30 ايلول/سبتمبر 2009

من ميرل كلرهالس، المحرر في موقع أميركا دوت غوف
بداية النص
واشنطن،— نجح باحثون طبيون في تايلندة في تطوير لقاح جديد مضاد لفيروس HIV المسبب لمرض نقص المناعة المكتسب- الذي يعرف اختصارا بمرض الإيدز- وذلك بنفس الطريقة التي يُعالج بها – أي عن طريق استخدام لقاح مكون من لقاحين سابقين لوقف انتشار المرض.
فقد أعلن مسؤولون عن الصحة العامة يوم 24 أيلول/سبتمبر الماضي في بانغوك أنهم أفلحوا في استخدام لقاح مركّب من لقاحين سابقين ضد الفيروس، لم يكتب لأي منهما النجاح وحده، في دراسة دامت ست سنوات لوقاية الناس من الفيروس الذي يسبب مرض الإيدز. واللقاحات التي استُخدمت في هذه الدراسة لا يمكن أن تسبب العدوى بالفيروس لأنها لا تتكون من – ولا تحتوي على – الفيروس كاملا، لا حيا ولا ميتا.
وقد خفض اللقاح المركّب الجديد من خطر الإصابة لدى 16402 تايلندي تطوعوا لهذا الاختبار بنسبة 31.2 في المئة، حسبما أفاد وزير الصحة التايلندي وتايا كاباراداي الذي قال: "نتيجة الدراسة تمثل خطوة هامة في تطوير لقاح ضد الإيدز وهي المرة الأولى في العالم التي تمكننا من إيجاد لقاح يمكن أن يمنع العدوى بالفيروس المسبب للمرض."
وأشار الباحثون إلى أن النتائج ليست كافية للمضي قدما على الفور لإنتاج اللقاح المركّب على نطاق كبير باللجوء إلى النهج الذي طور في تايلندة والذي أُطلق عليه اسم "الدَفعة الأولية". وعادة يتعين أن تفوق النتائج العلاجية للقاح المستعمل نسبة 50 في المئة قبل أن يمكن تعميمه للاستخدامات العامة، كما يشير باحثون طبيون. فيما ذكر مسؤولون في شركتي المستحضرات الطبية اللتين صنعتا اللقاحين أن الإختبارات والأبحاث الإضافية ستستغرق عدة سنوات قبل أن يمكن تعميم اللقاح المركّب.
الدراسة بدأت في العام 2003 :
قامت بهذه الدراسة التي دشنت في تشرين الأول/أكتوبر 2003 وزارة الصحة العامة في تايلندة بتمويل من معهد والتر ريد العسكري للأبحاث التابع للجيش الأميركي، والمعهد القومي الأميركي لأمراض الحساسية والأمراض المعدية وهو جزء من معاهد الصحة القومية ومقرها واشنطن. وكان الباحث الرئيسي الدكتور سوباشاي ريركس نجارم من دائرة السيطرة على الأمراض في وزارة الصحة العامة في تايلندة.
وقد اختيرت تايلندة كمكان لإجراء الدراسة التي بلغت نفقاتها 105 ملايين دولار لأن الباحثين الطبيين للجيش الأميركي كانوا قد أجروا أبحاثا تمهيدية حينما ظهرت بوادر وباء الفيروس (إتش آي في) وداء الإيدز لأول مرة هناك في تسعينيات القرن الماضي، فحددوا وعزلوا سلالات الفيروس وزودوا الشركات المُصنعة للقاح ببيانات جينية خاصة بالفيروس. وتمت هذه الدراسة بكامل دعم حكومة تايلندة لأن البلاد كانت تشهد مشكلة وليدة بتفشي مرض الإيدز وقتئذ.
وباشرت منظمة الصحة العالمية وبرنامج مكافحة فيروس إتش آي في ومرض نقص المناعة المكتسب/الإيدز المشترك للأمم المتحدة بعمل مساند لذلك الإختبار قبل 18 عاما أي في 1991 حينما رفعت توصية بأن تكون تايلندة إحدى البلدان التي تبنتها منظمة الصحة العالمية للتحضير للتجارب على لقاحات الفيروس.
كما أن دراسة رعتها اللجنة الاستشارية حول فيروس (إتش آي في) في 2006 بينت أن "التجارب أجريت بما يتفق مع أعلى المستويات والمعايير العلمية والأخلاقية وبالمشاركة الفعلية للمجتمع."
وأجريت الدراسة، وهي الأكبر في تاريخ أبحاث اللقاحات ضد الفيروس، في مقاطعتي رايونغ وشونبوري وعلى 16402 من الرجال والنساء، تراوحت أعمارهم ما بين 18 و30 عاما وممن كانوا يواجهون أخطارا متفاوتة من العدوى بالفيروس، كما أفاد المعهد القومي الأميركي لأمراض الحساسية والأمراض المعدية. وقد وقع الإختيار على هاتين المقاطعتين لأن أعداد السكان فيهما تتسم بالاستقرار.
وقال مدير المعهد المذكور الدكتور أنتوني فاوتشي، حول ذلك: "إننا شاكرون للعاملين في هذه التجارب بتايلندة والولايات المتحدة على جهودهم على مدى سنوات لإجراء هذه الدراسة بنجاح وكذلك للمشاركين الذين تطوعوا لهذه الدراسة في تايلندة، ولأفراد الشعب هناك على دعمهم الطويل العهد لأبحاث اللقاحات المضادة لفيروس إتش آي في ." واضاف أن تلك النتائج العلمية "تمثل خطوة هامة إلى الأمام في مجال الأبحاث حول اللقاحات المضادة للفيروس."
وقد أُعطي المتطوعون من الرجال والنساء إما جرعات من العقاقير واللقاحات الوهمية، أو اللقاح المركب الجديد الذي أُطلق عليه اسم "الدَفعة الأولية"، والذي كان مكونا من لقاحين: لقاح ALVAC الذي صنعته الشركة الفرنسية "سانوفي باستور" وهي شركة لصنع اللقاحات متفرعة من شركة الأدوية الأم "سانوفي أفنتيس"؛ واللقاح الثاني المستخدم في تركيبه هو المسى "إيدزفاكس" AIDSVAX الذي أنتجته في البداية شركة فاكس جين، والذي أصبح ملكا لمنظمة غير ربحية أنشأها موظفو فاكس جين وتعرف باسم منظمة بالحلول العالمية للأمراض المعدية أو Global Solutions for Infectious Diseas، وتلقى نصف المتطوعين التايلنديين أربع جرعات "ممهدة" من "ألفاك" وجرعتين مقويتين من "إيدزفاكس" على مدى فترة 6 أشهر. أما النصف الآخر فقد تلقوا جرعات وهمية. وكان يجري فحص جميع المتطوعين مرة كل ستة أشهر لفترة 3 سنوات بعد الانتهاء من إعطائهم اللقاح.
وقال المعهد القومي الأميركي لأمراض الحساسية والأمراض المعدية إن اللقاحات كانت تعتمد على سلالات Bو E من فيروس إتش آي في، وهي السلالات المنتشرة في تايلندة. لكن الباحثين أعربوا على الفور عن إدراكهم أنهم لا يعرفون لماذا نجح اللقاح المستحدث في منع عدوى الفيروس، كما ذكروا أنه من غير المرجح أن تنجح هذه اللقاحات في الولايات المتحدة حيث سلالة B فقط هي الأكثر شيوعا، أو في أفريقيا، وبقية العالم.
يذكر أن التجارب السابقة على اللقاحات المضادة للفيروس لم تثبت فعالية ألفاك ولا إيدزفاكس في منع العدوى بالفيروس لدى استعمالهما بمعزل عن لقاحات أخرى. لكن الباحثين ذكروا أنه من المرجح نجاح اللقاحين عند استخدام أسلوب "الدَفعة الأولية". فاللقاح الأول، ألفاك، يقوي جهاز المناعة في الجسم كي يهاجم فيروس إتش آي في، فيما يعمل اللقاح الثاني، إيدزفاكس، على تقوية الرد المناعي للجسم.
وقد أحيط المتطوعون علما بالأخطار المحتملة المقترنة بتناول لقاحات تجريبية وذلك قبل موافقتهم على الاشتراك. وأعطي الجميع أدوات عازلة لاستخدامها عند ممارسة الجنس، وقدمت لهم إرشادات وعلاجات لأي مرض تنتقل عدواه بواسطة الجنس. وفي كل زيارة للمستوصف جرى إرشاد كل متطوع حول كيفية تفادي الإصابة بعدوى فيروس إتش آي في. كما أن أي متطوع أصيب بتلك العدوى قدم له علاج مضاد للفيروس الارتجاعي مجانا وفقا لإرشادات وزارة الصحة العامة التايلندية.
وجاء في قول فاوتشي: "للمرة الأولى بين لقاح تجريبي مضاد للفيروس قدرة معينة على منع العدوى بالفيروس لدى أشخاص تم تطعيمهم. وثمة حاجة لمزيد من الأبحاث للفهم بصورة أفضل كيف يمكن لنظام اللقاح أن يخفض من خطر العدوى بالفيروس، لكن، يقينا، ما تبين هو تقدم مشجع في مجال اللقاحات ضد الفيروس."
ويعمل المعهد القومي الأميركي لأمراض الحساسية والأمراض المعدية والأطراف المشاركة له مع خبراء علميين لتحديد الخطوات التالية ومن ضمنها أبحاث إضافية على نظام اللقاح والحاجة لدراسة أثر هذه االنتائج على لقاحات مرشحة أخرى مضادة للفيروس,
الحاجة لمزيد من الدراسات:
ويعقد مؤتمر في نيويورك في الفترة بين 28 أيلول/سبتمبر و2 تشرين الأول/أكتوبر دعي إليه عشرات الباحثين وصانعي اللقاحات ومتبرعين كبار للأبحاث وجماعات معنية بمرض الإيدز وفيروس إتش آي في لتحديد الوجهة التالية. وسيكون من بين الحضور باحثون من تايلندة والجيش الأميركي، والمعهد القومي الأميركي لأمراض الحساسية والأمراض المعدية، وباحثون يعملون بصفة مستقلة.
وقال الكولونيل في الجيش الأميركي جيروم كيم وهو خبير في الأمراض المعدية ومدير إنتاج اللقاحات المضادة للفيروس في دائرة الفيروس الارتجاعي التابع لمعهد وولتر ريد إن الباحثين سيسعون الآن لفهم لماذا نجح اللقاح في علاج بعض الناس وكيف يعمل اللقاح الجديد على وقف العدوى.
وأضاف كيم: "ثمة حاجة لمزيد من الدراسات لفهم على نحو أفضل كيف يقلص نظام اللقاح من خطر العدوى بالفيروس."
وذكرت مارغريت جونستون مديرة برنامج أبحاث اللقاحات في المعهد القومي الأميركي لأمراض الحساسية والأمراض المعدية أن الدراسة التايلندية "تبين لماذا يتعين أن يتخذ حقل اللقاحات المضادة للفيروس مسارا أكثر توازنا لإجراء أبحاث أساسية ضرورية للكشف عن—وتركيب—لقاحات جديدة، وعند اللزوم، اختبار المرشح منها على الناس. فالمجالان يوفران بيانات حاسمة ستظل تساعدنا في أن نفهم بصورة أفضل ما سيكون ضروريا لتطوير لقاحات توفر حماية كاملة ضد الفيروس."
ومن جهته أعلن اللوتنانت جنرال إريك شوماكر كبير الجراحين في الجيش الأميركي والقائد في القيادة الطبية للجيش الأميركي أن نتائج الدراسة التايلندية تُعتبر هامة ولكنها متواضعة. وقال: "يسعدني، وأعتز، بأن أعلن عن نتائج التجارب التي بينت لأول مرة أن من الممكن للقاح أن يخفض من خطر العدوى بالفيروس لدى البشر. ورغم أن مستوى الحماية متواضع، ونسبة فعاليته هي 31 في المئة، فإن الدراسة تمثل إنجازا علميا كبيرا." وأضاف: "إن الطب العسكري مهتم بالأبحاث التي تعمل على تحسين الصحة العالمية وتجعل العالم أكثر أمانا للجميع."
وأعلنت منظمة الصحة العالمية و المعهد القومي الأميركي لأمراض الحساسية والأمراض المعدية في بيان مشترك أن نتائج الدراسة التي تمثل تقدما علميا ملحوظا، هي أول إثبات بأن لقاحا يمكن أن يمنع عدوى الفيروس بين السكان الراشدين، كما وصف البيان النتائج بأنها واقية إلى حد ما."
ثم خلص البيان إلى القول: "إن هذه النتائج غرست أملا جديدا في حقل الأبحاث حول لقاح مضاد للفيروس وهي تعد بأن لقاحا ضد الفيروس، مأمونا وعالي الكفاءة، قد يصبح متوفرا للناس في طول العالم وعرضه ممن هم بأمس الحاجة لمثل ذلك اللقاح."
نهاية النص