الدفاع عن كرامة الانسان | حقوق الانسان

04 حزيران/يونيو 2009

ابتكار حقوق الإنسان: مفهوم وجداني

 
صورة للإعلان الفرنسي عن حقوق الرجل والمواطن
صورة للإعلان الفرنسي عن حقوق الرجل والمواطن

لين هانت، أستاذة كرسي يوجين وبير للتاريخ الأوروبي المعاصر في جامعة كاليفورنيا، لوس انجلوس. وهي أستاذة زائرة في كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في جامعة بكين، وجامعتي أوترخت وامستردام، وجامعة الستر، كوليرين. ترأست هانت الجمعية الأميركية للتاريخ عام 2002، وهي زميلة في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم والجمعية الفلسفية الأميركية. تشمل كتبها، التاريخ الثقافي الجديد (1989)، الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان: تاريخ وثائقي موجز (1996)، اختراع حقوق الإنسان (2007)، وقياس الوقت، صنع التاريخ (2008).

كان على الأفراد أن يطوروا فهماً وجدانياً داخلياً للشخصية الإفرادية وحتى للسلامة الجسدية للآخرين قبل أن تتمكن المجتمعات والدول والشعوب من الإعتراف بالحقوق الأساسية للآخرين والدفاع عنها. وقد ساعدت التطورات الفنية في القرن الثامن عشر في فرنسا وفي غيرها من الدول الأوروبية في إطلاق الشرارة الأولى لفهم حقوق الإنسان والالتزام السياسي بها كما نعرفها في يومنا الحاضر.

تعريف حقوق الإنسان

تحتاج حقوق الإنسان إلى ثلاث صفات مترابطة: على الحقوق أن تكون طبيعية (متأصلة في الإنسان)، ومتساوية (نفس الحقوق للجميع)، وعالمية (تطبق في كل مكان). يجب ان يتمتع جميع البشر في العالم بهذه الحقوق بصورة متساوية لمجرد وضعهم كبشر. لكن حقوق الإنسان لا يصبح لها معنى سوى عندما تكتسب محتوى سياسياً. إنها ليست حقوق البشر في حالها الطبيعية، بل إنها حقوق البشر في المجتمع. وهذه الحقوق تضمنها قوانين علمانية ودساتير (حتى ولو اننا نصف حقوق الإنسان أحياناً بأنها "مقدسة")، كما تحتاج هذه الحقوق إلى مشاركة نشطة من أولئك الذين يتمسكون بها. الحقوق لا تُمنح، بل يطالب بها.

استحوذت مفاهيم الحقوق المتساوية والعالمية والطبيعية على التعبير السياسي المباشر لها لأول مرة في وثيقة إعلان الاستقلال الأميركي عام 1776، والإعلان الفرنسي لحقوق الرجل (الإنسان) والمواطن لعام 1789. وفي الحين الذي أشار فيه ميثاق الحقوق الإنجليزي لعام 1689 إلى "الحقوق والحريات القديمة" إلا أنه لم يعلن أنها متساوية، أو عالمية، أو طبيعية. وبالمقارنة، فقد شدد إعلان الاستقلال الأميركي على أن "جميع الرجال خلقوا متساوين" وأن جميعهم يملكون "حقوقاً ثابتة" "لا يمكن التصرف بها." بصورة مماثلة، نادى إعلان حقوق الرجل والمواطن الفرنسي أن "الرجال ولدوا ويبقون أحراراً ومتساوين في الحقوق". ليس الرجال الفرنسيون ولا الرجال البيض ولا الرجال الكاثوليك، بل "الرجال" وهي الكلمة التي كانت تعني، كما تعني الآن، ليس فقط الذكور بل كافة بني الجنس البشري. وبكلمات أخرى، في وقت ما حينئذ بين العام 1689 والعام 1776، عندما كان يُنظر إلى الحقوق، في معظم الأحيان، بأنها تعود فقط إلى أناس معينين، وعلى سبيل المثال، إلى "رجال إنجليز مولودين أحراراً"، تحولت هذه الحقوق إلى حقوق الإنسان، أي الحقوق الطبيعية العالمية، أو ما أسماها  الفرنسيون "حقوق الرجل" (الإنسان).

اعتبر كل من الإعلان الأميركي والإعلان الفرنسي على أنه حدّد الحقوق بأنها متأصلة في حالة وجود الإنسان ككائن بشري. أو كما كتب توماس جفرسون، الكاتب الرئيسي لإعلان الاستقلال: "إننا نعتبر أن هذه الحقائق بديهية". وفي حين يعتمد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان النبرة القانونية أكثر، إلا أنه يتبع بأساسه نفس الاعتبار: "لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع بني الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم..." وفق هذه الصيغة، فإن عبارة "لما كان" تعني "ان كون الواقع هو كذلك" وبأن الحقوق التي تتبع بموجب ذلك هي مسلم بها، أو حسب عبارات جفرسون، "بديهية".

هذا الادعاء، الذي يكون حاسماً في حال كانت حقوق الإنسان عالمية، يفسح المجال أمام بروز مفارقة: إذا كانت المساواة في الحقوق بديهية إلى هذه الدرجة، لماذا إذاً يجب إعطاء هذا التأكيد ولماذا أعطي فقط في أوقات وأماكن محددة؟ كيف يمكن ان تكون حقوق الإنسان عالمية شاملة إذا لم يُعترف بها بشكل شامل؟ فهل يمكن أن تكون بديهية في الحين الذي ناقش العلماء لأكثر من مئتي عام ما يعنيه جفرسون بدقة في قوله؟ سوف يستمر النقاش إلى الأبد لأن جفرسون لم يشرح منطق تفكيره، ولو كان فعل ذلك لكان لا يزال هناك اعتراض بأن التأكيد الذي يحتاج إلى تبرير ليس بديهياً.

حقوق الإنسان يصعب تحديدها بدقة لأن ادعاءها المتأصل بأنها بديهية يعتمد في نهاية المطاف على انجذاب عاطفي، أي أنه لا يكون فعالاً إلاّ إذا آثار وتراً حساساً داخل كل إنسان. وهكذا، فإننا لا ندرك أن المسألة تخص حق الإنسان إلاّ عندما نشعر بهول انتهاك ذلك الحق. في العام 1755، اعتبر كاتب عصر التنوير الفرنسي دينيس ديديرو (Denis Diderot) أن الحق الطبيعي هو تعبير "مألوف إلى درجة إنه ليس هناك من أحد لن يكون مقتنعاً بداخله ان ذلك الشيء معروف لديه بوضوح. هذا الشعور الداخلي يكون مشتركاً لدى الفيلسوف ولدى الرجل الذي لم يفكر على الإطلاق". وضع ديديرو إصبعه على أهم صفة لحقوق الإنسان: "الشعور الداخلي"، الذي يتشارك فيه معظم الناس. فحقوق الإنسان ليست مجرد مبدأ تمت صياغته في وثائق. بل إنها تستند إلى الموقف تجاه الناس الآخرين وإلى مجموعة من القناعات حول ما هي طبيعة الناس.

نظرة جديدة عن الفرد

يجري هنا تعذيب إحدى المنتميات لطائفة الهيوغونت (البروتستانت الفرنسيون) بسبب معتقداتها الدينية في فرنسا قبل الثورة
يجري هنا تعذيب إحدى المنتميات لطائفة الهيوغونت (البروتستانت الفرنسيون) بسبب معتقداتها الدينية في فرنسا قبل الثورة

تعتمد أسس حقوق الإنسان على افتراضات جديدة حول الاستقلال الذاتي للفرد. قبل التمتع بحقوق الإنسان، يجب أن يعتبر الناس أولاً أن الناس هم أفراد منفصلون وقادرون على اتخاذ أحكام أخلاقية مستقلة. إن القرار بالانتماء إلى جماعة سياسية معينة تعتمد على هذه الإحكام الأخلاقية المستقلة يفرض على الأفراد أن تكون لديهم القدرة على الاندماج الوجداني مع الآخرين. لكل فرد حقوق فقط عندما يصبح ممكناً اعتبار كل فرد متساوٍ مع غيره بطريقة أساسية ما. لم تكن المساواة مفهوماً مجرداً أو شعاراً سياسياً فحسب، بل عليها أن تنبع من الداخل بطريقة ما.

في حين أننا اليوم نسلّم بهذه الأفكار حول الاستقلال الذاتي والمساواة وحقوق الإنسان، فإنها لم تبدأ باكتساب تأثير لها سوى في القرن الثامن عشر. حتى ذلك الحين، لم يكن أحد ليتخيل أن كافة "الناس" مستقلون أخلاقياً، وهي حالة تتطلب قدرة الفرد على التفكير المنطقي والاستقلالية في اتخاذ القرار بنفسه. كان من المفهوم ان الأطفال والمجانين تنقصهم القدرة والاستقلالية الذاتية رغم الاعتقاد في أنهم في أحد الأيام قد يكتسبون أو يستعيدون اكتساب قوة التفكير. وكما كان الأطفال، كان الأرقاء والخدم وغير الملاّكين والنساء تنقصهم جميعاً الاستقلالية المطلوبة: من المحتمل أن يصبح في أحد الأيام الأطفال والخدم وغير الملاّكين، وربما حتى الأرقاء، مستقلين ذاتياً. عند تقدمهم في العمر أو تركهم الخدمة أو الاستحواذ على أملاك أو شراء حريتهم. لكن بدا ان النساء لوحدهن لا يتوفر لهن أي خيار من هذه الخيارات لأنهن اعتبرن بمثابة تابعات بصورة متأصلة إما لآبائهن أو لأزواجهن. فإذا كان مناصرو حقوق الإنسان العالمية والمتساوية والطبيعية استثنوا بصورة تلقائية بعض فئات الناس، فقد كان ذلك بصورة أولية لأنهم اعتبروا ان هؤلاء كانوا اقل قدرة على ممارسة الاستقلالية الأخلاقية.
رغم ذلك، فإن قوى الاندماج الوجداني المكتشف حديثاً يستطيع أن تنجح حتى ضد التحيزات التي طال التعلق بها كثيراً. ففي العام 1791 منحت حكومة الثورة الفرنسية حقوقاً متساوية لليهود، وفي عام 1792 منحت حق الاقتراع لغير الملاكين، وفي عام 1794 ألغت الحكومة الفرنسية رسمياً نظام الاسترقاق. وهكذا، فإن الاندماج الوجداني وقبول الاستقلالية الذاتية للفرد كانا من المهارات التي يمكن للمرء تعلمها ولذلك أصبح من الممكن تحدي التقييدات على الحقوق، وقد تمّ تحديها بالفعل.

الاستقلالية الذاتية والاندماج الوجداني هما ممارستان ثقافيتان وليستا فكرتين فحسب، ولذلك فإنهما تتجسدان حرفياً تقريباً، أي أن لهما أبعاداً مادية كما عاطفية أيضاً. الاستقلالية الذاتية للفرد تتوقف على إحساس متزايد بالانفصال الشخصي وبقدسية الأجسام البشرية: جسمك هو لك وجسمي هو لي، وعلينا نحن الاثنين احترام الحدود القائمة بين جسم كل واحد منا. يعتمد الاندماج الوجداني على الاعتراف بأن الآخرين يشعرون ويفكرون كما نشعر ونفكر، وبأن الأحاسيس الداخلية متشابهة بطريقة أساسية بشكل ما. كي يكون الشخص مستقلاً ذاتياً يجب الاعتراف بأنه منفصل بصورة شرعية ومحمي في انفصاله ذلك. ولكن من اجل ان يحصل على حقوق إنسانية يجب تقدير فردية الشخص بطريقة عاطفية أكثر. تعتمد حقوق الإنسان على امتلاك الذات كما على الاعتراف بأن كافة الناس الآخرين يمتلكون ذاتهم بصورة متساوية. إنه التطور غير الكامل لهؤلاء الآخرين الذي ينشأ عنه عدم المساواة ويفتح الباب أمام إساءة استعمال حقوق الإنسان.

الاستقلالية الذاتية والاندماج الوجداني لم يتكونا من العدم في القرن الثامن عشر، بل كانت لهما جذور عميقة. فعلى مدى عدة قرون فصل الأوروبيون أنفسهم جزئياً عن تشابكات المجتمعات التقليدية ونموا أنفسهم ضمن استقلالية قانونية ونفسية. كانت إحدى النتائج نشوء احترام اكبر للسلامة الجسدية، ووضع خطوط أوضح لتعيين الحدود بين الأجساد الفردية، وشعور متنام باللياقة الجسدية. وعلى مر الزمن، بدأ الناس ينامون وحيدين أو فقط مع زوجاتهم/أزواجهم. بدأوا باستعمال الأواني لتناول الطعام وبدأوا يعتبرون السلوك الذي كان مقبولاً في السابق نافراً، مثل رمي فضلات الطعام على الأرض، أو مسح إفرازات الجسم بالملابس. كما بدأت السلطة المطلقة للآباء على أولادهم تخضع للمساءلة.

علم نفس جديد

التطور الطويل الأمد "للذاتية"، أو الفردانية، الذي تسارع في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، هو تطور انعكس على مختلف نواحي الحياة، من الفنون إلى القانون. بدأ الجمهور يشاهد الحفلات المسرحية أو يستمع إلى الموسيقى بصمت. وبرز التصوير  الشخصي ورسم المشاهد اليومية ليتحدى بذلك سيطرة اللوحات الزيتية الكبرى الأسطورية والتاريخية التي سيطرت على فن التصوير الأكاديمي. وفي الحين التي كانت فيه الرسوم الزيتية الأوروبية غالباً ما تُصور أجسام الحكام والشخصيات الدينية، بدأت أيضاً تبرز رسوم الأناس العاديين إلى الواجهة وبصورة متزايدة، في لندن وباريس. وبحلول النصف الثاني من القرن الثامن عشر أصبحت تقلل هذه الرسوم من تصوير أشخاصها كأنواع نموذجية من الناس، أو كممثلين لقصص رمزية عن الفضائل أو الثروة، وبدلاً من ذلك شددت على الفردية النفسية للناس وعلى ملامح وجوههم. أمّا التكاثر في التشابهات الشخصية بالذات فإنه شجع الرأي القائل بأن كل شخص يكوّن فرداً، أي منفرداً، منفصلاً، مميزاً، وأصلياً، ولذلك يجب رسمه على انه كذلك.

وبصورة مماثلة، قدّم الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر إلى القرّاء شكلاً جديداً من الاندماج الوجداني. فظهور أدب الرواية الرسائلية (التي تتكون من رسائل يتم تبادلها بين شخصيات الرواية) شجع قيام تواصل مشحون عاطفي مع شخصيات، و بفعله هذا، مكّن القراء من الاندماج الوجداني عبر تجاوز الطبقات الاجتماعية، والفروقات الجنسية، والحدود القومية المختلفة. وبصورة مماثلة تكاثرت الصحف وجعلت قصص الحياة الاعتيادية متوفرة لإعداد واسعة من القراء.

ساعدت هذه التطورات في غرس نفسية جديدة، وعبر تلك العملية وضعت الأسس لنظام اجتماعي وسياسي جديد، نظام كانت فيه نظريات السلامة الجسدية والذاتية المندمجة وجدانياً مرتبطتين بصورة حميمة مع تطور وقبول الحقوق الإنسانية. وفي المجالين، بدا وكأن الآراء التي كانت مقبولة في السابق ألغيت جميعها دفعة واحدة في منتصف القرن الثامن عشر.

لنعتبر، على سبيل المثال، مسألة التعذيب. فبين العام 1700 والعام 1750 أشارت معظم استعمالات كلمة "تعذيب" بالفرنسية إلى الصعوبات التي كان يواجهها الكاتب في إيجاد تعبير موفق. فالتعذيب، كما كان يفهم آنذاك، عنى إنزال عقوبة بدنية شديدة مرخصة قانونياً كوسيلة لانتزاع اعترافات بالذنب أو أسماء الشركاء في الجريمة، وتحول إلى قضية رئيسية بعد ان هاجم الفيلسوف السياسي مونتسكيو (Montesquieu) هذه الممارسة في كتابه روح القوانين (1748). وفي أحد المقاطع الأشد تأثيراً، أصر مونتسكيو على "أن عدداً كبيراً من الناس الأذكياء، وعددا كبيرا من العباقرة كتبوا ينددون بهذه الممارسة (التعذيب القضائي) بحيث لا أجرؤ على التكلم حولها من بعدهم". ثم يضيف، بشيء من الغموض المحيّر، و"كنت على وشك القول بأنه قد يكون من المناسب لحكومة استبدادية، حيث كل شيء يوحي بأن الخوف يدخل بعمق اكبر في نوابض الحكم، كنت على وشك القول بأن الأرقاء من بين الإغريق والرومان... ولكني كنت اسمع صوت الطبيعة يصرخ ضدي". هنا أيضاً البديهية، أي "صوت الطبيعة يصرخ"، تحدد الأساس للجدل. انضم فولتير(Voltaire) بعد مونتسكيو، وآخرون كثيرون وعلى وجه الخصوص الإيطالي سيزار بكاريا (Cesare Beccaria) إلى هذه الحملة وبحلول الثمانينات من القرن الثامن عشر أصبح إلغاء التعذيب والأشكال الهمجية من العقوبة الجسدية مواداً أساسية في المذهب الجديد لحقوق الإنسان.

وفي الحين الذي كان يسير فيه الاتجاه الحديث نحو توسيع لاحق لنطاق حقوق الإنسان، أي الاتجاه الذي عززه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وغير ذلك من وثائق القانون الدولي، فان إحساسنا بمن يملك الحقوق وما هي تلك الحقوق يعتمد في نهاية المطاف على اندماجنا الوجداني المطلع مع الآخرين. ثورة حقوق الإنسان، بتعريفها هذا، لا زالت مستمرة. ومن خلال فهم كيف بدأت تلك الثورة يمكننا ان نفهم بشكل أفضل وعدها العظيم، وأن نكون على مستوى مسؤوليتها.

_______________

الآراء المُعبّر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.  

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي