السلام والأمن | إقامة عالم أكثر استقراراً

03 ايلول/سبتمبر 2008

مشروع مارشال استراتيجية أثبتت نجاحها

 

ديفيد دبليو. إيلوود

لقد أصبحت أسطورة مشروع مارشال قوية بقدر قوة إرثه التاريخي الفعلي. ولاحظ المؤرخ الرسمي للمشروع في العام 1955 كيف انطلق من "اقتراح" مؤلف من فقرة واحدة كتبه وزير الخارجية الأميركية جورج مارشال خلال حفل تخريج بجامعة هارفارد مشروع "تطور بسرعة وتحول إلى مغامرة دولية واسعة وحيوية: وفيما ظهر المشروع أصبح أشياء كثيرة بالنسبة لأشخاص كثيرين". وبعد مرور خمسين عاما احتفظ المشروع بشهرته، بحيث يمكن قول الشيء نفسه.

ديفيد دبليو. إيلوود أستاذ مشارك في التاريخ الدولي في جامعة بولونيا بإيطاليا ومحاضر متخصص في جامعة جونز هوبكنر، مركز بولونيا.

لم يبدأ كمشروع، وقال بعض الخبراء المتمرسين إنه لم يتحوّل أبدا إلى مشروع. ووصفه نائب مدير المشروع بأنه "سلسلة من الارتجالات... حدث دولي متواصل". ومع ذلك، فقد دخل برنامج الانتعاش الأوروبي – المعروف باسم مشروع مارشال – التاريخ كأنجح مشروع في السياسة الخارجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية.

وبعد انهيار سياسة التمييز العنصري دعا سكان جنوب إفريقيا إلى مشروع مماثل لمشروع مارشال. وبعد انهيار جدار برلين، طالب الأوروبيون الشرقيون والروس بمشروع مارشال الذي حرمهم منه الاتحاد السوفياتي في العام 1947. وخشية من تفكك إفريقيا، اقترحت الحكومة البريطانية في العام 2005 تدخلا دوليا منسقا على غرار مشروع مارشال.

وقد أصبحت أسطورة مشروع مارشال قوية بقدر قوة إرثه التاريخي الحقيقي. ولاحظ المؤرخ الرسمي للمشروع في العام 1955 كيف انطلق من "اقتراح" مؤلف من فقرة واحدة كتبه وزير الخارجية جورج مارشال خلال حفل تخريج بجامعة هارفارد مشروع "تطور بسرعة وتحوّل إلى مغامرة دولية واسعة وحيوية: وفيما ظهر المشروع أصبح أشياء كثيرة بالنسبة لأشخاص كثيرين". وبعد مرور خمسين عاما احتفظ المشروع بشهرته، بحيث يمكن قول الشيء نفسه.

بداية فكرة

لقد أدت ثلاثة تطورات طارئة إلى إنشاء مشروع أميركي جديد خاص لمساعدة أوروبا الغربية في ربيع العام 1947. التطور الأول كان الوضع الطبيعي على الأرض في القارة الأوروبية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بعد النكسات الناجمة عن موجة البرد القارس للعامين 1946 – 1947. وكان التطور الثاني هو فشل مبدأ ترومان – وهو خطة جريئة لمساعدة اليونان وتركيا على مقاومة الضغوط السوفياتية – في أن يشير إلى طريق بنّاء يسير إلى الأمام. وكان التطور الثالث التجربة المرهقة لوزير الخارجية جورج مارشال في مؤتمر موسكو لوزراء الخارجية الذي كرّس لبحث مستقبل ألمانيا، في شهري آذار/مارس ونيسان/إبريل من العام 1947.

وكان مارشال قد استدعي ليصبح وزيرا للخارجية من قبل الرئيس هاري إس. ترومان في بداية العام 1947، بعد أن تقاعد من وزارة الدفاع في نهاية الحرب كرئيس لهيئة الأركان. وجعل نجاح مارشال في ذلك المنصب – وصفه تشرشل بأنه "منظم الانتصار" – وصفاته الشخصية في الحسم والنزاهة ونكران الذات، جعلته أكثر شخصية عامة ذات سلطة في ذلك العصر. واختبر صبره وشعوره بتحمل المسؤولية اختبارا كاملا في موسكو. ولخص دبلوماسي أميركي كبير هو جورج كينان استنتاج مارشال البليغ لدى مغادرته الاتحاد السوفياتي: "كانت أوروبا في حالة فوضى. وكان لا بد من فعل شيء ما. ولو أنه (مارشال) لم يتخذ تلك المبادرة، فكان لا بد لآخرين أن يتخذوها".

