بي المطاف في عداد المغفلين وأخسر كل شيء."
النتيجة من هذا المنطق الصارم، هي أن كل جهة تميل إلى احتمال التخلف العنيف، والذي يوفّر مأزقاً مقلقاً بالتأكيد لأنه من خلال عمل ذلك ينال كل طرف عقاباً (في حالة الأفراد، القتال، وفي حالة الدول، ربما سباق تسلح مُضنٍ أو حرب تجارية) حيث تكون أفضل مكافأة مشتركة هي التي يتم تقاسمها عبر التعاون والأساليب السلمية.
تُشكِّل لعبة "مأزق السجين" طريقة مفيدة لصياغة نموذج هذا المأزق، أي التفكير بأن على المرء أن يكون "بغيضاً" خشية من أن يصبح المرء "اللطيف" تحت رحمة الآخرين يتمادون في كونهم بغيضين (تذكروا ميكيافيللي).
من جهة أخرى، هذه الطريقة ليست هي الطريقة الوحيدة التي يمكن استخدامها للنظر في مثل هذه الحالات. فمثلاً، عندما يتعلق الأمر بالعنف واللاعنف فقد يكون النموذج المناسب أكثر هو اللعبة المسماة "لعبة الدجاجة"، التي تشبه لعبة مأزق السجين، غير أن العقاب هنا هو أسوأ مكافأة على الإطلاق: حيث تتجاوز كلفة التقاتل، أو حتى التهديد بالقتال، كلفة كون المرء مغفلاً وبالتالي تجنّب النزاع بالكامل. ولعبة الدجاجة هي عبارة عن "لعبة" يتقدم فيها سائقا سيارتين صوب أحدهما الآخر على مسار تصادمي، بحيث يسعى كل واحد منهما إلى حضّ الآخر على الانحراف. واللاعب الذي ينحرف، أي ما يعادل "التعاون" في لعبة مأزق السجين، يعتبر "دجاجة" (وهي كلمة عامية تعني الجبان)، بينما اللاعب الذي يظل سائراً في خط مستقيم، أي الذي يُماثل "التخلّف" عن التعاون في لعبة مأزق السجين، هو الذي يكسب اللعبة. لكن المشكلة هي أنه في حال صمم كل لاعب على التخلف عن التعاون، وبالتالي على أن يربح اللعبة على حساب الآخر، فتكون النتيجة أن كليهما سوف يخسرا!
جولات متكررة
إن نماذج نظرية الألعاب المبسطة تفترض أيضاً أنه لا توجد سوى مكافأة محتملة وحيدة، وأن أي تفاعل هو حالة تجري مرة واحدة. غير أن واقع الأمر هو أن الأفراد والجماعات كثيراً ما يتفاعلون بصورة متكررة وبذلك يستطيعون تغيير سلوكهم استناداً إلى ما حصل لهم في المرة السابقة. ولذلك، تكون للطرفين مصلحة حقيقية في استحداث سلسلة من التفاعلات السلمية والمتعاونة، لأن مكافأة التعاون السلمي تكون دائماً أعلى من عقاب العنف المتبادل، بغض النظر عما إذا كان الأمر يتعلق بلعبة مأزق السجين أو لعبة الدجاجة. وهكذا، فمن المحتمل لمثل هذه النتائج أن تعود بأعلى مكافأة لجميع المعنيين بالأمر.
ومن الجدير بالاهتمام، حتى في التفاعلات المنعزلة التي تحدث لمرة واحدة، عندما يوحي الاحتساب المنطقي الصارم أن التخلف التنافسي عن التعاون يُشكِّل الاستجابة "المنطقية"، يميل معظم الأفراد إلى محاولة التعاون، وعلى وجه الخصوص عندما يدركون أن التفاعل المعني من المحتمل أن يتكرر. فالتفاعلات المتواصلة لا تقدم مجرد احتمال الخسارة بسبب العقابات المتكررة الناتجة عن التخلف المتبادل عن التعاون (العنف)، بل وتقدم أيضاً احتمال التمتع بمكافآت مستمرة نتيجة التعاون المشترك (اللاعنف).
تظهر عمليات المحاكاة الرياضية والمعتمدة على الكمبيوتر، على سبيل المثال، أن استراتيجية بسيطة تعتمد على مفهوم المعاملة بالمثل تستطيع أن تولّد أعلى مكافأة على الإطلاق، حتى في لعبة مأزق السجين الكلاسيكية. وتتضمن مثل هذه الاستراتيجية التعاون في المرحلة الأولى، ومن ثم يقوم كل لاعب بمجرد تكرار الحركة التي قام بها اللاعب الآخر في الجولة السابقة. وهكذا، يولد التعاون من جانب اللاعب الأول تعاوناً من جانب اللاعب الثاني لا نهاية له، وتكون نتيجة ذلك أن اللاعبين يحصلان على مكافأة متكررة تقوم على التعاون غير العنيف. وعلى نفس المنوال، ينتج تخلّف اللاعب الأول، تخلفاً من اللاعب الثاني، وبذلك تتم حماية اللاعب الثاني من أن يصبح مغفلاً أكثر من مرة واحدة، وعبر هذه العملية، تثبط عزيمة اللاعب الأول عن التخلف في المقام الأول.
