06 أيار/مايو 2008
عثمان ديفيد منصور
تُشكِّل اللقاحات أكثر الوسائل المجزية في كلفتها التي تضمن حياة الأطفال. ففي الوقت الذي عرفت فيه معدلات التحصين المناعي في البلدان النامية صعوداً متواصلاً خلال السنوات الأخيرة، يواصل المسؤولون الصحيون جهودهم للوصول إلى أعداد أكبر من الأطفال في كل عام.
الطبيب عثمان ديفيد منصور هو مستشار أول للقاحات الجديدة في قسم الصحة في صندوق الأمم المتحدة لإغاثة الطفولة (اليونيسف). جاء منصور، الطبيب في الصحة العامة، إلى اليونيسف من المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لمنطقة المحيط الهادئ، ومن وزارة الصحة في نيوزيلندا.
قليلة هي التدخلات التي تدرّ فوائد أكبر على الأطفال من التحصين المناعي، الطريقة المُثبتة المجزية في كلفتها لخفض عدد وفيات الأطفال ومعدلات الإعاقة. الفوائد هذه لا جدال حولها، أمّا عواقب التخلف عن دعم وتعزيز المناعة فلا يمكن المبالغة في نتائجها: فالأمراض، التي كانت تحت السيطرة قبلاً، ستظهر من جديد وتنتشر في بلدان سبق ان استُئصلت منها. وسوف تصيب ملايين الأطفال في العالم النامي بالأمراض أو الإعاقات. وسيموت ملايين غيرهم.
يُقدّر بأن الأمراض الممكن الحماية منها بفضل اللقاحات تسبب اكثر من مليوني حادثة وفاة سنوياً. ومن بين هؤلاء الضحايا، هناك 1.4 مليون طفل دون سنّ الخامسة. يموت هؤلاء الأطفال من أمراض الحصبة (395,000)، والشهاق (290,000)، والكزاز الذي يصيب المواليد الجدد (257,000).
لا تمثل هذه الأرقام مُجّرد إحصاءات، بل أرواحاً فتية، تُشكِّل الأصول البشرية للدول. فعندما تتعرض صحة ومستقبل أصغر المواطنين في الدول لتهديد المرض، لا يمكن لتلك الدول أن تزدهر.
هذه الوفيات تبدو أكثر مأساوية لأنه من الممكن منع هذه الأمراض، عبر اللقاحات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية (WHO). يقضي كل سنة 1.1 مليون طفل إضافي من إصابات بجرثومة المكورة الرئوية، وهي جرثومة تُسبّب التهاب السحايا، وداء الرئة، أو حالات أخرى؛ وأيضاً جرّاء الفيروس المتناوب الذي يسبب الإسهال الشديد.
استناداً إلى نجاح برنامج القضاء على مرض الجدري الذي تمّ تنسيقه عالمياً، والذي تحقق سنة 1977، أقامت منظمة الصحة العالمية في العام 1974 البرنامج المُوسّع للمناعة (EPI). ومع مرور الزمن، قاد هذا الجهد إلى الرفع المتواصل لمستويات المناعة الروتينية للأطفال. فالواقع انه منذ تسعينات القرن السالف، كان أكثر من 70 بالمئة من صغار الأطفال في العالم قد تلقوا لقاحات للوقاية من ستة أمراض: السل، وشلل الأطفال، والخانوق، والكزاز، والشهاق، والحصبة.
مئات الآلاف من الأطفال الذين لا زالوا يقضون حتى اليوم بسبب تلك الأمراض، كما أُشير إليه أعلاه، يظهرون الضرورة الماسة لتحقيق الأعمال المتبقية التي لا زال ينبغي إنجازها. فإضافة اللقاحات المتوفرة ضد جرثومة المكورة الرئوية، والفيروس المتناوب الذي يسبب الإسهال الشديد، إلى أنظمة المناعة الروتينية، توفّر الإمكانات للحؤول دون حدوث مزيد من الوفيات.
مع تأسيس التحالف العالمي للقاحات والمناعة (GAVI) في العام 1999، ومع الجهود المتجدّدة والمُنسّقة لمنظمة الصحة العالمية، واليونيسف والشركاء الآخرين في حقل المناعة، تحسنت التغطية العالمية للمناعة ببطء ولكن بثبات في القرن الجديد. الاستثمارات الإضافية التي ولدّها صندوق التحالف العالمي للقاحات والمناعة، والاهتمام المتزايد الذي توفّر للمناعة في أفقر البلدان بدأت تعطي ثمارها.
يساعد صندوق التحالف العالمي للقاحات والمناعة، وشركاؤه في التحالف، في تطبيق توصيات منظمة الصحة العالمية لسنة 1992 القائلة بأن تضيف كل البلدان لقاح التهاب الكبد إلى البرنامج الموسع للمناعة. نتيجة لذلك، وبحلول العام 2005، كانت اكثر من 80 بالمئة من البلدان قد طبقت تلقيح الأطفال بواسطة لقاح إلتهاب الكبد ب (أنظر الشكل 2). فحماية كل طفل، وعلى الأخص أولئك الذين يولدون لأمهات مصابات بالتهاب الكبد ب، يحول دون الإصابة بسرطان الكبد، وتشمّع الكبد لاحقاً.
على الرغم من التحسّن في عدد الأطفال الذين يُلقّحون بصورة روتينية، لا زال هناك الكثير مما يجب عمله. في سنة 2005، طورت منظمة الصحة العالمية واليونيسف، الرؤية والاستراتيجية العالمية للمناعة (GIVS) لمرحلة 2006 – 2015. وضعت الاستراتيجية هدفاً لجميع البلدان، بحيث تطال 90 بالمئة على الأقل من الأطفال كافة تحصينات المناعة الموصى بها، ولكي تطال 80 بالمئة على الأقل من كل منطقة (أو ما يعادل ذلك). ان تحقيق أهداف الرؤية والاستراتيجية العالمية للمناعة سوف يُنقذ حياة ما بين 4 و5 ملايين طفل كل سنة بحلول العام 2015.
الفقراء، والذين يفتقرون إلى الخدمات في البلدان النامية، تفوتهم باستمرار حماية المناعة المُنقذة للأرواح. ففي العام 2005، لم يتلقَ أكثر من 27 مليون طفل اللقاح الثلاثي، المضاد للخناق والكزاز والشهاق، الضروري لحمايتهم ضد تلك الأمراض، كما أن 30 مليون طفل لم يُلقّحوا بالجرعات المطلوبة من اللقاح ضد مرض الحصبة.
لأجل تحسين التغطية، يحتاج المخططون على النطاق القومي والمناطقي إلى تكريس الموارد وتطوير استراتيجيات مُعيّنة للوصول إلى السكان الذين يفتقرون حالياً إلى الخدمات. العديد من البلدان تستخدم مقاربة "الوصول إلى كل منطقة" (RED)، التي تسعى إلى تحقيق المزيد من المساواة والى توفير خدمات المناعة الروتينية.
علاوة على حماية الأطفال من الأمراض الممكن منعها بواسطة اللقاح، تخفّض برامج التلقيح إمكانية انتقال الأمراض إلى المجتمعات، وتحمي الذين لم يُلقّحوا. بالنسبة لبعض الأمراض، مثل شلل الأطفال، بإمكان المناعة، عملياً، أن تؤدي إلى الاستئصال التام للمرض، كما حصل مع مرض الجدري.
وفي حين تمّ تحقيق تقدم ملحوظ في توسيع تغطية المناعة، فلا يجب أن يتضاءل هذا الجهد. فكل طفل، أيّاً يكن وضعه الاجتماعي والاقتصادي، يستحق الحماية ضد المرض. تخدم برامج المناعة أيضاً كقاعدة لتأمين أشكال أخرى من التدخّلات المنقذة للأرواح، مثل تلك المقاومة لسوء التغذية، والملاريا، وشلل الأطفال، والدود المِعوي. إن مثل هذه المقاربة المتكاملة تُمثِّل أفضل طريقة لحماية صحة الأطفال، بمن فيهم أولئك الأكثر تهميشاً. إنها أيضاً طريقة مجدية من حيث الكلفة لبناء أنظمة العناية الصحية لضمان أن يصبح التقدم مستداماً ولا يتعرض للتلاشي والفقدان. عندما يتم ذلك، يصبح الأثر الشامل للمناعة على ضمان حماية الأطفال أكبر بكثير من مجموع أجزائه.
أحمد ماغان، وجسيكا مالتر، وجيف ماك فارلند، من اليونيسف، ساهموا أيضاً في هذا المقال.
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات الحكومة الأميركية.