وقدّم كينان وهيئة موظفيه في قسم تخطيط السياسة الجديد بوزارة الخارجية واحدة من الوثائق الرئيسية التي انبثق عنها مشروع مارشال في نهاية الأمر. ونشأت آراؤهم من تفاهمات فترة روزفلت لأسباب الحربين العالميتين وفترة الكساد الاقتصادي: وهي الكراهية الطبقية والفقر والتخلف وفقدان الأمل في التغيير. وسعى واضعو القرارات السياسة هؤلاء إلى بناء عالم في فترة ما بعد الحرب تدعم مطلب المواطن العادي في الحصول على نصيب من فوائد المجتمع الصناعي. وكانوا يعتقدون بأن الناس الذين يتمتعون بالرخاء، أو بالتطلع إلى تحقيق الرخاء في كل مكان في العالم لم يتجهوا إلى نظام دكتاتوري.

ولكن كان لمشروع مارشال بعد أوروبي خاص. ولكنّ أشخاصا مثل كينان ومساعد وزير الخارجية دين أتشيسون وسفير برنامج الانتعاش الأوروبي المقبل أفريل هاريمان كانوا يعتقدون بأن عفريت أوروبا الشرير هو القومية. وإذا أمكن اقتلاع جذور النازية – الفاشية وغيرها من خصومات القرن العشرين وتوحيدها في إطار عمل اقتصادي أوروبي متكامل، فإن الرخاء الناتج عن ذلك قد يحدّ من الخصومات القومية، ويحول دون وقوع النزاعات المسلحة في المستقبل، ويغني عن تورط الولايات المتحدة في الحروب الأوروبية في المستقبل.

وأصبحت الحداثة والتكامل في هذه الأيام الهدف التوأم لبرنامج الانتعاش الأوروبي، وتحوّلت المناقشات نحو كيفية تطبيقهما. وكان من الأمور الأساسية في نظام مشروع مارشال أنه يتعين على الأوروبيين أن يفكروا ويتصرفوا خدمة لأنفسهم ضمن رؤيا: ذلك هو ما جعل المشروع ليس مجرد برنامج مساعدات آخر.

ووردت في تعليقات مارشال القصيرة والبسيطة ظاهريا في جامعة هارفارد في شهر حزيران/ يونيو، 1947، أولا، توضيحات للدمار واليأس اللذين اجتاحا أوروبا. وكانت هناك تحذيرات لأولئك الذين حاولوا استغلال البؤس الموجود لأغراض سياسية. وكانت هناك إشارة واضحة إلى أن المساعدات الأميركية لن تكون مشروطة بمواقف إيديولوجية، أي أن الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الأخرى لن تستثنى لذلك السبب من المشاركة في المشروع.

ثم جاء لب الخطاب في فقرة مثيرة تدعو الأوروبيين إلى الاتفاق معا على ما يحتاجون إليه وما قد يفعلونه إذا ما تقدمت الولايات المتحدة لمساعدتهم. وقال مارشال إن دور الولايات المتحدة "يجب أن يشتمل على مساعدة ودية في وضع برنامج أوروبي وعلى دعم في وقت لاحق لمثل هذا البرنامج إلى المدى الذي يكون فيه ذلك ممكنا من الناحية العملية بالنسبة لنا". وأصر وزير الخارجية على أنه يتعين على الأوروبيين أن يعملوا معا وعلى أنه يجب السعي للحصول على "علاج وليس على مسكّن". وخلص إلى دعوة مواطنيه الأميركيين "لمواجهة المسؤولية التي وضعها التاريخ على كاهل بلادنا".

وكتب صحفي أميركي يقول "لقد توقعنا أن يقفزوا إنشين ولكنهم قفزوا ستة أقدام". فخلال أقل من أسبوعين أطلق وزيرا الخارجية الفرنسي والبريطاني في باريس مؤتمرا حول التعاون الاقتصادي الأوروبي، أعدّ على مراحل بين نهاية شهر حزيران/يونيو وأيلول/سبتمبر، وبمساعدة 14 حكومة أخرى، تقريرا لوزارة الخارجية الأميركية حول المساعدات الاقتصادية الإجمالية التي اعتقدوا بأنهم كانوا يحتاجون إليها. ولم يكن لدى معظم الذين مثّلوا في المؤتمر خطة قومية، بل لم يكن لدى بعضهم تصور لاقتصاد بلادهم. وتوصل المندوبون، رغم عدم وجود خبرة لديهم من أي نوع في التخطيط المشترك الذي يشمل القارة الأوروبية بأكملها، إلى مجوع إجمالي قدره 28 بليون دولار. إلا أن واشنطن رفضت هذا الرقم على الفور، معتبرة إياه عاليا أكثر من المعقول.

إلا أن مؤتمر التعاون الاقتصادي الأوروبي اكتسب شهرة خاصة بوصول وفد سوفياتي كبير برئاسة وزير خارجية الكرملين فياشيسلاف مولوتوف ومغادرة ذلك الوفد بسرعة. وقد انسحب السوفيات من المؤتمر بعد مواجهة اقتراح غربي لاستراتيجية انتعاش شاملة لأوروبا تعاملت مع ألمانيا ككيان اقتصادي واحد، كما توقعت واشنطن منهم أن يفعلوا. واتهم الوفد السوفياتي الأميركيين وحلفاءهم الرئيسيين بالسعي للسيطرة على اقتصاديات أوروبا – أي وجود حالة إمبريالية للدول الكبرى في أحدث شكل أميركي لها. ومارست موسكو ضغطا كبيرا على دول أوروبا الشرقية لرفض مساعدات مشروع مارشال. ورسّخ انقلاب عسكري شيوعي في تشيكوسلوفاكيا في شهر شباط/ فبراير 1948، بتحريض من موسكو، الانقسام بين حلفاء الحرب العالمية الثانية.

بدء المشروع

بعد شتاء طويل من النقاش وتقديم البدائل المؤقتة وازدياد حدة التوتر في العلاقات بين الشرق والغرب، رأى برنامج الانتعاش الاقتصادي الأوروبي النور بمشروع قانون وقّعه الرئيس ترومان في شهر نيسان/إبريل 1948. وأسست إدارة التعاون الاقتصادي، كوكالة فدرالية جديدة، لإدارة المشروع. وأعرب ترومان، الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي، عن عزمه على الحصول على تأييد الحزبين للبرنامج بتعيين عضو في الحزب الجمهوري لرئاسة إدارة التعاون الاقتصادي، هو بول جي. هوفمان، رئيس شركة ستودبيكر للسيارات. وبدأ الإنفاق بالتدفق على الفور، تحت مراقبة مشددة من الكونغرس.

وحدد التشريع الرسمي للبرنامج الهدف الرئيسي بإقامة "اقتصاد سليم ومستقل عن المساعدة الخارجية الاستثنائية" في أوروبا الغربية بحلول العام 1952. ويعلق المؤرخ الاقتصادي إيمانيويل ويكسلر على تحقيق ذلك بقوله "اشترط القانون وجود مشروع انتعاش يستند إلى أربعة مساع: (1) مجهود إنتاج قوي، (2) توسيع التجارة الخارجية، (3) إقامة والمحافظة على الاستقرار المالي الداخلي، (4) تنمية التعاون الاقتصادي (الأوروبي)". وقد خاب ظن الكثير من الأوروبيين الذين كانوا يعتمدون على برنامج إغاثة كبير، حيث تبين بسرعة أن مثل هذا البرنامج لن يتحقق إلا عن طريق تغيير هيكلي دائم في الاقتصاديات الأوروبية، فرديا وجماعيا ككل. وكان هذا هو ما قصده مارشال عندما تحدث عن "علاج وليس مجرد مسكّن"، ولا أقل من ذلك.

ولمواجهة هذا التحدي، حوّل مؤتمر التعاون الاقتصادي الأوروبي نفسه بسرعة إلى منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي برئاسة رئيس الوزراء البلجيكي بول – هنري سباك. وفي غضون ذلك، حصلت السفارات الأميركية في كل من الدول الأعضاء على تواقيع على الاتفاقيات الثنائية التي حددت التزامات الحكومات الأوروبية نحو الراعين الجدد. وشملت هذه الالتزامات الاعتراف بسلطة "بعثة" إدارة التعاون الاقتصادي الأميركية التي ستقام في كل من عواصم الدول الأعضاء. وكلفت لجنة رسمية بالربط بين كل بعثة وحكومتها المشاركة، من أجل الإشراف على تطبيق البرنامج ميدانيا.

وكانت المهمة الأساسية للجنة هي وضع الخطط لإنفاق مبالغ  في "الصندوق النظير" الجديد بشكل منتج. وكان هذا من سمات العملية بأكملها، والأداة التي ميزت مشروع مارشال أكثر من سواها عن أي برنامج مساعدات تقليدي. وكان للصندوق حساب في كل بنك وطني فتح بشكل خاص ليشتمل على الإيرادات من المبيعات المحلية للسلع التي يزودها برنامج الانتعاش الأوروبي. ولم يكن معظم المساعدة، كما حدث، مجانا أو بشكل سيولة نقدية، كما تصور الأوروبيون. ولكنها قدمت عادة كبضائع من الولايات المتحدة وبيعت لأعلى المزايدين، من القطاعين العام والخاص، ثم أعيدت الأموال المدفوعة إلى الصندوق الجديد، وليس إلى الولايات المتحدة. ومن الصندوق جاء المال للإنفاق على جهود إعادة الإعمار القومي والتحديث، كما اتفق عليه بين بعثة إدارة التعاون الاقتصادي والحكومة في كل عاصمة مشاركة.

وفي الوقت ذاته كان برنامج الانتعاش الاقتصادي سلاحا قويا في الحرب الباردة. وذهب ممثله الرئيسي في أوروبا السفير هاريمان في العام 1949 إلى حد وصفه للمجهود الكلي بأنه "عملية لإطفاء الحرائق". وتذكّر خليفة مارشال كوزير للخارجية وهو دين أتشيسون، وهو الشخص الذي قال بنفسه إنه "ربما ألقى من الخطب وأجاب عن الأسئلة المتعلقة بمشروع مارشال أكثر من أي شخص على قيد الحياة"، تذكّر أن ما أراد المواطنون وأعضاء الكونغرس أن يعرفوه في نهاية المطاف هو كيف استخدمت مساعدات مشروع مارشال للحيلولة دون توسع القوة السوفياتية وقبول التنظيم والتحالف الاقتصادي والسياسي الشيوعي".

إقناع المستفيدين بالمشروع

لقد وقفت ضد المشروع بالفعل قوى منظمة الكومينفورم، وهي منظمة دولية أسسها الكرملين في شهر تشرين الأول/أكتوبر، 1947، بهدف واضح وصريح هو مقاومة مشروع مارشال، عن طريق تنسيق الجهود السياسية للأحزاب الشيوعية القومية تحت التوجيه السوفياتي وبتوجيه الجهود الدعائية ضمن كل دولة مشاركة. وفي الوقت الذي كانت تقود فيه القوات الشيوعية تمردا مسلحا في اليونان، وبدت قادرة على الاستيلاء على السلطة السياسية في إيطاليا، وبدت قادرة على إشاعة الفوضى في فرنسا، وكانت تعرف ما تريد تحقيقه في ألمانيا – خلافا للغرب في هذه المرحلة – فقد أعطت الحرب الباردة أهمية ملحة للبرنامج حشدت العقول والأفكار في كل مكان.

كما أن مخططي إدارة التعاون الاقتصادي علموا منذ البداية أن التغلب على العقبات الاقتصادية المحتملة سيحتاج إلى مخاطبة الشعوب الأوروبية مباشرة بتخطي الطبقات الحاكمة المحلية. وعملت فرق الصحفيين والسينمائيين بشكل مرتجل وأطلقت برنامج إعلام برنامج الانتعاش الأوروبي، وحوّلته بنهاية العام 1949 إلى أكبر عملية دعائية توجّه من دولة واحدة إلى مجموعة من الدول الأخرى في زمن السلم.

المشروع يتطور

تذكر السنوات الأولى لمشروع مارشال، من شهر حزيران/يونيو 1948 حتى بداية الحرب الكورية في شهر حزيران/يونيو 1950 من قبل جميع المعنيين كالفترة الذهبية للعمل والمكافآت الاقتصادية الخالصة. وقد أشار الخبراء إلى ارتفاع بنسبة الربع تقريبا في حجم الإنتاج الإجمالي للسلع والخدمات بين العامين 1947 و1949. وأكدوا أن "المؤشر العام للإنتاج، استنادا إلى العام 1938، ارتفع إلى 115 في العام 1949، مقارنة بـ 77 في العام 1946 و87 في العام 1947". كما انتعشت الزراعة، واعتبر التقدم الذي أحرز على جبهة التضخم "متقلبا ولكنه مشجع بالتأكيد". وعادت التجارة الخارجية للدول الأعضاء إلى مستويات ما قبل الحرب، ولكن أهم خصائصه كان التغير في الاتجاه. وازدادت التجارة بسرعة ضمن أوروبا الغربية، بين أعضاء برنامج الانتعاش الأوروبي نفسها، بعد أن أصبحت غير موجهة نحو الإمبراطوريات الأوروبية القديمة. وتظهر التجربة أن ذلك كان تحولا هيكليا طويل الأمد في اقتصاد القارة الأوروبية، وحفز خلال سنوات قليلة المطالب السياسية للاندماج الأوروبي.

وفي تلك الأثناء، وبانتهاء العام 1949 أصبح واضحا أن رؤى الدول الشريكة لبرنامج الانتعاش الأوروبي اختلفت بشكل كبير في نواح رئيسية معينة عن رؤى المخططين الأميركيين. وكانت لدى حكومات أوروبا الغربية حاجة ماسة لأموال برنامج الانتعاش الأوروبي، ولكنها سعت في الوقت نفسه إلى تجنب الاعتماد الدائم على الولايات المتحدة، وعلى مستوى أعم للحصول على المساعدات الأميركية بشروط حققت بصورة أكبر أهدافها السياسية. 

وبذل البريطانيون جهودا استثنائية لمقاومة إصرار مشروع مارشال على التكامل الاقتصادي  العاجل مع بقية أوروبا، وهو الشرط الهام الذي ارتبط بمساعدات مشروع مارشال في كل مكان. وقاوم الهولنديون الضغط لبدء تفكيك إمبراطوريتهم باسم التجارة الحرة. ورفض النمساويون صراحة إصلاح سككهم الحديدية ونظامهم المصرفي كما رغب الأميركيون. ورفض الشعب اليوناني عملة جديدة لبرنامج الانتعاش الأوروبي لأنهم كانوا يعتقدون بأن الجنيهات الذهبية هي الشكل الموثوق الوحيد لتبادل العملة. وأبلغ رئيس الصناعيين الإيطاليين رئيس البعثة في روما أنه مهما أصبحت الأنسجة الاصطناعية رخيصة فإن النساء الإيطاليات سيفضلن دوما الملابس المصنوعة في المنزل من مواد طبيعية. وقال إن الأغذية المعلبة قد تباع بأسعار رخيصة جدا ولكن التقاليد الإيطالية للطبخ ستكون دائما هي المفضلة. كما ستظل الشركات الصغيرة والمهارات الحرفية التقليدية أساسية بالنسبة لمستقبل إيطاليا، تماما كما كانت في الماضي.

وبحلول بداية العام 1950 أحدثت الخبرة العملية واستطلاعات الرأي الشاملة تحولا هاما في النظرة العامة. وبعد أن اقتنع مخططو مشروع مارشال بأن الأوروبيين كثيرا ما يفضلون دول الضمان الاجتماعي غير الشيوعية على النموذج الرأسمالي الليبرالي الأميركي، ركزوا جهودهم على مجال يتمتع باتفاق أوروبي – أميركي كبير، وهو الأمن. ولم يعد المدراء الإداريون يصرون إلا على أن تكون مزايا برنامج الانتعاش الأوروبي متوفرة بالتكافؤ في كل مكان، حيث أصبح هدفهم الآن هو إحباط الهجمات الشيوعية على خطة وفكرة الإصلاح الديمقراطي الاجتماعي المبني على الرخاء، أكثر من الاعتراف بأوروبا نفسها.

تأثير كوريا

جعل تحول وتطورات الأحداث غير المتوقعة والمثيرة للمخاوف في آسيا في العام 1950 بسرعة وجود مشروع مارشال نفسه عرضة للشك. وأدى اشتداد مجابهة الحرب الباردة والذي بدأ بغزو كوريا الشمالية للجنوب في شهر حزيران/ يونيو إلى تقصير المشروع من حيث المدة وإلى تحويله جذريا، مستخدما مساعدات مشروع مارشال جزئيا كأداة لتمكين إعادة تسليح أوروبا الغربية بشكل عام باسم "الأمن المشترك". وقدّمت التعديلات التي أدخلها الكونغرس في العامين 1951 و1952 على قانون برنامج الانتعاش الأوروبي 400 مليون دولار إضافي لمواصلة الحملة لإقناع الموظفين والعمال الأوروبيين على "قبول التعريف الأميركي للرغبات الاقتصادية والاجتماعية للإنتاج"، ولكن لكي يمكن الآن زيادة الإنتاج العسكري للدفاع القومي ضد التهديد السوفياتي في الوقت نفسه الذي تزداد فيه السلع الاستهلاكية. وكان من المتوقع من الجميع أن يقدّموا المزيد للمجهود العام (بما في ذلك تقوية منظمة حلف شمالي الأطلسي)، وبالتالي إعادة بناء القوات المسلحة، التي تراجعت كثيرا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.  وقررت فرق إدارة التعاون الاقتصادي ميدانيا وبسرعة أنه ليس هناك أي تضارب بين مطالبة أميركا بإعادة تسليح عام وبين الأهداف التقليدية لبرنامج الانتعاش الأوروبي: كانت مجرد مسالة تكييف أهداف السياسة الموجودة مع المتطلبات الجديدة.

وفي مثل هذا السياق ازداد برناج إعلام برنامج الانتعاش الأوروبي الناجح سرعة وتحول إلى ما يشبه "الحرب السيكولوجية"، بحيث عرّف عالم الصناعة والتنظيمات العمالية  كالجبهة الأساسية في الحرب الباردة الإيديولوجية ضد الشيوعية. وكواحد من أكثر العقول المفكرة نفوذا في برنامج الانتعاش الأوروبي أوضح ريتشارد م. بيسيل مساعد المدير (المدير بالوكالة فيما بعد) في عدد شهر نيسان/إبريل 1951 من مجلة الشؤون الخارجية، وهي من المجلات الأميركية الرئيسية في العلاقات الدولية، أن الولايات المتحدة قادرة على شن هذه الحرب في أوروبا بصورة فعالة بقوة مثالها الاقتصادي والجاذبية القوية لاقتصادها الاستهلاكي بالنسبة للأوروبيين في جميع المناطق والطبقات الاجتماعية:

قد تعتبر الكوكاكولا وأفلام هوليوود كمنتجين لمدنية ضحلة وفظة. ولكن الآلات الأميركية، وعلاقات العمال الأميركيين، والإدارة والهندسة الأميركية تحظى بالاحترام في كل مكان... وما نحتاج إليه هو ثورة سلمية تدمج في النظام الاقتصادي الأوروبي سمات ثابتة وجذابة معينة من سماتنا، تتراوح بين كميات الإنتاج العالية والمفاوضات الجماعية... وسيحتاج (هذا) إلى تحول أساسي في المواقف الاجتماعية، لتكييفها مع أواسط القرن العشرين.

كشف الميزانية

لقد نجحت كل دولة مشاركة في النهاية في تنفيذ صيغتها المميزة لها لثورة بيسيل السلمية. وكان مشروع مارشال أكثر أهمية من الناحية الاقتصادية بالنسبة لليونان وفرنسا والنمسا وهولندا مقارنة بإيرلندا أو النرويج أو بلجيكا. وكان بالنسبة لبعض الدول، كإيطاليا، حاسما لمدة عام واحد فقط، ولكن الفوائد تدفقت بالنسبة لدول أخرى لعدة سنوات.

واستخدمت كل دولة الزخم الذي وفره مشروع مارشال بطريقتها الخاصة. وحصل الدانماركيون على مواد خام وإمدادات للطاقة. وقدّرت شعوب أخرى، كسكان مناطق الاحتلال الألمانية أكثر من أي شيء المواد الغذائية التي وفرها برنامج الانتعاش الأوروبي. وفي إيطاليا واليونان، كان للمساعدة في إعادة بناء السكك الحديدية والطرق وإمدادات الطاقة الكهربائية أكثر الفوائد الدائمة. وجاءت الاستثمارات الصناعية في المقام الأول في فرنسا. واستخدم كل الصندوق النظير في بريطانيا تقريبا لتسديد ديون الحرب وتعويم الجنيه الإسترليني.

وتعتقد النمسا والسويد، كل بطريقتها الخاصة، بأن ارتباطها الناجح بالغرب يعود إلى مشروع مارشال. ومع أن الأحزاب الشيوعية استمرت في النمو في إيطاليا وفرنسا، فإنها لم تتولّ السلطة على الأقل، وبقيت هاتان الدولتان متجهتين نحو الغرب مع استمرار الحرب الباردة. ولعل ألمانيا استفادت أكثر من الجميع، حيث أن القوة المحركة للاندماج الأوروبي الذي تم تصوره وتبنيه في برنامج الانتعاش الأوروبي أتاح لجمهورية ألمانيا الفدرالية النمو في القوة وأهلية الاحترام فيما تمكنت من تبديد شكوك جيرانها. وقد تحققت الثورة المرجوة في العلاقات الفرنسية – الألمانية بالفعل. ومهما كانت مسبباتها الأخرى في الأمد القصير، وضروريات الحرب الباردة، فليس هناك تطور سياسي أبرز التباين مع فترة ما بعد الحرب الأولى أكثر من مشروع مارشال.

وقد احتفل جيم وارين، أحد مخططي مشروع مارشال في اليونان، بعد خمسين عاما من الخبرة العظيمة بقوله:

كان لدينا هدف. وكانت الحماسة تغمرنا، وكنا نكدح في العمل، وتمتعنا بتفكير يتسم بالصرامة والانضباط، وكنا قادرين على وضع البرامج ونكافح ونرى النتائج.

لقد سعى الوجود الأميركي الجديد المكثف لفترة زمنية قصيرة لإيجاد طرق لترجمة نجاحات التجربة الاقتصادية الأميركية إلى وصفات للخلاص السياسي للآخرين. وتحدث الأوروبيون المقدّرون لذلك في تلك المرحلة عن "شعور بالأمل والثقة" التي جلبها أولئك المخططون الأميركيون – "من الشجاعة المجددة والطاقة المتجددة" في العالم القديم.

وقد وفر التصادم بين النماذج المستوردة والمحلية الطاقة  اللازمة لدفع الازدهار العظيم لعقد الخمسينيات من القرن الماضي. وكان برنامج الانتعاش الأوروبي قد أضرم الشرارة لبدء حركة سلسلة ردود الأفعال. وفي العام 1957 وقّعت معاهدة روما التي أطلقت المجتمع الاقتصادي الأوروبي. ومع أن هذا المشروع للاندماج الاقتصادي الجديد كان أقل تشددا مما طالب به أصحاب الرؤى الأميركيون في العام 1949، من الإرث الذي خلفه مشروع مارشال ووعوده، فليس هناك مشروع أكثر واقعية. وقد استهلت هذه الوثيقة المؤسسة الاندماج الاقتصادي السلمي لأوروبا، وهي عملية مستمرة حتى هذه الأيام.

أما بالنسبة للأميركيين، بعد بروزهم المترنح في الحرب العالمية الأولى كقوة عالمية، فقد طوروا في النهاية سياسات خارجية واستراتيجية عامة "تتلاءم مع مسؤولياتهم الجديدة كأكبر دائن، وأكبر منتج، وأكبر مستهلك في القرن العشرين"، كما قالت فيرا ميشيلس دين في العام 1950 في كتاب بعنوان "أوروبا والولايات المتحدة". كما منحوا أنفسهم صورة قومية جديدة لأميركا كقوة تستطيع أن تجمع بين الزعامة العسكرية والسياسية والاقتصادية على صعيد عالمي، وهي صورة لا بد أن تعود إلى الظهور كلما خرجت دول من الحرب والبؤس لتتطلع قدما نحو مستقبل جديد وواعد.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي