17 ايلول/سبتمبر 2009
انتهاء الحرب الباردة عزز جهود حقوق الإنسان

تؤكد جميع الدول تقريباً في جميع مناطق العالم، وعلى مختلف مستويات تطورها، التزامها بحقوق الإنسان. والحكومة التي تنخرط في نمط ثابت في الانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان تعتبر على نحو واسع بأنها حكومة لا تحظى بالمشروعية.
لم يكن الأمر دائماً كذلك. فتقدم أية دولة في مجال حقوق الإنسان، أو غياب ذلك التقدم، لم يصبح موضوعاً ثابتاً في العلاقات الدولية سوى منذ نصف قرن تقريباً. فقبل الحرب العالمية الثانية، كانت مجازر المجموعات الاثنية داخل الدول تقابل بما لا يزيد عن بيانات مهذبة تعلن عدم الموافقة. كما ان الانتهاكات الفاضحة بدرجة أقل لم تكن تعتبر حتى موضوعاً مناسباً في الأحاديث الدبلوماسية.
اعتبرت طريقة معاملة الحكومة لمواطنيها داخل حدود بلادها مسألة تتعلق بسيادتها، أي السلطة العليا التي تملكها في شؤونها الداخلية. وفي الواقع، كانت الدول الأخرى والمجتمع الدولي يعتبرون انهم ملزمون قانونياً ودولياً بعدم التدخل في مثل هذه الأمور.
صدمة المحرقة
خلال المحرقة التي نفذت خلال الحرب العالمية الثانية، قتلت ألمانيا النازية والمتعاونون معها بصورة نظامية الملايين: من الأوروبيين اليهود، والغجر، والمثليين جنسيا، بمن في ذلك النساء، والرجال والأطفال. سبّب الاشمئزاز من هذه الوحشية التي لا يمكن تصورها حدوث تغيير فكري استثنائي. ولّد الشعور بالمسؤولية عن المحرقة إعلان التعهد بوجوب عدم السماح لمثل هذه الأعمال الوحشية بأن تتكرر من جديد. ودخلت حقوق الإنسان في المسار الرئيسي للعلاقات الدولية. كانت بعض الدول قبل المحرقة تستخدم العذر المتمثل في أن معاملة دولة لمواطنيها هي مسألة داخلية، وان ذبح حكومة لمواطنيها لا يُشكِّل جريمة دولية معترفا بها قانونيا.
ساعدت محاكمات جرائم الحرب في نورمبرغ عام 1945 في تغيير الوضع. أدخلت هذه المحاكمات، التي حاكمت نازيين من ذوي المناصب العالية عن أعمالهم، فكرة الجرائم ضد الإنسانية. فللمرة الأولى جرت محاسبة مسؤولين بصورة قانونية عن أعمالهم أمام المجتمع الدولي لارتكابهم جرائم ضد مواطنين أفراد. أما في الأمم المتحدة فقد برزت حقوق الإنسان بالفعل كموضوع يخص العلاقات الدولية. وقد شغلت مسألة حقوق الإنسان حيزاً بارزاً في ميثاق منظمة الأمم المتحدة الذي تّم تبنيه عام 1945. وفي 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، تبنّت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. أعلنت هذه القائمة الشاملة لحقوق الإنسان ان الطريقة التي تعامل فيها الدول مواطنيها هي مثار اهتمام دولي مشروع وتخضع لمعايير دولية.
تأثير الحرب الباردة
لكن لم يمر كل شيء بسلاسة. ففي السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، اندلع كفاح أيديولوجي بين الدول الشيوعية والرأسمالية ترددت أصداؤه حول العالم. دامت "الحرب الباردة" حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. وبينما كانت الولايات المتحدة مستعدة أحياناً لتجاهل هفوات حقوق الإنسان في الدول "الصديقة" المناهضة للشيوعية، كان الاتحاد السوفياتي كذلك مستعداً لاستعمال القوة عند الضرورة لطمأنة الأنظمة الاستبدادية "الصديقة" الواقعة ضمن منطقة نفوذه.
علاوة على ذلك، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الدول المستعدة للسماح حتى بالمراقبة المتعددة الجوانب لممارسات حقوق الإنسان القومية، هذا إذا لم نذكر التطبيق أو التنفيذ الدولي لهذه الحقوق. لم تكن الأمم المتحدة حكومة عالمية. فهي لا تستطيع عمل أي شيء لا يسمح به أعضاؤها، أي الدول ذات السيادة. خلال أول عقدين من عمر الحرب الباردة لم تكن أي واحدة من الكتلتين راغبة بالسماح للأمم المتحدة بعمل الشيء الكثير في مجال حقوق الإنسان.
بحلول منتصف الستينات من القرن العشرين، أصبحت الكتلة الأفريقية-الآسيوية أكبر مجموعة في الأمم المتحدة. كان لدى هذه الدول، التي عانت طويلاً تحت الحكم الاستعماري، اهتمام خاص بحقوق الإنسان. وقد وجدت أذناً مؤيدة من الكتلة السوفياتية ومن بعض الدول في أوروبا والأميركيتين من ضمنها الولايات المتحدة. وبذلك بدأت الأمم المتحدة مرة أخرى الاهتمام بحقوق الإنسان.
قاد ذلك بصورة اكثر أهمية إلى إكمال توقيع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في كانون الأول/ديسمبر 1966. وسوية مع الإعلان العالمي وفرت هذه المعاهدات بياناً رسميا حول حقوق الإنسان المعترف بها دولياً.
لكن شمولية المعاهدات تتطلب ان تحول الأمم المتحدة عمل حقوق الإنسان الذي تقوم به من مجرد وضع معايير إلى مراقبة كيفية تطبيق هذه الدول فعلياً لهذه المعايير. وكان ذلك أحد المجالات التي لم تحقق فيه المنظمة فعلياً أي تقدم خلال أول عقدين من ذلك.
رغم انه جرى توضيح المفاهيم الأساسية لمعايير حقوق الإنسان في منتصف الستينات من القرن العشرين، فقد ظل تطبيق تلك المعايير متعلقاً بالكامل تقريباً بإرادة الحكومات القومية الفردية.
إحياء كارتر لحقوق الإنسان
عندما أصبح جيمي كارتر رئيساً للولايات المتحدة سنة 1977، رفع منزلة حقوق الإنسان ليجعل منها مسألة دولية. جعل كارتر موضوع حقوق الإنسان العالمية أولوية في السياسة الخارجية الأميركية وبذلك شجع أنصار حقوق الإنسان عبر العالم.
حاول كارتر ان يفصل حقوق الإنسان الدولية عن سياسة "الشرق-الغرب" في الحرب الباردة، وعن المنافسات بين الشمال والجنوب، وبين الدول الصناعية والدول غير الصناعية حول المسائل الاقتصادية. أعطى ذلك زخماً جديداً ومشروعية متزايدة للمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان في كل مكان.
عملية هلسنكي
شهد منتصف السبعينات من القرن العشرين إدخال حقوق الإنسان في المسار الرئيسي للسياسة الخارجية المتعددة الجوانب والثنائية. بدأت الولايات المتحدة ودول أوروبية في أخذ مسألة ممارسة حقوق الإنسان بعين الاعتبار في سياساتها المتعلقة بالمساعدات. وأدخل الاتفاق النهائي لهلسنكي عام 1975 بصراحة مسألة حقوق الإنسان ضمن المسار الرئيسي للعلاقات الأميركية –السوفياتية.
بدأت اجتماعات مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا (CSCE) في مطلع السبعينات من القرن العشرين كسلسلة من المباحثات شملت الولايات المتحدة، وكندا، والاتحاد السوفياتي وتقريباً جميع دول أوروبا. تركزت المناقشات حول المسائل العالقة بين الشرق الشيوعي والغرب الديمقراطي. تم إعداد الاتفاق النهائي لمؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا سنة 1975 في هلسنكي، فنلندا، ووافقت عليه 35 دولة وعرف هذا الاتفاق باتفاقات هلسنكي. ذكرت الاتفاقات عشرة مبادئ محددة بضمنها احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية مثل حرية الفكر، والضمير، والدين، والمعتقد. يعزو الكثير من الخبراء إلى عملية هلسنكي فضل المساعدة في إسقاط الأنظمة الدكتاتورية في الاتحاد السوفياتي وفي أوروبا الشرقية.
╚نهاية الثمانينات من القرن العشرين بلغت الحرب الباردة نهايتها، وفي 25 كانون الأول/ديسمبر 1991 أُنزل العلم السوفياتي عن مبنى الكرملين. تولى مؤتمر الأمن والتعاون (CSCE) في أوروبا حينها دوراً أعظم، بعد ان كان حتى تلك النقطة يعقد اجتماعات ومؤتمرات. تمثل دوره في إدارة التغيير التاريخي الحاصل في أوروبا. تعدل اسمه إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) وهي الآن اكبر منظمة أمن إقليمية في العالم وتشمل في عضويتها 56 دولة من أوروبا، وآسيا الوسطى، وأميركا الشمالية. كما أنها تضم دولا شريكة في آسيا ومنطقة البحر المتوسط. يعتبر العديد من الناس المنظمة على أنها نموذج أولي لجهود التعاون الإقليمي لصياغة احترام اعظم لحقوق الإنسان في أنحاء أخرى من العالم. أصبح إعلان كوبنهاغن ومبادئ باريس لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ذات تأثير هائل كمقياس لأداء حقوق الإنسان ومن ضمنه سجل الدول الديمقراطية.
وضمن منظمة الأمم المتحدة صاغت لجنة حقوق الإنسان التي أُعيد تنشيطها بقيادة كندا، وهولندا، ودول اخرى معاهدات جديدة حول حقوق المرأة (1979)، والتعذيب (1984) وحقوق الطفل (1989). وتم تعيين خبراء لدراسة وإعداد تقارير حول انتهاكات حقوق الإنسان في عدد متزايد من الدول.
بحلول منتصف الثمانينات من القرن العشرين، كانت معظم الدول الغربية قد وافقت على وجوب ان تُشكِّل مسألة حقوق الإنسان اهتماماً نشطاً في السياسة الخارجية، وتَحوّل هذا الاهتمام إلى مسائل تتعلق بالمراقبة والتطبيق.
كما كانت السبعينات من القرن العشرين السنوات التي برزت خلالها المنظمات غير الحكومية (NGOs) المهتمة بحقوق الإنسان كقوة سياسية دولية ملحوظة. وقد تمّ الرمز إلى ذلك من خلال منح جائزة نوبل للسلام إلى منظمة العفو الدولية عام 1977 بسبب المساعدات التي قدمتها إلى السجناء السياسيين. بحلول العام 1980، كان هناك حوالي 200 منظمة غير حكومية تعمل في الولايات المتحدة تعالج مسائل تتعلق بحقوق الإنسان، وكان حوالي نفس هذا العدد يعمل في بريطانيا. شكل بروز منظمات غير حكومية في دول في أفريقيا، وآسيا، وأميركا اللاتينية تطوراً ذا أهمية مساوية. كانت لهذه المجموعات، بالإضافة إلى أنصار ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، أهمية في التأثير على السياسات القومية والدولية لحقوق الإنسان.
بيئة ما بعد الحرب الباردة
أصبحت الجهود الدولية لتعزيز حقوق الإنسان اقوى منذ انتهاء الحرب الباردة. وكمثال عن ذلك، كان إنشاء المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التي عززت بدرجة اكبر عملية المراقبة الدولية. أصبحت طبيعة وحدود حقوق الإنسان في معظم الدول مترسخة بعمق في برامج العمل القومية. ومع انتشار الأفكار الاقتصادية الليبرالية عبر نظام العولمة انتشرت كذلك أفكار اخرى. ازداد تأثير المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان وأنصار هذه الحقوق عبر العالم.
وبالتأكيد، لا تزال إثارة مسائل حقوق الإنسان تسبب أحياناً استياءً من جانب بعض الدول، كما يظهر ذلك في العلاقات المتوترة بين الصين وشركائها التجاريين الرئيسيين التي سادت خلال سنوات ما بعد مجزرة ساحة تيانامن للمواطنين الصينيين. لكن لا زالت معظم الدول ترفض التشديد على المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان الدولية بدرجة قوية بما يكفي لإرضاء العديد من المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان.
ولا زالت هناك أنظمة سياسية حاكمة عبر العالم مثل، كوبا، بورما، كوريا الشمالية، وأمكنة أخرى، تمارس انتهاكات منتظمة لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً. وكما أكدت ذلك بالوثائق تقارير وزارة الخارجية، ومختلف المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان، لا زالت هناك في معظم دول العالم مشاكل ذات شأن في مجال حقوق الإنسان.
مع ذلك، هناك إرادة جديدة داخل المجتمع الدولي لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان المنتظمة. من المؤسف انه في العام 1994 فشلت الأمم المتحدة في الرد على عملية الإبادة الجماعية التي حصلت في رواندا من خلال التدخل العسكري. ولكن في السلفادور لعب مراقبو حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة دوراً مهماً في التوصل إلى تسوية سياسية ونزع السلاح من المتحاربين بعد حرب أهلية دامت عقداً كاملاً. وفي الصومال، عندما سقطت البلاد في قبضة أمراء الحرب، تدخلت قوات عسكرية متعددة الجنسيات لإنقاذ الآلاف من المدنيين من الموت جوعاً. وفي كمبوديا، ساعدت عملية ضخمة لحفظ السلام قامت بها الأمم المتحدة في إبعاد القوات الفيتنامية واحتواء عصابات الخمير الحمر وتشجيع تشكيل حكومة منتخبة بحرية. في البوسنة استخدم المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة القوة العسكرية لوضع نهاية للحرب الأهلية الدموية التي تسببت في مقتل حوالي 200 ألف شخص وأجبرت مليونين آخرين على هجر منازلهم نتيجة "عملية التطهير العرقي" النظامية.
رغم أهمية حقوق الإنسان والسياسة الإنسانية، كافح المجتمع الدولي في أوائل القرن الحادي والعشرين لوقف المعارك الوحشية الدائرة بين القبائل في مقاطعة دارفور الغربية في السودان. أدت الحرب التي وصفتها الولايات المتحدة والعديد من المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان على أنها حرب إبادة جماعية، إلى مقتل عشرات الآلاف من الناس وأجبرت ما يزيد عن مليوني إنسان على هجر منازلهم والعيش في مخيمات اللاجئين.
لم تتمكن قوات بعثة الاتحاد الأفريقي من وضع حد لعمليات القتل والاغتصاب المنتشرة، وحثت الولايات المتحدة الأمم المتحدة على نشر قوة كبيرة لحفظ السلام في البلاد. وفي نفس الوقت شارك المجتمع الدولي، وبضمنه منظمات غير حكومية لحقوق الإنسان، في الاستجابة للارتفاع الحاد في النشاط الإرهابي الدولي الذي سلطت عليه الأضواء هجمات 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة وهجمات أخرى نفذتها القاعدة حول العالم، من إندونيسيا إلى أسبانيا. وقد قام نفس هؤلاء المراقبين أيضاً بانتقاد الإجراءات التي قامت بها الحكومات القومية ردا على الإرهاب.