الدفاع عن كرامة الانسان | حقوق الانسان

27 شباط/فبراير 2008

إنهاء الفصل العنصري في المؤسسة العسكرية الأميركية مهّد الطريق أمام حركة الحقوق المدنية

سجل الأميركيين السود في الخدمة العسكرية مرتبط بكفاحهم من أجل المساواة

 

بداية النص

واشنطن، 27 شباط/فبراير، 2008- الأميركيون من أصول إفريقية ليسوا حديثي العهد في القوات المسلحة الأميركية، إذ بدأت مسيرتهم فيها منذ عهد أول رئيس أميركي، جورج واشنطن. لكن الولايات المتحدة لم تبدأ بالإلتزام بمثلها الديمقراطية التي كافح مواطنوها بكدّ من أجل الدفاع عنها حتى تاريخ 26 تموز/يوليو، 1948.

والعام 2008 هو الذكرى السنوية الستون للأمر التنفيذي رقم 9981 الذي أصدره الرئيس الأميركي هاري ترومان بتاريخ 26 تموز/يوليو، 1948، والذي أعلن فيه ما يلي: "ستطبق المساواة في المعاملة والفرص بحق جميع أفراد القوات الملسحة [الأميركية] دون أي اعتبار للعرق أو اللّون أو الديانة أو الأصول القومية."

وكان يقدّر أن عددا وصل الى 5,000 أميركي من أصل افريقي، كانوا عبيدا تم تحريرهم وجاؤوا من ولايات شمالية، ومن الجنوب الذي كان الإسترقاق ما زال معمولا به، خدموا مع إخوتهم البيض في الجيش القاري خلال الثورة الأميركية. وحينما دارت رحى الحرب الأهلية المدمرة في الفترة من 1861 الى 1865، كان حوالى 100 الف جندي أسود منخرطين في قوات الإتحاد.

ورغم أن الحرب الأهلية وضعت حدا للإسترقاق في الولايات المتحدة، فقد فشلت الولايات المتحدة كبلد في معالجة التحاملات الدفينة المستندة إلى العرق والطبقة الاجتماعية في أميركا، ما سمح باستمرار التفرقة والفصل العنصريين في وصم الحلم الأميركي.

ورغم ذلك، فإن قياديين أميركيين سودا مرموقين في القرن التاسع عشر، بمن فيهم رواد حقوق مدنية مثل فريدريك دوغلاس و دبليو. إي. بي. دوبوي، شجعوا الرجال السود على الخدمة في القوات المسلحة الأميركية، اعتقاداً منهم بأنه حينما يثبت هؤلاء ولاءهم وبسالتهم فإنهم قد يرتقون في نهاية الأمر بموقعهم في المجتمع الأميركي الذي كان واقعا تحت وطأة قوانين الفصل العنصري والتهديد الماثل أبدا بالعنف ضد الأميركيين من أصول افريقية في الجنوب.

وجاء في مؤلف لدوغلاس ما يلي: "فليتمنطق الرجل الأسود بالأحرف النحاسية "يو إس" U.S. وليضع نسرا على زره، وبندقية على كتفه، ورصاصا في جيبه وعندها لن توجد قوة على وجه الأرض يمكنها أن تنفي انه سيكون كسب حقه بالمواطنة."

* من جنود بافالو الى طياري تاسكيغي

ورغم أن الجنود السود كانوا معزولين في وحدات خدمة منفصلة يقودها أفراد بيض، تطوّع هؤلاء، مرة تلو الأخرى، للقتال ومهمات العمل الطبي الميداني. وخدموا بامتياز خلال الحرب الأهلية في كتيبة مساشوستس للمشاة المتطوعين التي خلد ذكرها الفيلم السينمائي "غلوري" في العام 1989. وكذلك في وحدات فرسان سود عرفت بـ"جنود بافالو" الذين قاتلوا في الحرب الإسبانية الأميركية والحروب الهندية في التاريخ الأميركي ومنحوا أوسمة صليب الحرب الفرنسي لبطولاتهم خلال الحرب العالمية الأولى.

ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية، وجدت الولايات المتحدة نفسها خصما للأنظمة الفاشية وعقائدها العنصرية. لكن كان عليها أن تفكر مليا، وفي خلدها حقيقة أن العديد من مواطنيها السود الذين كان يبلغ عددهم آنذاك 12.6 مليوناً، كانوا محرومين من الحقوق المدنية الأساسية والفرص المتاحة امام البشر.

وكان من المفارقات المريرة أن الحريات الأربع التي دعا إليها الرئيس فرانكلين روزفلت (حرية الكلام، حرية العبادة، التحرر من الحاجة، والتحرر من الخوف) والتي وضعها الرئيس الأميركي آنذاك كأهداف حرب أميركية، لم تكن متاحة في الغالب أمام الأميركيين السود، هذه الحريات لم تحل دون انخراط 2.5 مليون رجل أسود في الخدمة العسكرية الإجبارية. ولاحقا خدم أكثر من مليون رجل أسود في جميع فروع المؤسسة العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية. إضافة إلى ذلك، تطوعت آلاف الأميركيات السوداوات كممرضات في ساحة القتال.

وفي الوقت ذاته، ناشدت منظمات مثل الإتحاد القومي لتقدم الملونين والرابطة الحضرية وغيرهما البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية،  فنجحت هذه  في دمج تدريب الضباط وتوسيع الفرص أمام وحدات كان يقتصر أفرادها على السود.

ومن بين أشهر وحدات الجنود السود في الحرب العالمية الثانية وحدة طياري تسكيغي وهي مجموعة من الطيارين الأميركيين السود الذين امتازوا في حملات الحلفاء في شمال افريقيا ومنطقة البحر المتوسط شكل افرادها مجموعة طائرات الحراسة الوحيدة التي لم تفقد مقاتلة واحدة للعدو خلال الحرب.

كما شكّل سائقو الشاحنات ومهندسو الميكانيك السود الأساس لما عرف بـ"الكرة الحمراء السريعة" وهو الاسم الذي أطلق على مجهود كبير للمحافظة على إمدادات قوات الحلفاء أثناء توغلها في أوروبا لإنهاء الحرب.

* وحينما أقول "جميع الأميركيين"

ونحو نهاية الحرب العالمية الثانية في فترة 1944-1945 بدأت المؤسسة العسكرية الأميركية باختيار وحدات عسكرية مندمجة وذلك لسد النقص في الأفراد خلال إحدى المعارك الشهيرة على الحدود الألمانية-البلجيكية وفي غيرها من مواقع. ونتيجة لتلك التجارب أبلغت نسبة أكثر من 80 في المئة من الضباط البيض أن جنودا سودا قد أبلوا بلاء جيدا في القتال وان نسبة 69 في المئة من الضباط البيض لم تجد سببا لأن لا يُنظر إلى أداء جندي المشاة الأميركي الأسود على أنه مساو لأداء قرينه الأبيض في حال توفر نفس التدريب والخبرة له.

غير أنه وفي الوطن ظلت المواقف القديمة على حالها. وحينما وقع قدامى المحاربين السود  ضحايا العنف في ولايتي ساوث كارولينا وجورجيا، اتخذ الرئيس ترومان تدبيرا جريئا فرفع سلة من الإصلاحات المختلفة في مجال الحقوق المدنية الى الكونغرس واستخدم صلاحيته الدستورية كقائد أعلى للقوات المسلحة من أجل إلغاء الفصل العنصري في القوات المسلحة.

وقال ترومان في خطاب أمام الإتحاد القومي لتقدم الملونين في العام 1947: "إني على قناعة راسخة اننا بلغنا منعطفا في التاريخ المديد لجهودنا بضمان الحرية والمساواة لكل مواطنينا.  وحينما أقول كل الأميركيين.. أعني ما أقوله، كل الأميركيين."

ومع نهاية الحرب الكورية في العام 1953 أصبحت المؤسسة العسكرية مندمجة عرقيا بالتمام تقريبا بما في ذلك الحافلات والمدارس في القواعد العسكرية.

وبعد 60 عاما يبدو من الواضح أن قرار ترومان لم يحدث نقلة في القوات المسلحة فحسب، بل في المجتمع الأميركي الأوسع أيضا، ذلك أن قراره سدّد ضربة قوية ضد الفصل العنصري ومهد الطريق أمام حركة الحقوق المدنية في الخمسينات والستينات.

نهاية النص

احفظ ضمن مفضلاتك عبر:     المفضل؟ كيف أختار مقالي