تسخير قوة الأفكار | الإبداع والاختراع

07 أيار/مايو 2008

ابتكارات موسيقية

 

بداية النص

بقلم كارولي ووكر

        تعكس موسيقى أي بلد أوجهاً مختلفة من ثقافته. وليس من المستغرب بالتالي أن يكون لتقدم التكنولوجيا أثر كبير على الموسيقى في الولايات المتحدة. وقد انضمت الآن إلى الأنواع  التقليدية في حقل الموسيقى الأميركية مثل الروك والبوب والموسيقى الكلاسيكية والجاز  بعض ابتكارات القرن الحادي والعشرين. ومن بين هذا الابتكارات: ألعاب على الكمبيوتر تتيح للمراهقين الذين يلعبون أدواراً مختلفة أن يصبحوا أعضاء في فرقة روك افتراضية على الإنترنت؛ وأجهزة إلكترونية تسمح للأشخاص الذين يصعب عليهم التحرك بسبب إعاقة ما بحمل الآلات الموسيقية والعزف عليها؛ وأوركسترا الكمبيوتر المحمول التي يستخدمها الموسيقيون الإلكترونيون لعزف موسيقاهم مستخدمين أجهزة الكمبيوتر كآلات موسيقية.

الروك الافتراضي

        لا يبقى لدى مونيكا تشو الكثير من الوقت في أمسيات الأيام التي تذهب فيها إلى المدرسة لأخذ قسط من الراحة، فهي تقوم بتمارين لكونشرتو موزارت للبيانو رقم 15، على مقام بي فلات مايجور استعداداً لمسابقة بيانو، و"كونشرتو مندلسون للكمان على مقام إي ماينور" التي ستقدمها في حفلة موسيقية.

        أمّا في عطلة نهاية الأسبوع، حين يتسنى لهذه المراهقة من ولاية مريلاند بعض الوقت للراحة والترويح عن النفس، فهي تعزف على الغيتار الكهربائي ضمن فرقة روك مع أصدقائها. غير أنهم لا يعزفون في واقع الأمر على أية آلة موسيقية، كما أنهم يجتمعون حول جهاز التلفزيون العائلي بدلاً من كاراج العائلة.

        وتشو هي واحدة من بين ملايين المراهقين، وعدد متزايد من البالغين، حول العالم، الذين يعزفون الموسيقى على محطات انطلاق ألعاب تفاعلية على الكمبيوتر ضمن فرق افتراضية لموسيقى الروك.

        وقد صمم جهاز ضبط هذه اللعبة على شكل غيتار وهو مُجهّز بخمسة أزرار تشكل عتب الغيتار وشريط رفيع واحد للعزف. وتوضح تشو أنه "ما عليك إلا الضغط على زر العتب ونقر شريط الوتر لإنتاج نوتة موسيقية." وتتضمن اللعبة طبلاً مع طاقم لضرب الطبل ودواسّات وميكروفون للمغني، وجهاز ضبط للغيتار الجهوري.

        ومن المحتمل أن يؤدي عزف موسيقى الروك الافتراضي إلى إيقاظ الجيران، إن كانت نوعية مُكبرات الصوت في تلفزيون اللاعبين جيدة، حتى مع عدم وجود أي آلات موسيقية.

        وقد ظهرت لعبة روك باند أو فرقة الروك، وهي إحدى أحدث الألعاب الموسيقية الافتراضية المعروفة أيضاً بألعاب القيام بأدوار مختلفة، نتيجة تعاون بين مؤسستي إم تي في وإلكترونيك آرتس. وقد انبثق جهاز ضبط اللعبة الذي يشبه الغيتار عن الغيتار الكهربائي (Fender Stratocaster) العائد إلى الخمسينات من القرن الماضي، وتنتجه شركة كونتل كوربوريشن، التي تُصمّم وتصنع منتجات الإعلام الرقمية في الصين. وطورّت اللعبة شركة هارمونيكس ميوزك سيستمز لمحطات الانطلاق في بلاي ستايشن 2 (Playstation 2)، وبلاي ستايشن 3 (Playstation 3)، ولعبة اكس بوكس 360 (Xbox 360).

        وعندما نزلت لعبة "غيتار هيرو" الأصلية إلى الأسواق في العام 2005، نقلت الصحف عن روبرت كوتيك، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة أكتيفيجن، التي نشرت اللعبة، قوله إن لعبة القيام بأدوار مختلفة هذه لقيت إقبالاً عليها من "جماهير غفيرة من الناس". وقد حققت لعبة غيتار هيرو 3، التي يقوم فيها اللاعبون بأدوار موسيقيي روك على غرار لعبة "روك باند"، في الأسبوع الأول من نزولها إلى الأسواق في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي،  مبيعات بلغت 115 مليون دولار أميركي. وتمتلك أحدث لعبة "غيتار هيرو" أيضاً هارمونكس التي اشترتها شركة إم تي في العام 2006. ويستطيع اللاعبون فيها، على غرار المشاركين في لعبة روك باند، تشكيل فرق تربط بين الموسيقيين الذين يستخدمون وصلة إنترنت عالية السرعة.

        وتسمح هذه الألعاب للاعبين بإضفاء سمات معينة على أنفسهم مثل لون الشعر أو قطع كمالية على الثياب لأجل خلق صورة افتراضية للفرقة. كما يتاح لهم اختيار سم للفرقة وابتكار شعار، وعندما تقوم الفرقة بالأداء أمام حشد من المعجبين الذين يصرخون بحماس، بإمكان لاعب آخر القيام بدور مدير الحفلة الموسيقية من خلال استخدام تأثيرات ضوئية ولقطات كاميرا مثيرة للاهتمام.

        وتقول تشو إن عزف الموسيقى سوف يكون دائماً جزءاً هاماً من حياتها وهي تتطلع إلى حياة مهنية في السياسة أو الاقتصاد مستقبلاً. أما أي نوع من الموسيقى، فهذا أمر "سوف يتحدّد لاحقاً"، كما تقول، أما "كيف" ستعزفها، فقد يكون من المستحيل التخمين بذلك الآن.

أصوات الشفاء

        من الصعب، حتى عندما تكون متمكناً من الإيقاع، أن تعزف الموسيقى إن لم تكن قادراً على التحرك.

        وقد عكفت شركات الآلات الموسيقية في الأعوام القليلة الماضية على تركيب أجهزة خاصة على الآلات الموسيقية تتيح للذين يشكون من عجز حمل الآلات الموسيقية والعزف عليها. أما بالنسبة للناس الذين لا يملكون قدرة كافية، أو لا يملكون أي قدرة، على تحريك أذرعهم أو سيقانهم، أو تحريكها بطريقة متناسقة، فقد كان من المستحيل عليهم حتى الآن العزف على آلة أو حتى التفكير بالعزف.

        غير أن الابتكارات في تكنولوجيا الموسيقى جعلت من الممكن، وحتى من الممتع،  للناس الذين يشكون من إعاقات شديدة، أن يعزفوا وأن يؤلفوا الموسيقى. ومن المعروف أن الأبحاث تظهر أن العلاج بواسطة الموسيقى وسيلة فعالة لتعزيز عافية الناس الأصحاء، إلا أن الأبحاث تظهر أيضاً أن العلاج بالموسيقى يخفف الأوجاع ويحسن نوعية حياة الناس الذين يشكون من عجز أو إعاقة ما.

        ويعمل العديد من مراكز إعادة التأهيل والمنظمات الأخرى حالياً على إيجاد طرق يتمكن بفضلها الأشخاص الذين يعجزون الآن عن مجرد حمل آلات موسيقية عادية من العزف عليها. ففي مدرسة "إعادة التأهيل" (REHAB) في بوكيبسي، بولاية نيويورك، مثلاً، يستطيع المرضى الذين يستخدمون حركات صغيرة جداً برؤوسهم من عزف الموسيقى، وذلك ضمن مشروع طورّه موسيقيون ومُصمّمو برامج الكمبيوتر في "معهد الاستماع العميق" في كينغستون، بولاية نيويورك.

وهكذا، بدلاً من استخدام الآلات، أصبح الأولاد والمراهقون الذين يشكون من عجز جسدي في مدرسة "إعادة التأهيل" قادرين على عزف الموسيقى عن طريق استخدام برنامج كمبيوتر. ويتم ذلك بأن تعرض كاميرا فيديو رقمية موصولة بكمبيوتر صورة الموسيقار على الشاشة. وتقوم دالّة (Cursor) توضع على جزء معين من صورة الشاشة العائدة للرأس بتعقّب حتى أصغر حركات الرأس إلكترونياً محولة إياها إلى نوتات موسيقية تُسمع عبر مُكبرات الصوت في الكمبيوتر. ويمكن لعب البرنامج بأسلوبين: بطريقة البيانو، حيث تؤدي حركة الرأس من جانب إلى آخر إلى لعب سلّم البيانو الموسيقي، أو بطريقة النقر على الآلة، حيث تخلق الحركة نفسها صوت طبل.

        ويسمح برنامج الكمبيوتر هيبرسكور (Hyperscore) للناس بتأليف الموسيقى عن طريق وضع النوتات باستخدام رسوم خطية تضم تشكيلة واسعة من أصوات الآلات المختلفة. وقد صمم برنامج هيبرسكور تود ماكوفر، أستاذ الموسيقى والإعلام في معهد مساتشوستس للتكنولوجيا ومدير مشروع أوبرا المستقبل في المعهد المذكور.

وقد أنتجت منظمات أخرى برمجيات لمعالجة الآلات الموسيقية الرقمية، (المعروفة اختصاراً باسم "ميدي"، أي الآلات الموسيقية الرقمية المتفاعلة)، بينها معهد نيويورك للموسيقى ووظائف الأعصاب ومشروع دريك الموسيقي في لندن. ويرتدي، في مشروع دريك، حتى التلاميذ الذين لا يتجاوزون الحادية عشرة من العمر ممن يعانون من مرض الشلل المخي، عصابة للرأس تربطهم بالعالم الافتراضي وتكتشف الإشارات الكهربائية الناجمة عن أي حركة في الوجه أو العينين أو حتى الموجات الدماغية. ويقوم برنامج كمبيوتر خاص يعرف باسم "أصابع المخ في دريك،" بتحويل الإشارات إلى "أصابع" تحرك فأرة الكمبيوتر وتعزف النوتات على لوحة مفاتيح عازفة موسيقى.

        وتقول الجمعية الأميركية للمعالجة بالموسيقى إن أهداف المعالجة بالموسيقى كثيراً ما تكون غير موسيقية، حيث أن اللعب على آلة موسيقية بحد ذاته يتيح تحسين مهارات التحرك والتناسق. وعلاوة على ذلك، دلّت الدراسات العيادية التي أجراها أُوليفر ساكس، وهو طبيب أعصاب بريطاني انضم إلى الهيئة التعليمية في جامعة كولومبيا في نيويورك، ومؤلف كتاب "ميوزيكوفيليا: قصص عن الموسيقى والدماغ"، وكونشيتّا كوماينو، الاختصاصية الشهيرة بالمعالجة بالموسيقى، أن غناء عبارات مثل، "مرحباً، كيف حالك" تؤثر على استعادة القدرة على النطق، عن طريق "التدّرب المتكرر." فمن خلال وضع الكلام العادي والعبارات الدارجة ضمن السياق الموسيقي، بدأ مرضى يواجهون مشاكل في النطق لكنهم واعون ويدركون ما يقال لهم، يتعلمون قول "مرحباً" وأكثر من ذلك أيضاً.

        وتُوسّع الابتكارات في مشاريع الموسيقى الرقمية أهداف المعالجة بالموسيقى عن طريق توفير صيغة للتعبير الخلاّق للناس الذين يشكون من عجز جسدي حاد، كما تقول بولين أوليفيروس، مؤسسة "معهد الاستماع العميق" (ديب ليسننغ إنستيتيوت)، في تقرير إخباري نشر في الصحف. وتضيف أوليفيروس: "إن قيام المرء بشيء ما يجعله متمكناً، وهذا الأمر يمكنه أن يكون شافياً ومثيراً."

تحويل الضجيج الإلكتروني إلى موسيقى

        من الأمور التي يستخدم الكثير من الناس الكمبيوتر المحمول للقيام بها إنزال الملفات الموسيقية والاستماع إليها. وقد ذهب بعض الموسيقيين أخيراً إلى أبعد من ذلك، فقاموا بتسخير الكمبيوتر المحمول لإنتاج أنواع عديدة من الأصوات إلكترونياً باستخدام تلك الأجهزة نفسها كالآت موسيقية.

        ويقول المؤلف وفنان الصوت سكوت سمولوود، إن استخدام الكمبيوتر المحمول بهذه الطريقة لا يختلف عن الطريقة التي استخدم فنّانو الهيب هوب فيها آلات أخرى في السبعينات من القرن الماضي عندما استعملوا قرص الفونوغراف الدوار "لتخديش" الاسطوانات القديمة المتآكلة، للتحدث عبر وفوق صوت الموسيقى، فخلقوا نوعاً جديداً تماماً من الموسيقى.

        وسمولوود هو مدير لأوركسترا برينستون للكمبيوتر المحمول، المسماة PLOrK، في جامعة برنستون في نيو جيرزي. وكان قد أسس الأوركسترا سنة 2005 أستاذان في الهيئة التعليمية في الجامعة هما دان ثرومان وبيرّي كوك مع طالبيّ دراسات عليا، هما سمولوود وجي وانغ. وهي تضم مجموعة من الموسيقيين الذين يعزفون القطع الموسيقية معاً مستخدمين الكمبيوترات كآلات موسيقية. وتقوم هذه الموسيقى المتولدة من الكمبيوتر على أسس أنواع جديدة من الأصوات، المتشكلة من الضجيج والنسيج الصوتي، بدلاً من الأصوات التقليدية للآلات الموسيقية في فرق الأوركسترا.

        ويختلف أداء أوركسترا برينستون للكمبيوتر المحمول (برينستون لابتوب أوركسترا) عن أداء معظم موسيقيي الكمبيوتر المحمول من حيث أن أعضاء هذه الأوركسترا يعملون معاً على أساس نص موسيقي مدوّن، أو تعليمات محددة إلى كامل فريق الأوركسترا تتحكم بماهية  الأصوات المطلوبة من الموسيقيين والوقت الذي ينبغي إحداثها فيه، بدلاً من الموسيقيين الأفراد الذين يؤدون أعمالاً "بأصواتهم الخاصة."

        وقال سمولوود إن الناس، عندما يسمعون عبارة "أوركسترا الكمبيوتر المحمول"، يفكرون بأوركسترا سمفونية ويفترضون أنها مجموعة من الأشخاص الذين يجلسون معاً، ولدى كل منهم جهاز كمبيوتر، يقلّدون الآلات مثل الكمان أو الكلارينيت.

        وأوضح أن "هذا ليس ما تصنعه" أوركسترا الكمبيوتر المحمول، بل إنها تنتج أصواتاً جديدة وفريدة في نفس السياق الصوتي كالسمفونية التقليدية.

        وقد أصبحت أجهزة الكمبيوتر قادرة على تقليد الآلات الفردية ضمن فرقة أوركسترا منذ سنوات، والواقع هو أن العديد من الأوركسترات التي تعمل في "الحفرة" المخصصة لها (بين الجمهور والمسرح)، قد تمّ استبدالها في مسارح الأداء الحي (المباشر) بكمبيوتر واحد مُبرمج يلعب نصاً موسيقياً متكاملاً مدوناً. وما يُميّز أوركسترا الكمبيوتر المحمول عن الموسيقى الإلكترونية هو الدور الذي يلعبه كل موسيقار ضمن المجموعة، إضافة إلى مكبرات الصوت الفريدة التي صمّمها ترومان والموصولة بكل كمبيوتر محمول لتمكين الصوت الإلكتروني من أن يصبح سمعياً.

كارولي ووكر مُحرّرة في مكتب برامج الإعلام الخارجي في وزارة الخارجية الأميركية. وقد أجرت ووكر، بصفتها كاتبة حول الثقافة والقيم الأميركية، مقابلات مع عدد من الموسيقيين من بينهم دولّي بارتون، نيتيف دين وفاب 5 فريدي.


نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي