03 حزيران/يونيو 2009

تجلى سمو السيدة إلينور روزفلت فوق نشأتها في رغد من العيش في قيامها دون كلل بدور المدافعة عن المعوزين اقتصاديا في الولايات المتحدة. وبعد وفاة زوجها الرئيس فرانكلين روزفلت شغلت منصب رئيس لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
اضطلعت إلينور روزفلت بكثير من الأدوار خلال حياتها، ولكنها اعتبرت الفترة التي أمضتها في منصبها كرئيسة للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أهم عمل أدته.
ولدت إلينور روزفلت التي تنتمي إلى مدينة نيويورك في العام 1884 لعائلة مرموقة كانت تقدّر العمل في مجال الخدمات الاجتماعية. وقد توفي والداها قبل بلوغها سن العاشرة من عمرها، فقام أقاربها برعايتها.
وحين اكتشفت أن حياة الطبقة الاجتماعية المترفة تسبب لها الاختناق، أخذت تنفس عن نفسها بتدريس التمارين الرياضية والرقص الراقي في منزل تابع لمؤسسة إنعاش مانهاتن في مدينة نيويورك. وكانت المنازل التابعة لمؤسسات الإنعاش توفّر شكلاً جديداً من أشكال الإصلاح الاجتماعي حيث يقيم فيها القائمون على خدمة الفقراء في المناطق الحضرية ويعيشون بينهم ويعملون معهم بشكل مباشر. وقد تزوجت في العام 1905 من أحد أقاربها، النجم السياسي الصاعد فرانكلين ديلانو روزفلت. وأنجبا ستة أطفال.
وقد قامت إلينور روزفلت، التي استأنفت نشاطها في العمل التطوعي بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، بزيارات تفقدية عديدة للجرحى من الجنود وعملت في مطعم تابع للصليب الأحمر. وقد وصفت عملها هذا فيما بعد قائلة: "لعل الشعور بأنني أقوم بشيء مفيد كان أعظم مصدر لسعادتي."
وفي العام 1920، أصيب فرانكلين بالشلل، وهي إصابة مأسوية أقعدته واضطرته إلى استخدام الكرسي المتحرك، وكادت، لفترة من الوقت، أن تضع حداً لحياته السياسية. وقد احتارت إلينور بين الاستمرار في مزاولة العمل التطوعي الذي تعشقه وتهواه أو مساعدة زوجها على الاستمرار في مزاولة نشاطه السياسي. كانت تتحدث باسم رابطة نقابات المرأة العاملة وتعمل من أجلها، ومع الاتحاد القومي للمستهلكين. وكانت، خلال عملها في مكتب الشؤون التشريعية التابع لرابطة الناخبات الأميركيات، تقرأ منشورة سجل الكونغرس بانتظام. ولكنها كانت تقوم في الوقت نفسه بتمريض زوجها وإعانته. وقد استأنف فرانكلين روزفلت نشاطه السياسي، وفاز في العام 1928 بمنصب حاكم ولاية نيويورك، التي كانت وقتها أكثر الولايات الأميركية سكاناً وأهمية سياسية. وفي العام 1932، في ذروة الركود الاقتصادي الكبير، تم انتخاب فرانكلين روزفلت رئيسا للولايات المتحدة.
ومن الجدير ذكره أن دستور الولايات المتحدة لا ينص على اضطلاع السيدة الأولى بأي دور سياسي معين؛ وقد اقتصر دور الكثيرات منهن على الرسميات. أما السيدة إلينور روزفلت فسرعان ما شكلت لنفسها دورا كمستشارة سياسية موثوق بها. كانت من أشد المؤيدين لحقوق المرأة وحقوق الفقراء ومجموعات الأقليات، وأصبحت بمثابة العين التي يرى فرانكلين الأمور من خلالها والأذن التي يسمع بها، وجابت البلاد عرضاً وطولاً تتفقد أحوال الناس وترفع التقارير حول ما تتوصل إليه من نتائج، ولاسيما ما يتصل منها بالتمييز العنصري الذي كان سائدا حينذاك في الولايات الجنوبية. وكانت تضغط في كثير من الأحيان على الرئيس بشدة ليغير سياسته، وذلك بناء على الأوضاع التي تشاهدها على الأرض خلال زياراتها التفقدية. وتقول المؤرخة الرئاسية دورس كيرنز غودوين في كتاباتها عن إلينور إنها "كانت تدخل على زوجها في أي وقت لتحدثه عن أي موضوع حاملة الإحصاءات التي تتوفر لديها لدعم كلامها، وكانت تقاطع فترة راحته بعد الظهر وتوجه إليه الأسئلة، وتستجوبه أثناء تناول العشاء وتناوله المذكرات وتطلب منه قراءتها في ساعات متأخرة من الليل." وقد أثمرت الجهود التي قامت بها، إذ وقّع فرانكلين روزفلت على سلسلة من الأوامر التنفيذية التي تحظر التمييز العنصري في إدارة مشاريع الإغاثة الاقتصادية الحكومية.
وإبان الحرب العالمية الثانية، قامت إلينور روزفلت بزيارة إنكلترا وجنوب المحيط الهادئ، لرفع معنويات الجنود الأميركيين ومن أجل الإبقاء على علاقات قوية مع الحلفاء. وعقب وفاة زوجها في نيسان/أبريل 1945، غادرت البيت الأبيض ولكنها تابعت نشاطها في مجال الدفاع عن المستضعفين. وقد عينها الرئيس هاري ترومان، الذي وصف السيدة إلينور بأنها "سيدة العالم الأولى"، عضواً في الوفد الأميركي لدى الأمم المتحدة.
عملت إلينور روزفلت رئيسة للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي تعنى بتقديم المقترحات والتوصيات والتقارير المتعلقة بالبيانات الصادرة حول الحريات المدنية ومكانة المرأة وحرية الإعلام والمعلومات ومنع التمييز وحماية الأقليات. ولكن ما احتل المقام الأول في جدول أعمال اللجنة كان مسألة صياغة وثيقة دولية لحقوق الإنسان.
ولم يكن من السهل تحقيق هذا الهدف. الخلط بين النقاشات الفلسفية وبين العملية السياسية كان يشكل خطراً على المستوى الدولي، حيث كان كل شخص يرغب في احترام حيادية الوثيقة في نفس الوقت الذي كان يريد فيه الجميع التعبير عن وجهة نظرهم الخاصة بالنسبة لحقوق الإنسان. ولكن السيدة روزفلت ظلت محافظة على رباطة جأشها المعهودة. وقالت، "إننا نصنع تاريخنا بأنفسها، ومن الأمور الأكثر عقلانية أن نكون مفعمين بالأمل بدل أن نكون بلا أمل، وأن نحاول بدلا من عدم المحاولة، ولا يمكن أن يتحقق شيء على يد من يقول إنه لا يمكن تحقيق ذلك."
بدأ سيل الرسائل يتدفق على أعضاء لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من الناس في مختلف أنحاء العالم ، ولاسيما على السيدة روزفلت، يشرحون فيها ما يجري من انتهاكات لحقوق الإنسان ويطلبون المساعدة. وقد جعل هذا الأمر مسؤولية اللجنة أكثر إلحاحا. فحافظت السيدة روزفلت على جدول عمل حافل اضطر أعضاء اللجنة للعمل في بعض الأحيان حتى ساعات متأخرة من الليل. وقد أدرك الأعضاء أنها مثابرة في عملها وأنها تتوقع من الآخرين فعل الشيء ذاته.
وفي كانون الأول/ديسمبر من العام 1947، وضعت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان اللمسات الأخيرة على مسودة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولكن إقرار مسودة الإعلان في اللجنة الثالثة التابعة للأمم المتحدة (لجنة الشؤون الاجتماعية والإنسانية والثقافية) كان أمرا شاقا. وقد كتبت روزفلت في مذكراتها حول هذا الموضوع تقول، "لقد عملنا لمدة شهرين، وأحيانا واصلنا العمل حتى ساعة متأخرة من الليل، وقمنا بمناقشة كل كلمة في مسودة الإعلان مرارا وتكرارا قبل موافقة اللجنة الثالثة على إحالتها إلى الجمعية العامة."
وفي كانون الأول/ديسمبر 1948، أي قبل أسبوع فقط على اختتام دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة السنوية، كانت الوفود لا تزال تناقش المسودة بشكل مستفيض وتجري التعديلات عليها. وأخيرا، أي يوم 9 كانون الأول/ديسمبر، ألقت إلينور روزفلت خطاباً في الجمعية العامة للأمم المتحدة قالت فيه "إننا نقف اليوم على عتبة حدث عظيم في حياة الأمم المتحدة وفي حياة البشرية جمعاء." وقبل حلول منتصف الليل بأربع دقائق فقط يوم 10 كانون الأول/ديسمبر، طلب رئيس الجمعية العامة، الأسترالي هيرب إيفات، من الجمعية العامة التصويت على مشروع الإعلان. وقد صوتت ثمان وأربعون دولة لصالح الإعلان، وامتنعت ثمانية بلدان عن التصويت (وغابت دولتان عن الاجتماع ولم تصوتا كما لم تمتنعا عن التصويت). وهكذا تمت الموافقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد هب المشاركون في الجمعية العامة واقفين يصفقون بحرارة لإلينور روزفلت معربين عن تقديرهم لها.
توقفت إلينور روزفلت عن العمل في الأمم المتحدة في العام 1951، ولكنها واصلت الكتابة وإلقاء المحاضرات وظلت نشطة في سياسة الحزب الديمقراطي حتى وفاتها في العام 1962.