12 تشرين الثاني/نوفمبر 2009
بداية النص
وليام جي. بيرنز
وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية
نص خطابه في مؤتمر معهد الشرق الأوسط
واشنطن العاصمة
10 تشرين الثاني/نوفمبر
أشكرك كثيراً يا ويندي لهذا التقديم الكريم. وأشكركم لإتاحة الفرصة لي للتحدث من جديد أمام معهد الشرق الأوسط، الذي أكنّ لقيادته، وأعضائه، ومهمته أجل الاحترام. هناك استراتيجيات مختلفة يمكن للمتحدث إتباعها عند الظهور أمام مجموعة رائعة وواسعة الإطلاع مثلكم. يقال ان مارك توين كان يتبع مقاربة بسيطة، حيث قال "من عادتي أن أبقى أتكلم إلى أن يخضع جمهوري مستمعيّ."
جورج برنارد شو، وهو كاتب آخر من كتّابي المفضلين، كان مناصراً لإستراتيجية أقل إسهاباً في الكلام. خلال استضافته حدثا في لندن في أحد الأيام، تقدم المتكلم الأول من شو وسأله كم يجب أن تطول مدة خطابه، فأجابه شو أنه ربما يتوجب عليه أن يحدد مدة إلقاء كلمته بحوالي 20 دقيقة. نظر المتكلم إلى شو بهلع، وقال: "عشرون دقيقة! كيف يمكنني أن أخبرهم كل ما أعرفه خلال عشرين دقيقة"؟ تريث شو وأجاب: "في حالتك هذه، أنصحك بأن تتكلم ببطء شديد".
وفي حالتي لا يجب أن تقلقوا من تجاوزي كثيراً لمدة العشرين دقيقة، حتى ولو تكلمت ببطء شديد. لذلك سوف أعفيكم من استراتيجية مارك توين وأحاول ان أقلد جورج برنارد وشو وأن أقدم لكم أفكاراً موجزة قليلة فقط حول أميركا والشرق الأوسط في العهد الجديد الذي بدأ يتكشف أمامنا.
في حياتي المهنية الحافلة بالتقلبات المتواصلة كدبلوماسي أميركي، قسمت معظم جهودي بين منطقتين جميلتين ومضجرتين معا: الشرق الأوسط وروسيا. نظراً لسجل إنجازاتي الاستثنائي في هاتين المنطقتين، ربما عليكم أن تقلقوا بشأن أين سيوفدوني لاحقاً. ولكن في سياق جهودي المهنية، تعلمت بعض الأشياء، وأحياناً بطريقة صعبة، حول أميركا والشرق الأوسط.
تعلمت بالتأكيد أننا لا ننعم بترف تجاهل جزء من العالم يضم بعض اقرب أصدقائنا، وثلثي الاحتياطات النفطية في العالم، والعديد من النزاعات الإقليمية الأكثر سمية وأذيّة، كما وأعنف المتطرفين الذين يتغذون على المرارة والشعور بالغربة اللذين يسودان المنطقة.
لقد تعلمت ان للقليل من التواضع اثرا كبيرا في ممارسة القوة الأميركية والهدف الأميركي في الشرق الأوسط. لقد وصلنا إلى ذلك التواضع، بصدق، من خلال العديد من التجارب والكثير من الأخطاء. ونستون تشيرشل، وهو من المعجبين الدائمين بأميركا، قال في أحد الأيام ان أكثر ما يعجبه في الاميركيين هو "أنهم يفعلون دائما الشيء الصحيح في نهاية المطاف... لكنهم يحبّون مجرد استنفاد جميع البدائل الأخرى أولاً". هذه الصفة الأخيرة تصف الكثير من تجربتنا التاريخية في الشرق الأوسط، اما الصفة التي سبقتها فإنها النتيجة التي نصبو إليها دائماً.
لقد تعلمت ان بإمكان أميركا ان تقود بفعالية أكثر عبر قوة القدوة التي نوفرها، وليس عبر قوة مواعظنا. تعلمت ان للشعوب الأخرى وللمجتمعات الأخرى حقائق خاصة بها، لا تتطابق مع حقائقنا ولا تتقبلها. لا يعني ذلك ان علينا ان نقبلها أو أن نُجاريها، ولكنه يعني ان فهمنا لها يشكل نقطة البداية للسياسة الناجحة.
لقد تعلمت ان الاستقرار ليس ظاهرة ساكنة. وللاستعارة من تشبيه استعمله في الليلة الماضية أحد الفائزين بإحدى جوائزكم التي استحقها بكل جدارة، فإن الأنظمة السياسية وعمليات السلام، هي كالدراجات الهوائية تميل إلى السقوط في حال لم تتحرك إلى الأمام. تعلمت أنه يوجد في الشرق الأوسط الكثير من الناس الجيدين والجديرين بالتقدير ممن يسعون إلى الكرامة والاحترام وتأمين حياة أفضل لأطفالهم، كما يوجد عدد من القادة العظماء كالراحل الملك حسين، ملك الأردن، الرجل الذي كان يتمتع بشجاعة ورؤيا غير عاديتين، والذي توفي بعد وقت قصير من تسلمي منصب السفير في عمان قبل أكثر من عقد من الزمن. تعلمت أيضاً أن الشرق الأوسط منطقة حافلة بمشاعر عدم الرضى العميقة والمظالم القوية، التي ينتهي بها الأمر في نهاية المطاف، سواء عن حق أو غير حق، ملقية على أعتاب الولايات المتحدة.
لقد تعلمت أنه لا يوجد بديل للقيادة الأميركية الحازمة في الشرق الأوسط، الموجهة بصورة مباشرة نحو معالجة المشاكل الكامنة في جوهر بعض هذه المظالم، الحقيقية منها والمتخيَّلة، والعمل كمحفّز للتحالف مع الآخرين في الهدف والغاية. وتعلمت أن علينا أن نكون واضحين ليس بشأن ما نعارضه، بل وأيضاً بشأن ما ندعمه ونؤيده.
تحدث الرئيس أوباما في خطابه في القاهرة في حزيران/يونيو الماضي ببلاغة فائقة تتخطى كل ما يمكنني التعبير عنه حول ما تؤمن به أميركا في هذا العهد الجديد. فدعا إلى "بداية جديدة... تقوم على المصلحة المتبادلة والاحترام المتبادل". وإننا نعمل بجهد كبير، قبل وقت طويل من إلقاء هذا الخطاب التاريخي، لترجمة هذه الرؤيا القوية جدا للرئيس إلى سياسة عملية، للبدء في تنفيذ العملية الطويلة والصعبة في تحويل البلاغة الكلامية إلى نتائج.
ليس هذا بالأمر السهل. لم يحدث ذلك أبداً في الشرق الأوسط، هذه الأرض التي تتحطم فيها الأحلام على الدوام، وتفشل النوايا الحسنة على الدوام، وحيث نادراً ما يفتقر المتشائمون فيها إلى الرفقاء من أمثالهم أو إلى الأحداث التي تؤكد ما يعتقدونه. التقدم يعني تطبيق المصلحة المتبادلة بطريقة تبني على الأرضية المشتركة حيثما توجد، ولكنه لا يتجنب التعامل بصراحة مع اختلافاتنا حيثما لا توجد هذه الأرضية المشتركة.
كما يعني ترجمة الاحترام المتبادل إلى مقاربة لا تَتظاهر أو تدّعي أنها تحتكر الحكمة، التي تظهر أن الاستماع يكون أحياناً شيئاً مختلفاً عن كونه عملاً غير طبيعي بالنسبة للأميركيين، ولكنها تُظهر أيضاً عدم التردد في التكلم بإخلاص إلى أصدقائنا وإلى أعدائنا حول الأهمية التي نوليها لحقوق الإنسان العالمية. انه يعني ممارسة مسؤوليتنا في القيادة، تقديم القدوة الحسنة، المساعدة في حل النزاعات الإقليمية، والمساعدة في بناء تحالفات تدعم برنامج عمل إيجابي جديد. ولكنه يعني أيضاً أن على الآخرين في المنطقة وخارجها تحمل مسؤولياتهم، سواء أكان ذلك في مؤازرة معايير عدم إنتشار أسلحة الدمار الشامل أو تحمل المخاطر في سبيل تحقيق السلام. التقدم ممكن تجاه تحقيق رؤيا الرئيس، تجاه تنفيذ برنامج عمل إيجابي للشرق الأوسط. يعتبر مثل هذا التقدم الترياق النهائي لبرنامج العمل السلبي الأساسي للمتطرفين العنيفين، الذين يبرعون أكثر بكثير في وصف ما يريدون تدميره مما يريدون بناءه. ان مساهمة أميركا في برنامج عمل إيجابي تشمل أجزاء عديدة، واليوم سوف أسلط الأضواء فقط على بعض منها. وهذه تشمل: إقامة السلام بين الإسرائيليين والعرب؛ دعم بروز عراق جديد يعيش في سلام مع نفسه، ومع جيرانه؛ التعامل مع التحدي الذي تمثله إيران؛ وبناء الأمل الاقتصادي والسياسي في منطقة لم تعرف لمدة طويلة جداً أي نوع من هذا الأمل.
لا يُشكِّل هذا قائمة لسياسة تُقدّم وفق الطلب. لا نستطيع أن نتجاهل بنجاح إحدى الأولويات فيما نكون نسعى لتنفيذ أولويات أخرى. سوف يكون التقدم غير مستوٍِ بصورة لا يمكن تجنبها، ولكن من المهم ان نصل بين النقاط التي تفصل المسائل المختلفة ببعضها البعض، وأن نتبع استراتيجية شاملة. دعوني أتطرق باختصار إلى كل واحدة من الأولويات الأربع التي ذكرتها.
بناء السلام بين الإسرائيليين والعرب
إن كانت هناك مسألة يجب ان تبقينا على تواضعنا فهي السعي العسير التحقيق لإقامة السلام العربي- الإسرائيلي. وفي حين ان السلام لا يشكل حلاً سحرياً لكافة الآفات المتعددة في المنطقة، فإنه لا توجد أية مسألة أخرى أكثر قرباً من جوهر ما يثير المشاعر عبر معظم أنحاء منطقة الشرق الأوسط من هذه القضية. من البديهي القول إن على الأطراف بالذات أن تتخذ القرارات الصعبة من أجل السلام كما أن الواقع التاريخي يؤكد ان معظم الاختراقات الكبرى، بدءاً بمجيء الرئيس السادات إلى القدس إلى المفاوضات السرية التي جرت في أوسلو، قد أتت من الأطراف بالذات. لكن المشاركة الأميركية المثابرة، الصلبة، يوماً بعد يوم، كانت أيضاً مكوناً حاسماً للنجاح، ابتداء بالدبلوماسية المكوكية لهنري كيسنجر، مروراً بجيمي كارتر في كامب ديفيد، ووصولاً إلى جيم بيكر في الطريق إلى مدريد.
هذا الإدراك بالضبط هو الذي أحيى جهود الرئيس أوباما، ووزيرة الخارجية كلينتون، والسناتور متشل الذي تم تعيينه مبعوثاً خاصاً للرئيس في اليوم الثاني من تولي هذه الحكومة الحكم. هدفنا واضح: دولتان تعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمان، دولة يهودية في إسرائيل تحتفظ معها أميركا بروابط لا تنفصم مع تأمين أمن حقيقي لجميع الإسرائيليين، ودولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة لها أراض متصلة جغرافيا تنهي الاحتلال الذي بدأ عام 1967، وتنهي الإذلال اليومي للفلسطينيين تحت الاحتلال، وتحقق القدرات الكاملة والاستثنائية للشعب الفلسطيني.
لتحقيق هذه الغاية، كما شددت عليه وزيرة الخارجية كلينتون في الأسبوع الماضي في المنطقة، نسعى لاستئناف المفاوضات المباشرة بدون شروط مسبقة. لا يعني ذلك بالتأكيد البدء من نقطة الصفر، لكنه يعني البناء على الاتفاقيات السابقة، وحل المسائل الجوهرية للنزاع وتسويتها بصورة نهائية. سوف تكون الولايات المتحدة شريكاً نشطاً وخلاقاً في كل خطوة من خطوات هذه العملية.
نسعى إلى إيجاد أفضل الظروف الممكنة للمفاوضات، العمل مع الأطراف، العمل مع الشركاء الإقليميين الرئيسيين مثل مصر والمجموعة الرباعية. لا نوافق على شرعية المستوطنات الإسرائيلية المتواصلة، ونعتبر أن العرض الإسرائيلي لتقييد النشاط الاستيطاني يشكل خطوة مهمة محتملة. ولكن من الواضح ان ذلك بعيد عن الالتزام المتواصل بخريطة الطريق الداعي إلى التجميد الكامل لعمليات الاستيطان. نسعى إلى تعميق الدعم الدولي للخطة المثيرة للإعجاب التي وضعتها السلطة الفلسطينية لكي تستند إليها خلال السنتين القادمتين في بناء المؤسسات التي تحتاج إليها الدولة الفلسطينية المسؤولة عند قيامها. كما نسعى أيضاً إلى تحقيق تقدم باتجاه السلام بين إسرائيل وسورية وبين إسرائيل ولبنان كجزء من سلام أوسع بين إسرائيل وجميع جيرانها.
أود لو كان ذلك ممكنا أن أقف أمامكم اليوم لأشير إلى تحقيق تقدم هام تجاه الوصول إلى هذه الأهداف. ولكني لا أستطيع ذلك. ولكن ما يمكنني ان أقوله هو ان التزام وتصميم هذه الحكومة لم يخفّا، واننا سوف نستمر في العمل الدؤوب لاستئناف المفاوضات في وقت مبكر، وهذا هو المسار الوحيد أمام حل الدولتين الذي تعتمد عليه الكثير من الأمور ليس من أجل مستقبل الإسرائيليين والفلسطينيين وحسب، بل وأيضاً من أجل مستقبل الشرق الأوسط بكامله. تُشكِّل الانتكاسات والتعقيدات الخيط المشترك الذي يمر عبره كل جهد للسلام في الشرق الأوسط. علينا أن نتعلم منها، ولكن دون أن تثنينا. لقد حققنا تقدماً محدوداً: تفاهماً تتشاطره الأطراف حول تحقيق هدف الدولتين؛ مصلحة مشتركة في العودة إلى طاولة المفاوضات؛ دعماً دولياً واسعاً لهذه العملية؛ تقدماً ثابتاً في وجه تحديات صعبة جداً نحو تشكيل مؤسسات أمنية فلسطينية ومؤسسات حكومية في الضفة الغربية يمكن الاعتماد عليها. والآن، علينا أن نضغط أكثر، أن نتحرك إلى الأمام، أن نفي بمسؤولياتنا في القيادة، وأن نحث كل طرف آخر على الإيفاء بمسؤولياته.
المسار البطيء إلى عراق جديد
اسمحوا لي بأن انتقل بسرعة إلى مسألة أساسية ثانية، وهي العراق. لقد اجتاز العراقيون طريقاً طويلة من العنف الطائفي المقيت الذي حصل في عام 2006 وعام 2007، ولكن رحلتهم تبقى صعبة وغير مكتملة، وهم يعملون باتجاه الهدف الذي نسعى إليه جميعا، أي عراق سيد، يعتمد على نفسه ومستقر، ويعيش في سلام مع جيرانه. التقدم في العراق واضح على عدة جبهات. صادق البرلمان [العراقي] يوم السبت الماضي على قانون انتخابات له أهمية حاسمة، مما مهد الطريق أمام إجراء انتخابات قومية في كانون الثاني/ يناير القادم. جاء رئيس الوزراء المالكي إلى واشنطن في الشهر الماضي ليستضيف بصورة مشتركة مؤتمراً لشركات الأعمال في العراق والولايات المتحدة. تجاوز التسجيل لحضور المؤتمر العدد المحدد له بكثير، وتبع ذلك الاتفاق على اتفاقين نفطيين كبيرين، وهذا بمثابة تذكير بالامكانيات الاقتصادية الهائلة للعراق. لكن في نفس الوقت، لا زال العنف الإرهابي يُشكِّل تهديداً مستمراً، وهذا تذكير بكل الأعمال التي لا يزال من الواجب القيام بها.
أمّا كون هذه الهجمات، بما في ذلك التفجيرات الدموية بسيارات مفخخة في وسط مدينة بغداد، لم تؤد إلى إعادة إشعال النزاعات الطائفية أو تعطيل عمل المؤسسات الحكومية، فذلك يمثل شهادة تثبت إرادة الغالبية الساحقة للعراقيين الذين يصرون على بناء حياة طبيعية حرموا منها في أكثر الأحيان خلال ماضيهم المأسوي.
سوف تواصل الولايات المتحدة الوقوف بحزم إلى جانب العراق في هذا الجهد الذي يحتل أهمية هائلة. سوف ننفذ بدقة متناهية اتفاقيتي إطار العمل الأمني والاستراتيجي بيننا، وقد بدأنا القيام بعملية الانتقال من علاقة تركز على المسائل الأمنية إلى شراكة يقودها المدنيون وتستند بصورة متزايدة إلى التعاون في مجالات غير أمنية كالتعليم، والصحة، والروابط الاقتصادية. وفي هذه الأثناء، نستمر في دعم إعادة اندماج العراق في بيئته المجاورة. أصبح العراق الآن عضواً في مجموعة مجلس التعاون الخليجي زائداً ثلاث دول، الذي يجمعه سوية مع المملكة العربية السعودية والأعضاء الآخرين في مجلس التعاون الخليجي، كما مع مصر والأردن. تحسنت روابط العراق مع تركيا إلى حد كبير خلال السنتين الأخيرتين. وفي الأسبوع الماضي أطلقت مصر والعراق إطاراً للتعاون الاستراتيجي مماثلاً لإطار العمل معنا.
ليس بيننا من هو ساذج بالنسبة إلى حجم المشاكل التي تواجه العراق، وسوف يتوجب على الولايات المتحدة الاستمرار في تركيز مستوى أعلى من الطاقة والاهتمام للمستقبل الذي يحاول العراقيون بناءه لأنفسهم. يحمل هذا المستقبل في طياته وعداً متنامياً، ومن الحماقة ان تغيب عنا أهمية معناه.
تحدي إيران
التحدي الثالث أمامنا هو المسألة الصعبة التي تمثلها إيران. وكما تعرفون جميعكم جيداً، يعقد هذا الاجتماع بالضبط تقريباً بعد انقضاء ثلاثين عاماً على حصول اشد الحلقات المؤلمة والمعيبة في تاريخ العلاقات المضطربة بين بلدينا. لقد أثر احتلال السفارة الأميركية في طهران بعمق على حياة الاميركيين الشجعان الذين أخذوا رهائن بغير وجه حق لحوالي 14 شهراً، ونحن مدينون لكل واحد منهم ولعائلاتهم بامتنان هائل لخدمتهم وتضحيتهم الاستثنائيتين.
تمثل هذه الذكرى تذكيراً حيّاً بأن العداء بين حكومتينا قد كلف بلدينا غالياً. بالتأكيد هناك لدى الإيرانيين قائمة من الشكاوى. ولكن السؤال المطروح أمامنا هو ما إذا كنا قادرين على التحرك متجاوزين هذا الماضي المضطرب والسعي لضمان أن خصوماتنا وشكوكنا التي تعود إلى الماضي لن تحدد المستقبل لأميركا وإيران.
لقد كان الرئيس أوباما واضحاً جداً عندما قال إن الولايات المتحدة، من جهتها، تريد أن تتطلع إلى الأمام. نسعى إلى بناء علاقة مع الجمهورية الإسلامية في إيران تستند إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل. لا نسعى إلى تغيير نظام الحكم. لقد نددنا بالهجمات الإرهابية التي نفذت ضد إيران. اعترفنا بالحق الدولي لإيران في الحصول على طاقة نووية سلمية. أظهرنا مع شركائنا في المجتمع الدولي رغبتنا في اتخاذ خطوات خلاقة لبناء الثقة تشمل دعمنا لعرض الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتوفير الوقود إلى مفاعل الأبحاث النووية في طهران. نحن الآن مع شركائنا في المجتمع الدولي مستعدون لإجراء حوار جدّي مع إيران حول كيف نستطيع إزالة الشكوك الطويلة الأمد حول الطبيعة السلمية الحصرية لطموحاتها النووية. هذه الشكوك تعززت من خلال الكشف مؤخراً عن وجود منشأة سرية لتخصيب اليورانيوم قرب مدينة قم. نحن مستعدون سوية مع شركائنا في المجتمع الدولي للتحرك مع إيران على مسار التعاون وليس على مسار المواجهة، مسار الاندماج وليس مسار العداء. ولكن ذلك يعتمد بالتأكيد على الخيارات التي سوف تتخذها إيران، على إرادتها في الالتزام بواجباتها ومسؤولياتها الدولية.
سمعنا لمدة ثلاثين سنة ما تعارضه إيران، والسؤال الآن هو ما نوع المستقبل الذي تسعى إليه. فمعظم الإيرانيين هم في عمر صغير بحيث يمكنهم تذكر أزمة الرهائن. يبدو انهم يتوقون إلى بناء مستقبل أفضل، الاستثمار في نظام التعليم والبنية التحتية في بلادهم، التواصل مع بقية العالم بطريقة تفيد كل واحد منا، وفتح الباب أمام الفرص، والازدهار، والعدالة التي يستحقونها. نحن في الولايات المتحدة، سوية مع بقية المجتمع الدولي، نستمر في تأييد سعيهم الشجاع للحصول على الحقوق العالمية، في وجه الوحشية المروعة والمشهد الحزين للمحاكمات الصورية وعمليات إلقاء القبض الجماعي التي تلحق العار بتاريخ إيران الغني وتقاليدها. وفي حين اننا سنبقى مستعدين للانخراط مع الحكومة الإيرانية حول المسألة المستعجلة لبرنامجها النووي وحول أمور أخرى ذات اهتمام مشترك، غير ان ذلك لا يعني أننا سوف نصرف النظر عن الإساءات أو نساوم على مبادئنا. ففي إيران، كما في أية دولة أخرى في العالم، سوف نظل دائما نقف إلى جانب أولئك الذين يسعون بسلام إلى حماية حقوقهم الإنسانية الأساسية.
أمامنا فرصة تاريخية ولكنها لن تدوم إلى الأبد. شكلت المباحثات التي جرت في جنيف في الشهر الماضي بداية بناءة. ولكن كانت الخطوات التكتيكية المتخذة في الأسابيع الأخيرة أقل تشجيعاً بكثير. ونحن مع شركائنا الدوليين غير مهتمين في التحدث فقط من أجل التحدث، فأمور كثيرة هي على المحك وليس فقط لإيران بالذات، بل لمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من التوترات أو المزيد من سباقات التسلح، ولمصداقية مجلس الأمن الدولي، ولمستقبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولنظام منع انتشار السلاح النووي. لقد حان الوقت لإيران لأن تقرر ما إذا كانت تريد التركيز على الماضي أو التحرك لتجاوزه، ما إذا كانت تريد أن تشدد بإسهاب على الشكوك المألوفة والأعداء الخارجيين الخياليين، أو تتخذ خياراً إيجابياً حول الدور الذي تسعى للعبه في العالم.
بناء الأمل الاقتصادي والسياسي
عملية السلام الإسرائيلي-العربي، العراق وإيران، تطرح جميعها تحديات هائلة ولكن ما هو مهم بالقدر ذاته بالنسبة للاستقرار الإقليمي للمنطقة هو التحديث النابع محلياً للمؤسسات الاقتصادية والسياسية. الحقيقة الصعبة، كما أوضحها تقرير التنمية الإنسانية العربية، هي أن الكثير من الدول في المنطقة تستمر في المعاناة بسبب وجود أنظمة اقتصادية وسياسية مغلقة لا تنتج سوى القليل من التنوع، والقليل جداً من فرص العمل، والقليل جداً من منافذ التغيير السياسي السلمي، والكثير جداً من عدم التسامح.
تبقى الاقتصادات في الشرق الأوسط معرضة للخطر مع نمو السكان بسرعة مماثلة لأي منطقة أخرى في العالم، ومع تواصل النقص في المياه الذي يجعل حصة الفرد من المياه المتوفرة أقل مما هي عليه في أي مكان آخر في العالم. اننا مدينون لأصدقائنا في المنطقة كما لأنفسنا بتشجيع إدخال إصلاحات بنيوية اضافية لتحقيق الانفتاح وتنويع الاقتصادت، وتحفيز النمو الذي يقوده القطاع الخاص، وتحسين الشفافية ومحاربة الفساد، وتقوية أنظمة التعليم.
لا يمكن أن يقوم الانفتاح الاقتصادي في فراغ. تحتاج الأنظمة الاقتصادية المفتوحة في نهاية المطاف إلى وجود أنظمة سياسية أكثر انفتاحاً واستيعاباً. واليوم، كثيراً جداً ما تخدم الهيكليات السياسية في معظم دول المنطقة في عزل النخب الحاكمة عن التغيير، بدلاً من أن تقوده. وكثيراً جداً ما يتم إهمال أصوات الناس إلى أن ترتفع إلى صراخ. وفي حين أن علينا أن نحترم حدود نفوذنا وحدود صبر الشعوب الأخرى تجاهنا عندما نقول لهم ما نعتقد أنه الأفضل لهم، علينا أن نستمر في دعم الجهود لفتح الطرق أمام الديموقراطية والمشاركة السياسية. كيف نوصل هذه الرسالة هو أمر مهم، لكن خيار تسليمها لا يشكل مسألة قابلة للنقاش. وكما شدد عليه الرئيس اوباما، وكما ناقشته وزيرة الخارجية كلينتون مطولاً خلال الاجتماع الأخير للمنتدى من أجل المستقبل الذي عقد في المغرب، فان العلاقات السليمة بين أميركا ودول الشرق الأوسط تتعلق بالروابط بين المجتمعات، وليس فقط بين الحكومات. لدينا تاريخ طويل ومؤلم من عدم الثقة وسوء الفهم المتبادلين لكي نتغلب عليه عبر معظم أنحاء المنطقة. لن نتغلب على مثل هذا الشك والعداء بين ليلة وضحاها كما لن تُشكِّل الدبلوماسية العامة الموضبة جيداً بديلاً عن السياسات المقنعة - كما النتائج الفعلية - حول المسائل التي تهم معظم الناس في منطقة الشرق الأوسط. لكن علينا ان لا نبخس تقدير أهمية الاتصال الإنساني البسيط، باستعمال أدوات تتراوح بين المبادلات والمنح المدرسية، وبرامج تعليم اللغة الإنجليزية، والمبعوثين في مجال العلوم، والدبلوماسية الثقافية والرياضية.
الخاتمة
أدرك بأني الآن قد اقتربت من تجسيد نموذج مارك توين في الكلام أمام الناس، أي مقاربة الاستمرار في التكلم إلى أن يخضعوا. لذلك اسمحوا لي أن أنهي حديثي بإعطاء بضع ملاحظات قد تبدو واضحة بصورة بديهية لجميعكم هنا، ولكنها تستحق التكرار.
هذا الوقت صعب جدا بحيث يسمح لنا بالتفاؤل بالنسبة إلى الشرق الأوسط، أو دور أميركا فيه. يبدو أن الفلسطينيين والإسرائيليين متشبثون بأنماط لن تؤدي إلى أي شيء جيد لأي منهما. يواجه العراق عقبات هائلة، وتبدو القيادة في إيران قادرة على الاستمرار في ممارسة التضليلات التي لا تنتهي. الأنظمة السياسية والاقتصادية عبر المنطقة في أكثرها هشة ولا تريد التغيير. معظم الناس في المنطقة قادرون على احتواء حماستهم للوصفات الأميركية، وهم يشكون في أي حال بأن النتائج سوف تتبع خطابنا البليغ.
لا يبدو لي بأن أيا من ذلك يُشكِّل سبباً للقنوط. بالطبع، ان الطريق الماثلة أمامنا وأمام أصدقائنا في الشرق الأوسط وعرة ومعبدة بالمشاكل. وبالطبع سوف تكون صعبة، ومليئة بالحواجز والمطبات والطرق المسدودة. وبالطبع سوف نفشل على الأقل بقدر ما ننجح.
ولكنني أعتقد بصدق ان التقدم نحو السلام ممكن بين الإسرائيليين والفلسطينيين وبين إسرائيل والعالم العربي الأوسع. سوف يتطلب هذا التقدم أعصاباً قوية، ومثابرة، وإرادة لركوب المخاطر. العراقيون يحققون أيضاً تقدماً لا زال متقطعاً ولكنه واضح المعالم نحو دولة مستقرة وموحدة، كان يبدو غير ممكن تصورها قبل بضعة أعوام.
قد يكون للوحدة القائمة بين شركائنا الدوليين تأثير على حسابات الحكومة الإيرانية، كما أن المجتمعات في الشرق الأوسط لم تعد محصنة أمام الاندفاع العنيد للانفتاح الاقتصادي والسياسي مثل أي منطقة أخرى في العالم.
اعتقد أن ذلك يجعل مني نوعاً من الإنسان المتفائل، على الأقل وفق معايير الشرق الأوسط. وهذا يذكرني بأحد التعريفات الروسية العديدة المتسمة بالقضاء والقدر للإنسان المتفائل: "شخص يعتقد أن الغد سوف يكون أفضل من اليوم الذي يليه". في الواقع يجول في ذهني شيء مختلف قليلاً. يساورني اعتقاد بأن الغد سوف يكون كثير التعقيد في الشرق الأوسط، حيث لن يكون هناك نقص في المشاكل والإحباطات. ولكني أعتقد بصدق أنه مع قيادة أميركية مستدامة وخلاقة، وإرادة الزعماء في المنطقة وخارجها في تحمل المسؤولية معنا، والاستثمار الطويل الأمد في بناء الأمل السياسي والاقتصادي عبر مجمل الشرق الأوسط، سوف يحمل اليوم التالي الذي يلي الغد وعداً حقيقياً مستداماً.
نهاية النص