الدفاع عن كرامة الانسان | حقوق الانسان

29 ايلول/سبتمبر 2009

نص كلمة كلينتون عن مكافحة العنف ضد البنات

كلينتون تكشف عن المعاملة المجحفة للبنات عالميا

 

بداية النص

وزارة خارجية الولايات المتحدة

مكتب المتحدث الرسمي

25 أيلول/سبتمبر 2009

كلمة وزيرة الخارجية

وزيرة الخارجية هيلاري رودام كلينتون

الكلمة الافتتاحية في الحدث الخاص بمكافحة العنف ضد البنات

برعاية حكومة هولندا

في 25 أيلو/سبتمبر 2009

فندق والدورف أستوريا

نيو يورك، نيويورك

أريد أن أبدأ بقول شيء أؤمن به من صميم قلبي، ومن الواضح أنكم أنتم الحاضرين هنا تؤمنون أيضا أن القضايا الخاصة بالبنات والنساء ليست ملحقا مرفقا بجدول الأعمال الهامة للعالم والأمم المتحدة وليست إضافات ولا هي فكرة تالية (خطرت فيما بعد)، فهي في الحقيقة كامنة في أساس ما نحاول أن نعمله بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يشكل الرسالة التي تسترشد بها هذه المنظمة وكلّ منا مدعو لعمله في بلده من أجل الفرص المتساوية والعدالة الاجتماعية.

ولذا فإن هذه بالنسبة لي فرصة عظيمة كي أتحدث عن قضية ظلت في الأساس معزولة في مكان مهمل من الأجندة الدولية حتى وقت قريب نسبيا: عن العنف ضد البنات والنساء وخاصة اليوم، العنف ضد البنات.

أود لو أننا نستطيع الانتقال بانفسنا إلى مشهد نكون فيه في مكان وسط البنات والنساء اللواتي قاسين من العنف، لكنه لا داعي لنا كي نفعل ذلك، فكل شيء هنا حولنا. فهو (العنف) في المنزل وفي مكان العمل وهو في شوارع كثير من المدن الممثلة هنا بما فيها مدينتا صديقتيّ ماكسين وسلسو. وهو في الأمكنة التي تحتل العناوين بين وقت وآخر ثم في الفقرات الأخيرة تكون هناك إشارات إلى العنف والتي تشكل تكتيكا ووسيلة حرب وتخويف وقمع لمنع البنات من الذهاب إلى المدارس برش الحمض الكاوي (الأسيد) في وجوههن أو اغتصاب البنات كوسيلة لتخويفهن وإبقائهن خاضعات أو كنوع من تأكيد السيطرة.

ولذا فإن هذا الحدث بالنسبة لي واحدا من أهم النشاطات التي شاركت فيها في الأمم المتحدة. لقد اشتغلت هذا الأسبوع مع الرئيس أوباما في إعداد جدول أعمالنا وفي كل شيء من منع الانتشار (النووي) إلى الأخطار التي تشكلها إيران فإلى مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد واحد ثم إلى التحدي المستمر القائم في الشرق الأوسط، وغير ذلك كثير. ولكن صحافتي في كثير من الأحيان – لن أتحدث إلا عن الصحافة الأميركية – تطرح أسئلة مثل: "لماذا تنفقين وقتا كثيرا على هذه القضايا الأقل أهمية، أو ليست بنفس أهمية القضايا التي تكمن في صميم السياسة الخارجية؟"

وأنا عادة أوضح بأناة وصبر، وللمرة المليون، أن هذه (القضية) هي في صميم السياسة الخارجية. لأننا في نهاية المطاف، ماذا نفعل؟ نحن نحاول أن نحسن حياة الناس الذين نمثلهم والناس الذين يشاطروننا هذا الكوكب. نفعل هذا عن طريق الدبلوماسية ونفعله من خلال التنمية، وعلينا أن نعمله أحيانا عن طريق الدفاع. لكن العنف ضد أي من زملائنا الكائنات البشرية لا يمكن التسامح معه. وعندما يكون جزءا من النسيج الثقافي لكثير من المجتمعات وعندما يكون الطريقة المفترضة لما يجب أن تكون عليه الأمور، فإنه يكون عندئذ مدعاة حتمية لعملنا الجماعي.

