29 حزيران/يونيو 2009
بيتر بلانك

بيتر بلانك أستاذ جامعي ومدير معهد بورتون بلات بجامعة سيراكيوز. وقد شارك في عملية وضع مسودة وإقرار قانون "الأميركيون المعاقون." كما أدلى بشهادات حول هذه القضية في لجان للكونغرس، وأسهم في عرض قضايا متصلة بهذه القضية في المحكمة العليا الأميركية. كما وضع العديد من المؤلفات عن هذه القضية وألقى محاضرات حولها.
لقد تبدل المفهوم والتعريف القانوني للعجز والأشخاص المعاقين، والمواقف تجاههم، في الولايات المتحدة على مدى السنين. ومن منطلق تقليدي، كان ينظر الى العجز على أنه علة او خلل يحول دون مشاركة الشخص المعاق في نشاطات حياتية "طبيعية". ويمكن أن يتجلى هذا العجز كعلة جسدية أو ذهنية ويمكن أن تلازم المرء طوال العمر، أو من الجائز أن تكون نتجت عن حادث أو داء في وقت لاحق من عمر الإنسان. وقد تراوحت المواقف حيال المعاقين من الرغبة بحماية الشخص العاجز إلى القلق بأن عجزه، وبالتالي قيمته، تناقصت لتصل حد الشعور بالعار واللوم تجاه ذلك الفرد وأسرته. وفي حالات كثيرة كان يتم عزل الشخص العاجز وكان ينظر إلى العاهة على أنها خلل دائم وموهن، ويقينا ليست بالشيء القابل للتحسين بواسطة العلاج، او تخفيف أثرها من خلال التجاوب مع احتياجات الشخص المعاق.
وفي الولايات المتحدة كان مرد التعريف المبكر لعجز العدد الكبير من الجنود المصابين والجرحى العائدين من الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865). وبفضل قوانين معاشات التقاعد للحرب الأهلية منح المحاربون القدامى من جيش الإتحاد (من شمال البلاد) معاشات وفقا لمدى عجزهم عن أداء أعمال يدوية". وكان هذا النموذج او الصيغة تعرّف العجز على أنه مرض موهن يحول دون المشاركة المساوية في المجتمع (وبالتالي القدرة على كسب القوت بصورة مستقلة). ولم ينظر إلى العاهات بصورة متساوية، إذ أن بعض العاهات المعيبة والإختلال الذهني والأمراض المعدية لم تكن تعتبر عاهات يستحق المبتلون بها المساعدة وكان يجري التمييز ضد هؤلاء الأشخاص.
وبعد انقضاء مئة عام، وفي ستينات القرن الماضي، سعى قانون مستحقات الضمان الإجتماعي لتوفير الدعم لشريحة أعرض من الناس الذين كانوا يعانون من الفقر والمصابين بالعجز. بيد أن برامج المستحقات تلك واصلت العمل بنهج تقليدي بالنظر إلى قدرة الشخص على التكيف مع بيئة معدة لأشخاص خالين من العاهات وكان يميز ضد الناس غير القادرين على المشاركة في نشاطات طبيعية. وظلت تلك القوانين تعبر عن اجتهاداتها الشخصية على الناس الذين يتلقون مستحقات او ميزات اجتماعية.
التغيير في المواقف
لكن بعد سنوات قليلة، وعلى وجه خاص في سبعينات القرن الماضي، بدأ ينظر إلى الناس العاجزين او المصابين بعاهات على أنهم أقلية ضمن المجتمع – أي مجموعة من الناس ذوي حقوق مدنية يتعين صونها بصورة مشابهة لصون حقوق سواها من جماعات الأقليات التي كانت تنادي بالمساواة. وطرح نموذج الحقوق هذا إطارا جديدا للنظر إلى العاهات، وهو إطار قائم على مبادئ عدم الاستبعاد والتمكين والإستقلال الإقتصادي. وسرعان ما أدرك دعاة هذا الرأي الحاجة لقوانين جديدة لمعالجة حقوق ومشاغل وشجون هذه المجموعة. وقد أشاع ذلك النموذج الجديد إقرار قوانين تضمن الحق في التصويت والسفر جوا والإستقلال في مجالي التعليم والإسكان كما أفضى إلى صدور قانون "الأميركيون المعاقون" الذي كان انعكاسا للتغيير في المواقف وساهم في الترويج لهذه التغييرات، إذ تضمن القانون صيغة قانونية لبحث قضاياهم وحالاتهم.
ومع إقرار القانون المذكور، بدأ الناس لا بدراسة كيفية جعل المباني قابلة لوصول المقعدين او العاجزين إليها فقط، بل اعتبار طرق تساعد أولئك على الإندماج مع غيرهم والمشاركة مشاركة تامة بجميع مناحي الحياة. وكان لهذا القانون واسع التأثير تداعياته في المدارس ومؤسسات الأعمال والمجتمعات والمرافق العامة، وجميع فروع الحكومة والخدمات الصحية والإجتماعية. ومن الممارسات التي عكسها هذا الوعي الجديد تعديل عدد من المفردات والمصطلحات—مثلا الإشارة إلى الفرد كشخص ذي عاهات بدلا من شخص معاق، والحديث عن عدد من العاهات بدلا من عاهة واحدة للشخص كشيء عادي؛ والحديث عن طلاب "يتفاوتون في القدرة على التعلم" بدل من "عجزهم عن التعلم". وفي الوقت نفسه بذل مجهود مدروس لتوسيع إطار تعريف العجز كي يشمل التباين في استيعاب البيانات والمعلومات ومعالجتها، والعيوب الجسدية وغير ذلك من حالات تمنع شخصا من المشاركة الكاملة في نشاط حياتي رئيسي.
وقد عملت جماعات وأفراد كثيرون على مدى سنوات لوضع مسودة القانون وإقراره. وأوردت ديباجة القانون أهداف البلاد بخصوص الأفراد المعاقين وتحدثت عن "تساوي الفرص والمشاركة التامة والعيش المستقل والإكتفاء الذاتي الإقتصادي." وحينما وقع الرئيس جورج هـ بوش على القانون المذكور في تموز/يوليو 1990، وصف ذلك التشريع بـ"الإنبعاث الدراماتيكي لا فقط بالنسبة لذوي العاهات بل لنا جميعا لأنه بالإضافة إلى الإمتياز القيّم لكون الإنسان أميركيا هناك واجب مقدس بضمان حقوق كل أميركي أيضا."
ويقسّم نص القانون الى أجزاء فرعية تدعى بنودا. وكل منها مرقم ويتطرق الى قضية معينة او موجه إلى قراء معينين، هذا إلى جانب الحمايات والمستحقات المقترنة بكل من تلك الجماعات.
تطبيق القانون
البند الأول من القانون ينص على عدم مشروعية او عدم جواز تمييز جميع أرباب العمل في القطاع الخاص ضد ذوي العاهات في أي ناحية من الإستخدام او التوظيف. فيما يتحدث البند الثاني عن التمييز الذي قد تمارسه حكومة ولاية او سلطة محلية. فيما يتناول البند الثالث من القانون حظر التمييز في المرافق العامة مثل الفنادق والمطاعم ومراكز التسوق وما شابه ذلك، ويقتضي البند الرابع من القانون من الشركات المجهزة للإتصالات البعيدة بأن تجعل خدماتها في متناول الناس المصابين بعجز. لقد كنت من الذين حالفهم الحظ في أن أكون من المدافعين بمعية أفراد كانوا من رواد حركة حقوق المعاقين، والروايات التي اتشاطرها تدور عن أفراد ناضلوا من أجل أن يكونوا مشاركين متساوين في المجتمع.
إلتقيت بـ"دون ب." وأفراد عائلته في 1999 في ورشة عمل ملحقة بملجأ بوسكونسن. وورشة العمل من هذا النوع توفر بيئة داعمة لأفراد ذوي عاهات بدنية او ذهنية لتعلم مهارات عمل واكتساب الخبرات العملية. و"دون" كان في العقد الخامس لكنه كان يعاني من إعاقة ذهنية وكان في السابق يعمل حارسا في مطعم. وكان أداؤه الوظيفي ممتازا واستحسن زملاؤه في المطعم العمل معه. لكن في أحد الأيام تفقد المدير الإقليمي المطعم وبعد أن شاهد "دون" وهو يقوم بمهامه إنتقد المشرف المحلي لاستخدامه أناسا "من هذا القبيل،" على حد قوله. وبعد عودته الى المطعم سرّح المدير الإقليمي "دون" بعد أن رفض رئيسه ذلك. وكان أن ترك المدير المحلي وبقية الموظفين العمل احتجاجا.
وقد حاجج موكلو الدفاع لدى تقديم المدير للمحاكمة وفقا لل╚ند الأول من قانون "الأميركيون المعاقون" أن "دون" لم يكن مؤهلا للعمل وأن مؤسسة العمل أي المطعم لم يميز ضده. لكن في شهادتي بالنيابة عن "دون" تحدثت عن العار الذي يجابه أشخاصا مثل "دون" في الوظيفة. ولم تكن هناك أية عيوب في عمل "دون" بل أن المشكلة كانت تكمن في مواقف الإدارة. ووجدت هيئة المحلفين أن المطعم خالف القانون ومنحت "دون" مبلغ 70 الف دولار كرواتب سابقة وتعويضات. ومن أجل التوكيد على عدم التهاون مع التمييز بسبب العاهات، منحته هيئة المحلفين مبلغ 13 مليون دولار إضافية كتعويضات أضرار وكان هذا أكبر مبلغ مالي تقدمه هيئة محلفين في قضية توظيف رفعت بموجب القانون.
وينص البند الثاني من القانون على وجوب توفير خدمات الحكومات الولائية والمحلية للأشخاص من ذوي العاهات. أحد عناصر هذا البند يتمثل في وجوب أن توفر الهيئات الحكومية العامة البرامج في أماكن مدمجة. وفي قضية "أولمستيد ضد زيمرينغ" في عام 1999 اعتبرت المحكمة العليا مدى انطباق إلزام هذا الدمج. فقد رفعت امرأتان تعانيان من تخلف عقلي قضية بموجب البند الثاني زاعمتين أن ولاية جورجيا ميزت ضدهما بتقديم خدمات لهما في أماكن ممأسسة مثل المصحات والمستشفيات العقلية عوضا عن مؤسسات مجتمعية. وبين خبراء الولاية أن العلاج في مرفق محلي عوضا عن مؤسسة نائية، والذي اقتضى إبعاد المرأتين عن منزليهما وأسرتيهما ومجتمعهيما، كان لائقا في ضوء ظروفهما المرضية الخاصة، لكنه لم تكن هناك أية خدمة علاجية متوفرة من هذا النوع في المنطقة. إلا أن المحكمة العليا رأت ان ذلك يمثل تمييزا بحسب القانون واقتضت من الولاية بأن توفر تلك الخدمات محليا.
وفي مطلع ثمانينات القرن الماضي، وشأن كثيرين من أمثالي شاركت في المرافعة في دعاوى قضائية هدفها تحسين الظروف في المرافق الولائية للأشخاص ذوي العاهات، وحيثما يكون ذلك مناسبا، ولتوفير فرص العيش في المجتمع لهؤلاء. والتقيت سارة كـ. في 1991 حينما كانت تتلقى خدمات وحدة رعاية صحية لكلية التدريب الولائية في وايومينغ. وكانت سارة قد صرفت معظم سنواتها الأولى في مستشفى كلية التدريب. وكانت طفلة ذكية وبارعة لم يتجاوز عمرها 10 سنوات وتعاني من "سبينا بيفيدا" (تشوه النخاع الشوكي) وغيرها من علل صحية خطيرة. وقضى حكم التسوية بأن تكون سارة من بين اوائل من ينتقل الى مرافق مجتمعية. بيد أن والدي سارة أبديا قلقا إلا أنهما وافقا بأن تغادر ابنتهما المستشفى للإقامة في المنزل. وكانت بقية هذه القضية مدهشة. فقد تأقلمت سارة مع حياتها البيتية ونجحت في صفوف الدراسة العادية. ولكن قبل سنوات قليلة من إثارة هذه القضية كانت سارة ستقضي حياتها في مدرسة تدريب في سرير مستشفى في جزء ما من ولاية وايومينغ. ونتيجة لهذا التغيير أصبحت سارة تحيا حياة أكثر طبيعية وتختلط مع أفراد عائلتها وزملائها في صفوف الدراسة والمجتمع وتمكنت من المضي قدما نحو غد أكثر وعدا.
وفي كانون الثاني/يناير 2001 توفيت سارة وهي في ربيعها الخامس عشر. وكتب لي بوب كلابي مدير برامج المجتمع في وايومينغ قائلا: "لدي اعتقاد راسخ بأن المدة الزمنية التي نصرفها على وجه هذه الأرض أقل أهمية مما نفعله بالوقت الذي لدينا. لقد ألهمت سارة العديد من الناس، لا أقلهّم أنت وأنا."
المستقبل
يلاقي نموذج حقوق المعاقين كما ينص عليه القانون المذكور نجاحا. وفي الحقيقة أنه توجد الآن دول حول العالم تحث في سعيها لانتهاج سياسات لتحسين حياة الناس العاجزين او ذوي العاهات. وخلال صيف 2006 تم تبني معاهدة الأمم المتحدة حول حقوق الناس المعاقين وهي إتفاقية دولية حول حقوق الناس المعاقين حول العالم.
وفي الولايات المتحدة أسهم القانون في خفض التمييز وفي تشجيع أرباب العمل على الإستجابة لاحتياجات المعاقين في أماكن العمل. وقد أظهر استطلاع هاريس/المنظمة الوطنية للمعاقين الأميركيين ممن يبلّغون عن حالات تمييز في مكان العمل أن نسبة هؤلاء تراجعت بصورة ملحوظة في فترة سنوات 2000-2004. كما تم توثيق المزايا الإقتصادية التي تعود على الشركات التي تستخدم وتستجيب لاحتياجات العمال المعاقين.
وقد طالت الأحكام الإلزامية للبند الثاني من القانون والخاصة بالدمج آلاف الأفراد. ففي قضية "تنيسي ضد لين" في عام 2004 كان جورج لين الذي يعاني من عاهة بدنية متهما في مخالفة سير. وكان عليه أن يزحف على سلمين ودرجات عديدة لحضور جلسة المحكمة في مبنى كان يفتقر الى مصعد. ومن اجل حضور الجلسة التالية رفض الزحف ثانية. فرفع دعوى قضائية للتأكيد على حقه في الوصول. وفي حكم صدر لمصلحته أعلنت المحكمة العليا أن البند الثاني من القانون يقتضي من الولايات عدم التمييز ضد أناس ذوي عاهات في حقهم بالوصول الى المحاكم.
أما المبدأ الذي يستند إليه البند الثالث من القانون فهو صريح وجلي – مراكز التسوّق والأسواق والمكاتب المهنية والمرافق مثل الفنادق لا يجوز أن تميز ضد الأفراد ذوي العاهات. وبصورة متزايدة أصبحت المراكز العامة متاحة أكثر للوصول. ومن المسائل الحالية المثيرة للجدل وذات التداعيات البالغة الأهمية هي استعمال بنود في البند الثالث من القانون لضمان الوصول إلى شبكة الإنترنت. مثلا، أن تستخدم المواقع برمجيات قراءة الشاشة التي يستخدمها المكفوفون. ولهذا فان المواقع التي تقدمها مؤسسات عامة للجمهور لديها مجموعة معايير يجب أن تفي بها كي تصنّف نفسها بأنها متاحة لوصول المعاقين إليها.
وقد سلّطت أنا الضوء على الأميركيين ذوي العاهات وكفاحهم لنيل حقوقهم المدنية – في الماضي وحاضرا ومستقبلا. لكن بعض المواقف تبقى متعنتة وفي يومنا هذا لا يزال افراد يقاومون العار الذي يواكب العجز، لا فقط من قبل مؤسسات أعمال وحكومات بل من قبل الزملاء وحتى أفراد الاسرة.
ولقد كنت مستشارا قانونيا مشاركا في قضية خلاف على حضانة بين والدي طفلين صغيرين، مايك وسام. وكان قد تم تشخيص مايك بمرض التوحد وكان يحضر صفوفا تلقنه كيفية تلبية احتياجاته التربوية والإجتماعية. وفي إحدى جلسات المحكمة المتصلة بطلاق الوالدين أبلغ الأب المحكمة أنه يعتقد أن حالة التوحد لدى مايك كانت تعيق تنمية أخيه سام. وطالب بحضانة سام. وكان أن منح القاضي هذا الطلب وتم فصل الشقيقين. وكان قرار المحكمة بفصل الشقيقين يستند إلى افتراض غير مدعوم بأدلة على الأثر السلبي لوجود ولد في العائلة يعاني من التوحد. ولم تجد المحكمة عيبا في رعاية الأم لابنها لكنها قللت من حق الشقيقين بأن يعيشا سوية.
استأنفنا قرار القاضي وأيدت محكمة استئناف ولاية كاليفورنيا حجتنا. ويذكرنا جمع شمل الأخوين مايك وسام لاحقا بأن حقوق المصابين بعاهات لا تزال تتصل كثيرا بمحاربة التحيز الذي يواجهه المعاقون بنفس قدر اتصالها بالتغلب على حواجز طبيعية او جسدية في العالم. إنني متفائل بأننا سنحقق تطلعات ما ينص عليه القانون، ولكن الكيفية التي نعالج بها هذه المسائل ستحدد شكل حياة الجيل القادم من الأطفال ذوي العاهات. وأبناؤنا، على عكس أي من أسلافهم، لن يعرفوا عالما بدون القانون المذكور وعالما من دون رؤيا هذا القانون القائمة على المساواة.
للمزيد راجع الموقع التالي لمعهد بورتون بلات بجامعة سيراكيوز: http://bbi.syr.edu