07 أيار/مايو 2008
بقلم دومنيك ديباسكال
تبشر الطاقة المحتملة المدهشة للنانو تكنولوجيا أو تكنولوجيا النانو، وهي العملية العلمية التي تخلق المواد والمنتجات ذات الحجم الجزيئي أو حتى الحجم الذري، بإحداث ثورة في حياة البشر مستقبلاً. ويتطلب العمل على هذا النطاق المتناهي الصغر، حيث وحدة القياس الأساسية هي النانوميتر، التي تبلغ واحد من مليار من المتر من حيث حجمها، يتطلب تقنيات إبداعية لخلق ومعالجة وإنتاج مواد لا يمكن رؤيتها إلا عبر أجهزة خاصة مثل المجهر الإلكتروني. فسماكة شعرة بشرية واحدة أو صفحة ورقية، وفقاً لمقياس نانو، على سبيل المثال، تبلغ مئة ألف نانوميتر. وقد أصبح للنانو تكنولوجيا تطبيقات عملية في أشياء كثيرة، بدءاً من الملبوسات ووصولاً إلى المعدات الرياضية. ويعمل العلماء والبحاثة الأميركيون في الوقت الحاضر على تسخير هذه التكنولوجيا لتحقيق اختراقات جديدة إضافية.
الطيران في الفضاء
لقد ظل وزن وقود الصاروخ اللازم لرفع حمولة إلى مدار الأرض، أو إلى مكان أبعد من ذلك، يقيد بشكل أساسي عملية الطيران في الفضاء منذ انبثاق عصر الفضاء قبل نصف قرن. وتبشر الآن الأبحاث في تقنيتين جديدتين ثوريتين تستخدمان تكنولوجيا النانو بالنجاح في التغلب على هذه العقبة، وإن كان تطبيقها العملي لن يتم إلا في المستقبل البعيد.
للوهلة الأولى، تبدو فكرة "مصعد الفضاء"، أو جهاز يستطيع فعلياً رفع حمولة (أي الأجهزة العلمية والأقمار الصناعية والمركبات التي يرفعها الصاروخ) إلى مسافة 35 ألف كيلومتر في الفضاء عبر مِطْوَلٍ، أو كابل يمتد من سطح الأرض إلى قمر صناعي يدور في مدار جغرافي ثابت، وكأنها تنتمي إلى عالم الخيال و"الروايات العلمية" الخيالية أكثر مما تنتمي إلى العلم الحقيقي. فالصعوبات التقنية التي تواجه إنشاء مثل هذا المصعد الفضائي ستكون هائلة، وليس أقلها الحاجة إلى صنع كابل بالغ المتانة بهذا الطول الكبير والقوة العظيمة.
ولربما انطوت تكنولوجيا النانو على المفتاح لتحويل هذا المفهوم إلى حقيقة. ويعكف البحاثة حالياً على دراسة إمكانية استخدام أنابيب الكربون النانوية، أي الهيكليات التي لا يزيد قطرها عن بضع نانومترات لكن طولها يبلغ عدة آلاف من النانوميتر لبناء هذا الكابل. ولأن ذرات الكربون التي يتشكل منها الأنبوب النانوي تمارس ضغطاً قوياً للغاية على بعضها البعض، فإن الأنبوب النانوي يكون أقوى من الفولاذ بمئة مرة. وتبقى هناك طبعاً، صعوبات هندسية وعلمية هائلة لإنشاء أي كابل كهذا من الأنابيب النانوية، لكن التقدم يتواصل. فقد وجد فريق من البحاثة في جامعة رايس بهيوستن، تكساس، مثلاً، أن الجمع بين الأنابيب النانوية المصنوعة من الكربون وبين حِمض الكبريتيك يجعل الأنابيب النانوية تنتظم كلها في نفس الاتجاه، فتوفر لها قوة إضافية. وفي حين أن التوصل إلى صنع مِصعد فضائي ناجح على أساس النانو تكنولوجيا لن يتم إلا بعد عقود طويلة، إلا أنه يبشر بإمكانية النجاح في تحقيق خفض هائل في الكلفة المرتفعة للغاية لإرسال حمولة إلى مدار حول الأرض، وهي الكلفة التي تُقدّرها الآن وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) بمبلغ 22 ألف دولار أميركي للكيلو الواحد، بحيث تصبح ربما بضع دولارات فقط للكيلو الواحد.
وتشكل المعادلة الخاصة بالحمولة والوقود عاملاً مهماً أيضاً خلال الرحلات بين الكواكب نظراً للمسافات الهائلة التي يتوجب على سفينة الفضاء قطعها ضمن النظام الشمسي. وقد اقترح برايان غيلكرايست، وهو مهندس كهرباء في جامعة مشيغان، استخدام النانوتكنولوجيا لصنع سفينة فضائية تعمل بواسطة منظومة محركات بالحجم النانوي، يُشعل كل واحدٍ منها تياراً ثابتاً من الجزيئات النانوية المشحونة كهربائياً عبر دفّاعات ميكروسكوبية لدفع سفينة الفضاء إلى الأمام. ويتم، وفقاً لهذه الفكرة، تجميع ملايين من هذه المحركات معاً على رقاقة من السِليكون حجمها بضعة سنتيمترات مربعة فقط، ويتم تجميع عدة رقاقات معاً بغية استحداث نظام دفع لسفينة الفضاء. ومع أن هذا النظام لن يمتلك الدفع الكافي لتأمين انطلاق سفينة الفضاء من الأرض، إلا أن بإمكان المحركات النانوية الحجم، متى دخلت الفراغ الفضائي، تسريع انطلاق السفينة، بشكل تدريجي وفعال، عبر النظام الشمسي إلى مقصدها الأخير.
الطب
يمكن لتطبيقات تكنولوجيا النانو في الطب الإحيائي التي يتم تطويرها حاليا، أن تشكل فاتحة أسلوب جديد تماماً لتشخيص ومكافحة الأمراض. ويكمن المفتاح في حجم الجزيئات النانوية الصغير إلى حد لا يصدق، إلى حد يكفي لتسللها إلى داخل البكتيريا أو حتى الفيروسات ثم مهاجمة هذه الأجسام من الداخل.
ويدرس الآن العلماء في مختبر لورنس ليفرمور القومي، القريب من سان فرانسيسكو، كيفية إنشاء جزيئات ذات حجم نانوي تعرف باسمها المصغر "شالز" (جزيئات اصطناعية عالية التفاعل) مصممة حسب الطلب لِتلتصق بموقع مُحدّد على سطح خلية بشرية. ومع أن الشالز اعتبرت في أول الأمر أداة دفاع ضد "الإرهاب البيولوجي" يمكنها اكتشاف وإبطال مفعول مسببات الأمراض القاتلة مثل الآنثراكس، إلا أن علماء الكيمياء الحيوية في مختبر لورنس ليفرمور وفي مركز ديفز للسرطان في جامعة كاليفورنيا، سرعان ما استنبطوا لها استخداماً طبياً أوسع بكثير. ويأمل العلماء من التمكن، من خلال صنع شالزات مُصمّمة بشكل محدد للالتصاق بمواقع المتقبلات الفريدة القائمة على سطح بروتينات خلية سرطانية، من استعمال سلاح جديد في المعركة ضد السرطان. وستقوم الشالزات، عندما يتم دمجها بنظير إشعاعي أو دواء لعلاج السرطان، ليس فقط بالعثور على الخلايا السرطانية والالتصاق بها وإنما أيضاً بتدمير هذه الخلايا المستهدفة عن طريق إطلاق مقاتلات المرض هذه مباشرة داخل الورم الخبيث. ويتم حالياً إجراء التجارب للتحقق من إمكانية استخدام الشالزات كعلاج لسرطان البروستات والورم الليمفاوي غير هدجكن (سرطان غير هدجكن اللمفاوي).
وفي حين أن هذا الأسلوب المعتمد على تكنولوجيا النانو لعلاج السرطان ما زال في مرحلة التطوير، فإن بعض تطبيقات النانوتكنولوجيا قد رأت النور بالفعل. فشركة الأدوية الأميركية نيوكريست فارماستيكلز، تنتج أغلفة طبية مشرّبة ببلّورات من الفضة ذات حجم نانوي، وهي عنصر يمتلك خصائص مقاومة للمكروبات. وتطلق الضمادات الطبية المكسوّة بهذه البلورات النانوية الفضية التي يتراوح حجمها بين 1 و 100 نانوميتر، أيونات فضية سريعة المفعول ومتواصلة الانطلاق في الجروح لتسريع الشفاء. ويتم حالياً استخدام هذه التكنولوجيا في مراكز معالجة الحروق عبر الولايات المتحدة. وتعتقد شركة نيوكريست أن هذه التكنولوجيا القائمة على أساس البلّور النانوي سوف تكون مفيدة أيضاً في معالجة أنواع أخرى من الإصابات والالتهابات.
علم البيئة
كثيراً ما تكمن فائدة النانوتكنولوجيا في كون المواد، على مستوى المقياس النانوي، يمكن أن تتسم بخصائص فيزيائية و/أو كيميائية تختلف كثيراً عن الخصائص التي تمتلكها نفس المواد عندما تكون بحجم أكبر. كما يوفر الحجم الذرّي للنانوتكنولوجيا في حد ذاته إمكانيات فريدة. ويدرس العلماء حالياً ما إذا كان بالإمكان استخدام ميزات المقياس النانوي هذه لإيجاد بيئة صحية أكثر.
إن مياه الشرب في العديد من أنحاء العالم مُلوثة بمواد سامة بما فيها المعادن مثل الزرنيخ. ولا تتطلب إزالة هذه الملوثات من الماء معدات متطورة جداً وحسب، بل وأيضاً مصدر طاقة ثابت لتشغيل هذه المعدات، وقد يكون كلاهما غير متوفر بصورة كافية في معظم بلدان العالم النامي. ويدرس البحاثة في جامعة رايس مقاربة لا تتطلب التكنولوجيا المتقدمة لحلّ هذه المشكلة مستخدمين بلورات نانوية من المغنيتيت (حجر المغنطيس أو أكسيد الحديد المغنطيسي)، وهو مُركب من الحديد والأكسيجين قادر على امتصاص الزرنيخ. فعندما تضاف بلورات المغينتيت النانوية هذه إلى محلول من المياه الملوثة بالزرنيخ، تتحد مع الزرنيخ. ومن ثم يقوم مغنطيس بسيط بدفع البلورات النانوية المكسوة بالزرنيخ إلى قعر المحلول حيث يمكن استخراجها منه لاحقاً. وتكمن الفائدة التي تتميز بها هذه التقنية في كونها تعمل بواسطة مغنطيس عادي، من النوع الذي يستخدم كل يوم، في حين أن الجزيئات الكبيرة من المغنيتيت، تتطلب مغنطيسات أقوى بكثير. وتوفر هذه البحوث مقاربة بسيطة جديدة لتأمين مياه شرب نقية لسكان المناطق النائية.
ويفتح حجم النانوتكنولوجيا بذاته الباب أمام إمكانات عديدة. ففي جامعة ليهاي بولاية بنسلفانيا، يقوم العالم البيئي، واي – كسيان جانغ، بدراسة استخدام جزيئات من الحديد ذات مقياس نانوي لتنظيف التربة والمياه الجوفية الملوثة من المعادن الثقيلة، ومبيدات الآفات الزراعية، والمواد العضوية المذيبة. وعندما تحقن جزيئات الحديد هذه، عبر مزيج من الملاط، مباشرة في موقع مُلوّث، يسمح لها حجمها بالانسلال بين جُسيمات التربة. وتفكك جسيمات الحديد النانوية أثناء تأكسدها الملوثات الكيميائية مثل الديوكسين، أو مجموعة مركبات كيميائية أساسها ثنائي الفينيل (بي سي بي) إلى مركبّات كربونية أقل سميّة. ويتم أيضاً تحويل المعادن الثقيلة مثل الرصاص والزئبق لتصبح أقل أذى إذ أن عملية الأكسدة تحولها إلى شكل غير قابل للذوبان وأقل قدرة على الارتشاح في المياه الجوفية. وقد أظهرت الاختبارات أن مستويات التلوث تبدأ بالتقلص بصورة دراماتيكية حول موقع الحقن في غضون 48 ساعة، وأن التلوث السام يختفي تماماً تقريباً في غضون عدة أسابيع.
