03 ايلول/سبتمبر 2008
وولتر لاكير
الدكتور وولتر لاكير، متقاعد حاليا من مناصب أكاديمية متعددة، وكان أحدث ما شغله هو منصب المدير السابق لمجلس الأبحاث الدولي في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في مدينة واشنطن العاصمة، وهو حاليا بحاثة متميز.
ما هو الإرهاب؟ هناك أكثر من مئة تعريف للإرهاب. ولدى وزارة الخارجية الأميركية تعريفها الخاص، العنوان 22 من المادة 2656 من مدونة القانون الأميركي: (الإرهاب هو) "عنف متعمد، مدفوع بدوافع سياسية، ترتكبه ضد أهداف غير محاربة جماعات شبه قومية أو عملاء سريون، المقصود منه عادة هو التأثير على جمهور". ولدى وزارة الدفاع الأميركية تعريف آخر مختلف، وكذلك لدى مكتب التحقيقات الفدرالي، في حين أن كاتب هذا المقال وضع شخصياً تعريفين أو ثلاثة. إلا أنه ما من تعريف مرض تماماً بين هذه التعريفات.
لقد قيل أكثر مما ينبغي، في رأيي، حول عنصر "الأهداف غير المحاربة". إذ ليس هناك جماعة إرهابية في التاريخ اقتصرت هجماتها على جنود أو رجال شرطة. وماذا سيكون الوضع إذا قامت مجموعة من الرجال المسلحين بمهاجمة رجال شرطة في الصباح ومدنيين في المساء: هل رجال المجموعة إرهابيون، أو هل ينتمون إلى تصنيف مختلف، أو هل يغيرون طبيعتهم خلال يوم؟
لن يتم التوصل أبداً إلى وضع تعريف كامل وشامل للإرهاب لسبب بسيط هو أنه ليس هناك إرهاب واحد، بل كانت هناك "إرهابات" (أي أنواع إرهاب) متعددة، يختلف كل منها عن الآخر بشكل كبير في الوقت والمدى، وفي الدوافع، وفي المظاهر والأهداف.
الدراسات الأولية
عندما بدأت الدراسة المنهجية للإرهاب في عقد السبعينيات من القرن الماضي، كان هناك اعتقاد – خاطئ – لدى البعض بأن الإرهاب كان تقريبا وقفاً على جماعات يسارية متطرفة تحتكره دون سواها، كالألوية الحمراء الإيطالية أو الجيش الأحمر الألماني أو المجموعات الأميركية اللاتينية المختلفة. (كما كان هناك إرهاب إثني – قومي، كما كان الحال في إيرلندا الشمالية، إلا أنه لم يكن يتم إبرازه على أنه بنفس الأهمية). من هنا جاء الاستنتاج: يبرز الإرهاب إلى حيز الوجود حيثما تعرض الناس للاستغلال والقمع الشديد. ولذا فإنه من الممكن إنهاء الإرهاب بسهولة من خلال إزالة الاستغلال والقمع.
إلا أنه كان ينبغي أن يكون واضحاً حتى آنذاك أن هذا لا يمكن أن يكون تفسيراً صحيحا إذ إنه لم يكن هناك أي وجود إطلاقاً للإرهاب بالذات في أكثر الأنظمة قمعا في القرن العشرين - في ألمانيا النازية وروسيا الستالينية. وصحيح أن الإرهاب لم يكن موجودا في أغنى المجتمعات وأكثرها تطبيقاً للمساواة – ولكنه لم يكن موجودا أيضا في أفقر الدول.
وبانقضاء عقد من الزمن كان معظم الجماعات الإرهابية اليسارية المتطرفة قد اختفى. وعندما كان يظهر أي إرهاب خلال عقد الثمانينيات كان يأتي إلى حد كبير من خلايا صغيرة لليمين المتطرف. لقد وقعت بعض عمليات اختطاف وتفجير للطائرات (كتلك التي حدثت فوق لوكربي باسكتلندا)، كما هوجم، عدد قليل من السفارات أو حتى تم الاستيلاء عليها (كما حدث في طهرا ن)، إلا أن هذه العمليات لم تنفذ من قبل جماعات من اليسار المتطرف.
وكان العمل الإرهابي الذي أوقع أضخم عدد من الضحايا في الولايات المتحدة قبل 11 أيلول/سبتمبر 2001، هو تفجير المبنى الحكومي الفدرالي في أوكلاهوما سيتي في العام 1995، الذي نفذه يمينيان متطرفان يتعاطفان مع حركة مليشيا أميركية. واستمر الإرهاب القومي (في إيرلندا الشمالية ومنطقة الباسك في إسبانيا وسريلانكا وإسرائيل وبعض الأماكن الأخرى)، إلا أن الإرهاب الإسلامي، الذي يلعب دورا بارزاً جداً في هذه الأيام، لم يكن قد ظهر بعد، إلا في بعض دول الشرق الأوسط، وبصورة متقطعة.
أما اليوم، فقد أصبح الإرهاب والقاعدة، والمجموعات الأخرى المماثلة المدفوعة بالتطرف الديني، مرادفين ، ربما بشكل حتمي، لأن معظم الإرهاب المعاصر ينفذ من قبل أتباعها. إلا أنه يجب مقاومة إغراء المساواة بين الإرهاب وهذه الجماعات لسبب بسيط هو أن الإرهاب سبق ظهور الإسلاموية المقاتلة بفترة طويلة، ولعله سيستمر في الوجود بعد اختفاء دعاة الجهادية الحاليين.
والإرهاب ليس عقيدة سياسية، ولو أن البعض حاول تحويله إلى إيديولوجيا؛ بل هو عوضا عن ذلك واحد من أقدم أشكال العنف – إلا أنه من البديهي أنه ليس كل العنف إرهابا. وربما كان ظهور الإرهاب قد سبق ظهور الحرب النظامية لأن قتال الجيوش يتضمن قدراً معيناً من التنظيم واللوجستيات المتقدمة لم يكن الإنسان البدائي يملكه.
الخلفية التاريخية
يظهر الإرهاب في العهد القديم للكتاب المقدس، وكانت هناك حوادث كثيرة من جرائم القتل السياسية، وحتى الاغتيالات المنهجية، في التاريخ اليوناني والروماني. وقد شغلت جريمة قتل يوليوس قيصر، على سبيل المثال لا الحصر، الكتّاب والفنانين على مدى الألفي سنة التالية. وشغل التساؤل حول ما إذا كان قتل المستبد (كما فعل وليام تيل، البطل القومي في الروايات السويسرية الزاخرة بأعمال البطولة) مسموحا به، أجيالا من علماء اللاهوت والفلاسفة.
ولم يكن هناك إجماع تام في الرأي، إلا أن رأي الأغلبية كان أن الإرهاب مسموح به في ظروف معينة. فعندما لا يترك ظالم مستبد – طاغية – هو عدو للبشرية جمعاء، ومنتهك للقوانين الإلهية والعدالة الإنسانية، سبيلاً آخر أمام ضحاياه للخلاص من القمع غير المحتمل، فإن ارتكاب عمل إرهابي يصبح عندها السهم الأخير، الملاذ الأخير للمظلومين، بعد استنفاد جميع الوسائل الأخرى.
إلا أن الفلاسفة وعلماء اللاهوت كانوا يدركون، حتى آنذاك، وجود خطر كبير مقلق بإساءة استخدام مبدأ قتل المستبد المبرر، لإمكانية ادعاء اللجوء إلى استخدام الحجة الأخيرة أو السهم الأخير، عندما لا يكون هناك في الواقع سبب مبرر للقتل (كما كان الحال لدى قتل الملك هنري الرابع الطيب في فرنسا) أو حين تكون هناك طرق أخرى متوفرة للتعبير عن الاحتجاج والمقاومة.
في هذه الأثناء، ظهرت مجموعات صغيرة انخرطت في الإرهاب المنهجي على امتداد فترات طويلة، كطائفة الحشاشين السرية، المنبثقة عن الإسماعيليين المسلمين، التي قامت بعملياتها مما يعرف الآن بالعراق وإيران من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر، وقامت بقتل الحكام والولاة والخلفاء وأحد ملوك القدس الصليبيين. وكان الحشاشون روادا في الإرهاب الانتحاري – وكان سلاحهم دائما الخنجر، وبما أن ضحاياهم كانوا يتمتعون دائما بحراسة جيدة، فقد كانت فرص الفرار معدومة فعليا. وحتى اللغة التي استخدموها ما زالت باقية حتى الآن، فقد كان المقاتل فدائيا، وهو تعبير يستخدم حتى يومنا هذا.
واستمر النشاط الإرهابي عبر نهاية القرون الوسطى وحتى العصر الحديث، وإن يكن على مستوى أقل إلى حد ما. وكان هذه العصر هو عصر الحروب الكبرى، كحرب الثلاثين عاما (1618 – 1648) والحروب النابليونية (1799 – 1815). وفي مثل هذه الفترات الزمنية، حين كان يتم قتل وجرح عدد كبير من الناس في ساحات المعارك، لم يكن أحد يعير اهتماماً كبيراً لحادث عنف إرهابي يقع هنا وهناك على نطاق ضيق.
المد الإرهابي
شهد المد الإرهابي طفرة في أواخر القرن التاسع عشر. وكان من بين المجموعات النشيطة المتمردون الإيرلنديون والثوار الاشتراكيون الروس، وطائفة متنوعة من الفوضويين في جميع أنحاء أوروبا وأميركا الشمالية. إلا أن الجمعيات السرية كانت منخرطة أيضاً بنشاطات إرهابية خارج أوروبا – في مصر مثلا، وفي الهند والصين أيضاً – بهدف تحقيق التحرر القومي. وكان لبعض هذه الهجمات عواقب مأساوية؛ وكللت أخرى بالنجاح في المدى الطويل وليس في المدى القصير.
وكان عنف الإرهابيين في القرن التاسع عشر ملحوظا – فقد قتلوا قيصرا روسيا (أليكساندر الثاني)، بالإضافة إلى الكثير من الوزراء وكبار النبلاء والجنرالات والرئيسين الأميركيين (وليام ماكنلي في العام 1901، وقبله جيمس غارفيلد في العام 1881)، وملك إيطاليا الملك أمبرتو، والإمبراطورة (زيتا) في الإمبراطورية النمساوية – المجرية، ورئيس فرنسا سادي كارنو، وأنتونيو كانوفاس، رئيس وزراء إسبانيا – هذا على سبيل ذكر أشهر الضحايا. وقد اندلعت الحرب العالمية الأولى، بالطبع، نتيجة قتل الأرشيدوق فرانز فيردناند، وريث العرش النمساوي، في سراييفو في العام 1914.
وعند إعادة قراءة صحافة تلك الفترة (وروايات كبار الكتّاب من فيودور دوستوفسكي إلى هنري جيمس وجوزيف كونراد) من السهل أن يتكون لدى المرء انطباع بأن الإرهاب كان أكبر خطر يواجه البشرية وأن نهاية الحياة المتحضرة كانت وشيكة. ولكن خطر الإرهاب انتهى، كما حدث مراراً كثيرة قبل وبعد ذلك، وكما أشار الثوري البلشفيكي الروسي ليون تروتسكي في إحدى المناسبات، ُقتل وزير ولكن آخرين عديدين كانوا متلهفين على الحلول محله.
الإرهاب المعاصر
عاد الإرهاب إلى الظهور بعد الحرب العالمية الأولى في دول مختلفة، كألمانيا ودول البلقان. وكان الفاشستيون والشيوعيون يؤمنون، قبل توليهم زمام السلطة، بالعنف الجماعي لا بالأعمال الإرهابية الفردية – مع بعض الاستثناءات العرضية، كاغتيال الزعيم الاشتراكي الإيطالي جياكومو ماتيوتي.
ولم يحدث الكثير من الإرهاب خلال الحرب العالمية الثانية وخلال العقدين اللذين جاءا بعدها. ولعل ذلك يوضح السبب في أن تجدد العمليات الإرهابية في عقد السبعينيات من القرن الماضي و، من باب أَولى، ظهور الإرهاب الإسلاموي، فسر من قبل الكثيرين، الغافلين عن التاريخ الطويل السابق للإرهاب، على أنه شيء جديد كليا وغير مسبوق. وكان ذلك لافتا للنظر بشكل خاص بالنسبة للإرهاب الانتحاري. وكما أشرنا سابقا، فإن معظم الإرهاب حتى أواخر القرن التاسع عشر كان على شكل عمليات انتحارية، لأن الأسلحة الوحيدة المتوفرة كانت الخناجر، أو المسدسات قصيرة المدى، أو القنابل غير المستقرة إلى درجة كبيرة بحيث يرجح انفجارها في أيدي المهاجمين.
إلا أنه من الصحيح أن الإرهاب المعاصر يختلف من نواح جوهرية عن الإرهاب الذي كان يرتكب في القرن التاسع عشر وقبل ذلك.
فقد كان للإرهاب التقليدي "ميثاق شرف" خاص به: كان يستهدف الملوك والقادة العسكريين والوزراء وغيرهم من الشخصيات البارزة القيادية، ولكن إذا كان هناك خطر يهدد بإمكانية قتل زوجة أو أطفال الشخص المستهدف معه خلال الهجوم، كان الإرهابيون يمتنعون عن شن الهجوم، حتى ولو أدى ذلك إلى تعريض حياتهم للخطر.
أما اليوم فقد أصبح الإرهاب غير المميز بين الأشخاص هو القاعدة؛ ولم يقتل سوى عدد قليل جدا من السياسيين أو الجنرالات، في حين قُتل عدد كبير من الأشخاص الأبرياء كليا. لذا، فإن تعبير الإرهاب يحمل اليوم مدلولات سلبية جدا، ويصر الإرهابيون الآن على أن يطلق عليهم اسم مختلف. وحين نشر بوريس سافينكوف، الذي ترأس الثوريين الاشتراكيين الروس قبل الحرب العالمية الأولى، سيرته الذاتية، لم يتردد في إعطائها عنوان "مذكرات إرهابي". لكن ذلك أمر غير وارد في هذه الأيام – فالإرهابي العصري يريد أن يعرف كمناضل في سبيل الحرية، أو رجل عصابات، أو متمرد، أو ثوري – أي شيء ما عدا الإرهابي، قاتل الأبرياء عشوائيا.
إذا لم يكن هناك إجماع على تعريف الإرهاب، فهل يعني ذلك أن التشويش التام والمذهب النسبي سيسودان، وأن أي رأي مقبول كغيره؟ من الصحيح تماما، كما ينقل عادة، أن الإرهابي في نظر شخص ما هو مناضل في سبيل الحرية في رأي شخص آخر. ولكن حيث أن هناك حتى لأكبر المجرمين المسؤولين عن القتل الجماعي في التاريخ معجبين بهم، من هتلر إلى بول بوت، فإن مثل هذه الحكمة لا تفيدنا كثيرا. ومعظم الأشخاص الذين درسوا الإرهاب من المتحررين بشكل معقول من التحيز سيتفقون معظم الوقت في حكمهم على عملية ما، حتى مع عدم وجود تعريفات مضبوطة للإرهاب. وقد قارن شخص ما الإرهاب بالمواد الإباحية أو البذاءة، التي يصعب تعريفها هي أيضا، ولكن المراقب الذي يملك بعض الخبرة سيتعرف عليها حين يراها.
ليست هناك طرق مختصرة لتوضيح سبب اختيار الناس لأن يصبحوا إرهابيين، وليست هناك صيغ سحرية أو قوانين مشابهة لقوانين نيوتن وآينشتاين في العالم الحقيقي. وتقدم من وقت لآخر وجهات نظر متبصرة جديدة، ولكنها لا تصمد أمام التفحص الناقد. وقد اقترح أخيرا، على سبيل المثال، أن الإرهاب لا يحدث إلا (أو بشكل أساسي) حيث يوجد غزو أجنبي للبلاد. ويصح هذا الرأي في بعض الحالات، كاحتلال نابليون لإسبانيا أو وجود القوات الأميركية في العراق. إلا أن إلقاء نظرة على الخريطة الجغرافية السياسية للإرهاب المعاصر يظهر أنه، في معظم الحالات، من سريلانكا إلى بنغلادش إلى الجزائر إلى أوروبا، لا يشكل الغزو الأجنبي عاملا حاسما. وحتى في العراق، فإن الأغلبية الساحقة لضحايا الإرهاب ليسوا من بين قوات الاحتلال، بل نتيجة لهجمات السنة ضد الشيعة والعكس بالعكس.
ظاهرة على مر الأجيال
هل يقدّم التاريخ أي دروس؟
مرة أخرى، ليست هناك أجوبة واضحة إلا بطريقة عامة جدا. لم يحدث الإرهاب، إلا فيما ندر، في أنظمة دكتاتورية فعالة. ويبدو، وهو أمر من المفارقات في العالم الحديث، أن الإرهابيين يستفيدون من حريات الفكر والتعبير والدين والحركة والتجمع التي توفرها الأنظمة الديمقراطية. كما أن الإرهاب مشكلة في الدول الفاشلة حيث تكون السلطة المركزية ضعيفة أو غير موجودة. فلم يحدث أي إرهاب، مثلا، في الشارع في إسبانيا في عهد فرانكو، ولكن حين تفككت دكتاتوريته، ظهر الإرهاب على الساحة السياسية. وفي الشرق الأوسط، تمكنت حتى الأنظمة الاستبدادية المعتدلة من القضاء على الإرهاب بدون صعوبة – تركيا وسوريا في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، والجزائر ومصر في العقد التالي.
وقد نجح الإرهاب أحيانا، ولكنه فشل في أحيان مماثلة وربما في أحيان أكثر، في تحقيق أهدافه. وقد أدى في بعض الحالات إلى نتيجة معاكسة لما أراد مرتكبوه تحقيقه.
ولكن الإرهاب ظاهرة مستمرة على مر الأجيال، وحتى لو هزمت، فقد تتكرر في موعد لاحق. وما من سبب جيد يدعو إلى توقع اختفاء الإرهاب في عصرنا. ففي عصر أصبحت فيه الحروب الشاملة مفرطة الخطورة والكلفة، أصبح الإرهاب هو الشكل السائد للنزاعات العنيفة. وسيظل الإرهاب باقياً طالما ظلت هناك نزاعات على وجه الأرض.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.