17 أيار/مايو 2008
قضية أخلاقية وتحدٍّ إنمائي
بقلم خوان سومافيا
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً دراماتيكياً في المواقف إزاء تشغيل الأطفال، فقد حلّ محل النفي واللامبالاة الاعتراف بالمشكلة واستنكارها والاستعداد لمعالجتها بصورة فعّالة. سوف يتطلب تخليص العالم من تشغيل الأطفال التزاماً كبيراً بالموارد من جانب المجتمع الدولي. إلاّ أن الفوائد الاقتصادية للقضاء على تشغيل الأطفال، على المستوى العالمي، سوف تزيد خلال عقدين عن التكاليف بنسبة حوالي سبعة أضعاف. إن القضاء على تشغيل الأطفال يُشكّل استثماراً مالياً حكيماً دون جدل.
خوان سومافيا هو المدير العام لمنظمة العمل الدولية.
تشغيل الأطفال مشكلة منتشرة في أنحاء عالم اليوم، لكنها لا تدعو إلى اليأس.
من الواضح أنه عندما يُقرّر الأفراد الالتزام، وعندما تُعبئ المجتمعات قواها، وعندما تتضافر جهود المجتمعات، وتقرر أن تشغيل الأطفال لم يعد مقبولاً، يمكن عندئذ تحقيق تقدم كبير نحو هدف ضمان عدم حرمان الأطفال من طفولتهم ومن المستقبل الأفضل لهم. إلاّ أن هذه المهمة تبقى شاقة.
فبناء الإجماع، وإجراء تغيير حقيقي، لا يزالان يشكلان تحدياً هائلاً دولياً، وقومياً، وحتى داخل العائلات والمجتمعات حيث يجري تشغيل الأطفال. الهدف البديهي يكمن في توفير فرصة التعليم السليم للأولاد وإعطاء الأهل فرصة واقعية لتأمين وظيفة لائقة. فهذه مسألة اقتصادية بالنسبة للبلدان وللعائلات، لكنها أيضاً قضية أخلاقية. فالمعركة ضد تشغيل الأطفال تبقى، في نهاية المطاف، معركة لتوسيع حدود الكرامة والحرية الإنسانية.
من أصل كل ستة أطفال في العالم، أي ما يقدر بـ 246 مليون طفل، هناك طفل يعمل. فكرّوا بذلك. فعدد الأطفال العمال يعادل تقريباً كامل سكان الولايات المتحدة !
لا يقوم هؤلاء الأطفال بوظائف آنية أو جزئية أو بأعمال خفيفة. فعملهم يُشكّل مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم ولعائلاتهم. إنهم فتيان وفتيات يعملون في وظائف تؤذي نموهم العقلي، والجسدي، والعاطفي.
ثلاثة أرباع هؤلاء الأطفال يُستغلون في ما تُسميه منظمة العمل الدولية أسوأ أشكال تشغيل الأطفال؛ إنهم يعملون في معامل خانقة، ومزارع غير مأمونة، ومناجم أشبه بأفخاخ الموت، وفي مواقع خطرة أخرى. وقد تم بيع بعضهم والاتجار بهم في ظروف شبيهة بظروف الرّق، وأُجبر آخرون على العيش في كابوس الدعارة أو أرسلوا إلى جبهات الحرب الدامية.
وقفت منظمة العمل الدولية، منذ تأسيسها، ضد بلاء تشغيل الأطفال عبر العمل والتعاون مع العديد من الأفراد والمؤسسات الملتزمين، فلحظنا تبدّلاً هائلاً في المواقف إزاء تشغيل الأطفال. فقد حلّ محل النفي واللامبالاة الاعتراف بالمشكلة واستنكارها والاستعداد للعمل في معالجتها. ترافقت مع تنامي الحركة الشعبية المناهضة لممارسات التشغيل التعسفية بشكل عام، تفهم جديد للطرق التي يمكن من خلالها معالجة مشكلة تشغيل الأطفال بصورة فعالة ومستدامة.
جاءت مقاربة الهيئات التي تتكون منها منظمة العمل الدولية، أي الحكومات، وأرباب العمل والعمال، عن طريق العمل معاً على أساس الشراكة والثقة على مستوى المجتمعات الأهلية والإنتاجية لبناء الالتزام داخل البلدان بالقيام بعمل مستدام للقضاء على تشغيل الأطفال.
سنة 1999، وافقنا على اعتماد وسيلة أساسية في هذا الكفاح، أي الميثاق رقم 182، الذي يُلزم البلدان اتخاذ الإجراءات الفورية لحظر أسوأ أشكال تشغيل الأطفال والقضاء عليها. خلال السنوات الست الماضية، صادق 153 بلداً على الميثاق فتحول إلى التزام قومي، وهذا الميثاق حصل الآن على أسرع وأوسع مصادقة في تاريخ منظمة العمل الدولية.
جوئيل غرايمس، وزارة العمل الأميركية
خلال الفترة نفسها، تحققت زيادة ذات شأن في المصادقة على الميثاق رقم 138، وهو الميثاق الذي يحدد السن الدنيا للعمل، والذي تمّ تبنّيه سنة 1973. يُنص هذا الميثاق على أن السن الدنيا للعمل لا يمكن أن تقل عن سن الدراسة الإلزامية، وتضع مجموعة من الحد الأدنى للأعمار التي تتوقف على نوع الوظيفة أو العمل. غير أن المصادقة على الميثاق ليست إلا البداية.
يسعى عدد متنامٍ من البلدان للحصول على مساعدة منظمة العمل الدولية لاتخاذ إجراءات فعالة ضد تشغيل الأطفال. فالبرنامج الدولي للقضاء على تشغيل الأطفال التابع لمنظمة العمل الدولية، والذي تأسس سنة 1992 بمشاركة ستة بلدان وتمويل كبير من ألمانيا، توسّع الآن وبات يشمل عمليات في 80 بلداً بتمويل من 30 مانحاً بينهم منظمات، وأرباب عمل، وعمال.
الدعم السخّي والتعهّد الذي التزم به كونغرس الولايات المتحدة والفرع التنفيذي ساعد منظمة العمل الدولية بصورة دراماتيكية في توسيع جهودها للقضاء على تشغيل الأطفال.
أعطينا الأولوية لأسوأ أشكال تشغيل الأطفال بهدف استئصال جميع أشكاله في نهاية المطاف. يجري تقديم المساعدات لتطوير وتطبيق الإجراءات الهادفة إلى الوقاية، وإلى سحب الأطفال من الأشغال الخطرة، وإلى إعدادهم للدراسة، وتأمين مصادر دخل بديل للأهالي. يشمل عملنا الجهود الرامية إلى محاربة الاتجار بالأطفال في أفريقيا الغربية، وإلى إعادة تأهيل أطفال الشوارع في أوروبا الشرقية، ونقل الأطفال من المناجم ومقالع الحجارة في أميركا اللاتينية، وتأمين مستقبل أفضل للأطفال الذين كانوا يحوكون السجاد أو يقطبون كراة القدم في جنوب آسيا.
تنامي الشعور بضرورة القيام بعمل ما
يشترك الناس، حول العالم، في مجموعة متنامية تشعر بضرورة القيام بعمل ما. فقد ظهرت حركة صادقة في أنحاء العالم ضد تشغيل الأطفال، كما أن الأطفال العمال أنفسهم بدأوا يُسمعون أصواتهم، مثلاً، عبر تحركات شعبية مثل "المسيرة العالمية ضد تشغيل الأطفال". والطلاب الفتيان بدأوا يحشدون قواهم تضامناً مع هذه التحركات.
تظهر في الوقت الحاضر تحالفات جديدة بين منظمات أرباب العمل والعمال، والوكالات الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني. قامت هذه التحالفات بأعمال في قطاعات مُعيّنة في العديد من الصناعات المتعددة الجنسيات، مثل زراعة التبغ والكاكاو، وصناعة السلع الرياضية، حيث أدت قوى وأفضليات الشراكات الثلاثية لمنظمة العمل الدولية مع المجتمع المدني إلى تقوية وتعزيز الجهود العالمية لمكافحة تشغيل الأطفال.
علاوة على ذلك، هناك 19 بلداً مشتركين الآن في برامج للقضاء على تشغيل الأطفال ضمن فترة زمنية مُعيّنة. وهذه أسس صالحة للبناء عليها، لكن ثمة حاجة إلى عمل المزيد على جميع المستويات.
علينا أن نماثل القرارات القومية والدولية بمزيد من التعاون في حقل التنمية الذي يستهدف الحدّ من تشغيل الأطفال. علينا أن ندعم المناقشات الدولية والقومية وجهود التوعية؛ وتحديد وتعيين الأماكن الخطرة لتشغيل الأطفال في مختلف القطاعات والأوضاع؛ ووضع أنظمة فعالة للتفتيش والرصد، تكون مستقلة وجديرة بالثقة.
لا يمكن حلّ مشكلة تشغيل الأطفال بصورة منعزلة، كما أن إطلاق المشاريع وحدها لا تكفي. فحيث الفقر يُمزق العائلات، يجب أن تعمل السياسات الاقتصادية والاجتماعية يداً بيد للمساعدة في حماية كرامة الحياة العائلية.
مثلاً، يُشكّل تأمين التعليم النوعي المجاني والإلزامي لغاية "السن الدنيا"، الذي يختلف طِبقاً للبلد ولطبيعة العمل، للدخول إلى عالم الوظيفة عنصراً أساسياً للحؤول دون تشغيل الأطفال. لكن القيود على الموازنات المالية في كل مكان لا تسمح للعديد من البلدان بالقيام بذلك.
على المجتمع الدولي مساندة جهود البلدان الراغبة في اتخاذ خطوات شاملة عبر برامج للتعاون الإنمائي، وعبر تأمين الوصول إلى الأسواق، ومن خلال الإرشاد السياسي الذي يتلقونه من المنظمات الدولية.
من الواضح أن تحرير العالم من تشغيل الأطفال سوف يحتاج إلى التزامات ذات شأن من الموارد. تقدر دراسة أعدتها منظمة العمل الدولية مؤخراً أن القضاء على تشغيل الأطفال، في غضون عقدين من الزمن، سوف ينتج ما يُقدّر بـ 5.1 ألف بليون دولار من الفوائد بالنسبة للاقتصادات النامية والانتقالية حيث يتواجد معظم الأطفال العمال وعالمياً، قد تزيد هذه الفوائد عن تكاليف منع تشغيل الأطفال، بنسبة حوالي سبعة أضعاف. أن كل سنة إضافية من التعليم التي تنشأ عن طريق التعليم الإلزامي لغاية سن الرابعة عشرة، تؤدي إلى زيادة المداخيل مستقبلاً بنسبة 11 بالمئة سنوياً لكل طالب يبقى في المدرسة.
القضاء على تشغيل الأطفال استثمار مالي حكيم دون جدل.
القضاء على تشغيل الأطفال جزء لا يتجزأ من برنامج عمل منظمة العمل الدولية
استئصال تشغيل الأطفال جزء لا يتجزأ من برنامج عمل منظمة العمل الدولية الخاصة بعالم العمل المسماة "برنامج العمل اللائق" التي تسعى إلى تشجيع الفرص أمام جميع النساء والرجال للحصول على عمل لائق ومُنتج، في ظروف من الحرية والعدالة والسلامة والكرامة الإنسانية. إطار عمل التنمية هذا مُركّز على تحفيز الاستثمارات التي تخلق فرص العمل المنتج؛ مع معايير وحقوق في العمل، وضمان اجتماعي، ووقاية صحية وشبكات حماية، وصوت وتمثيل للشعب العامل. الإلغاء الفعال لتشغيل الأطفال هو أحد المبادئ التي هي في صميم برنامجنا. أننا نشجع العمل اللائق لأنه عندما يتجاهل المرء نوعية العمل بالنسبة للأهالي، يفتح الباب أمام تشغيل الأطفال.
بإمكان كل بلد، ضمن ظروفه الخاصة، أن يُحدّد خطاً معقولاً لا يجوز أن تسقط أي عائلة تحته. العمل اللائق ليس بمعيار عالمي ولا بأجر أدنى. تشكل المعاهدات التي يصادق عليها طوعاً كل بلد، أرضية اجتماعية سليمة للحياة العاملة.
يمكننا أن نرى ما يدفع إلى التفاؤل في التقدم الكبير الحاصل في المعرفة والتجارب، وكذلك في ظهور حركة عالمية مدهشة لمناهضة تشغيل الأطفال.
يبقى التحدي العالمي غير مشجع، لكنني أعتقد أننا إذا عملنا معاً، نستطيع بلوغ أهدافنا المشتركة: العمل اللائق للأهالي، التعليم النوعي للأطفال والفرص الحقيقية للشباب.
استئصال تشغيل الأطفال هو حقاً قضية أخلاقية وتحدياً مجتمعياً. إذا استجمعنا قوانا من أجل ذلك، نستطيع أن نعطي الأمل للأطفال في أنحاء العالم وتأكيد حق كل طفل بأن يستمتع بالطفولة.
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر الحكومة الأميركية أو سياستها.