09 أيار/مايو 2008
في الأزمنة العادية، حين تكون الأفكار والمؤسسات والتحالفات القائمة ملائمة لمواجهة تحديات العصر، فإن هدف فن الحكم يكمن في إدارة ودعم النظام العالمي القائم. ولكن، وفي الأزمنة الاستثنائية، حين تتحول الملامح الأساسية للتاريخ أمامنا، فإن مهمة فن الحكم هي أن نحوّل مؤسساتنا وشراكاتنا لتحقيق أهداف جديدة على أساس مبادىء مستدامة.
وقد بدأت إحدى هذه اللحظات الاستثنائية في العام 1945، في حطام واحدة من أكبر الكوارث في تاريخ الإنسانية. فقد استهلكت الحرب العالمية الثانية النظام العالمي القديم. ووقعت على مجموعة من رجال الدولة الأميركيين - أفراد مثل الرئيس هاري ترومان ووزيري الخارجية جورج سي. مارشال (1947 – 1949) ودين أتشيسون (1949 – 1953) والسناتور آرثر فاندنبيرغ، مهمة القيام بأدوار مخططي وبناة عالم أفضل.
وتبدو حلول التحديات السابقة واضحة تماما الآن بعد نصف قرن من الرجوع إلى الوراء. ولكنها لم تكن واضحة على الإطلاق بالنسبة للرجال والنساء الذين عاشوا وعملوا في تلك الأزمنة التي شهدت تغيرات لم يسبق لها مثيل.
ففي العام 1946، كانت إعادة إعمار ألمانيا قد فشلت. وكانت اليابان منهكة. وشهد العام 1947 حربا أهلية في اليونان. وفي العام 1948، استولى الشيوعيون على الحكم في تشيكوسلوفاكيا في انقلاب عسكري. وفي العام 1949، كانت ألمانيا مقسمة وقام الاتحاد السوفياتي بتفجير قنبلة نووية، وانتصر الشيوعيون الصينيون في حربهم الأهلية. وفي العام 1950، اندلعت حرب وحشية ضارية في شبه الجزيرة الكورية.
ولم تكن هذه الأحداث مجرد نكسات تكتيكية لتقدم مسيرة الديمقراطية. وفيما فُرض الستار الحديدي عبر أوروبا وبدأت الحرب الباردة بالظهور، كان أبعد ما يمكن تصوره أن الحرية والانفتاح سينتصران في النهاية. غير أن رجال الدولة في تلك الحقبة التاريخية نجحوا بتفوق في صياغة المبادىء وإقامة التحالفات وبناء المؤسسات التي حفظت الحرية واحتوت انتشار الشيوعية، وأسفرت في النهاية عن انهيار الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو والإيديولوجية الماركسية – اللينينية.
وقد أتيحت لي الفرصة من العام 1989 حتى العام 1991 لأن أعمل كاختصاصية في الشؤون السوفياتية في البيت الأبيض في نهاية الحرب الباردة. وليس من الممكن أن يكون الأمر أفضل من ذلك. فقد شاركت في أحداث لم يكن كثيرون يتصورون أنها يمكن أن تحدث: كتحرير أوروبا الشرقية، وتوحيد ألمانيا، وبدايات الانهيار السلمي للاتحاد السوفياتي نفسه. وتوالت بسرعة أحداث بدت مستحيلة في يوم من الأيام، وبعد عدة أيام بدت حتمية. ولا مفر منها. هذه هي طبيعة الأزمنة الاستثنائية. وأنا أدرك الآن أنني كنت أجني حصاد القرارات الصائبة التي اتخذت في الأعوام 1947 و 1948 و1949.
إننا ندعوكم إلى التأمل في هذه الخيارات الدبلوماسية وغيرها التي حددت السياسة الخارجية الأميركية. ويمكن بإلقاء نظرة على هذه اللحظات الاستثنائية أن تساعدنا جميعا على تحقيق رؤيا للتحديات التي نواجهها في هذه الأيام.
إنني والرئيس بوش نؤمن بأننا نقف مرة أخرى في لحظة استثنائية في التاريخ. والسبب الأساسي لهجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر هو التعبير العنيف لإيديولوجية عالمية متطرفة، وهي إيديولوجية متجذرة في الظلم واليأس في الشرق الأوسط الحديث. لذا يجب أن يكون ردنا شاملا وتطلعي النظرة. ويجب علينا أن نعمل على إزالة مصدر الإرهاب نفسه عن طريق مساعدة رجال ونساء تلك المنطقة المضطربة على تحويل حياتهم وبلادهم.
ونحن نعلم أن مسيرة الديمقراطية ليست سهلة. ويمثل تاريخنا شعبا غير مثالي كافح على مدى قرون للنهوض إلى المثل السامية للمبادىء الديمقراطية. وفيما نحن ننظر إلى الآخرين الذين يكافحون أيضا، فإننا ندين لهم باحترامنا وبثقتنا بأن يحققوا هم أيضا آمالهم وطموحاتهم.
وكما ساهم المخططون العظماء في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في إرساء الأساس للمكاسب الديمقراطية التي نراها اليوم، فإننا نتخذ الآن قرارات سيكون لها صدى على مدى عدة عقود مقبلة. وإذا ما كللنا بالنجاح فسوف ننقل إلى أولئك الذين يأتون بعدنا أساسا يمكنهم أن يبنوا عليه عالما من الأمل، وهو عالم يسوده السلام والحرية.
كوندوليزا رايس
وزيرة الخارجية