كما يعلم الكثيرون منكم، لقد سافرت في الشهر الماضي إلى غوما في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. ذهبت إلى مخيم للاجئين يحوي 18,000 نسمة في رقعة صغيرة جدا من الأرض. والحقيقة هي أنها أرض مكسوة بالحمم البركانية المتجمدة. كان (المخيم) تذكرة صارخة لصراع خلّف 5.4 مليون قتيل منذ عام 1998. وشعرت أثناء تجولي في ذلك المخيم، مثل ما شعرت غالبا في أثناء تجولي في مخيمات في أماكن أخرى، بأحسن وأسوأ ما في الإنسانية: الأسوأ بسبب ما دفع هؤلاء الناس إلى اتخاذ هذا القرار بالغ الشدة بالفرار من بيوتهم وترك حقولهم هربا من الخطر، والأحسن بسبب الرد والاستجابة الدولية.

غير أن الناس الذين أرشدوني في جولة المخيم – كان بينهم رجل كان الرئيس وامرأة كانت نائبة الرئيس – تحدثوا عن مجريات الحياة اليومية لأن المخيم لا يوفر أي أمن. الناس موجودون هناك، لكن إذا غامروا بالخروج، مثل ما أخبرني كثير من البنات لجلب الماء أو جمع الحطب أو لمجرد التنفيس، فإن من يخرج يعرض حياته للخطر. إذ يبلّغ عن وقوع ما يقرب من 1,100 حالة اغتصاب شهريا في شرق الكونغو، وهذا يعني ما معدله اغتصاب 36 امرأة وبنتا في كل يوم.

سمعت قصصا رهيبة. بنت عمرها 15 سنة وتبدو أصغر من عمرها، كانت تجلب ماء من النهر عندما اعترضها جنديان – ليست متأكدة مما إذا كانا غير نظاميين أو من المليشيات أو من الجيش الكونغولي. كانا مجرد جنديين وحسب هدداها بأنهما سيقتلانها إذا لم تستسلم لهما. ضرباها ومزقا ملابسها واغتصباها.

وقابلت بنتا أخرى عمرها تسع سنوات أمسك بها جنديان وغطيا رأسها بكيس ثم اغتصباها عدة مرات في حرش، وامرأة كانت في الشهر الثامن من حملها عندما هوجمت وتعرضت لوحشية أفقدتها جنينها ولم تعد مقبولة حتى في بيتها.

ثم قابلت بعد ذلك امرأة كانت في عمري تقريبا ولها أربعة أبناء وزوج. كانوا مزارعين في مزرعة صغيرة من المزارع التي يحاول الكثير من فقراء العالم العيش منها والبقاء. وصفتهم بأنهم رجال عصابات. اقتادوا زوجها إلى الخارج وأطلقوا عليه النار وقتلوه. خرج اثنان من أبنائها مسرعين إلى الخارج لمحاولة مساعدة أبيهما فقتلوهما ثم دخلوا إلى البيت وقتلوا ابنيها الباقيين على مشهد منها ثم اغتصبوها تباعا عدة مرات وتركوها معتقدين أنها ميتة. قالت لي إنها تمنت لو أنها ماتت فعلا.

حسنا، هذه أمثلة متناهية التطرف، لكن هناك الكثير من الأمثلة التي يمكن أن نوردها. وبما أنني أؤمن بأن تقدم البنات والنساء يحمل مفتاح الرخاء المستدام والاستقرار في القرن الـ 21، فإن هذه مسالة لها أهمية بالغة عندي وعند بلدي. فعندما تمنح النساء حقوقهن، وعندما تمنحن الفرص المتساوية في التعليم والرعاية الصحية والاستخدام في العمل وفي المشاركة السياسية، فإنهن يستثمرن في عائلاتهن ويرفعن من مستواها ويسهمن في مجتمعاتهن وفي بلدانهن. أما عندما يهمّشن وعندما تساء معاملتهن وعندما يتجاهلن وعندما يحط من قدرهن، فالتقدم يصبح عندئذ غير ممكن، بغض النظر عما قد تبدو عليه النخبة من علم وثقافة عالية.

إن مشكلة العنف ضد النساء والبنات حادة أكثر بروزا في مناطق الصراعات على الأخص، لكنها ليست الأماكن الوحيدة التي نجدها فيها. وقد قامت الأمم المتحدة بعمل رائع في السنوات الأخيرة في المناطق التي مزقتها الحروب. ففي حين كان يجبر الصبيان على الخدمة كجنود أطفال ويدربون على القتل وكثيرا ما يتم تخديرهم كي يقدموا على ذلك، كانت البنات يغتصبن ويجبرن في أغلب الأحيان على أن يصبحن رقيقات للجنس. حدث هذا لآلاف مؤلفة من الأطفال. ونحن نعلم أيضا أنه رغم أفضل الجهود التي بذلناها نحن الحاضرون في هذه القاعة، فإن تلك الأفعال الوحشية التي تحط من قدر الإنسانية لا تؤثر على الأفراد في الغالب، وإنما تؤثر في النسيج الذي يربطنا معا ككائنات بشرية.

سأترأس في الأسبوع القادم جلسة لمجلس الأمن الدولي هنا في نيويورك حول وباء العنف الجنسي ضد النساء والبنات في مناطق الصراع. وستتقدم الولايات المتحدة بمشروع قرار لتعزيز الجهود الخاصة بالحد من تلك الفظائع ومحاسبة كل الذين يرتكبونها. وسندعو إلى تعيين ممثل خاص للأمين العام كي يقود وينسق الجهود المبذولة لإنهاء العنف ضد النساء في مناطق الصراع المسلح ويدعو إليها.

لكن العنف ضد النساء والبنات يحدث في كل مكان. فلا يقتصر العنف على العنف المنزلي، إذ يطال قتل الأجنة الإناث والقتل في سبيل المهور والاتجار بالنساء والبنات. ومن المريع جدا أنه حتى عند الناس الذين يعتبرون متعلمين تعليما عاليا في بعض البلدان يشكل معدل الإجهاض الاختياري للبنات نذيرا مروعا. فهناك ملايين – يشير بعض التقديرات إلى أن هناك نحو 100 مليون – بنت مفقودة. وهن مفقودات إما لأنهن أجهضن أو ما زلن يتعرضن للقتل الجنيني أو أنهن يحرمن من الغذاء والرعاية الصحية ويتركن كي يمتن بأعداد مروعة قبل أن يبلغن الخامسة من أعمارهن.

قابلت في تايلاند بنات باعهن آباؤهن كمومسات وهن في الثامنة من العمر. وكانت كثيرات منهن يستسلمن للموت من مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)  وهن في الثانية عشرة من أعمارهن. تجولت في منطقة في شمال تايلاند وقال لي أحد الأشخاص الذين رافقوني "يمكنك أن تخمني أي بيت باع بناته، فهو الذي عليه صحن تلفزيوني فضائي" وهناك ضغوط ملحة من الأصدقاء والرفاق تقول، صحون فضائية، أطباق فضائية، ثم لن يكون لكم صحون فضائية ثم أطباق فضائية وصحون فضائية.

نحن نعرف الإحصائيات. فثلت النساء كلهن سيتعرض لنوع من العنف ضد النساء في فترة ما من حياتهن. وتبلغ النسبة حدا عاليا في بعض أنحاء العالم إذ تصل إلى 70 بالمئة. وتقدر الأمم المتحدة بأن هناك ما لا يقل عن 5,000 جريمة من الجرائم التي تسمى جريمة شرف ترتكب كل سنة. وتبلغ نسبة كل التعديات الجنسية على البنات اللواتي يبلغن الخامسة عشرة من أعمارهن أو أصغر 50 بالمئة عالميا. وتتعرض أكثر من 130 مليون بنت وشابة لتشويه أعضائهن الجنسية (الختان).

يتبين في كل أنحاء العالم أن للأبناء الذكور قيمة أعلى حيث تجبر البنات على الزيجات المبكرة ويحرمن من الذهاب إلى المدارس ومن التغذية والرعاية الصحية ويستعبدن في الخدمة القسرية. وهناك حكايات كثيرة على هذا المنوال. ومعنا اليوم شابتان منهن وهناك كثيرات ممن تمثلانهن.

والمشكلة هي أنه لا تتخذ في أغلب الأحيان أي تدابير قانونية ضد أولئك الذين يديمون هذا العنف حتى عندما يكونون من أفراد القوات المسلحة للدولة. ونحن نمارس ضغوطا شديدة على جمهورية الكونغو الديمقراطية كي تقدم أمام العدالة خمسة ضباط عسكريين تم تورطهم إما بإقدامهم هم شخصيا (على العنف) أو توفير الأجواء المتساهلة معه.

هناك كثير من النساء الشابات اللواتي نهضن ضد ذلك ويحتجن إلى معاضدتنا. فهناك قصة مختار مي، المرأة الشابة التي عرفتها، وأخضعت لاغتصاب جماعي بأمر من مجلس شيوخ قبيلتها في أرياف باكستان انتقاما لعمل ارتكبه أخوها. أجبرت على السير عارية إلى بيتها أمام أهالي قريتها وكان من المتوقع أن تقتل نفسها. أعني هذا ما هو متوقع أن تفعله. فبعد الإهانة تعيّر المرأة ثم تهاجم. فذلك خطأها فتذهب وتقتل نفسها. والجريمة هي على أفضل ما نعلم أن أخاها شوهد يمشي مع بنت من طبقة (اجتماعية) أعلى في القرية.

فماذا حدث لها؟ رفضت أن تقتل نفسها ورفضت أن تختبئ وتحتجب، رفضت أن تستسلم للبيئة الثقافية التي وقع فيها الاعتداء. وأصبحت قضيتها قضية دولية. بدأ الناس يتساءلون: ماذا يمكن أن نفعل من أجلها؟ تبرعوا بالمال، وبنت أول مدرسة في قريتها. وسجلت هي نفسها في المدرسة ودخلتها. والآن، نتيجة للأموال التي تدفقت على القرية بعد أن تجرأت وتكلمت أصبح للمدرسة سيارة إسعاف وحافلة وملجأ للنساء وعيادة قانونية وخط هاتف ساخن.

والآن هاهي وقد أصبحت شابة رائعة، ولكنها ليست وحدها. وما نحن بحاجة إلى فعله هو مناصرة من ينهضن ويتصدين. ولي صديقة هنا هي مولي ميلشينغ التي قابلتها وعملت معها أول مرة قبل 10 سنوات في السنغال حيث بدأت مصممة على بناء مجتمع يرفض تشويه الأعضاء الجنسية للإناث وذلك بالطواف من قرية إلى قرية والمناداة بقضيتها الصحية جاعلة منها قضية بدأ معها شيوخ القبائل والأئمة يدركون أنها تتعارض مع آرائهم ونظرتهم لأنفسهم أو مع الإسلام. وهذا ممكن، يحتاج إلى وقت ونحن ليس بوسعنا ولا يمكننا أن نستسلم.

دعوني أختم بدعوة إلى العمل موجهة إلى زعماء كثير من العقائد الدينية الذين اجتمعوا في العام الماضي للمناداة بوضع حد للعنف ضد النساء. فإليكم ما قالوه: إن كل دين من أدياننا ينادي بالقيمة الأساسية لكل الحياة الإنسانية. والعنف ضد النساء يحرمهن من الكرامة التي منحهن الله. ولا يسعنا أن نظل ساكتين عندما يقاسي هذا العدد الكبير من نسائنا وبناتنا من وحشية الظلم الذي يفلت من العقاب.

ولذا فإن هذا الاجتماع لا يمكن أن يكون أكثر ملاءمة في توقيته وأهميته. وعلينا الآن أن نتابع. ونأمل أن نتمكن في الدورات القادمة للجمعية العام للأمم لالمتحدة أن نملأ قاعات أكبر وأكبر بالحضور. سنجعل الناس يتعهدون بالتزامات. وأنا أعلم أن الحكومة الهولندية عازمة جدا على محاولة التأكد من أن العمل يتبع. وإن بإمكاننا أن نعمل مع أصدقائنا لا من البرازيل وحسب فأنا أرى كثيرا من زملائنا الآخرين هنا. وآمل في أن نكون االأصوات التي تمثل تلك النسوة اللواتي لن يمثلن أبدا أمام مجلس الأمن ولن يغادرن غوما ولن يغادرن أرياف باكستان إطلاقا ولن يتركن قراهن في أميركا اللاتينية أو أي مكان آخر ليأتين ويعرضن قضيتهن أمامنا. لذا تقع على كواهلنا مسؤولية إسماع أصواتهن.

شكرا جزيلا لكم. (تصفيق) 

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي