17 ايلول/سبتمبر 2008
حصل نورمان بورلوغ، وهو من سكان ولاية أيوا، على شهادة الدكتوراه في علم أمراض النباتات في العام 1942. وأطلقت أبحاثه المتعلقة باستحداث أنواع جديدة من القمح وتحسين إدارة المحاصيل ما يعرف اليوم بالثورة الخضراء. ومنح جائزة نوبل للسلام في العام 1970 وميدالية الكونغرس الذهبية في العام 2006، كما مُنح أكثر من 50 درجة دكتوراه فخرية عن أعماله في مجال مكافحة الجوع. وفيما يلي مقتطفات من المحاضرة التي ألقاها لدى تسلمه جائزة نوبل في معهد نوبل في أوسلو بالنرويج في شهر كانون الأول/ديسمبر 1970. ويمكن الاطلاع على النص الكامل للمحاضرة على الموقع الإلكتروني http://nobelprize.org/nobel_prizes/peace/laureates/1970/borlaug-lecture.html
استخدمت عبارة "الثورة الخضراء" في الصحافة الشعبية لوصف الزيادة المدهشة في إنتاج الحبوب- الغلال خلال السنوات الثلاث الأخيرة. ولعل استخدام عبارة "الثورة الخضراء"، كما هو مستعمل عادة، سابق لأوانه ومتفائل جدا أو واسع جدا في مداه. وكثيرا ما يبدو أن العبارة تنقل انطباعا بوجود ثورة عامة في ما يغله كل هكتار وفي مجمل إنتاج جميع الغلال في مناطق شاسعة تشمل الكثير من الدول. كما أنها تدل ضمنا أحيانا على أن جميع المزارعين استفادوا بالقدر نفسه من التقدم الكبير الذي تحقق في الإنتاج.
إن هذه المعاني المحملة للتعبير تبالغ في تبسيط الحقائق وتشوهها في الوقت نفسه. فالحبوب الوحيدة التي تأثرت بشكل ملحوظ حتى الوقت الحاضر هي القمح والأرز (أو الرز) والذرة. أما ما تغله حبوب مهمة أخرى كالسرغوم والدخن والشعير فلم يتأثر إلا بشكل طفيف؛ ولم تحدث أي زيادة ملحوظة في غلة أو إنتاجية حبوب القطاني (كالفول والحمص والعدس) التي تعدّ أساسية في النظام الغذائي الذي يعتمده مستهلكو الحبوب.
كما يجب التأكيد على أن الزيادة الكبيرة في الإنتاج تحققت حتى الآن في المناطق المروية. كما أن مزارعي الحبوب في المناطق المروية لم يتبنوا جميعهم استخدام البذور الجديدة والتكنولوجيا الجديدة فلم يستفيدوا جميعاً منها. ومع ذلك، فإن عدد المزارعين، في المزارع الصغيرة والكبيرة على حد سواء، الآخذين في تبني البذور الجديدة والتكنولوجيا الجديدة يتزايد باستمرار، وقد كانت الزيادة هائلة في السنوات الثلاث الماضية. أما إنتاج الحبوب في المناطق التي تعتمد على مياه الأمطار فما زال غير متأثر نسبياً بالثورة الخضراء، إلا أن هناك تغيراً وتقدماً لا يستهان بهما بدأا يتضحان حالياً في عدة دول. ...
لقد حققت الثورة الخضراء نجاحا مؤقتا في معركة الإنسان ضد الجوع والحرمان؛ ومنحت الإنسان متنفسا. ويمكن للثورة الخضراء، في حال تطبيقها بشكل تام، أن توفر كمية كافية من الطعام لتغذية الناس خلال العقود الثلاثة القادمة ...
لقد أشار مالثوس إلى الخطر قبل قرن ونصف القرن. ولكنه أكد بشكل أساسي على الخطر الناجم عن ازدياد عدد سكان العالم بسرعة تفوق سرعة ازدياد الموارد الغذائية. ولم يكن بمقدوره في عصره أن يتكهن بالزيادة الهائلة في قدرة الإنسان على إنتاج الطعام. كما أنه ما كان بإمكانه توقع العواقب الجسدية والعقلية الهدامة الناجمة عن تركز البشر بكثافة كبيرة في البيئة السامة كثيرة الضجيج في المدن الضخمة جداً... هل يستطيع البشر تحمل الإجهاد والتوتر؟ إن الإجهاد والتوتر غير الطبيعيين يميلان إلى إبراز غرائز الإنسان الحيوانية ويدفعان الأفراد الأقل استقراراً نفسياً بين السكان إلى ارتكاب تصرفات لا عقلانية تمزق المجتمع.
يجب أن ندرك حقيقة أن وجود طعام كاف ما هو سوى أول الشروط الضرورية للحياة. ويتعين علينا لتحقيق حياة شريفة وإنسانية أن نوفر أيضاً فرصة للحصول على التعليم الجيد، والعمالة التي تدر مكافأة مالية جيدة، والسكن المريح، والملبس الجيد، والرعاية الطبية الفعالة الرؤوفة. وما لم نتمكن من تحقيق ذلك، فإن الأمراض البيئية قد تصبح أسرع من الجوع في التأدية إلى انحطاط البشر.
ومع ذلك فأنا متفائل بالنسبة لمستقبل الجنس البشري.