تسخير قوة الأفكار | الإبداع والاختراع

03 ايلول/سبتمبر 2008

"النانوتكنولوجي" الجبهة التالية من الابتكارات

المصغِّرات يمكنها أن تحمل مفتاح الحل للطاقة، والصحة، والفضاء

 

واشنطن،- تُبشر الإمكانيات المُذهلة للنانوتكنولوجي، وهي العملية العلمية التي تخلق المواد والمنتجات ذات الحجم الجزيئي أو حتى الحجم الذري، بإحداث ثورة في طريقة حياة البشر مستقبلاً. ويتطلب العمل على هذا النطاق المتناهي الصغر، حيث وحدة القياس الأساسية هي النانومتر، التي تبلغ جزءا واحدا من بليون من المتر من حيث حجمها، تقنيات إبداعية لخلق، ومعالجة، وإنتاج مواد لا يمكن رؤيتها إلاّ عبر أجهزة خاصة مثل المجهر الالكتروني.

دومنيك ديباسكال، الكاتب في موقع أميركا دوت غوف حاليا، عمل سابقاً لمدة 27 سنة في السلك الخارجي لدى وكالة الإعلام الأميركية ووزارة الخارجية الاميركية في غانا وكينيا والبرازيل والبوسنة وسنغافورة وسلوفينيا. فيما يلي بعض المقتطفات من مقال، "إنه فعلاً عالم صغير، صغير جداً" الذي نُشر في المجلة الالكترونية يو إس أي في العدد الذي كان موضوعه "الشيء الجديد التالي".

بداية النص

دومنيك ديباسكال

* الفضاء

لقد ظل وزن وقود الصاروخ اللازم لرفع حمولة إلى مدار الأرض، أو إلى مكان أبعد من ذلك، يُقيّد بشكل أساسي عملية الطيران في الفضاء منذ انبثاق عصر الفضاء قبل نصف قرن. وتبشر الآن الأبحاث في تقنيتين جديدتين ثوريتين تستخدمان تكنولوجيا النانو بالنجاح في التغلب على هذه العقبة، وإن كان تطبيقها العملي لن يتم إلاّ في المستقبل البعيد.

للوهلة الأولى، تبدو فكرة "مصعد الفضاء"، أو جهاز يستطيع فعلياً رفع حمولة إلى مسافة 35 ألف كيلومتر في الفضاء عبر مطوّل أو كابل يمتد من سطح الأرض إلى قمر صناعي يدور في مدار جغرافي ثابت، وكأنها من عالم الخيال، و"الروايات العلمية"  الخيالية أكثر مما تنتمي إلى العلم الحقيقي. فالصعوبات التقنية التي تواجه إنشاء مثل هذا المصعد الفضائي ستكون هائلة، وليس أقلها الحاجة إلى صنع كابل بالغ المتانة بهذا الطول الكبير والقوة العظيمة.

ولربما انطوت النانوتكنولوجي على المفتاح لتحويل هذا المفهوم إلى حقيقة. ويعكف البحاثة حالياً على دراسة إمكانية استخدام أنابيب الكربون النانوية، أي الهيكليات التي لا يزيد قطرها عن بضع نانومترات لكن طولها يبلغ عدة ألاف من النانوميتر لبناء هذا الكابل. ولأن ذرات الكربون التي يتشكل منها الأنبوب النانوي تمارس ضغطاً قويا للغاية على بعضها البعض، فإن الأنبوب النانوي يكون أقوى من الفولاذ بمئة مرة. وتبقى هناك طبعاً، صعوبات هندسية وعلمية هائلة لإنشاء أي كابل كهذا من الأنابيب النانوية، لكن التقدم يتواصل.

* الطب

يمكن لتطبيقات تكنولوجيا النانو في الطب الاحيائي التي يتم تطويرها حالياً، أن تُشكِّل فاتحة أسلوب جديد تماماً لتشخيص ومكافحة الأمراض. ويكمن المفتاح في حجم الجزيئات النانوية الصغير إلى حد لا يصدق، إلى حد يكفي لتسللها إلى داخل البكتيريا أو حتى الفيروسات ثم مهاجمة هذه الأجسام من الداخل.

ويدرس الآن العلماء في مختبر لورنس ليفرمور، القريب من سان فرانسيسكو، كيفية إنشاء جزيئات ذات حجم نانوي تعرف باسمها المصغر "شالز" (جزيئات اصطناعية عالية التآلف) مصممة حسب الطلب لتلتصق بموقع مُحدّد على سطح خلية بشرية. ومع أن جزيئات الشالز اعتبرت في أول الأمر أداة دفاع ضد "الإرهاب البيولوجي" يمكنها اكتشاف وإبطال مفعول مسببات الأمراض القاتلة مثل الانتراكس، إلا أن علماء الكيمياء الحيوية في مختبر لورنس ليفرمور وفي مركز ديفز للسرطان في جامعة كاليفورنيا، سرعان ما استنبطوا لها استخداماً طبياً أوسع بكثير.

ويأمل العلماء من التمكن، من خلال صنع شالزات مصممة بشكل محدد للالتصاق بمواقع المتقبلات الفريدة القائمة على سطح بروتينات خلية سرطانية، من استعمال سلاح جديد في المعركة ضد السرطان. وستقوم الشالزات، عندما يتم دمجها بنظير إشعاعي أو دواء لعلاج السرطان، ليس فقط بالعثور على الخلايا السرطانية والالتصاق بها وإنما أيضاً بتدمير هذه الخلايا المستهدفة عن طريق إطلاق مقاتلات المرض هذه مباشرة داخل الورم الخبيث. ويتم حالياً إجراء التجارب للتحقق من إمكانية استخدام الشالزات كعلاج لسرطان البروستات والورم الليمفاوي غير هدجكن (سرطان غير هدجكن اللمفاوي).

* علم البيئة

كثيراً ما تكمن فائدة النانوتكنولوجي في كون المواد، على مستوى المقياس النانوي، يمكن أن تتسم بخصائص فيزيائية/أو كيميائية تختلف كثيراً عن الخصائص التي تمتلكها نفس المواد عندما تكون بحجم أكبر. كما يوفر هذا الحجم الذري للنانو تكنولوجيا في حد ذاته إمكانيات فريدة. ويدرس العلماء حالياً ما إذا كان بالامكان استخدام ميزات المقياس النانوي هذه لإيجاد بيئة صحية أكثر.

إن مياه الشرب في العديد من أنحاء العالم  ملوثة بمواد سامة بما فيها المعادن مثل الزرنيخ، ولا تتطلب إزالة هذه الملوثات من الماء معدات متطورة جداً وحسب بل  وأيضاً مصدر طاقة ثابت لتشغيل هذه المعدات. وقد يكون كلاهما غير متوفر بصورة كافية في معظم بلدان العالم النامي. ويدرس البحاثة في جامعة رايس مقاربة لا تتطلب تكنولوجيا متقدمة لحل هذه المشكلة مستخدمين بلورات نانوية من المغنيتيت، أو حجر المغنطيس، وهو مركب من الحديد والأكسجين قادر على امتصاص الزرنيخ.

فعندما تضاف بلورات المغنيتيت النانوية هذه إلى محلول من المياه الملوثة بالزرنيخ، تتحد مع الزرنيخ. ومن ثم يقوم مغنطيس بسيط بدفع البلورات النانوية المكسوة بالزرنيخ إلى قعر المحلول حيث يمكن استخراجها منه لاحقاً. وتكمن الفائدة التي تتميز بها هذه التقنية في كونها تعمل بواسطة مغنطيس عادي، من النوع الذي يستخدم كل يوم، في حين أن الجزيئات الكبيرة من المغنيتيت، تتطلب مغنطيسات أقوى بكثير. وتوفر هذه البحوث مقاربة بسيطة جديدة لتأمين مياه شرب نقية لسكان المناطق النائية.

* الطاقة

أدى تضافر عدة عوامل، مثل الضغط الذي يمارسه النمو المتواصل لسكان العالم والنمو الاقتصادي على الإمدادات التقليدية للوقود  الاحفوري والهواجس بشأن الاحتباس الحراري العالمي والازدياد الحاد في سعر النفط، إلى جعل تطوير مصادر بديلة للطاقة أمراً يزداد أهمية يوماً بعد يوم. وتوفر الأبحاث الأميركية الحالية في النانوتكنولوجي دلائل مثيرة للاهتمام يمكن أن تُحدث ثورة في مجال استخراج الطاقة من مصادر نظيفة ومتجددة، وعلى الأخص الشمسية منها.

فعلى سبيل المثال، استطاع العلماء في جامعة هارفرد تطوير خلايا شمسية من "أسلاك نانوية" يبلغ قطرها 300 نانوميتر فقط. وكما جاء في مجلة "أم آي تي تكنولوجي رفيو"، تملك الخلية الشمسية هذه نواة من السليكون البلوري وعدة طبقات متمركزة من السليكون ذات خصائص الكترونية مختلفة، وتؤدي كل طبقة نفس الوظيفة التي تؤديها الطبقات شبه الموصلة في الخلايا الشمسية التقليدية عندما تمتص النور وتلتقط الالكترونات لتوليد الكهرباء. وفي حين انه قد يتم استخدام هذه الخلايا الشمسية المجهرية في بداية الأمر لتزويد أجهزة نانوية أخرى بالطاقة، ربما أصبح من الممكن ربطها معاً بإعداد كبيرة في ما بعد لتحل محل اللوحات الشمسية المستخدمة اليوم. غير أن العقبات التي تقف في طريق تسويق هذه التكنولوجيا لا تزال ماثلة. ويتعين على البحاثة تطوير طرق لإنتاج هذه الأسلاك النانوية الشمسية بكميات أكبر مما هي الحال اليوم، وتحسين مستوى فعاليتها الحالي (أقل من خُمس إنتاج الألواح الشمسية التقليدية) في تحويل أشعة الشمس إلى كهرباء.

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي