07 أيار/مايو 2008
سكوت بركون
أعظم أسرار الابتكار أو الابتداع هي أنه متاح لأيٍ كان. والسبب بسيط: إنه ليس بالأمر الصعب. فتش عن كلمة "ابتكار" في أي مُعجم واقرأ ما تعنيه بالفعل، بدلاً مما تعتقد بأنها تعنيه. سوف تجد كلاماً كالتالي: الابتداع أو الابتكار هو "استنباط فكرة أو طريقة أو أداة جديدة". هذا كل ما في الأمر. فالأمر لا يحتاج لأن تكون عبقرياً خلاّقاً أو مُدمناً على عملك، أو حتى أن ترتدي ملابس داخلية نظيفة. إنه يتلخص بعبارة بسيطة: "استنباط فكرة أو طريقة أو أداة جديدة." وأعدك بأنك، لدى انتهائك من قراءة هذا المقال، ستكون قد حصلت على جميع الأسرار التي تحتاجها لكي تقوم بالابتكار بنفسك.
إن الكلمة الأساسية في التعريف هي "جديدة". والشرك الذي يسقط فيه الناس عادة بالنسبة لنعت "جديد" هو الافتراض أن "الجديد" يعني شيئاً لم يشهده الكون مطلقاً من قبل. وهذا ما يتبيّن أنه ثالث أكثر الافتراضات سخافة في تاريخ البشرية. (عليك أنت شخصياً أن تتصوّر الاثنين الآخرين). وإليك الدليل: أذكر اسم أي مُبتكر عظيم وأنا أضمن لك أنه استعار أفكاراً كانت موجودة في الماضي وأعاد استخدامها لكي يطوّر ما اشتهر هو به.
الأخوان رايت، مخترعا الطائرة التي تعمل بمحرك في الولايات المتحدة، أمضيا ساعات طويلة في مراقبة الطيور. ومهما بدت لنا مراقبة الطيور مضجرة علينا أن نعيد إليها الفضل في وجود الطائرات الأسرع من الصوت اليوم. أمّا تطوير بيكاسو للمذهب التكعيبي في الرسم، الذي يُشكِّل إحدى الحركات الفنية الكبرى خلال القرنين الماضيين، فقد جاء إلى حد كبير نتيجة تأثره بأسلوب الرسم الأفريقي، ونتيجة تأثره أيضاً بأعمال الرسام الفرنسي الذي سبقه، سيزان. وكذلك الأمر بالنسبة لتوماس أديسون الذي لم يخترع مفهوم الإنارة بطاقة ما: فعليك أن تتحدث إلى آلاف الناس الذين قضوا نحبهم قبل أن يولد أديسون والذين كانون يحولّون الأخشاب، والشموع، والزيوت، وأنواع الوقود الأخرى إلى مصادر محمولة ومتحكّم بها للإنارة (هذا حتى دون أن نأتي على ذكر جوزف سوان الذي سجل براءة اختراع الإنارة بالطاقة الكهربائية قبل أديسون).
وحتى في عالم التكنولوجيا المتقدمة اليوم، بإمكانك أن تجد بسهولة صلات تربط بين ما نُسمّيه "جديد" وأفكار من الماضي. الشبكة العنكبوتية العالمية الشاملة (www) للاتصالات والإنترنت أخذت تسمياتها من أشياء تعود إلى آلاف السنين. فأولى الشبكات العنكبوتية كانت من صنع العنكبوت، وأول من استعمل الشبكة هم سكان العالم الأصليون الذين استخدموها لصيد السمك في أنحاء العالم المختلفة، وذلك قبل آلاف السنين من اختراع أول كمبيوتر. وغوغل، أداة البحث الرائعة، كثيراً ما تسمّى بمُحرّك البحث، إشارة إلى مفاهيم الميكانيكا الطبيعية القديمة، وليس البيتات الرقمية الجديدة.
تبرهن كل هذه الأمثلة أن حيلة الابتكار تكمن في توسيع رؤيتك لما يمكننا وصفه بالجديد. فطالما كانت فكرتك، أو كان استخدامك لفكرة قائمة، تُعتبر جديدة في نظر من ابتدعتها من أجلهم، أو طالما كنت تطبق مفهوماً قائماً لكن بطريقة جديدة، تكون أنت مؤهلاً لأن تعتبر مبتدعاً أو مبتكراً من وجهة نظرهم، وهو الأمر الوحيد المهم في الموضوع.
ولكن، حتى مع تحسين تعريفنا هذا للابتكار أو الابتداع، يحتاج المرء إلى أكثر من ذلك للابتداع. فمجموعة الأدوات اللازمة لكل مُبتدع تشمل ثلاثة أشياء: الأسئلة، والتجارب، والاعتماد على النفس.
إطرح الأسئلة. أسهل مكان للانطلاق منه يقع في الأشياء التي تفعلها كل يوم. اسأل ببساطة: من يفعل هذا أيضاً، وكيف يفعله بطريقة مختلفة؟ فإذا كنت لا تعرف غير طريقة واحدة لعمل شيء ما، تكون قد افترضت افتراضاً كبيراً. إنك تراهن على أن الطريقة الوحيدة التي تعرفها للقيام بذلك الأمر هي الطريقة الأفضل من بين الطرق اللامتناهية المتوفرة للقيام به. أنا شخصياً رجل مُقامر، لكنني لن أقدم على هذا الرهان لأن احتمال كسب الرهان، واحد مقابل عدد لا يعد ولا يحصى، سيئ للغاية. فحتى الأشياء البسيطة، مثل غسل الأطباق أو عقد رباط الحذاء، لها عشرات بل مئات من الطرق المختلفة المستخدمة من قبل مختلف الناس حول العالم. وتمثل كل هذه الأساليب ابتداعات محتملة متوفرة لك ولكل من تعرفه. وتكمن المشكلة في أن على الناس بذل المجهود للعثور على هذه البدائل والعودة بها.
لست متأكداً كيف تبدأ؟ الابتداء يكون بالمزيد من الأسئلة. الأسئلة المفيدة للمُبتكرين تشمل:
* لماذا يُصنع الشيء بهذه الطريقة؟
* من بدأه ولماذا؟
* ما هي البدائل التي فكروا بها، وما هي الفكرة التي حلت فكرتهم الجديدة محلها؟
* ما هي الأمور التي نتذمر منها أنا وأصدقائي أكثر من غيرها في ما يتعلق بطريقة القيام بهذا، وما هي التغييرات التي يمكن أن تجعل الطريقة أفضل؟
* كيف يقومون بذلك في المدن الأخرى والبلدان أو الثقافات الأخرى وكيف كانوا يقومون به في العصور الأخرى؟
* ما هي الافتراضات المختلفة التي افترضوها أو القيود التي تقيدوا بها؟
* كيف يمكنني تطبيق أي مما ورد أعلاه على ما أقوم به؟
إن الكثير من أعظم المبتكرين طرحوا أسئلة أفضل من الأسئلة التي طرحها جميع الآخرين غيرهم، وهذا من أسباب نجاحهم. لم يكن الأمر مسألة عبقرية، مهما كان ما تعنيه هذه الكلمة، أو تمارين عقلية خاصة سرية للغاية كانوا يمارسونها صباح كل يوم، أو حتى كمية المال التي كانوا يملكونها. لقد جاء عثورهم على أفكار موجودة أصلاً في العالم وربما كانت مفيدة نتيجة السعي المثابر للعثور على أجوبة عن أسئلة بسيطة.
لقد سأل اسحق نيوتن كيف يمكن لقوة الجاذبية أن تؤثر على التفاح كما على القمر؟ وبوضعه السؤال ضمن هذا الإطار، استنبط ملاحظات وطوّر رياضيات تتعلق بالجاذبية لم يسبق لأي شخص قبله وضعها بشكل يرقى إلى مستوى يرضيه. وقد بدأ العديد من اختراعات ليوناردو دا فينشي بطرحه هذا السؤال: كيف تنساب المياه؟ وقادت دراساته المتعددة للأنهار والجداول والطريقة التي تتحرك فيها المياه إلى اختراعه الدولاب الذي تحركه الطاقة المائية (الناعورة)، وابتداع طرق نقل المياه عبر قناة جر المياه المبنية على شكل قنطرة فوق أرض منخفضة والأقنية ومضخات الآبار. وما كانت مواهب نيوتن ودا فنشي الخلاقة ستظهر لولا طرحهم الأسئلة والنظر حولهم والتمعن في أمور واضحة للعيان في حياتنا اليومية كالمياه والجاذبية.
جرّب الأشياء بنفسك. إن طرح الأسئلة شيء ومحاولة الإجابة عليها شيء آخر. وما من بديل عن التجربة المباشرة عند اختراع الأشياء. والجوانب الفريدة المتعلقة بما أنت مفطور عليه، بما في ذلك الصفات التي قد لا تحبها في نفسك، تُشكِّل مصدر قوة تفيدك عندما يتعلق الأمر بالتفكير الخلاّق. فما من أحد يمكن أن يرى العالم تماماً كما تراه أنت.
وهذا يعني أنه إذا استطعت تجربة، أو مشاهدة، أو فعل الشيء بنفسك، فقد تستخلص منه دروساً وتخرج بملاحظات جديدة عجز غيرك من الناس عن ملاحظتها. وهذه الملاحظات هي بذور الابتكار: فقد ترى فكرة أو أداة قديمة بطريقة لم يسبق لأي كان في عائلتك، أو مكان عملك، أو مدينتك أن رآها بها، وإذا تابعتها، قد تصبح صاحب ابتكار.
وتذكّر أن المعرفة التي نملكها اليوم حول الكون لم تأتِ من كتب سحرية كانت موجودة بانتظارنا منذ فجر التاريخ. لكنها جاءت من أناس فضوليين لم يطرحوا الأسئلة وحسب، بل وتابعوها أيضاً إلى أماكن لم يرغب غيرهم في استكشافها.
فرانسيس كريك وجيمس واطسون، مكتشفا الحَمض النووي (دي إن آي)، تابعا حدسهما وأطلقا التخمينات للإجابة عن أسئلتهما، ثم أمضيا ساعات طويلة في المختبرات يقومان بأشياء كان أساتذتهما يعتبرونها غير علمية، بل ومضيعة كبيرة للوقت أيضا. وحتى سقراط نفسه، أعظم فلاسفة العالم الغربي، كان ضد فكرة تدوين الأشياء في الكتب. ولو أن تلميذه أفلاطون لم يلتقط الابتكار المعروف بالكتابة، ويكتب قصة سقراط بنفسه، لما كنا نعرف اليوم اسم أي منهما،ولما كنا نعرف بالطبع الأسلوب السقراطي في التعلّم الذي يقوم عليه أسلوب التعليم في الكثير من الجامعات اليوم.
إن التقدم يتوقف على تفكير الناس بصورة مستقلة وملاحقة فضولهم إلى أقصى قدر ممكن، بما في ذلك القيام بأشياء يرفض الناس الموجودون حولهم تجربتها.
حاول، وتعلّم، ثم حاول من جديد. الخطوة الأخيرة هي أنك يجب أن لا تتوقع النجاح من أول مرة. فإذا كنت تفعل شيئاً جديداً لنفسك أو لأصحابك، يكون من الصعب التنبؤ بما ستكون عليه النتيجة. وكلما كان الابتكار أعظم، كلما كانت المخاطرة والعمل أكثر: فصنع حلويات مبتكرة شيء، وتغيير طريقة تفكير أو عمل الناس شيء آخر.
وبما أن الأمر قد تحتاج إلى ساعات طويلة من العمل لإرضاء فضولك، فإن المهم هو كيفية مواجهتك للفشل. هل ستجد الشجاعة لمواجهته، ليس بالارتباك أو الندم، بل بالمزيد من الأسئلة: لماذا فشل ذلك؟ ما الذي يمكن أن أتعلّمه الآن؟ ما الذي سأفعله بطريقة مختلفة المرة القادمة؟ فإذا استطعت ذلك، كما فعل معظم المخترعين والمبتكرين العظماء عبر التاريخ، ستكون قد قطعت شوطاً في الطريق الصحيح.
سكوت بركون هو مؤلف الكتاب الأكثر رواجاً "أساطير الإبداع" (نشر (O’Reilly Media, Inc., 2007. وهو يكتب عن التفكير الخلاّق على الموقع http:/www.scottberkun.com
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسة الحكومة الأميركية