08 تموز/يوليو 2009

جين هولدن
أنا كاتبة، وزوجة، وأم لثلاثة أولاد. ابنتي جيني هي في الثامنة عشرة من عمرها. جميلة، خلاقة، ولديها توق للمعرفة. طولها 4 أقدام و6 بوصات وتزن 85 باوندا، أي بحجم طفلة في العاشرة من عمرها. كما أنها مُعاقة عقلياً. ولكنني فخورة بها بلا حدود.
لكن الأمور لم تكن دائماً على هذا الشكل. عندما علمت أن طفلتي الجديدة مصابة بتناذر داون تمزقت أحلامي بشأنها. تناذر داون هو مرض وراثي يعيق النمو الجسدي والعقلي. يعاني معظم الأطفال المصابين بتناذر داون من إعاقة عقلية خفيفة إلى معتدلة. قيل لي بأن حياة جيني قد تكون محدودة جداً، هذا في حال بقيت على قيد الحياة. وكانت تحتاج إلى جراحة في القلب بأسرع وقت ممكن.
بعد إجراء عملية جيني، بقيت بجانب سريرها في المستشفى، انفّذ بدقة تعليمات ممرضات كثيرات. ثم طلب مني طبيبان شابان، كانا لا يزالان في مرحلة التدريب، بأن أغادر الغرفة كي يتمكنا من سحب الدم من جسم جيني. وكان وجودي في الغرفة يوتّر أعصابهما. بعد نصف ساعة، كنت لا أزال انتظر خارج باب غرفة جيني وأنا يعتريني الخوف والتساؤل ما إذا كانت ابنتي في حالة جيدة. مر بي طبيب القلب الذي يعالجها وسألني لماذا أقف هناك، وعندما شرحت له الأمر قال هذا الطبيب اللطيف كلاماً هزني في أعماقي. "أنت المناصرة لابنتك! لا يستطيعون رميك إلى الخارج. ماذا لو احتاجت إلى أخصائي؟ عليك التعبير عن نفسك وحماية مصالحها". كم كنت محظوظة لاني تعلمت هذا الدرس عندما كانت ابنتي في هذه السن الصغيرة!
المناصرة. هذا هو قبل كل شيء ما تحتاج إليه إذا كان على الأهل تأمين أفضل تعليم لطفل معاق.
ولدت ابنتي في وقت مثير في الولايات المتحدة. كان قد تم إصدار قانون يفرض على المدارس العامة تزويد تعليم مناسب لكافة الأطفال المعوقين. قبل تطبيق قانون تعليم الأفراد المصابين بالإعاقة الصادر عام 1975، كان لا يسمح للعديد من الأطفال المعوقين عقلياً حتى الحضور إلى صفوف الدراسة. ولكن رغم القوانين الجديدة بقي دوري كمناصرة حاسماً.
كانت خطوتي الأولى كمناصرة هو تعلم اكثر ما أستطيع تعلمه، حول الإعاقة التي تشكو منها طفلتي، حول القوانين الفدرالية وقوانين الولايات التي تنظم التعليم الخاص، وحول منطقة المدارس المحلية حيث أسكن. انضممت إلى مجموعة دعم مكونة من اهالي الأطفال المصابين بتناذر داون قبل ان تبلغ ابنتي عمر شهر واحد. ولم أتعلم أن هناك مدى واسعا من القدرات بين مختلف الأطفال المصابين بتناذر داون وحسب، بل وتعلمت أيضاً ان المربين اخذوا يعيدون تقييم القدرات العقلية لهؤلاء الأطفال نظراً لان إنجازاتهم كانت تتطور استجابة للفرص التعليمية المتزايدة.
أحد هذه الأساليب كان "التدخل المبكر". قبل وقت قصير من ولادة جيني، تم إصدار قانون فدرالي يفرض على الولايات الأميركية الفردية تزويد خدمات تعليمية وعلاجية مجانية إلى الأطفال المعوقين. كان يحق لجيني في ولاية فرجينيا حيث نعيش الحصول على علاج جسدي ونطقي خلال السنة الأولى من حياتها. لكن الطلب على الخدمات تجاوز إلى حد بعيد عدد المعالجين المتوفرين. كانت فرصة ممتازة كي أحاول القيام بدوري الجديد كمناصرة. كنت صلبة، لطيفة، مثابرة، وبما يدعو إلى الدهشة، ناجحة. أقنعت مديرة البرنامج، وهي معالجة فيزيائية سابقة، أن تقوم بعلاج جيني بنفسها.
تكرر السيناريو مرات عديدة خلال السنوات المدرسية لابنتي. كانت هناك خدمات تعليمية ذات نوعية عالية ولكن كان على الأم ان تعرف بدرجة كافية أين تستطيع الحصول على هذه الخدمات، وان تكون نشطة بما يكفي لإيصال هذه الخدمات إلى طفلها.
تسجلت جيني في برنامج الحضانة للطلاب المعوقين في مدرستنا العامة عندما كانت في الثانية من عمرها. كما تسجلت في مدرسة حضانة خاصة تضم طفلين معوقين في كل صف دراسي من صفوفها النظامية التي تضم 10 أطفال. أفلحت جيني جيداً في هذا البرنامج، وتعلّمت أن تلعب مع رفاقها غير المعوقين.
لكن تعليم طفل يشكو من إعاقة يتطلب اكثر من علاج ومن الحضانة الصحيحة. يعني ذلك إعادة دعم كل درس في المنزل، والتدرّب على الأحرف أو الأرقام، أو كيفية لفظ الكلمات. يعني ذلك تعليم السلوك المناسب، والثناء على الإنجازات الصغيرة، والقول "حاول ان تفعل افضل ما تستطيعه". ويعني ذلك الاستمتاع بقدرات طفلك والاعتقاد انه، بالترافق مع الممارسة الكافية، سوف ينجح. فعلى سبيل المثال، خلال فترة الحضانة تنبأت إحدى المعالجات أن جيني لن تتمكن أبداً من تعلم الكتابة لأن نشاط عضلاتها كان منخفضاً جداً. أما اليوم فتكتب جيني بشكل افضل من شقيقها أو شقيقتها.
واستعدادا لمرحلة روضة الأطفال، قابلت مدير التعليم الخاص لمدارسنا العامة في المدينة. ينص القانون على وجوب تعليم الطلاب المعوقين في بيئة تتضمن الحد الأدنى من التقييدات ويستطيعون فيها تحقيق التقدم. اعتقد هذا المسؤول ان بإمكان جيني أن تفلح في صف تعليم نظامي. شعرت بالسعادة عند سماع ذلك! ولكن لم تتوقع لا هي ولا أنا المقاومة التي كنا سنواجهها. لم ترغب مديرة المدرسة المحلية بوجود أي طالب خاص في صفوف التعليم النظامية. لم توافق حتى على دخول طلاب يشكون من إعاقة إلى المدرسة بصحبة رفاقهم غير المعوقين.
كان بمقدوري ان احتج على ذلك لدى المحاكم. ولكن بدلاً من ذلك، أقنعت مدير التعليم الخاص على تسجيل جيني في مدرسة عامة أخرى تقدمية أكثر. كما عينني هذا المسؤول أيضاً عضوا في لجنتين استشاريتين للتعليم. تمكنت من التعاون مع المعلمات لتحسين برامج التعليم الخاص ولتغيير مواقف الذين ينظرون إلى الطلاب حسب إعاقتهم المصابين بها، بدلاً من النظر إليهم كأطفال أولاً.
عندما وصلت جيني إلى الصف الثالث، كانت منخرطة كلياً في صف يُعلِّم فيه فريق مؤلف من: معلمة نظامية، ومعلمة خاصة، ومساعدة. اكتسبت جيني أصدقاء جددا وأدوارا جديدة تحتذي بها واكتسب الطلاب الآخرون تعاطفاً تجاه الأطفال الذين بدوا أو ظهروا على انهم متخلفون. كان دوري مساعدة معلمات جيني في تصميم برنامجها التعليمي الخاص بها (IEP)، الذي شكَّل حجر الأساس لقانون التعليم الخاص الأميركي. احتجنا إلى وضع خطة خاصة بها بالكامل لتحديد المساعدات والخدمات التي ستحتاج إليها جيني كي تتمكن من تحقيق تقدمها التربوي. رحبت معظم المعلمات بمقترحاتي، ومع ذلك أرادت بعضهن ان أوافق ببساطة على مقترحاتهن، ولكني لم اقبل التهويل علي. فمن غيري كان يعرف ان جيني تتعلم بصورة بصرية وكانت تشعر بالهلع إذا تراكمت أسئلة الرياضيات مع بعضها، ولكنها قد تستطيع حلها فيما لو تمت تفرقتها؟ كانت لدي تبصرات ذات شأن يتوجب علي ان أطلعهن عليها.
خلال المدرسة الابتدائية، عملت جيني وفق نفس المنهاج الدراسي المقرر لزملائها غير المعوقين، لكن واجباتها المدرسية كانت تخفف من حيث طولها وتعقيدها.
نجاح جيني في المدرسة جعل من السهل تشجيعها على ممارسة نشاطات خارج المدرسة. فازت بجوائز في مباريات العدو في الأولمبياد الخاصة. لعبت كرة القدم في فرقة نظامية وفي منافسة كرة البيسبول للأط?ال المصابين بإعاقة. انضمت جيني إلى فرقة كشفية للبنات وأصبحت أنا مساعدة للقائدة لان ذلك جعل الآخرين يشعرون براحة اكبر بالنسبة لضمها إلى الفرقة.
ومثلها مثل أشقائها الصغار، تسجلت جيني في المدرسة الدينية التابعة لكنيسنا. طلبت تعيين طالبة اكبر سناً من جيني لمساعدتها في الصف نظراً لعدم وجود برنامج تعليم خاص. عملنا بجهد كبير، ولكن هذا العمل كان جديراً بالنتائج التي حققها. في سن 14 قادت جيني احتفال "بار ميتزفا" باللغتين الإنجليزية والعبرية وأنجزت نفس الهدف الذي ينجزه طلاب لا يعانون من الإعاقة. كان ذلك أعظم لحظات فخرها. والآن تعمل جيني كمساعدة معلمة في روضة الأطفال التابعة للمدرسة الدينية.
في حين ان برنامج المدرسة الابتدائية العامة وفّر لها تجربة جيدة، إلاّ أن المدرسة المتوسطة ولّدت بعض المشاكل. ولأن برنامج الدراسة العامة للطلاب المعوقين عقلياً لم يُشكِّل تحدياً من الوجهة العلمية وكان معزولاً جسدياً عن بقية مجتمع المدرسة، سجلت جيني في المدرسة المتوسطة المحلية التي كانت تقدم دعماً محدوداً للطلاب المعوقين عقلياً. لكن ذلك خلق مشكلة أخرى، فقد كان يجري تدريس مواد كثيرة جداً وبسرعة كبيرة جداً لم تتمكن جيني من استيعابها. كان علي ان أجد حلاً عندما يحين وقت الدخول إلى المدرسة الثانوية.
سجلت جيني في مدرسة ثانوية كاثوليكية خاصة صغيرة تنفذ برنامج من "الدمج المعدّل" يعرف باسم "خيارات" للطلاب المصابين بإعاقة عقلية. يتم تعليم الطلاب المسجلين في برنامج "خيارات" في صفوف تعليم خاصة ويتم دمجهم مع طلاب التعليم النظامي في مواضيع اختيارية كالفن او التمثيل. بصورة أكثر أهمية، كانت المدرسة تسعى بجهد كبير كي تدمج بالكامل طلاب "خيارات" في مجتمع المدرسة. يتطوع حوالي 90 طالباً في التعليم النظامي في كل فصل للتخلي عن دخول قاعات الدراسة والقيام بدلاً من ذلك بمساعدة طلاب "الخيارات" في صفوفهم. ينضم العديدون من هؤلاء الطلاب إلى طلاب برنامج "خيارات" لتناول طعام الغداء والقيام بنشاطات بعد المدرسة. وتعتبر مرافقة الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة شيئاً محبذاً.
ولم تكن جيني لتشعر بسعادة أكبر. كانت تشارك في نوادي المدرسة والأحداث الرياضية، وحفلات الرقص. كانت تكتب بتكرار عموداً لصحيفة المدرسة وتشارك في مسرحية المدرسة. انه أمر لا يصدق فعلاً. لم تكن جيني تستطيع ان تلفظ جملة كاملة واحدة عندما كانت في الخامسة من عمرها. أما اليوم فهي تقرأ إعلانات المدرسة على البرنامج التلفزيوني المغلق الدورة الذي يُذاع عبر مدرستها الثانوية حيث لا يعاني الغالبية العظمى للطلاب من أية إعاقات.
بالطبع، كان علي تكثيف دروس ابنتي في مجال مناصرة ذاتها. عندما وصلت إلى المدرسة الكاثوليكية افترض طلاب التعليم النظامي انها لا تقوم برسم إشارة الصليب قبل تأدية الصلاة لأنها- كطالبة تعليم خاص – لا تستطيع التذكر كيف تفعل ذلك. لم يدر بخلد أي أحد منهم ان جيني قد قررت عدم رسم إشارة الصليب لأنها يهودية. لكن على أم طفلة معوقة ان تعلمها مناصرة نفسها. فإذا لم نعلمها ذلك، كيف علينا ان نأمل في ان يحقق أطفالنا أي استقلال؟
جيني الآن طالبة في السنة الأخيرة من المدرسة الثانوية. ماذا ستفعل بعد ذلك؟ درسنا البرامج المهنية للمدارس العامة ولكن جيني قررت الالتحاق بإحدى البرامج الجديدة الجامعية الخاصة بالطلاب المعوقين عقلياً. مثل هذه البرامج مكلفة ولكننا ندرس تسجيلها فيها لأنها تعشق العلم.
تشمل أهداف جيني الحصول على وظيفة تعمل فيها مع الأطفال. كما تحلم بان يكون لها صديق وان يتزوجا. آمالي لجيني حلّت مكانها آمالها الخاصة. لقد أعطاها التعليم الجيد مستقبلاً واعداً.