لم يتقبل المهاتما غاندي عملية فكرة الأعمال الانتقامية المتبادلة ولكنه شدد بقوة على أن "ساتياغراها"، العبارة التي استعملها للدلالة على أساليب اللاعنف النشطة، يجب تمييزها عن القبول السلبي أو الرغبة في تجنب النزاع بأي ثمن كان. وكان غاندي أيضاً واضحاً تماماً في أن ممارسي الأساليب السلمية المحتملين، سوف يغيرون، من خلال مثال أعمالهم في نهاية الأمر، سلوك المتخلفين المحتملين، وأنه من خلال سلوكهم المثالي، والموافقة على قبول المعاناة (أن يصبحوا مغفلين في بعض الأحيان، وفق مصطلح نظرية الألعاب)، يستطيعون أن يفعلوا شيئاً لا يأخذه أصحاب نظرية الألعاب في اعتبارهم: وهو تغيير سلوك الطرف الآخر من خلال مناشدة طبيعته الأسمى.
وعندما ترد ضحية على العنف بمزيد من العنف، فإنها تتصرف بطريقة يمكن التكهن بها، وربما حتى فطرية، وتميل إلى تعزيز وتأكيد الاعتداء من المهاجم الأصلي وحتى، بطريقة ما، إلى تبرير العنف الأصلي، على الأقل في ذهن المهاجم. وبما أن الضحية تكون عنيفة جداً، فمن المفترض أنها تكون قد استحقت ذلك! وعلاوة على هذا، فإن هناك توقعا واسع الانتشار بوجود قوة موازنة في المجال الاجتماعي مشابهة لقانون نيوتن الأول الذي ينص على أن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه. وهكذا، إذا ضرب اللاعب الأول اللاعب الثاني ثم رد اللاعب الثاني بضرب الأول، فإن ذلك سوف يشجع الأول، دائماً تقريباً، على الضرب مرة اخرى. لم يكن غاندي مولعاً بالوصية التوراتية "العين بالعين والسن بالسن"، من حيث أنه أشار إلى أنه في حال تصرف الجميع وفق هذه الطريقة قد يصبح العالم بأكمله أعمى وبلا أسنان.
بدلاً من ذلك، إذا رد اللاعب الأول بعمل سلمي، فإن نتيجة هذا الرد لا تكسر سلسلة الغضب والكراهية (المتناظرة مع السلسلة الهندوسية للولادة وإعادة الولادة) فحسب بل وتضع أيضاً اللاعب الأول في موقع غير متوقّع. وقد كتب غاندي يقول، "أسعى كليا من أجل أن ألثم سيف الطغاة، ليس من خلال مواجهتهم بسلاح أمضى حَداً بل بتخييب توقعاتهم بأني قد أواجههم بمقاومة جسدية." هذه المقاومة ليست سهلة ومن غير المحتمل أن لا تكون مؤلمة، ولكن نظرية الألعاب، كما التجربة العملية لغاندي في جنوب أفريقيا والهند ولمارتن لوثر كينغ جونيور وغيره من الناشطين في الولايات المتحدة، كلها تؤكد إمكانية نجاحها بشكل مذهل.
رجل الدولة والفيلسوف الروماني القديم، شيشيرو، سأل في كتاب "رسائله إلى أصدقائه": "ما الذي يمكن عمله ضد القوة دون استعمال القوة؟" قد يجيب طلاب اللاعنف، يمكن عمل "الكثير". وأكثر من ذلك، قد يتساءلون ما إذا كان من الممكن عمل أي شيء فعّال، ودائم، أو ذي قيمة ضد القوة باستعمال القوة. ففي نهاية المطاف، وكما رأينا، يقود اللجوء المتبادل إلى العنف بسهولة إلى ما يُعرّفه أصحاب نظرية الألعاب بالعقاب للتخلف المتبادل عن التعاون الذي يضر بالجميع. كما كان القائد الأميركي المدافع عن الحقوق المدنية كينغ، مثله مثل غاندي، عملياً إلى حد صارم، إذ كان يعتبر أن الأمور تقاس بنتائجها. حيث كتب يقول: "الرد على العنف بالعنف يضاعف العنف ويضيف ظلاماً دامسا إلى ليلة ظلماء لا تضيئها النجوم. إنه لا يمكن طرد الظلام بالظلام، ولكن الضوء الساطع هو فقط القادر على فعل ذلك. ولا يمكن طرد الكراهية بالبغضاء، وإنما بالحب."
وخلاصة القول، أن نظرية الألعاب تساعد في تسليط الضوء على حدود التعاون، وتكشف لماذا "الانسجام في العمل" ليس بتلك البساطة، أو حتى أنه شأن طبيعي، كما قد يرغب بذلك العديد من الناس. ولكن، في نفس الوقت، تُظهر النظرية أن بني البشر ليسوا محكومين بالضرورة بالعيش في العالم الذي رآه الفيلسوف هوبس، الذي يقوم على التخلف العقابي والتنافس المؤلم، وذلك في حال كان بالإمكان إقناع البشر باتخاذ وجهة نظر أوسع نطاقا تجاه أوضاعهم، وبالتالي، تجاه الفرص المتاحة أمامهم.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.