06 أيار/مايو 2008
دأبت ثقافات شتى حول العالم على بذل الجهود لحماية البشر من الأمراض المُعدية منذ مئات السنين، مُسجلة في ذلك درجات مُتباينة من النجاح. فالسجلات التاريخية تفيد أن الصينيين قد سبق لهم أن مارسوا التلقيح ضد مرض الجدري لأكثر من ألف سنة قبل الميلاد. كانت طريقتهم تقوم على نزع قشرة من منطقة متقرحة على جلد المصاب بالجدري، وحفظها لمدة شهر واحد، ولاحقاً مزجها بمادة نباتية ومن ثم وضع هذا الخليط في أنف المريض. وهكذا، فإن معظم المصابين الذين كان يتم علاجهم بهذه الطريقة كانوا يمرضون بنوع من المرض أخف وطأة، وحالما يتم لهم الشفاء، فإنهم يصبحون محصنين من الإصابة بالجدري في المستقبل. كما أن محاولات شبيهة كان قد رُوي عنها في الهند وشمال أفريقيا، من القرنين السادس عشر والسابع عشر. هذا، وتَنسب بعض الروايات إلى الليدي ماري وورتلي مونتغيو، زوجة السفير البريطاني في اسطنبول، فضل إحضار هذه الطريقة من تركيا إلى بريطانيا العظمى في بداية القرن الثامن عشر. كانت هذه العملية محفوفة بالمخاطر، نظراً لأن بعض الذين يتلقون هذا اللقاح كانوا يتعرضون لخطر التقاط المرض فعلاً، في بعض الأحيان، الأمر الذي قد يؤدي بهم إلى الوفاة.
وسكان الأرياف في إنجلترا كانوا يعرفون منذ مدة طويلة أن حالبات الأبقار كنّ أقل تأثراً بإصابات الجدري، وأن مقاومتهن للمرض هذا لها علاقة ما بالعدوى الطفيفة بالمرض التي يلتقطنها من الأبقار المُصابة. وقد لاحظ كثير من الأطباء هذه الظاهرة، لكن ادوارد جينّر لم يقف عند ذلك، فقام ببعض التجارب لاختبار العلاقة بين جدري الأبقار والجدري الذي يصيب البشر، وكان ذلك في العام 1796. ثم ما لبث أن نشر ما توصل إليه من نتائج فنُسب له الفضل، بوجه عام، في اكتشاف لقاح الجدري.
قام أسلوب جينّر على أخذ بعض القَيح من جرح على يد حالبة أبقار، وزرعه في يد ولد صغير. وبعد بضعة أسابيع، لقّح جينّر هذا الصبي بمادة مُعدية ملوثة بالجدري. وبالطبع، ان مثل هذه التجارب على البشر غير مسموح بها هذه الأيام، لكن جينّر، كما الولد، كانا محظوظين. فقد تكللت التجربة بالنجاح، ولم يلتقط الصبي العدوى. وبذلك استنتج جينّر أن التلقيح بالمادة الملوثة المُعدية المأخوذة من نوع خفيف من المرض، قد تستطيع حماية الإنسان من إصابة أكثر خطورة بالمرض.
وبذلك، يكون هذا هو مبدأ التلقيح، رغم أن الأساس العلمي له سوف يستمر في البقاء لغزاً لبضع عقود قادمة.
الدكتورة اليزابيت فيّ، رئيسة قسم تاريخ العلوم الطبية، المكتبة القومية للعلوم الطبية، لدى المعاهد القومية للصحة.