03 ايلول/سبتمبر 2008
أزمة غيرت ميزان القوى في الشرق الأوسط
بيتر ل. هان
يصادف هذا العام الذكرى السنوية الخمسين لأزمة قناة السويس، حيث كادت حرب إقليمية رئيسية أن تنشب بين مصر من جهة وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى، وكان من الممكن أن تجر إليها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. إلا أن الرئيس دوايت د. أيزنهاور تجنب حدوث نزاع أوسع انتشارا. ولكن الأزمة أثرت أيضا على مستقبل ميزان القوى في الشرق الأوسط.
بيتر ل. هان أستاذ في التاريخ الدبلوماسي بجامعة ولاية أوهايو ويعمل حاليا مديرا تنفيذيا لجمعية مؤرخي العلاقات الخارجية الأميركية. وهو متخصص في التاريخ الدبلوماسي الأميركي في الشرق الأوسط منذ العام 1940.
كانت أزمة السويس في العام 1956 شأنا معقدا ذا أصول معقدة وعواقب بالغة الأهمية بالنسبة للتاريخ الدولي في الشرق الأوسط. وتعود أصول الأزمة إلى الصراع العربي – الإسرائيلي الذي اكتسح المنطقة في أواخر فترة الأربعينات من القرن الماضي وإلى موجة إنهاء الاستعمار الذي اجتاح العالم في أواسط القرن العشرين، مما أدى إلى احتدام الصراع بين الدول الاستعمارية والدول المطالبة بالاستقلال. وقد أدت أزمة السويس قبل انتهائها إلى تفاقم الصراع العربي – الإسرائيلي، وكادت أن تثير مواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ووجهت ضربة قاضية إلى الادعاءات الإمبريالية البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط، ووفرت مدخلا للولايات المتحدة لأن تحتل مكانة سياسة هامة في المنطقة.
أصول النزاع
لأزمة السويس أصول معقدة. فقد كانت مصر وإسرائيل في حالة حرب من الناحية القانونية بعد التوصل إلى اتفاقية الهدنة التي أنهت القتال بينهما للعامين 1948 و1949. وقد فشلت جهود الأمم المتحدة ودول عديدة للتوصل إلى معاهدة سلام نهائية بينهما – ومن أبرزها مشروع ألفا السلمي الذي شجعته الولايات المتحدة وبريطانيا خلال العامين 1954 و1955. وكادت الاشتباكات العنيفة على الحدود المصرية – الإسرائيلية في جو من التوتر أن تؤدي إلى استئناف القتال على نطاق واسع في شهر آب/أغسطس 1955 وفي شهر نيسان/إبريل 1956. وبعد صفقة الأسلحة السوفياتية التي اشترتها مصر في أواخر العام 1955 ازداد الضغط في إسرائيل لشن هجوم إجهاضي من شأنه أن يقوض الرئيس المصري جمال عبد الناصر ويفكك قدرة مصر العسكرية قبل أن يتاح لها الوقت اللازم للاستفادة من الأسلحة السوفياتية.
في غضون ذلك، سئمت بريطانيا وفرنسا من تحديات عبد الناصر لمصالحهما الإمبريالية في حوض البحر الأبيض المتوسط. واعتبرت بريطانيا حملة عبد الناصر لطرد القوات العسكرية البريطانية من مصر – التي أنجزت بمعاهدة أبرمت في العام 1954 – ضربة لهيبتها ولقدراتها العسكرية. وأقنعت حملة عبد الناصر لبسط نفوذه في الأردن وسوريا والعراق البريطانيين بأنه يسعى إلى التخلص من نفوذهم من المنطقة بأكملها. وشعر المسؤولون الفرنسيون بالغضب من الأدلة على مساندة عبد الناصر لنضال الثوار الجزائريين في سبيل الاستقلال عن فرنسا. واتفق المسؤولون البريطانيون والفرنسيون بحلول بداية العام 1956 على سياسة بالغة السرية أعطيت الاسم الرمزي أوميغا لعزل واحتواء عبد الناصر باستخدام طائفة من الإجراءات السياسية والاقتصادية الخفية.
وقد اندلعت أزمة السويس في شهر تموز/يوليو 1956 عندما أمم عبد الناصر شركة قناة السويس ردا على منع المساعدات الاقتصادية من الولايات المتحدة وبريطانيا عن مصر. واستولى عبد الناصر على الشركة المملوكة للبريطانيين والفرنسيين لإظهار استقلاله عن الدول الاستعمارية الأوروبية، وللانتقام من منع المعونة الاقتصادية الأنجلو – أميركية عنه، ولحصد الأرباح التي تحققها الشركة في بلاده. وأثار هذا الإجراء أزمة دولية استمرت أربعة أشهر قامت خلالها بريطانيا وفرنسا بحشد قواتهما العسكرية في المنطقة وحذرتا عبد الناصر بأنهما مستعدتان لاستخدام القوة لاستعادة ملكية شركة قناة السويس ما لم يتراجع عن قراره. وكان المسؤولون البريطانيون والفرنسيون يأملون سرا بأن يؤدي الضغط إلى سقوط عبد الناصر من السلطة باستخدام القوة من جانبهما أو بدون استخدامها.
رد الولايات المتحدة
عالج الرئيس دوايت د. أيزنهاور أزمة السويس على أساس ثلاث فرضيات أساسية ومتداخلة.
- أولا، مع أنه تعاطف مع رغبة بريطانيا وفرنسا في استعادة شركة القناة، فإنه لم يعارض حق مصر في الاستيلاء على الشركة، شريطة أن تدفع تعويضا كافياً كما يقتضي القانون الدولي. وبذلك سعى أيزنهاور إلى تفادي مجابهة عسكرية وإلى تسوية نزاع القناة بالطرق الدبلوماسية قبل أن يستغل الاتحاد السوفياتي الوضع لتحقيق مكاسب سياسية. وكلّف وزير الخارجية جون فوستر دالس بنزع فتيل الأزمة بشروط مقبولة لبريطانيا وفرنسا عن طريق البيانات العلنية والمفاوضات ومؤتمرين دوليين في لندن وتأسيس مؤسسة لمستخدمي قناة السويس، ومداولات في الأمم المتحدة. إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل بحلول أواخر شهر تشرين الأول/ أكتوبر، واستمرت الاستعدادات الأنجلو – فرنسية للحرب.
- ثانيا، سعى أيزنهاور لتجنب استعداء القوميين العرب وضم رجال دولة عرب في مساعيه الدبلوماسية لإنهاء الأزمة. ونتج رفضه تأييد استخدام القوة الأنجلو – فرنسية ضد مصر جزئيا عن إدراكه بأن استيلاء عبد الناصر على شركة القناة حظي بشعبية واسعة لدى الشعب المصري والشعوب العربية الأخرى. بل إن تصاعد شعبية عبد الناصر في الدول العربية أضعف جهود أيزنهاور لتسوية أزمة القناة بالاشتراك مع الزعماء العرب. ورفض الزعماء السعوديون والعراقيون الاقتراحات الأميركية بانتقاد إجراء عبد الناصر أو تحدي هيبته.
- ثالثا، سعى أيزنهاور إلى عزل إسرائيل عن نزاع القناة خشية أن يؤدي النزاعان الإسرائيلي – المصري والأنجلو فرنسي- المصري المتفجران مجتمعين إلى إشعال الشرق الأوسط. لذا حرم دالاس إسرائيل من أي صوت في المؤتمرات الدبلوماسية التي عقدت لتسوية الأزمة ومنع مناقشة مظالم إسرائيل حول السياسة المصرية خلال مداولات الأمم المتحدة. وشعر أيزنهاور بازدياد حدة موقف إسرائيل المشاكس نحو مصر في شهري آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر وقام بترتيب إمدادات محدودة من الأسلحة لإسرائيل من الولايات المتحدة وفرنسا وكندا أملا في الحد من إحساس إسرائيل بعدم الأمن وبالتالي تجنب نشوب حرب مصرية – إسرائيلية.
اندلاع القتال
اتخذت الأزمة منعطفا جديدا وغير متوقع بالنسبة للولايات المتحدة في شهر تشرين الأول/أكتوبر. ودون علم المسؤولين الأميركيين تواطأت فرنسا وبريطانيا مع إسرائيل في مخطط متقن لشن حرب تم تنسيقها سريا ضد مصر. وبموجب هذا المخطط المخادع تقوم إسرائيل بغزو شبه جزيرة سيناء وتصدر بريطانيا وفرنسا إنذارات تأمر فيها القوات المصرية والإسرائيلية بالانسحاب من منطقة قناة السويس، وعندما يرفض عبد الناصر (كما هو متوقع) تلك الإنذارات، تقوم القوتان الأوروبيتان بقصف المطارات المصرية في غضون 48 ساعة وتحتل قناة السويس وتخلع عبد الناصر. ولم يتمكن المسؤولون الأميركيون من التكهن بمخطط التواطؤ، ويعزى ذلك جزئيا إلى صرف انتباههم نتيجة وجود تحذير حول وقوع حرب بين إسرائيل والأردن، وإلى الاضطرابات المعادية للسوفيات في المجر، وجزئيا لانشغالهم بانتخابات الرئاسة الأميركية الوشيكة الوقوع، وجزئيا لأنهم صدّقوا نفي الأصدقاء في الحكومات المتواطئة الذين أكدوا لهم أنه ليس هناك هجوم وشيك. إلا أن الحرب اندلعت في 29 تشرين الأول/ أكتوبر عندما شنت إسرائيل هجوما أماميا على القوات المصرية في سيناء. وفي غضون أيام كانت القوات الإسرائيلية تقترب من قناة السويس.
وقد أخذ أيزنهاور ودالاس على حين غرة حين اندلع القتال واتخذا سلسلة من الخطوات الرامية إلى إنهاء الحرب بسرعة. وشعر أيزنهاور بالغضب لأن حلفاءه في لندن وباريس خدعوه في مخطط التواطؤ، كما ساوره القلق من أن الحرب قد تدفع الدول العربية نحو الاعتماد على السوفيات. ولكي يوقف القتال أثناء قصف الطائرات البريطانية والفرنسية للأهداف المصرية فرض عقوبات على الدول المتواطئة، وحصل على قرار لوقف إطلاق النار من الأمم المتحدة، ونظّم قوة طوارىء دولية للفصل بين الدول المتحاربة. إلا أن بريطانيا وفرنسا أنزلتا مظليين على ضفة قناة السويس في الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر قبل انتشار قوات الطوارىء الدولية.
وقد دفعت عمليات الإنزال البريطانية والفرنسية الأزمة إلى مرحلة خطيرة. وهدد الاتحاد السوفياتي، في مناورة ماكرة لصرف الانتباه عن قمعه الوحشي للحركة الثورية في المجر، بالتدخل في القتال وربما بالرد بمهاجمة لندن وباريس بالأسلحة الذرية. وأثارت التقارير الاستخباراتية عن حشد قوات سوفياتية في سوريا للتدخل في مصر قلق المسؤولين الأميركيين الذين شعروا بأن الاضطرابات في المجر جعلت السوفيات معرضين لسلوك اندفاعي. وبتصرف حذر ومتبصر نبّه أيزنهاور وزارة الدفاع بالاستعداد للحرب. وقد أثار تداخل النزاعين العربي والإسرائيلي وإنهاء الاستعمار مجابهة منذرة بالشر بين الشرق والغرب.
وتحرك أيزنهاور بسرعة لتفادي وقوع نزاع عالمي تحت وطأة الاحتمال المفاجىء لاندلاع مثل هذا النزاع. ومارس ضغوطا سياسية ومالية على الأطراف المتحاربة لقبول اتفاق لوقف إطلاق النار صدر عن الأمم المتحدة في السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر وأصبح ساري المفعول في اليوم التالي، وساند جهود المسؤولين في الأمم المتحدة لنشر قوات الطوارىء الدولية في مصر على جناح السرعة. وتوقفت التوترات تدريجيا. وغادرت القوات البريطانية والفرنسية مصر في شهر كانون الأول/ ديسمبر، وانسحبت القوات الإسرائيلية من سيناء بحلول شهر آذار/مارس 1957 بعد مفاوضات معقدة.
عواقب الأزمة
مع أن أزمة السويس خفت بسرعة، فقد تركت تأثيرا عميقا على ميزان القوى في الشرق الأوسط وعلى المسؤوليات التي تولتها الولايات المتحدة هناك. ولطخت سمعة البريطانيين والفرنسيين بشدة بين الدول العربية، وبالتالي قوضت السلطة التقليدية لهاتين الدولتين الأوروبيتين في المنطقة. أما عبد الناصر، فإنه لم ينج من المحنة فحسب، بل ارتفعت مكانته بين الشعوب العربية كزعيم تحدى امبراطوريتين أوروبيتين ونجا من غزو عسكري قامت به إسرائيل. وأصبحت الأنظمة الموالية للغرب الباقية في المنطقة معرضة للحركات الثورية الناصرية. ومع أن عبد الناصر لم يظهر ميلا فوريا لأن يصبح عميلا للاتحاد السوفياتي فإن المسؤولين الأميركيين كانوا يخشون من أن التهديدات السوفياتية ضد الحليفتين الأوروبيتين حسنت صورة موسكو بين الدول العربية. وبدا احتمال تشجيع السلام العربي – الإسرائيلي معدوما في المستقبل المنظور.
وكرد على عواقب حرب السويس أعلن الرئيس مبدأ أيزنهاور، وهو سياسة أمنية إقليمية جديدة رئيسية، في أوائل العام 1957. واقترح هذا المبدأ في شهر كانون الثاني/ يناير ووافق عليه الكونغرس في شهر آذار/مارس، وتعهد بأن تقوم الولايات المتحدة بتوزيع مساعدات اقتصادية وعسكرية، وإذا اقتضت الضرورة، بأن تستخدم القوة العسكرية لاحتواء الشيوعية في الشرق الأوسط. ولتنفيذ هذا المشروع، قام مبعوث الرئاسة جيمس بي. ريتشاردز بجولة في المنطقة، ووزع عشرات الملايين من الدولارات من المعونة الاقتصادية والعسكرية على تركيا وإيران وباكستان والعراق والمملكة العربية السعودية ولبنان وليبيا.
ومع أن مبدأ أيزنهاور لم يستخدم رسميا على الإطلاق، فقد استرشدت به السياسة الأميركية في ثلاثة نزاعات. ففي ربيع العام 1957 أرسل الرئيس معونة اقتصادية للأردن وأرسل بوارج البحرية الأميركية إلى شرقي البحر الأبيض المتوسط لمساعدة الملك حسين على إخماد تمرد بين ضباط الجيش الموالين لمصر. وفي أواخر العام 1957 شجع أيزنهاور تركيا وغيرها من الدول الصديقة على غزو سوريا لمنع نظام متطرف من تعزيز قوته هناك. وعندما هددت ثورة عنيفة في بغداد في شهر تموز/ يوليو 1958 بإشعال ثورات مشابهة في لبنان والأردن أمر أيزنهاور الجنود الأميركيين باحتلال بيروت وبنقل إمدادات للقوات البريطانية التي احتلت الأردن. وكشفت هذه الإجراءات غير المسبوقة في تاريخ السياسة الأميركية في الدول العربية بوضوح تصميم أيزنهاور على قبول مسؤولية المحافظة على المصالح الغربية في الشرق الأوسط.
وتقف أزمة السويس كنقطة تحول في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية. فبتغيير الافتراضات التقليدية في الغرب حول الهيمنة الأنجلو – فرنسية في الشرق الأوسط، وبتفاقم مشاكل القومية الثورية التي مثلها عبد الناصر، وبإذكاء نار النزاع العربي – الإسرائيلي، وبالتهديد بإعطاء الاتحاد السوفياتي ذريعة للتوغل في المنطقة، شدت أزمة السويس الولايات المتحدة نحو القيام بدور كبير ومهم ومستدام في الشرق الأوسط.
الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.