الطاقة
أدى تضافر عدة عوامل، مثل الضغط الذي يمارسه النمو المتواصل لسكان العالم والنمو الاقتصادي على الإمدادات التقليدية للوقود الأحفوري والهواجس بشأن الاحتباس الحراري العالمي والازدياد الحاد في سعر النفط، إلى جعل تطوير مصادر بديلة للطاقة أمراً يزداد أهمية يوماً بعد يوم. وتوفّر الأبحاث الأميركية الحالية في النانوتكنولوجيا دلائل مثيرة للاهتمام يمكن أن تُحدث ثورة في مجال استخراج الطاقة من مصادر نظيفة ومتجددة، وعلى الأخص الشمسية منها.
فعلى سبيل المثال، استطاع العلماء في جامعة هارفرد تطوير خلايا شمسية من "أسلاك نانوية" يبلغ قطرها 300 نانوميتر فقط. وكما جاء في مجلة " إم آي تي تكنولوجي رِفيو"، تملك الخلية الشمسية هذه نواة من السِليكون البلوري وعدة طبقات متمركزة من السِليكون ذات خصائص إلكترونية مختلفة. وتؤدي كل طبقة نفس الوظيفة التي تؤديها الطبقات شبه الموصِلة في الخلايا الشمسية التقليدية عندما تمتصّ النور وتلتقط الإلكترونات لتوليد الكهرباء. وفي حين أنه قد يتم استخدام هذه الخلايا الشمسية المجهرية في بداية الأمر لتزويد أجهزة نانوية أخرى بالطاقة، ربما أصبح من الممكن ربطها معاً بأعداد كبيرة في ما بعد لتحل محل اللوحات الشمسية المستخدمة اليوم. غير أن العقبات التي تقف في طريق تسويق هذه التكنولوجيا لا تزال ماثلة. ويتعين على البحاثة تطوير طرق لإنتاج هذه الأسلاك النانوية الشمسية بكميات أكبر مما هي الحال اليوم، وتحسين مستوى فعاليتها الحالي (أقل من خمس إنتاج الألواح الشمسية التقليدية) في تحويل نور الشمس إلى كهرباء.
وعلى مسافة 35 كيلومتراً من هارفرد، في مدينة النسيج القديمة لوويل، بولاية مساتشوستس، تعتمد شركة تكنولوجيا متقدمة خاصة تدعى "كوناركا" مقاربة مختلفة لاستخدام النانوتكنولوجيا للطاقة الشمسية. فقد اخترعت الشركة عملية لاستعمال ذرات ثاني أكسيد التيتانيوم الكيميائي شبه الموصل ذات الحجم النانوي في شريط رقيق من البلاستيك يُغلّف بصبغة حساسة للنور. وعندما يضرب نور الشمس، أو حتى نور اصطناعي داخلي، الصبغة تنتج ذرات ثنائي أكسيد التيتانيوم الكهرباء. ومع أن هذه التكنولوجيا لا تزال في مرحلة التطوير، فإن شركة كوناركا تفكر بالعديد من التطبيقات العملية لهذا الشريط البلاستيكي المرن من الخلايا الشمسية في الحالات التي لا يكون استخدام الألواح التقليدية الفولتائية الضوئية الثابتة عملياً فيها. فعلى سبيل المثال، يمكن لف هذه الأشرطة التي تولّد الطاقة حول أجهزة مثل الهواتف الخليوية أو الكمبيوترات المحمولة لإعادة شحن بطارياتها، ويمكن وضعها على هيكليات من أي نوع كان (حتى الخيم) كمولدات طاقة قائمة بذاتها، أو حتى نسجها مباشرة في الألبسة لتأمين الطاقة مباشرة للأجهزة الإلكترونية الشخصية أثناء استهلاكها.
دومنيك ديباسكال كاتب مستقل. وقد عمل سابقاً لمدة 27 سنة في السلك الخارجي لدى وكالة الإعلام الأميركية ووزارة الخارجية الأميركية في غانا وكينيا والبرازيل والبوسنة وسنغافورة وسلوفينيا.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية